Follow Us

الغذاء والماء والارضالمخططات النيوليبرالية

الدولة تواجه صغار الفلَاّحَة : معركة قرية “أولاد جاب الله” تحرث مسارات التحرّر، من أجل السيادة على الأرض والقرار


“أولا جاب الله” قرية فلاحية بريف “المهدية” بالوسط الساحلي الشرقي التونسي. تمثل الفلاحة النشاط الاقتصادي الرئيسي بها. وتشمل أساسا تربية المواشي وبعض الأنشطة الزراعية الأخرى المتمثلة في زراعة الحبوب وغراسة أشجار الزياتين واللوز. و  تعد من أهم مناطق إنتاج الحليب في تونس. هكذا يعرفها أبناؤها في الفيديوهات[1] التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي بعد أن شهدت احتجاجات طيلة أسبوع كامل بداية من يوم الاربعاء 10 فيفري 2021. انتفض متساكنو القرية وهم صغار فلاحين نتيجة ارتفاع لأسعار الاعلاف بشكل متتالي ويومي لاحظوه واغلبهم من مربي المواشي (ابقار، خراف، وماعز…). وذلك عبر سلسلة زيادات متتالية من قبل مصنعي الاعلاف الخواص. أثّر هذا الارتفاع في أسعار الاعلاف على قدرة صغار الفلاحين على الاستجابة لحاجيات علف الأبقار وتحقيق هامش ربح متوازن. إضافة لمعاناتهم المالية المتواصلة من تراكم ديونهم لدى مجمعيْ الحليب.

أتت هذه الاحتجاجات التي قادها صغار الفلاحين مباشرة بعد الاحتجاجات التي شهدت مختلفة الأحياء الشعبية بالعاصمة ومدن مختلفة في تونس اثناء شهر جانفي 2021. والتي واجهتها الدولة بقمع شديد خلّف أكثر من ألف معتقل اغلبهم من الشباب والأطفال القصّر.[2] نفس الأسلوب الأمني في التعامل مع الاحتجاجات لم يغب في “أولا جاب الله”. إذ سرعان ما تدخلت قوات البوليس والحرس واستعملت الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي بشكل مكثف.

 “اولاد جاب الله” 14 فيفري 2021، المصدر: صفحة تنسيقية صغار الفلاحة بأولاد جاب الله على الفايسبوك

كما تعرض شباب القرية لاعتقالات. وأطلقت عبوات الغاز والرصاص المطاطي داخل المنازل مما تسبب في حالات اختناق بالغاز داخل البيوت واقتحم البوليس المنازل واعتدى بالضرب على عدد من أفراد عائلاتهم داخل منازلهم خاصة من الأطفال.  

الدولة والقمع كحلّ مفضّل: احتجاجات اجتماعية والإجابة بوليسية

التعامل الأمني بقي أحد ثوابت الردّ السياسي للدولة التونسية مع مختلف الاحتجاجات الاجتماعية رغم تعاقب الحكومات منذ اندلاع الثورة التونسية في شهر ديسمبر 2010. وهو ما جعل المقاومة الاجتماعية في القرى والمدن أيضا أحد ثوابت المشهد السياسي أيضا. فمع استكمال ترتيب أولويات النخب السياسية والحزبية باستبعاد قضايا العدالة الاجتماعية واللامساواة الاقتصادية والجهوية. تمكنت المنظومة التي تمّ إعادة إنتاجها ما بعد 14 جانفي 2011 من إزاحة مطالب المهشمين في المدن والارياف في تونس. كرس الانتقال الديمقراطي تغييب المطالب الرئيسية التي رفعت ما بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011. فالثورة التي انطلقت من عمق الجغرافيا الداخلية بالوسط التونسي (سيدي بوزيد والقصرين) لتنتشر نحو أطراف المدن قامت ضدّ الاقتصاد السياسي للتفاوت والاقصاء السياسي لجماهير المهمشين بالأرياف والاحياء الشعبية من حقهم في السلطة والثروة[3]. وبعد عشر سنوات ازدادت وضعية المهمشين تدهورا بل تمّ تغييب قضاياهم من التداول السياسي. الا بما يخدم نفس السياسات التمييزية والمكرسة للتفقير والتجويع.

في “أولاد جاب الله” انتفض صغار الفلاحين على تدهور ظروفهم الاقتصادية مطالبين الدولة بحقوقهم التي حرموا منها جراء سياسات خوصصة القطاع الفلاحي ودعم الفلاحة التصديرية على حساب الحق في الأرض والماء والغذاء. بدأت الاحداث نتيجة لسلسلة الزيادات المتتالية في أسعار الاعلاف من قبل مصنعي الأعلاف الخواص (شركات: بولينا، الكو، ألفا…) وهو ما أثار موجة غضب لدى مربي الابقار بالقرية بما لم يعد ممكنا لصغار الفلاحين توفير الحاجيات الغذائية اللازمة للأبقار ويضمن كرامة الفلاح في تحقيق عائد منصف مع تداعيات مالية سليبة للديون المتراكمة لدى مجمعي الحليب. نظرا لهذا الارتفاع توجه صغار الفلاحون بداية للسلط الجهوية الإدارية المعنية لمحاولة ايجاد حلّ للوضعية المتفاقمة. لكن السلطات لم تصغ لأي من شكاوى صغار الفلاحين. تمسكا بحقوقهم بدئوا في تنفيذ تجمعات احتجاجية وسط القرية تمسكا بالحق في الاحتجاج على ما آلت إليه وضعية نشاطهم الفلاحي ومصادر رزقهم من تردّي على أمل تحرك السلطات لحلّ الازمة حفاظا على كرامة الفلاح. تلك التجمعات الاحتجاجية التي كان الردّ عليها أمنيا عبر القمع البوليسي.

رفع المحتجون مطالبهم الواضحة منذ بداية تحركهم في الطرق الرئيسية بالقرية عندما قوبلوا بالغاز والرصاص المطاطي والاعتقالات. وفي المسيرة التي أقيمت امام مقر معتمدية “مللوش” (المركز الإداري التي ترجع إليه بالنظر قرية أولاد جاب الله). تتمثل المطالب الرئيسية التي أعلنها صغار الفلاحين في: التخفيض في أسعار الاعلاف، إيقاف التوريد على حساب المنتوجات الفلاحية (لحوم العجول، الدجاج، والخرفان). وتخصيص الميزانية المخصصة للتوريد لتدعيم صغار الفلاحين[4]. كما رفضوا التعامل مع الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد والبحري. ودعوا للتعامل مباشرة مع مؤسسات الدولة.

تعتيم و مغالطات إعلامية رسمية وأولاد جاب الله تقاوم رغم الحصار

نجح صغار الفلاحين بــ”أولاد جاب الله” في الصمود امام العنف البوليسي للدولة والحصار الإعلامي الرسمي فبينما تتعرض لمدة أسبوع كامل قرية وسط البلاد لهجوم من قوات البوليس والحرس ويطلق الغاز والرصاص المطاطي على الفلاحين وأبقارهم. وتقتحم منازلهم وتهوي بالضرب على الأطفال وتخرج النساء للاحتجاجات رفضا لاقتحام منازل عائلاتهن والاعتداء على الأطفال. فيتعرضن لشتى أنواع الشتم والسب من قبل قوات وبوليس وحرس الدولة. كانت وسائل الاعلام الرسمية وهنا الحديث عن القناة الوطنية الأولى تتحدث عن اعتداءات على المرافق العمومية ومواجهات مع البوليس.

فلاحو “أولاد جاب الله” يحتجون عبر وضع ابقارهم على قارعة الطريق بعد عجزهم على توفير الاعلاف. صفحة تنسيقية صغار الفلاحة بأولاد جاب الله على الفايسبوك

وتتمادى في تقديم أشخاص للحديث عن مطالب المحتجين لا علاقة لهم بالاحتجاجات وتبثّ تقرير مصورا منقوصا تمّ حذف تصريحات  أدلى بها المحتجون والمشاهد التي توثق الاحتجاجات.[5] في قرية أولاد جاب الله حيث لا يوجد أصلا أي مؤسسة تمثل الدولة، يخرج الاباء والامهات والشيوخ والشباب للأطفال للشوارع، يواجه البوليس البشر والابقار والزيتون والاغنام. يغلق متساكنو القرية أصحاب الأرض الطرق دفاعا عن أنفسهم سعيا منهم لإيقاف زحف البوليس وعرباته على منازلهم وابقارهم. يوغل البوليس في القمع وينهال بالغاز والرصاص المطاطي على الأشجار والبشر والبقر معًا، حتى ان عدد عبوات الغاز والرصاص المطاطي أكثر من عدد متساكني القرية حقيقة لا مجازاً. يصيح “بلال المشري” أحد شباب القرية والناطق الرسمي باسم “تنسيقية صغار الفلاحة بأولاد جاب الله”. يتحدث الاعلام الرسمي ناقلا الناطق الرسمي لإقليم الحرس بالمهدية عن كون قواته تحمي المرافق العمومية. انتهت المهمة بالنسبة للاعلام الرسمي والبوليس والحرس. هكذا ترى الدولة عبر بوليسها واعلامها الرسمي الامر.[6]

صغار الفلاحين الشباب وعبوات الغاز- صفحة تنسيقية صغار الفلاحة بأولاد جاب الله على الفايسبوك بتاريخ 18 فيفري

لكن ذلك القمع لم يجعل الاحتجاجات تتوقف بل انتشرت الاحتجاجات لتشمل مناطق مجاورة لتشمل “أولاد بوسمير”، “البقالطة”، “الرجيش”، “الغرايرة” بــ”سيدي علوان”، و”المهدية”. على أن أحد المسائل المهمة التي ميزت احتجاجات “أولاد جاب الله” هي رفض المحتجين من صغار الفلاحين الخضوع لوصاية الاتحاد التونسي للفلاحة الصيد البحري. بل تبنى المحتجون موقفا رافضا لأيّ وساطة من قبل هذه المنظمة وسعوا للحيلولة دون اي إمكانية لانتصاب هذه المنظمة ممثلة لهم في مطالبهم. وقاموا أيضا بإعلان عن “تنسيقية صغار الفلاحة بأولاد جاب الله” كممثل لهم.[7] التي دعت للمسيرة التي انتظمت يوم 17 فيفري امام مقر معتمدية مللوش (المركز الإداري التي ترجع اليه بالنظر قرية أولاد جاب الله).

صور للمسيرة، موقع إنحياز 17 فيفري 2021

رفعت هذه المسيرة شعارات تستهدف سياسات الدولة التي تخدم رؤوس الأموال الخاصة والمحتكرين وتندد بتدهور وضعية صغار الفلاحين وتدين القمع البوليسي في التعامل مع احتجاجات “أولاد جاب الله”. من بين هذه الشعارات: “الفلاح مات والشركات الكبرى استغنات” (ازدادت غنىً)، “الفلاحة هي الحل يا منظومة الفشل”ـ “يسقط قمع البوليس يسقط جلاد الشعب” “وزارة الداخلية وزارة إرهابية”.  وتندد بالدور الذي يقوم به اتحاد الفلاحين كأحد الجهات التي تعزز الزبونية البيروقراطية والحزبية وهيمنة كبار الفلاحين عليه كتجمع لأصحاب مصالح وامتيازات “اتحاد الفلاحين اتحاد الفاسدين”،   “يا بارونات ثورة الفلاح بدات”، “لا سيادة وطنية بلا سيادة غذائية”

قطاع أو إقطاع صناعة الاعلاف في تونس: احتكار حصري للقطاع الخاص

بالعودة لوضعية قطاع صناعة الاعلاف في تونس أحد اهم الأسباب التي مثلت شرارة الاحتجاجات في “أولاد جاب الله”. نجد ان القطاع الخاص يمارس ويمتلك احتكارا حصريا في هذا القطاع. إذ تتمّ عملية توريد الاعلاف عبر القطاع الخاص. ويشمل التوريد المواد الأساسية المختلفة لصناعة العلف. ويخضع هذا القطاع لتراخيص مسبقة من حيث التوريد والتصنيع. فمن جملة 150 مؤسسة لصناعة العلف في تونس. تورد 12 شركة منها فقط. سبعة منها تنتمي لمجمع “بولينا” وتنتمي خمس شركات لمجمع “ألفا” وشركتين للشركة المتوسطية للحبوب. وبذلك تورد هذه الشركات مجتمعة ما يقدر ب 80% من حاجيات السوق من الاعلاف. فيما تورد الأربع الشركات المتبقية 20%. مع العلم ان هذه الشركات الكبرى المحتكرة لإنتاج وتسويق العلف إضافة لإنتاج العلف تعتبر أحد الأطراف التي تستفيد من الاعلاف من خلال شركات اللحوم التي تمتلكها.

أدى احتكار ومضاربة القطاع الخاص في عملية التوريد والإنتاج والتسويق لازمة شهدها مثلا قطيع الابقار. مما أدى لتراجع عدد كبير من مربي الابقار والاغنام عن ممارسة هذا النشاط الفلاحي. مما قلص عدد رؤوس الابقار في تونس عبر السنوات الأخيرة. اذ انخفض قطيع الابقار ما بين سنوات 2016 و2019 بحوالي 50 ألف رأس بقر من اجمالي 450 ألف رأس. واستمر الانخفاض سنة 2019 بحوالي 30 ألف رأس. غذّت عمليات الاحتكار والمضاربة من قبل الخواص نقص الاعلاف بل ندرتها في السوق وعدم وصولها خاصة لصغار الفلاحين. وذلك عبر تحكم كبار مصنعين تجار ومستهلكي الاعلاف في مسالك التوزيع. إضافة لعدم احترام الموردين والمصنعين الخواص للتركيبة العلفية بما يجعلها غير مطابقة للمواصفات المطلوبة مما يؤثر على نوعية القطيع ويمسّ من صحة المستهلكين.[8]

نتيجة هذه الازمة التي تشهدها البلاد السنوات الأخيرة. يتعرض قطاع اللحوم عموما لخسارة قدرت بــ 36 ألف طن من اللحوم للموسم الفلاحي الحالي حسب تقديرات الاتحاد التونسي للفلاحية والصيد البحري.[9]

سلب الأرض وانتزاع الموارد: الهجمة النيوليبرالية على صغار الفلاحين

ان احتكارات القطاع الخاص لا تتوقف على عملية توريد وانتاج الاعلاف بل تتجاوز ذلك لتشمل النفاذ للموارد الطبيعية واهمها الأرض.فاحتجاجات صغار الفلاحين تربط أساسا بمسار الاحتجاج الذي اندلع اثناء وغداة الثورة وقد تعددت الاحتجاجات المطالبة بالنفاذ للأرض والماء. وتحسين ظروف العمل في القطاع الفلاحي. في ظل تدهور متواصل لأوضاع صغار الفلاحين. وتشمل احتجاجات على سوء تصرف مسؤولي مجمعات التنمية الفلاحية المرتبطة بزمن نظام بن علي التي تتحكم فيها شبكات زبونية واحتكار للماء وحرمان صغار الفلاحين من النفاذ للموارد بشكل عام. أدى كل هذا الى اختلال تام لموقع صغار الفلاحين في النفاذ للأرض وتسويق منتوجاتهم الفلاحية. خاصة مع توسع خوصصة الأراضي الفلاحية لصالح كبار الملاك الخواص خاصة عبر الشركات الفلاحية بما فيها شركات التنمية والاحياء الفلاحي التي تستحوذ على الأراضي الدولية عبر عقود كراء زهيدة من الدولة[10]. اذ تمثل المستغلات الفلاحية التي تمسح أقلّ من 5 هكتارات 54% من مجموع المستغلات الفلاحية بينما تحصل 11% من مساحة الأراضي الفلاحية فقط. أما المستغلات التي تمسح أقل من 10 هكتارات تمثّل 75% من المستغلات بينما تمثل 25 %من مساحة الأراضي الفلاحية فقط. أما المستغلات التي تتجاوز مساحتها 50 هكتار تمثّل 3% من المستغلات الفلاحية وتستحوذ على 34% من مساحة الأراضي الفلاحية.[11]

ترتبط السياسات العمومية التي تقصي صغار الفلاحين من السلطة والثروة بمنوال فلاحي أساسه التصدير يرتبط بدفاع الدولة عن مصالح كبار الملاك والمستثمرين الفلاحيين والخضوع لتوصيات مؤسسات الإقراض والنقد الدولي التي تفرض توجيه اقتصادات دول الجنوب نحو الخيارات النيوليبرالية. وتدعم الفلاحة التصديرية. ضمن هذا التصور يدفع البنك الدولي الى تنمية ترتكز على التصدير عبر جعل اقتصادات دول الجنوب تستجيب لحاجيات أسواق اقتصادات بلدان الشمال بإنتاج المنتجات الفلاحية التي تحتاجها الأسواق العالمية إضافة لإنتاج وتصدير الموارد الطاقية الاستخراجية التي توفرها دول الجنوب للشمال الأوروبي وهي حالة دول المغرب الكبير (الغاز في الجزائر والفسفاط في تونس والمغرب خاصة) التي تعتمد اقتصاداتها إضافة للفلاحة التصديرية على نموذج طاقي استخراجي يدمر الفضاءات البيئية الطبيعية التاريخية[12]. ففي القطاع الفلاحي تتجاهل السياسات العمومية في تونس مسألة توفير الحاجيات الغذائية للداخل وتركز على تنمية الصادرات. وضمن ذلك تأتي سياسات دعم انتاج المواد الفلاحية الموجهة للتصدير في تونس من خلال الإنتاج المكثف للقوارص وزيت الزيتون، والدقلة مما يساهم أيضا في استنزاف الموارد المائية خاصة على حساب الفلاحية المعيشية والحاجيات الغذائية الداخلية.[13] وضمن هذا الإطار سعى الاتحاد الأوربي منذ سنة 2019 الى الدخول في المفاوضات مع تونس لتوقيع اتفاق التبادل الحر والمعمق (ALECA)، بما يساهم في جعل الفلاحة التونسية مجرد ضيعة فلاحية لإنتاج ما لا يستطيع الاتحاد الأوروبي انتاجه مقابل استهلاك ما ينتجه الاتحاد الأوروبي. ويكرس تفقير وتجويع صغار الفلاحين وضرب القطاعات الفلاحية الرئيسية وتدمير الموارد الطبيعية بما يؤدي للقضاء على صغار الفلاحين وتنمية الاحتكارات المحلية وتشجيع المستثمرين الأجانب لغزو الفلاحة التونسية. بما يجعل هذه الاتفاقات المزمع مواصلة نقاشها وتوقيعها تكرس السياسات الاستعمارية للاتحاد الأوروبي وتجدد علاقات الهيمنة التي تفرضها قوى الاستعمار القديم-الجديد.[14]

سياسات الأمن الغذائي وتنمية التبعية: إعادة إنتاج علاقات الهيمنة الاستعمارية

تبرز قوة الحركة الاحتجاجية لصغار الفلاحين الحالية التي اندلعت في “أولاد جاب الله” في سعي المحتجين لإيجاد إطار تنظيمي وتمثيلي يتجاوز الهياكل المهنية التقليدية المرتبطة بكبار الفلاحين والملاك العقاريين والمستثمرين الفلاحيين عموما سواء تعلق الامر باتحاد الفلاحين أو بعض المنظمات والاطر المهنية الأخرى. وذلك من خلال الإطار النضالي الذي قاموا بابتكاره وهو “تنسيقية صغار الفلاحة بأولاد جاب الله” ورفضهم لمحاولات هذه الهياكل المهنية التحدّث باسمهم التي تعتبر جزءً من تجمعات المصالح التي تستفيد من الاحتكارات الإنتاجية والمالية في القطاع الفلاحي. إضافة للعامل التنظيمي، تعد المطالب التي رفعت في الاحتجاجات نقطة فارقة في المضمون المطلبي للحركات الاحتجاجية في تونس ما بعد 14 جانفي. وذلك باستهداف النمط الاقتصادي النيوليبرالي الذي عمقته السياسات العمومية عبر أكثر من ثلاثين سنة من برامج الإصلاح الهيكلي التي دعمت الاستحواذ على الموارد الطبيعية لصالح الخواص وحرمان صغار الفلاحين من حقوقهم وانتزاع املاكهم وتدمير الفلاحة المعيشية من اجل خدمة اقتصاد السوق عبر طبقة المحتكرين المحليين من المستثمرين الفلاحيين التي تستفيد من علاقاتها برؤوس الأموال الأجنبية ووقوف اصحاب القرار السياسي لجانبهم.

انخرطت الدولة التونسية في توجه يتبنى مفهوم الأمن الغذائي، الذي يعني توفير الغذاء دون الالفات للتكلفة البيئية وللمسؤولية الاجتماعية لخيار يعزز التبعية الاقتصادية وتهميش صغار الفلاحين ودعم كبار المنتجين. وتؤكد التصورات والتوصيات الرسمية على “الترفيع في حجم وقيمة المنتجات الفلاحية الموجهة للتصدير. ودعم وتطوير صادرات المواد الفلاحية ذات القيمة المضافة” كأول هدفين استشرافيين ذي أولوية في إطار استراتيجية الأمن الغذائي ويأتي بعدهما مسائل “تحقيق الاكتفاء الذاتي من المواد الأساسية وتقليص التبعية بالنسبة للحبوب وتقليص العجز للميزان التجاري الغذائي”[15]. يكرس هذا التصور السياسي تنمية التبعية الغذائية والمحافظة على نفس السياسات الاستعمارية التي سبق ان كرسها الاستعمار الفرنسي لتونس. وتعيد الدولة انتاجها عبر تكريس نفس السياسات التي تركز على تدعيم الإنتاجية وتحديث القطاع الفلاحي لجعله اكثر تنافسية في الأسواق الخارجية [16]. بما يستبعد حقوق صغار الفلاحين ويدمر نمط الفلاحة المعيشية ويدعم الفلاحة التجارية ويستنزف الثروات الطبيعية إضافة لما لكل ذلك من انعكاسات على تخريب الموروث الطبيعي للبذور لصالح الارتهان للبذور المستوردة المعدلة جينيّا. لكون الهدف الأساسي لهذه الفلاحة التي تدعمها الدولة هو الربح والإنتاجية بما يعمق نهب المقدرات الطبيعية والقضاء على صغار الفلاحين.

أحد نساء “أولاد جاب الله” اللواتي خرجن  لإسعاف المصابين بطلقات الغاز والرصاص المطاطي، صفحة تنسيقية صغار الفلاحة بأولاد جاب الله على الفايسبوك

ليست الختام: “أولاد جاب الله” تحرث مسارات التحرّر، السيادة على الأرض والقرار

تأتي اليوم احتجاجات صغار الفلاحين بداية من “أولاد جاب الله” في مواجهة السياسات النيوليبرالية التي تتبناها الدولة. ويبيّن قدرة ضحايا هذه السياسات على التعبير عن مطالبهم والدفاع على حقوقهم في النفاذ للموارد الطبيعية بشكل عادل ومن اجل ضمان السيادة على الأرض والغذاء. ولأن مسارات نضالات المهمشين في الأرياف تساهم في تعزيز المقاومة الاجتماعية للسياسات المنتجة للفقر والتفاوت. فالمسألة تتعلق بمصالح المضطهدين وحقهم في التعبير عن أنفسهم بأنفسهم وقدرتهم على العمل بشكل جماعي ومحلي لخوض معارك التحرر التي تمثل استمرارية لمعارك التحرر الوطني. اذ ان الدولة الوطنية اعادت انتاج نموذج الهيمنة الداخلية عبر انحيازها لرؤوس الأموال إضافة لمحافظتها على نموذج الهيمنة الخارجية الذي تدعمه سياسات العولمة الرأسمالية. فبعد عشر سنوات على اندلاع الثورة قامت النخب السياسية الحاكمة بتكريس نفس السياسات التي أدت لانتفاض جماهير المهمشين في الأرياف والمدن.ان المضطهدين يبرهنون كل مرة على ان خبرتهم الذاتية في النضال تتطور وانهم يكتسبون قدرتهم في الدفاع عن مصالحهم عبر المعارك الميدانية التي يطلقونها [17].

علي كنيس-ناشط سياسي و باحث-تونس


[1]فيديو: احتجاجات الفلاحين متواصلة في “أولاد جاب الله” للمطالبة بوقف توريد اللحوم وتخفيض أسعار الأعلاف وتأمين البحارة والافراج الفوري عن الموقوفين. موقع انحياز (صفحة الفايسبوك) 12 فيفري 2021، الرابط:  https://bit.ly/2OWxB0U

[2]تقرير رابطة الدفاع عن حقوق الانسان: تجريد أطفال في مراكز الإيقاف من ملابسهم وتهديدهم بالاغتصاب، الرابط: https://bit.ly/3pFZ3Ne

[3] Tunisie : les oubliés de la révolution. Protestations  et conflits dans la monde agricole. Alia Gana,  « Alternatives sud », vol. 20-2013 / 91 https://bit.ly/3bqSJnG 

[4]تصريح بلال المشري الناطق الرسمي لتنسيقة صغار الفلاحة بأولاد جاب الله، قناة تلفزة ت ف، الرابط: https://bit.ly/3kdFhaO

[5]فلاحو أولاد جاب الله ينتفضون ضدّ التوريد وأسعار الأعلاف والسلطة تردّ بالقمع: تقرير مصور لموقع انحياز 14 فيفري 2021، الرابط: https://bit.ly/3kfGLkM

[6]فلاحو أولاد جاب الله ينتفضون ضدّ التوريد وأسعار الأعلاف والسلطة تردّ بالقمع، موقع انحياز، ذكر سابقا.

[7]صفحة تنسيقية صغار الفلاحة بأولاد جاب الله على الفايسبوك، رابط: https://bit.ly/3sp9zKD

[8]إخلالات في صناعة الاعلاف في تونس، الصباح الأسبوعي، رابط: https://bit.ly/2NwE3eO

[9]اتحاد الفلاحة: “نقص الاعلاف أدى إلى خسارة 36 ألف طن من اللحوم”، رابط: https://bit.ly/3pMoJI6 ).

[10]Les terres domaniales en Tunisie. Mohamed Elloumi, « Études rurales », n°192, 2013   https://tinyurl.com/19zely15

[11]Enquête sur les Structures des Exploitations Agricoles 2004-2005. Ministère de l’Agriculture et des Ressources Hydrauliques, Tunisie, Janvier 2006, https://tinyurl.com/kystqqq5

[12]النمط الاستخراجي ومقاومته في شمال افريقيا، حمزة حموشان. المعهد الدولي-ترانس ناشونال (TNI)، أمستردام 2019.

[13]الفلاحة التصديرية، تقوض السيادة الغذائية وتحاصر صغار الفلاحين، ملخص بحثي لمجموعة السيادة الغذائية تونس وجمعية “اطاك” المغرب. ديسمبر 2019، منظمة الحرب على العوز.

[14]اتفاقيات التبادل الحر، اتفاقيات استعمارية ضد الشعوب، اطاك المغرب، ولجنة الغاء ديون العالم الثالث, 2015.

[15]دراسة استشرافية حول الأمن الغذائي وتنمية الصادرات في أفق 2030، اللجنة الوطنية المكلفة بوضع خطة ودراسة استشرافية حول الأمن الغذائي وتنمية الصادرات في أفق 2030، وزارة الفلاحة والموارد المائية. فيفري 2019. رابط: https://bit.ly/3khOgaI

[16]في بناء التبعيّة الغذائية في تونس، حبيب عايب. مرصد السيادة الغذائية والبيئية، رابط: https://bit.ly/2NWnqsA

[17]معذبو الأرض، فرانز فانون. مدارات للأبحاث والنشر الطبعة الثانية 2015.

المنشورات ذات الصلة
الغذاء والماء والارضمكتبة

الجزائر : حول كتاب "الزراعة الصحراوية دون الواحيين" اصدار جمعية "تربة"

الغذاء والماء والارضالمشاركات الدولية

التعبئة الشعبية المضادة من أجل تغيير الأنظمة الغذائية للشركات

العولمة الليبراليةالغذاء والماء والارض

قمة نظام الغذاء للأمم المتحدة تزرع حلول الشركات وتحرث تحت مُستوى معرفة الناس

الغذاء والماء والارضالمشاركات الدولية

أوضاع عمال/ات الزراعة بالمغرب في سياق قمة الأمم المتحدة للنظم الغذائية لسنة 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *