Follow Us

الغذاء والماء والارضالفلاحة التصديريةدراساتفلاحون

الموارد المائية : تعطيش صغار الفلاّحين خدمة للزراعة الرأسمالية التصديرية


أ- تونس:

تُجمع كل التقارير المؤسّساتية أن الوضع المائي في تونس يبعث على القلق. إذ بلغ البلد مستوى الإجهاد المائي سنة 1994 بموارد متوفرة تعادل 532 متر مكعّب سنويا للفرد الواحد. ويتوقع أن ينخفض هذا المنسوب إلى 360 متر مكعّب سنة 2030 وإلى 150 متر مكعّب سنة [1]2050. نتحدث هنا عن إمكانات مائية متواضعة جدا، عِلمًا وأنّ ربعها متأتي من موائد جوفية غير متجددة. أما الموارد المتجددة فهي بصدد التقلص بدورها نتيجة التغيّر المناخي. نلاحظ أيضا تدهورا واضحا لجودة المياه بسبب ارتفاع نسب الملوحة وتلوث الموارد الناجم عن الأنشطة الصناعية واستعمال المبيدات والأسمدة الكيميائية في قطاع الفلاحة.

قطاع القوارص:

يُعرف هذا النمط الإنتاجي بكثرة احتياجاته للموارد المائية بالرغم من تركّزه في جهة الوطن القبلي حيث معدلات التساقطات المائية مهمة نسبيًا. إلا أنّ الجهة صارت تشكو أيضا من تقهقر مواردها المائية الجوفية، لتتوجه السلطات العمومية الى إقرار برامج ” جلب مياه الشمال ” لتدعيم غراسات القوارص على حساب أنماط إنتاجية أخرى.

إذْ حسب موقع” waterfoodprint.org” يستهلك انتاج البرتقالة الواحدة 80 لترا من الماء، أي أنّه يتعيّن توفير قرابة 560 لترا من الماء لإنتاج كيلوغرام واحد من البرتقال. قد بلَغ إنتاج تونس من البرتقال سنة 2017 قرابة 560.000 طنّ، استهلكت ما لا يقل عن 313،6 مليون متر مكعّب من الماء.


وفي نفس السنة أعلنت كتابة الدولة المكلفة بالموارد المائية أنّ «مخزون السدود يُقدَّر ب 944 مليون متر مكعّب مقابل معدّل ناهز 1400 مليون متر مكعّب خلال الثلاث سنوات المنصرمة … فيبلغ المخزون الحالي لسدّ سيدي سالم، وهو أكبر سدّ في تونس، قرابة 195 مليون متر مكعّب ولا تتجاوز نسبة امتلائه 36 %». في هذه الظرفية التي تتّسم بعجز هيكلي في الميزان الغذائي تتخذ هذه الأرقام منحًى مُفزعا. فما يقابل ثلث مياه سدّ سيدي سالم تُستعمل فقط لريّ القوارص، في الوقت الذي يتضاعف فيه حجم الواردات الغذائية (الحبوب واللحوم…) وترتفع في نفس الوقت كلفتها على الاقتصاد التونسي: قامت تونس خلال سنة 2017 بتصدير 26.000 طن من القوارص، أي ما يعادل 14.560 مليون متر مكعّب من «الماء الافتراضي»، دون أن يكون لذلك أيّ أثر على تغطية عجز الميزان الغذائي. إنّ الهدف الحقيقي الذي يفسر هذا الخيار هو انتهاج سياسة تتطلّع أساسا للتصدير، لا لتحقيق اكتفاء السوق المحلي كأولوية، وإلى دعم غراسات القوارص.

التمور:

تنتشر غراسات التمور في تونس بمناطق جغرافية تتميز بمناخاتها الجافة والحارة كشرط أساسي لنمو هذا الصنف من الغراسات. وهي مناطق الجنوب الغربي (توزر وقفصة وقبلي) والجنوب الشرقي بجهة قابس خصوصا. ساهم الخزان الاستراتيجي من المياه الجوفية المتوفرة بهذه المناطق في ازدهار غراسات التمور، وصارت تبعا لذلك ركيزة أساسية من ركائز الإنتاج الفلاحي في تونس ومصدرا من مصادر جلب العملة الصعبة نظرا لأهمية عائداتها التصديرية


Tableau de bord des dattes en Tunisie, Observatoire National de : Agriculture “ONAGRI” ; Février 2019

 

في نفزاوة، تمثل المياه القاعدة الأساسية لكل نشاط حياتي بهذه الجهة وتتأتى عموما هذه الموارد من طبقتين جوفيتين عميقتين هما: المُركَّب النهائي  (la nappe du Complexe Terminal) والقارّي الوسيط (la nappe du continental intercalaire). تمتد هاتان الطبقتان الجوفيتان على مساحة جملية تقدر بمليون كيلومتر مربع، تحتوي الجزائر منها على نصيب 700.000 كيلومتر مربّع، ليبيا 250.000 كيلومتر مربّع في حين يكون نصيب تونس في حدود 80.000 كيلومتر مربع[1]. تمثل كميات المياه التي تحتويها هاتان الطبقتان خزانا استراتيجيا على المستوى العالمي. إذ تقدر جملة مواردهما بـ 30.000 مليار متر مكعّب تكونت عبر ملايين السنوات، وهي بذلك طبقات مائية غير متجددة.[2]

بلغت كميات المياه المستغلة من الطرف التونسي 540 مليون متر مكعّب سنة 2000، أي ما يعادل ربع الكمية المستخرجة جمليا، وهذا ما يفسّر بشكل أساسي تسارع وتيرة غراسات النخيل وامتدادها على كامل ربوع جهة نفزاوة نظرا لأهمية الموارد المائية المتاحة[3]

تبرز من جهة أخرى إشكالية التوسعات العشوائية – وهي حسب التعبير الرسمي، عبارة عن توسعات إضافية قام بها فلاحو الجهة بداية من ثمانينات القرن الماضي على أراض ذات صبغة اشتراكية ــ إذ تبلغ نسبة مساحات %72,36 من إجمالي المساحة الجملية لغراسات النخيل في جهة نفزاوة مما يجعلها القاطرة الحقيقية لإنتاج التمور من صنف دقلة النور. بالرغم من أهمية مساهمة «التوسعات العشوائية» في دفع منظومة إنتاج التمور إلا أن لها انعكاسات بيئية على قدر من الأهمية لعل أبرزها يتمثل في تنامي كميات المياه التي يتم ضخها لإحياء هذه الغابات الجديدة نظرا لتنامي احتياجاتها من هذا المورد، حيث يعمد أصحابها الى حفر آبارهم الخاصة لتأمين احتياجاتهم من مياه الري في ظل عدم اعتراف السلطات الرسمية بهم وتباطؤ إجراءات تسوية وضعياتهم بشكل قانوني.  في هذا السياق، عرفت جهة نفزاوة تناميا سريعا لحفر الآبار الخاصة داخل «التوسعات العشوائية» إذ ارتفعت من 3.733 بئرا سنة 2008 الى 7.800 سنة 2017 لتبلغ نهاية 7.872 بئرا في ماي 2018.[4]

من جهة أخرى، ساهمت عمليات حفر «الآبار العشوائية» في مزيد تعميق حالة الاستنزاف المائي بجهة نفزاوة إذ تبلغ موارد المائدة الجوفية بولاية قبلي 7,236 مليون متر مكعب في السنة في حين أن معدل استغلالها الحالي يبلغ 407,3 مليون متر مكعب في السنة وهو ما يمثل إجهادا حقيقيا للطبقات الجوفية من المياه، حيث تبلغ حصة التوسعات العشوائية منها قرابة الـ 211,86 مليون متر مكعّب أي ما يفوق نصف الاستهلاك الجملي للموارد المائية سنويا[5] ساهم الاستغلال المفرط للمياه الجوفية بجهة نفزاوة إلى تراجع مستويات الطبقات المائية وهو ما أنتج إشكالات تناقص مياه الري بالنسبة للجمعيات المائية حيث يلاحظ انخفاض مستمر لقوة تدفق المياه مما يضطر هذه الأخيرة في التفكير في زيادة عمق الآبار لتتمكن من تحسين قوّة تدفقها، وبالتالي توفير الكميات اللازمة من مياه الريّ والحفاظ على وتيرة حصص التزود منها. من جهة أخرى، كان لحالات الاستغلال المستنزف للطبقات المائية أن ساهم الاستغلال المفرط للمياه الجوفية بجهة نفزاوة إلى تراجع مستويات الطبقات المائية وهو ما أنتج إشكالات تناقص مياه الري بالنسبة للجمعيات المائية حيث يلاحظ انخفاض مستمر لقوة تدفق المياه مما يضطر هذه الأخيرة في التفكير في زيادة عمق الآبار لتتمكن من تحسين قوّة تدفقها، وبالتالي توفير الكميات اللازمة من مياه الريّ والحفاظ على وتيرة حصص التزود منها. من جهة أخرى، كان لحالات الاستغلال المستنزف للطبقات المائية أن ساهمت في تعميق إشكالية تملّح المياه وهو ما يشكل تهديدا حقيقيا لمستقبل غراسات التمور ومستقبل الحياة في جهة نفزاوة بشكل عام.

المغرب:

شهد المغرب منذ بداية التسعينيات تطبيقا غير مسبوق لسياسات نيوليبرالية بمجال تدبير المياه وتسطير أولويات الفلاحة خدمة لمصالح التكتلات التصديرية المهيمنة. إنها نفس السياسات المطبقة بجل البلدان التابعة وفقا لما تطلبه الشركات متعددة الجنسيات والمجموعات الرأسمالية المرتبطة بها، بعد أن تحول اهتمام هذه الأخيرة الى الثروات المائية كمجال واعد للاستثمار وتحصيل الأرباح الخاصة.

بهذا السياق، يتدخل البنك العالمي وصندوق النقد الدولي والمنظمة العالمية للتجارة لفرض خصخصة الخدمات العمومية كتوزيع الماء الصالح للشرب، وفرض عقود الشراكات بين القطاعين العام والخاص ووضع استراتيجيات خاصة بقطاعات محددة كالسياحة والبحر والطاقة[1]. شرعت الدولة منذ عقد الستينيات بتشجيع القطاع الخاص الفلاحي العصري القائم على التصدير على حساب الزراعات المعاشية للفلاحين الصغار المحليين، ولأجل ذلك انتهجت سياسة السدود المُسَخَّرة للضيعات الرأسمالية الكبرى، رافعة شعار تفوق السوق على بنيات الاستهلاك الذاتي.  واستمرارا لتلك السياسة بالذات، لكن على الطريقة النيوليبرالية، وضعت الدولة استراتيجية لتدبير الماء تستشرف آفاق سنة 2030 وتتمثل في “المخطط الوطني للماء”، كما سنّت تشريعات أبرزها قانون الماء. كما خلقت مؤسسات عمومية كوكالات الأحواض المائية، وعديد الإدارات التابعة لوزارات، مكلفة كلها بتأمين الماء كمادة ضرورية ولا غنى عنها بالنسبة للرأسمال، حاضرا ومستقبلا.

إصدار قانون الماء

 

وضعت الدولة جانبا كل القوانين المتهالكة التي كانت مُعتَمَدة في تدبير الماء، والتي صدرت سنوات 1914 و1919 و1925، وجاءت بقانون جديد للماء سنة 1995، تمت مراجعته بدوره سنة 2016، بهدف ازالة كل العراقيل التي تقف أمام دكّاكة الاستغلال الرأسمالي المتصاعد الزاحف على الموارد الطبيعية. لقد كان من أهم دواعي إصدار القانون الجديد الذي يحمل رقم 10/95، أن التشريعات القديمة لم تعد ملائمة “للتنظيم العصري”[2] لكونها لا تستجيب لضرورات تنمية الاستثمارات الرأسمالية في المجال الزراعي. هذه الأخيرة التي تضاعفت حاجياتها من المياه مقارنة بالعقود السابقة.

 الإطار المؤسساتي لتأمين الاستحواذ على الثروات المائية:

وضع قانون الماء إطارا مؤسساتيا على ثلاثة أصعدة على الصعيد الوطني: جرى إحداث المجلس الأعلى للماء والمناخ، الذي يعد الملك رئيسه الشرفي. يجتمع مرة، على الأقل، كل سنة، ومن اختصاصاته دراسة، وإبداء الرأي، بالسياسة المائية للدولة كالمخطط الوطني للماء 2030. لا يجتمع المجلس الا نادرا. ولا يعدو كونه جهازا بيروقراطيا.على الصعيد الجهوي: وكالات الأحواض المائية، وهي مؤسسات عمومية يجتمع مجلسها الإداري مرتين بالسنة تحت رئاسة وزير إعداد التراب الوطني والماء والبيئة.

على الصعيد الإقليمي: لجان العمالات والأقاليم للماء، التي تعقد دورة كل ثلاثة أشهر برئاسة عامل الاقليم.لقد عجزت كل تلك “المأسسة” ومعها كل الوزارات “المتدخلة” بالماء (الداخلية، الفلاحة والصيد البحري، الصحة، الاقتصاد والمالية، المندوبية السامية للمياه والغابات) وكلا الوزارتين “المكلفتين” بالماء (الطاقة والمعادن والماء والبيئة-الوزارة المنتدبة المكلفة بالماء) وكل من المكتب الوطني الصالح للشرب والمكاتب الجهوية للاستثمار الفلاحي، كلها لاتزال عاجزة عن “مقاومة” العطش وتوفير مياه صالحة للشرب لآلاف من المغاربة الذين يخرجون للاحتجاج كل صيف، موسم الندرة، مطالبين بحقهم بهذه المادة الحيوية. ولاتزال مجتمعة عاجزة عن الحد من تلوث مياه الشرب بمناطق، وملوحتها بمناطق أخرى. مقابل ذلك، وبعيدا عن القرى والمدن المهملة، يستمر الاستحواذ على الثروات المائية وتسخيرها للفلاحة العصرية الكثيفة الموجهة للتصدير، لا لتلبية حاجيات السوق الغذائية المحلية. هذا ما يجعل الاستحواذ على الماء قضية طبقية، حيث تكافح الطبقات الشعبية المحرومة لأجل حقها بالماء والغذاء.

المشاكل المرتبطة بالماء والتي تواجه الزراعة المعيشية بمنطقة أكدز

أثَّر تواتر سنوات الجفاف سلبا على الفرشة (المائدة) المائية السطحية والباطنية، التي تعتبر موردا أساسيًا للريّ. كما تشهد العيون الباطنية استنزافا حادا عبر ارتفاع عمليات حفر آبار. بأسلوب الخطارات او “تفراوين” الضخمة والعميقة إثر انتشار زراعة البطيخ الأحمر والأصفر الدخيلة من خارج محيط نهر درعة، على أراضي كانت إلى وقت قريب مستريحة وغير مزروعة، وحيث ازداد عدد الخزانات المائية الهائلة، وتوسعت تجهيزات السقي بالتنقيط. كما شهدت المنطقة قدوم شركات التنقيب عن المعادن التي تحفر أيضا آبارا كبرى تجهّزها بمضخات عملاقة وبأنابيب تمتد أحيانا لعشرات الكيلومترات، كبئر أغبار الذي أدى الى تقليص منسوب آبار دواوير الحوض المنجمي كدُوار تسلا وآيت سمكان، وبئر تفركالت بالنسبة لدواوير اوري، وتفركالت، تكاترت وتمنوكالت.وهكذا تسارع استنزاف المياه الجوفية وعاش سكان المنطقة أزمات عطش وخاضوا، في صيف سنة 2017 ، تعبئات كبيرة من أجل حقهم في الماء الصالح الشرب.

المقال أعلاه مأخود من الدراسة التالية : اضغط هنا.



المنشورات ذات الصلة
الغذاء والماء والارضمكتبة

الجزائر : حول كتاب "الزراعة الصحراوية دون الواحيين" اصدار جمعية "تربة"

الغذاء والماء والارضالمشاركات الدولية

التعبئة الشعبية المضادة من أجل تغيير الأنظمة الغذائية للشركات

العولمة الليبراليةالغذاء والماء والارض

قمة نظام الغذاء للأمم المتحدة تزرع حلول الشركات وتحرث تحت مُستوى معرفة الناس

الغذاء والماء والارضالمشاركات الدولية

أوضاع عمال/ات الزراعة بالمغرب في سياق قمة الأمم المتحدة للنظم الغذائية لسنة 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *