Follow Us

الغذاء والماء والارضالمخططات النيوليبرالية

باحثون عن كنوز الصحراء: حوار مع صقر النور حول الاستحواذ على الأراضي في مشروعات الاستصلاح وديناميات القوى الزراعية


تسببت جائحة كورونا في تحقيق مكاسب كبيرة لبعض القطاعات الزراعية في مصر. بسبب الخوف من تكرار أزمة الغذاء العالمية عام 2007، خففت الدول قيود الاستيراد، ما أدى إلى زيادة الصادرات المصرية من البرتقال والفراولة والبصل. من جهة أخرى، تسبب الانخفاض الحاد في معدلات التصدير بسبب إغلاق الحدود للحد من انتشار الوباء، في الأشهر الأخيرة، إلى اضطراب شديد في القطاع الزراعي، ما تسبب في انخفاض الأسعار في السوق المحلية لمجموعة كبيرة من المحاصيل بسبب زيادة العرض.

لكن، بعيدًا عن أزمة الأسعار الحالية، وضعت الدولة استراتيجيات لمواجهة التغييرات الناجمة عن زيادة عائدات الصادرات: تحويل مياه النيل لجعل الأراضي الصحراوية مناسبة للزراعة و«تحديث» أساليب الري لتحسين إدارة المياه. أشادت الدولة بمشروعات استصلاح الأراضي باعتبارها وسيلة لتحقيق الأمن الغذائي وتقليل الكثافة السكانية في دلتا النيل، التي كانت تاريخيًا قلب الإنتاج الزراعي. ومع ذلك، من الناحية العملية، خدمت هذه السياسات منطقًا استثماريًا أكثر من أي شيء آخر، فضلًا عن إتاحة فرص كبيرة للإثراء السياسي والاقتصادي.

كيف أدت هذه الممارسات المركزة على التصدير إلى تعريض الأمن الغذائي للخطر وتسببت في عدم استقرار الأسعار بالنسبة لصغار المزارعين في الأشهر الأخيرة؟ قابل «مدى مصر» باحث الاجتماع الريفي، صقر النور، لاستكشاف ديناميكيات القوى المعقدة بين الجهات الفاعلة الرئيسية في مشروعات استصلاح الأراضي في مصر، وكذلك لاستكشاف عمليات الاستحواذ والاستبعاد والمطالبات بالأراضي الزراعية لأغراض الاستصلاح داخل هيكل تلك القوى. ما يشير إليه الباحث بأنها ممارسات الاستحواذ على الأراضي، وهو أمر شائع في العديد من هذه المشروعات، لا يؤدي بالضرورة إلى تحسين الأمن الغذائي. ولكنه، بدلًا من ذلك، يخلق دوامة من العلاقات المتناقضة بين العرض والطلب لأغراض التصدير، والتي تؤدي في بعض الأحيان إلى فائض في الإنتاج أحيانًا، وإلى الندرة في أحيان أخرى.

نقطة البداية لمناقشتنا هي ورقة بحثية حديثة نشرها صقر النور بعنوان «الاستحواذ من أسفل»، والتي توضح تفاصيل العمل الميداني في وادي النقرة، وهي منطقة استصلاح للأراضي في خمس قرى في أسوان. بدأت الدولة المشروع في 1982، وبدأت الإنشاءات في 1997 ووزعت الأرض في عام 2004. وخلال أكثر من 15 عامًا من الديناميكيات على الأرض، يؤكد النور أن وادي النقرة نموذج مثير للاهتمام من أجل النظر في تحديد من هم بالضبط الذين يستحوذون على الأراضي؟ وكيف ولماذا يحصلون عليها؟ وما هي الآثار الأوسع لهذه الممارسات؟

لفت عنوان ورقتك البحثية انتباهي، وكنت أتمنى تفكيك ما تعنيه بمصطلح «الاستحواذ من أسفل»؟

على مستوى الخطاب الأكاديمي أو حتى الناشطاوي حول نزع الأراضي أو الاستحواذ عليها، يشير مصطلح «الاستحواذ على الأراضي» عادة إلى الجهات الدولية الفاعلة التي تستولي على الأراضي وتستغلها بطرق مختلفة.

لكنني لست مهتمًا بمن يستحوذون على الأرض بقدر اهتمامي بالنظر فيما يُعتبر استيلاءً على الأرض، وطرق هذا الاستحواذ، وما يفعله مُلاك الأراضي بهذه الأرض. لا أهتم إذا ما كان صاحب الأرض مصريًا أم أجنبيًا. الاستحواذ يمكن أن يتم على عدة مستويات، والكيانات الدولية ليست بالضرورة هي الجهات الفاعلة الرئيسية. المستحوذون على الأراضي كذلك ليسوا بالضرورة مستثمرين كبار. قد يكونوا أيضًا من الطبقة الوسطى العليا الذين يرغبون في الحصول على مساحات شاسعة من الأرض لبيعها.

نمط استغلال كبار المستثمرين لهذه الأراضي يتمثل في تكثيف الابتكار التكنولوجي الزراعي، والإنتاج من أجل التصدير، والاستحواذ على مساحات شاسعة من الأراضي لنقلها من الملكية العامة إلى الملكية الخاصة من أجل الإنتاج وفقًا لمتطلبات السوق العالمية. على الرغم من أن عمليات الاستحواذ هذه محلية، إلا أنها كلها شكل من أشكال الاستيلاء على الأراضي بالنسبة لي.

إحدى الوسائل الرئيسية للاستحواذ على الأراضي كانت من خلال «مشروعات استصلاح الأراضي» التي تنفذها الدولة على نطاق واسع. ولتحقيق هدف زيادة مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، حدث نقل ملكية على نطاق واسع، أليس كذلك؟ هل يمكنك أن تطلعنا على تاريخ هذه المشروعات والخطابات والممارسات التي أحاطت بها؟

إذا ألقينا نظرة على استصلاح الأراضي والتوسع في الرقعة الزراعية في مصر، يجب أن نعود إلى القرن التاسع عشر ومشروعات التوسع التي أقيمت في عهد محمد علي، عندما تم توزيع الأرض على البدو. منذ عهد الرئيس الأسبق، جمال عبدالناصر، برزت هذه الظاهرة في الخطاب السياسي، وانتشرت مصطلحات مثل «الوادي الموازي» و«الفلاح الجديد». أحد الأشياء المثيرة للاهتمام حول محافظة الوادي الجديد، كما نعرفها الآن، هو أنها كانت تُسمى بالفعل محافظة الجنوب. فقط بعد الإعلان عن مشروع ضخم لاستصلاح ثلاثة ملايين فدان، أطُلق عليها اسم الوادي الجديد. كان هذا بمثابة بداية لمخيلة أخذت تتشكل على مدار الستين عامًا الماضية، مُخيلة تعتبر التوسع الصحراوي واستصلاح «الوادي الموازي» حلًا لثلاثة أنواع من المشاكل: 1) التركز السكاني في وادي النيل، 2) الأمن الغذائي، أو ما يشار إليه أحيانًا بالاكتفاء الذاتي، 3) تحديث الزراعة من الإنتاج الصغير إلى أشكال أكثر حداثة تعتمد على الميكنة والتكنولوجيا ومساحات شاسعة من الأراضي.

هناك ثلاثة فئات من المستأجرين في مشروعات استصلاح الأراضي الصحراوية:

 المنتفعون: وهم من صغار المزارعين والخريجين الجدد الذين تم منحهم الأرض من خلال مخططات حكومية. 2- المستثمرون (شركات أو أفراد). 3- واضعو اليد، الذين استولوا على أراضٍ حول أراضي1 مشاريع استصلاح الأراضي وداخلها.

هذا هو جوهر خطاب الاستصلاح الذي يبدو بسيطًا. لكن الأمور أكثر تعقيدًا في الممارسة العملية. خلال العهد الناصري، على سبيل المثال، عملت الدولة على استصلاح الأراضي من خلال الملكية المباشرة والاستحواذ على نطاق واسع، ثم قامت بتأجير بعض الأراضي للفلاحين لزراعتها، وتوزيع قطع أخرى على صغار الفلاحين. اتخذت الأمور أشكالًا متنوعة، وفي بعض الأحيان ظهرت خلافات داخلية بين الهيئات الإدارية المختلفة. كل هيئة كانت لها وجهة نظر مختلفة حول الشكل الأنسب لاستصلاح الأراضي الصحراوية. يعتقد البعض أن الدولة يجب أن تكون مسؤولة عن العملية برمتها حتى الإنتاج. ورأى آخرون أن الدولة يجب أن تؤجر الأراضي لأصحاب الحيازات الصغيرة. آخرون رأوا أنه يجب بيعها حتى لا يقع عبء توزيع الأراضي على الدولة وحدها.

شهدت السبعينيات نهاية هذه الخلافات. أعدت الدولة الأرض للزراعة، ثم وزعتها أو باعتها لمجموعات مختلفة من الناس، سواء كانوا من صغار أو كبار المستثمرين. خلال السبعينيات والثمانينيات، حصل المنتفعون (صغار المزارعين والخريجين الجدد) على 60% من مشروعات استصلاح الأراضي.

لكن، مع ظهور السياسات الليبرالية الجديدة، توجهت الدولة لتفضيل المستثمرين الكبار والمتوسطين. لم يتم استبعاد المُنتفعين بالكامل، لكنهم تعرضوا لبعض التهميش. بحلول العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وهي الفترة التي أجريت فيها بحثي، حصلت هذه المجموعات على حوالي 33-35% من حصص استصلاح الأراضي. لم يتم استبعادهم بالكامل، ولكن جرى تهميشهم إلى حد كبير.

إذا ركزنا على تلك اللحظة بالتحديد، منذ رئاسة مبارك وحتى الآن، ماذا تخبرنا الممارسات والخطابات المختلفة؟ وماذا تكشف لنا وادي النقرة حيث أجريت بحثك الميداني؟

في عهد مبارك، حصل صغار المزارعين والخريجين الشباب على حصة في مشروعات استصلاح الأراضي، كجزء من سياسات الدعم الاجتماعي، وضمن خطاب سياسي عن حماية الأسر محدودة الدخل. لكن الدولة لم تعتبرهم جزءًا لا يتجزأ من التنمية الزراعية. استمر هذا الخطاب خلال حملة مبارك الانتخابية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وكان يتكرر كثيرًا. في وقت لاحق، مع إعطاء الأولوية بشكل أكبر لآليات السوق و«الإصلاح الاقتصادي»، تراجعت السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي تدعم الفئات محدودة الدخل.

لكن في الآونة الأخيرة، تحولت استراتيجية الدولة إلى التعامل مع استصلاح الأراضي كمشروع استثماري يهدف إلى الحصول على أكبر قيمة ممكنة من الأراضي، واستغلال موارد الدولة لزيادة الإنتاج الزراعي. أصبحت إمكانية حصول صغار المزارعين على الأراضي أكثر تعقيدًا. الأولوية الآن تكوين شراكات مع المستثمرين الذين لديهم رأسمال كبير. من الواضح أن العملية أصبحت استثمارًا أكثر من كونها أي شيء آخر، وأصبح دعم المواطنين ذوي الدخل المنخفض والجانب الاجتماعي للاستصلاح أقل إلحاحًا في الخطاب الراهن.

وادي النقرة نموذج مثير للاهتمام يجب النظر إليه. وضعت الدولة خطة المشروع في الأصل في عام 1982، وبدأت البناء عام 1997 ووزعت الأرض في عام 2004. من عام 2004 إلى عام 2017، كان هناك ما يقرب من 15 عامًا لتقييم ومحاولة فهم ما حدث على الأرض من حيث ممارسات الحياة اليومية ومن يتمتع بحق الوصول [للموارد]. ما الذي يحدث بالفعل على الأرض؟ من يستحوذ على الأرض وكيف حصل عليها؟ ماذا يفعل بها؟ وماذا يزرع؟ وكيف؟

وادي النقرة – المصدر: جوجل إيرث

تمنحنا هذه الأسئلة فهمًا أفضل لممارسات الدولة، وكيف تختلف عن الخطاب السابق الذي أشاد بالمشروعات لأنها تساعد على تحقيق الأمن الغذائي وتقليل الكثافة السكانية في الدلتا.

ظهرت بعض الأشياء المثيرة للاهتمام في سياق بحثي فيما يتعلق بصغار المزارعين، وكيفية حصلوهم على الأرض، وعلاقاتهم مع المسؤولين المحليين والجمعيات الزراعية المحلية في قراهم، وكذلك من هم كبار المستثمرين الذين حصلوا على الأرض. مثلًا، معظم المستثمرين الذين استحوذوا على أراضي وادي النقرة استحوذوا أيضًا على أراضٍ في معظم مشروعات الاستصلاح الزراعي الوطنية في البلاد.

احتكروا تلك الأراضي؟

بالضبط. يراقب المستثمرون مشاريع الدولة عن كثب. حجم استثمارات الدولة المخصصة لتحويل صحراء وادي النقرة إلى مشروع استصلاح زراعي، ضخم للغاية. أنشأت الدولة قناة بطول 40 كم، تمتد من نهر النيل إلى وادي النقرة. قامت بتسوية الأرض وإنشاء حوالي 10 محطات رفع لضخ المياه من قنوات التوزيع وحفر ثماني قنوات رئيسية. هذه الأموال ملك لكل المصريين. خلال البحث، وجدت أن حوالي أربعة مستثمرين استحوذوا على غالبية الأراضي في المنطقة. يمتلك هؤلاء المستثمرون الأربعة أراضٍ زراعية في معظم مشاريع الاستصلاح في الدولة.

ترعة وادي النقرة – المصدر: صحيفة اليوم السابع

إنهم مثل باحثين عن الكنوز، يركزون بشدة على تتبع مشاريع الدولة، بهدف الاستفادة من الفرص للحصول على الأراضي.

ماذا نعرف أيضًا عن هذه الشركات؟

إنها أربع شركات: «الفتح»، «مغربي الزراعية»، «دالتكس للزراعة»، «أجريفيرست فارم إندستريز».

«مغربي الزراعية»، على سبيل المثال، لديها أكثر من عشرة آلاف فدان في البحيرة و14 ألف فدان في غرب الدلتا. تمتلك «دالتكس» أيضًا مساحات كبيرة من الأراضي في العوينات [في الوادي الجديد]. في النهاية، يستفيد هؤلاء المستثمرون من استثمار الدولة في هذه المشروعات العامة للقيام بأمرين: الإنتاج للتصدير وتحويل الملكية العامة إلى ملكية خاصة.

هناك شيء آخر أخبرني به مستثمر كبير، كان في الأصل من الدلتا وجاء للاستثمار في صعيد مصر. سألته: أتيت من أجل الأرض، أليس كذلك؟

أجاب: «لا، جئت من أجل الماء».

كان هذا مثيرًا للاهتمام. على أرض الواقع، لا يفكر [المستثمرون] فقط في الأرض ولكن في المياه.

لذلك، نحن لا نتحدث فقط عن الاستحواذ على الأراضي، ولكن أيضًا عن الاستيلاء على الموارد. يتم الاستحواذ على الأرض وعلى المياه. مصدر هذه المياه هو النيل. ونظرًا لأنه خالٍ من الأملاح المعدنية، فلا داعي لحفر بئر أو تحمل تكاليف إضافية. كل ما يفعلونه هو بناء محطة رفع واستخدام المياه على الفور.

ما هو دور هذه القضايا في التفاعلات بين هذه الشركات الكبيرة وديناميكيات القوة الحالية بين الجهات الفاعلة مثل مزارعي المساحات الشاسعة والنخب الحضرية المحلية وصغار المزارعين؟

هناك نوعان رئيسيان من الصراع يحركان هذه التفاعلات: الصراع على الأرض والصراع على المياه.

في الصراع على الأراضي، استحوذت غالبية المستثمرين الكبار على أراضٍ على طول قناة الري الرئيسية في وادي النقرة، وقاموا بتوسيعها عن طريق الاستيلاء على الأرض التي تحيط بها بالقوة، وتنافسوا مع المزارعين المعدمين الذين يطالبون بحقهم في الأرض. للاحتفاظ بقطعة أرض تم الحصول عليها من خلال نظام «وضع اليد»، يستأجر واضعو اليد حراسًا مسلحين لحمايتها، لحين تقنين وضعها.

لكن، هناك أنواع أخرى من واضعي اليد بخلاف كبار المستثمرين. هناك مزارعون صغار ونخب محلية تتمتع بالنفوذ والقدرة على الحصول على الأرض، فضلًا عن الجمعيات الزراعية المحلية التي تحتفظ بالأرض بالقوة حتى تصل إلى حد التقنين.

أما بالنسبة للصراع على المياه، فهناك ثلاث فئات متعارضة. الأولى هؤلاء الذين استولوا على الأراضي قبل تحديد نقاط توزيع المياه، وهؤلاء يستخدمون الموارد المائية دون تصريح، ما أدى إلى تناقص حصة المياه للأراضي الواقعة في نهاية قناة الري. الفئة الثانية من الصراع تدور بين أولئك الذين تقع أراضيهم على طول قناة الري، ما يمنحهم الأولوية في الوصول إلى المياه. وأخيرًا، هناك صراعات بين المزارعين والمستثمرين، وكذلك بين المزارعين وبعضهم البعض. لكن، غالبية النزاعات تنشأ بين المزارعين لأنهم يمتلكون حصصًا متساوية تقريبًا في الأرض.

 تقصد مَن حين تتحدث عن الاستحواذ على الأرض قبل تحديد نقاط توزيع المياه، صغار المزارعين؟

لا لا، هؤلاء ليسوا صغار المزارعين. لكنهم أيضًا ليسوا مستثمرين على نطاق واسع. فلنفترض أنهم استحوذوا، على سبيل المثال، على 10 أفدنة عن طريق وضع اليد.

للتوضيح، يبدأ مشروع وادي النقرة بالمحطة 10 التي تبعد 30 كم عن القناة. الأشخاص الذين أشير إليهم هم أولئك الذين استولوا على الأرض قبل أن يتم رسم خريطة للمشروع رسميًا.

كما كان هناك عدد قليل من الأشخاص الذين نجحوا في الحصول على حوالي 20-50 فدانًا من الأراضي، غالبيتهم من النخب المحلية التي لديها القدرة المالية على استصلاح الأراضي وزراعتها. لذلك من الناحية الفنية استخدموا المياه التي كان من المفترض أن تستخدم في المشروع.

هناك مجموعة أخرى من المستثمرين الذين يستهلكون المياه دون أي قيود أو لوائح. اللائحة الوحيدة هي وجوب استخدام طرق الري الحديثة، لكن اللوائح لا تضع أي حد لكمية المياه المستهلكة. هناك نوع من الادعاء الكاذب فيما يتعلق بالتنظيم حول استخدام طرق الري الحديثة. نظريًا، توفر طرق الري الحديثة استهلاك المياه، لكن هذا لا يحدث بشكل عملي. إذا كان لديّ نظام ري حديث يوفر المياه، لكنني أستخدمه 24 ساعة في اليوم، فلن يوفر المياه. على سبيل المثال، قابلت رجل أعمال يزرع الموز ويحاول محاكاة المناخ الاستوائي في مزرعته. استخدم نظام الري ثماني ساعات في اليوم من أجل زيادة درجة حرارة التربة ورطوبتها لتوفير الظروف المناسبة لزراعة الموز.

لم يتم توفير المياه بالطبع. ويؤثر هذا بالتالي على حصة صغار المزارعين من المياه، الذين تقع قراهم في نهاية قناة الري.

على مستوى آخر، هناك خلافات بين صغار المزارعين بشأن حصص المياه. في بعض الأحيان يتوصلون إلى توافق في الآراء، ولكن في أوقات أخرى تستمر النزاعات. عادة ما ينتهي الأمر بأن يحصل أقوى المستثمرين على المياه، بينما يعاني صغار المزارعين من نقصها. 

إذن أنت تقول إن هذه الخلافات تتوقف على ديناميكيات القوة التي تحدد من يمكنه الحصول على المياه ومن سيظل حصوله عليها صعبًا؟

نعم بالضبط.

يبدو الأمر كما لو أن تبعات قضية المياه تقع على كاهل صغار المزارعين، الذين تعد حصصهم ضئيلة بالفعل مقارنة بالمستثمرين الكبار.

نعم. لا يملكون حصصًا كبيرة، ويزرعون مساحات صغيرة من الأرض. يوفر المشروع بشكل أساسي لكل مستفيد خمسة أفدنة. هناك مشكلة حقيقية في الموارد المائية، مع الأخذ في الاعتبار أن المساحة الإجمالية للأراضي المستصلحة من الصحراء داخل المشروع لا تتجاوز 30-40%. كيف ستتأثر موارد المياه إذا تم استصلاح جميع الأراضي داخل المشروع؟ هناك أزمة مياه حقيقية في تخصيصها. من الناحية النظرية، فإن كمية المياه المخصصة للمشروع لن تغطي زراعة الكمية الحالية من الأراضي الصحراوية المستصلحة، ناهيك عن زراعة جميع الأراضي المخصصة للمشروع. هذا دون النظر في التوزيع غير العادل للأراضي. في حين أن 66% من أراضي المشروع مسجلة لكبار المستثمرين، فإن 33% منها مسجلة لصغار المزارعين والخريجين.

النقطة المتعلقة بالتوزيع العادل للأراضي مثيرة أيضًا للاهتمام. بحسب ما فهمت، يحدد القانون المساحة التي يمكن تملكها للأفراد والشركات المختلفة. لكن على سبيل المثال، تملك شركة مغربي أكثر من 10 آلاف فدان. ألا يتعارض هذا تقنيًا مع لوائح تخصيص مساحة الأراضي؟

يقوم المستثمرون بتوفير غطاء قانوني من أجل تسهيل الاستحواذ على مساحات أكبر من الأراضي. تُخصص حصة الأرض لكل كيان اعتمادًا على ما إذا كان فردًا أو شركات تعاونية أو شركات مساهمة أو غيرها. كل هذه الكيانات تبدو وكأنها مستقلة تقنيًا، لكنها في الواقع شركة واحدة كبيرة.

لتجاوز لوائح المساحة، يتم تسجيل بعض الشركات كشركات مساهمة، في حين كان من المفترض تسجيلها كشركات عادية. هناك عائلة معينة، على سبيل المثال، يجب تسجيلها كعائلة، لكنها مسجلة بالفعل كشركة مساهمة. لذا فإن حقوق حيازة الأراضي ستتجاوز لوائح المساحة الفردية.

سمح قانون الأراضي الصحراوية للشركات المساهمة بامتلاك 50 ألف فدان كحد أقصى، ولكن، عبر قرارات وزارية استثنائية، يتجاوز الكثير منها هذا الحد. هناك شركة تمتلك 100 ألف فدان في توشكى. تم إجراء هذا الاستثناء من خلال عقد مباشر مع مجلس الوزراء. هناك عدد كبير من المراسيم الرئاسية وقرارات مجلس الوزراء التي تسمح بالاستثناء تحت ستار القانون.

لكن الأمر مختلف بالنسبة للمنتفعين الذين لا يُسمح لهم حتى بشراء أراضيهم، أليس كذلك؟ لقد ناقشت، على سبيل المثال، في ورقتك أن المنتفعين يدفعون ثمن أراضيهم على أقساط مدتها 30 عامًا، وهو قيد يُفترض أنه يهدف إلى منع حيازة الأراضي الزراعية لضمان عدم تفتتها. هل يمكنك توضيح ذلك؟ وما هي آثاره على حق الملكية؟

هذا يعيدنا إلى نقطة معينة. تفترض إحدى الروايات المهيمنة التي يتم تداولها أن تفتت حيازة الأراضي هي أحد أهم التحديات الرئيسية التي تواجه الأراضي الزراعية في مصر. يعتبر تفتت حيازة الأراضي مصدر قلق، خصوصًا فيما يتعلق بالأراضي القديمة. عندما قررت الدولة استصلاح الأراضي الصحراوية، اعتبرت تفتت الأراضي عيب يجب أن ينتهي. هذا نهج غير منطقي، بطبيعة الحال، لأن المصدر الأساسي لتفتت الأراضي هو الميراث. يد الدولة مغلولة في هذا الأمر. لا يمكنها الموافقة على قوانين مثل تلك الموجودة في الاتحاد الأوروبي التي تمنع تقسيم الأرض بين الورثة أو تلزم وريثًا واحدًا فقط بأن يكون له الحق في الأرض. ولتجنب إثارة الجدل الديني، وعدم التعارض مع حقوق توزيع الميراث التي نصت عليها الشريعة الإسلامية، قررت الدولة عمليًا منع صغار المزارعين من بيع أراضيهم. ومع ذلك، لم يتمكنوا من الحفاظ على هذا بسبب ضغط الجمعيات المحلية التي تطالب بنقل الملكية.

هناك أيضًا مشكلة تنشأ بسبب منع فئات معينة من الناس، مثل صغار المزارعين، من البيع دون غيرهم. المستثمرون متوسطو الحجم على سبيل المثال، والذين يشترون 40 أو 50 فدانًا، يحصلون على عقودهم بمجرد توقيعهم على الأوراق ودفع ربع قيمة الأرض. كيف يُسمح لفئة معينة من الناس بالبيع دون غيرها؟ تتعلق القضية بتخيلات حول جوهر الأزمة الزراعية. يعتقد البعض أن المشكلة تكمن في أصحاب الحيازات الصغيرة وأن الحل يكمن في عمليات الاستحواذ على نطاق واسع.

هذا شيء آخر مهتم باستكشافه في بحثي. في وادي النقرة، على سبيل المثال، لاحظت أن صغار المزارعين الذين يمتلكون حوالي خمسة أفدنة من الأراضي زرعوا حوالي 90% من ممتلكاتهم، بينما يزرع كبار المستثمرين الذين حصلوا على مساحات كبيرة من الأراضي حوالي 11-16%، على الأقل في حالة الشركات الأربع التي بحثتها. مساحة الأرض المزروعة مقارنة بما تم الحصول عليه صغيرة للغاية. هناك مستثمر امتلك حوالي 6000 فدان وزرع 100 فدان منها فقط. هذه هي المشكلة: افتراض أن الحل يكمن في الملكية على نطاق واسع.

الإنتاج بالجُملة…

هذا ما كان يُطلق عليه «نموذج كاليفورنيا» في الثمانينيات. كانت الفكرة أنه لتحقيق إنتاج زراعي عالي الجودة، فإنك تحتاج إلى مساحات كبيرة من الأراضي وأدوات زراعية عالية التقنية. لقد كان أكثر من مجرد افتراض لم يتم تجربته على أرض الواقع. تم التعامل مع أي انتقاد للفرضية على أنه غير منطقي، واعتبرت مبادئ «نموذج كاليفورنيا» حقائق تستند إلى الأرقام، وليست مجرد افتراضات. ومع ذلك، فإن الخطاب الذي يعتبر تجزئة الحيازات الزراعية كتهديد لعائدات الإنتاج العالية يصبح باطلًا عندما ينظر المرء إلى الحقائق على الأرض. أنا أقول فقط إنه يجب علينا أن ننظر إلى تلك الممارسات اليومية وألا نأخذ ما يقال على أنه من المُسلمات، ولا ننتقده دون النظر إلى الموقف من كافة جوانبه. إذا طرحت مسألة تجزئة حيازة الأراضي، فسوف يتدافع الناس لإخبارك بكل المشاكل التي تسببها. لكن ماذا عن الممارسة؟ هذا يعيدنا إلى فكرة الخطاب مقابل الممارسة. الروايات السائدة تفقد جاذبيتها على أرض الواقع، على الأقل في حالتنا. لا أقصد التعميم. ربما أثبت نموذج كاليفورنيا نجاحه في سياقات أخرى، لكنه في حالتنا لا يعمل بالشكل الذي كنا نتخيله.

كيف يؤثر ذلك على صغار المزارعين إذن، الذين يمتلكون الأرض ولكن حقوق الملكية عالقة؟ ثلاثون سنة هي فترة طويلة لدفع الأقساط.

حسنًا، يتعامل صغار المزارعين وغيرهم من المنتفعين بالأرض على أنها ملكهم.

إنه نوع من الافتراض بالنسبة لهم، طالما لديهم الأوراق. الناس ليسوا ملزمين بالقانون. هذا أيضًا شيء آخر أردت التركيز عليه: القوانين ليست الشيء الوحيد الذي يُلزم الناس. تسمح الاتفاقيات والعلاقات بإجراء عمليات بيع بشكل غير رسمي. المشترون والبائعون لديهم نوع من الاتفاق غير المعلن. يمكنهم البيع والحصول على نوع من العقود، حتى إذا كانت الجمعية المحلية لا توافق، لكنهم يحصلون على مشترين يقبلون شراء الأرض، ويكتبون عقدًا. وعندما تتم عملية تقنين الملكية، تنتقل ملكية الأرض إلى المشتري.

كيف ينعكس سياق الملكية هذا على الأمن الغذائي؟ ضع في اعتبارك، على سبيل المثال، الشركات الأربع التي ذكرتها والتي تسيطر على الصناعة. كيف يؤثر وضع التصدير كأولوية على الأمن الغذائي؟

نعم. هناك اختلاف حقيقي بين الخطاب والممارسة. على سبيل المثال، دعنا نفكر في إحدى الشركات الأربع. تعتبر شركة «مغربي» من أكبر مصدري البرتقال في العالم، وليس في مصر فقط. إنها صناعة ضخمة. تصدير البرتقال يعني أيضًا تصدير المياه. والسؤال هنا: هل الدولة تدعم الزراعة الصحراوية لتحقيق الأمن الغذائي أم لزيادة الصادرات الزراعية؟ في الواقع، تزيد هذه المشروعات من الصادرات الزراعية. لكن هذا ليس واضحًا، مع ذلك. في ظل جائحة كورونا، على سبيل المثال، زادت الصادرات الزراعية بشكل كبير. أصبحت مصر أكبر مصدر للبرتقال في العالم، وكذلك الفراولة، ومن بين أكبر مصدري البصل. رفعت معظم دول الخليج القيود التجارية المتعلقة باستيرادها للمنتجات المصرية.

زادت صادرات مصر، ليس بالضرورة بسبب نوع من الطفرة في الإنتاج، ولكن لأن هذه البلدان كانت تستعد لأزمة وشيكة. لم يبحث أحد في هذا الأمر حقًا، لكنه أثّر بالتأكيد على حصول المواطنين على السلع. لأن الإنتاجية لم تزد، الصادرات هي التي زادت.

لقد سهلوا الصادرات بهدف رئيسي هو تحقيق الربح.

بالضبط. تم التعامل مع زيادة معدل الصادرات على أنها شيء يستحق الاحتفال، خاصة في ظل الأزمة الصحية العالمية والخوف الحقيقي من تكرار أزمة الغذاء عام 2007.

أوروبا، على سبيل المثال، أغلقت حدودها، مع استثناء العمال الزراعيين المهاجرين الموسميين، الذين يعتبرون جزءًا لا يتجزأ من حصاد المحاصيل في ألمانيا وإسبانيا. نُقل العمال من بولندا إلى ألمانيا لأنه بدونهم ستندلع أزمة غذائية.

احتفلنا بالزيادة في معدلات التصدير، وفي نفس الوقت تعاملنا مع خوف حقيقي من اندلاع أزمة الغذاء في النصف الثاني من العام الماضي.

يارا أحمد

الرابط الأصلي للمقال

المنشورات ذات الصلة
الغذاء والماء والارضمكتبة

الجزائر : حول كتاب "الزراعة الصحراوية دون الواحيين" اصدار جمعية "تربة"

الغذاء والماء والارضالمشاركات الدولية

التعبئة الشعبية المضادة من أجل تغيير الأنظمة الغذائية للشركات

العولمة الليبراليةالغذاء والماء والارض

قمة نظام الغذاء للأمم المتحدة تزرع حلول الشركات وتحرث تحت مُستوى معرفة الناس

الغذاء والماء والارضالمشاركات الدولية

أوضاع عمال/ات الزراعة بالمغرب في سياق قمة الأمم المتحدة للنظم الغذائية لسنة 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *