Follow Us

الغذاء والماء والارض

حراك عمال/ات الزراعة من منظور السيادة الغذائية

المقال التالي نُشر في مؤلف جماعي حمل عنوان: منطقة في خطر! العدالة بين الأبعاد البيئية والاقتصادية. ضمن مشروع منتدى بدائل العربي للدراسات ومنظمة غرينبيس. بعنوانه الكامل : حراك عمال/ات الزراعة من منظور السيادة الغذائية نموذج: منطقة اشتوكة ايت باها بالمغرب. ونعيد نشره تعميما للفائدة مع الاحالة على رابط الكتاب كاملا أسفل المقال .

يُعَدُّ المغرب بلدا فريدا في شمال افريقيا، من حيث الاستثمار الرأسمالي الهائل في القطاع الفلاحي. فقد وجد المستثمرون الأجانب والمغاربة، فرصا ذهبية للاغتناء المضمون واكتساب الثروة على حساب الجانب البيئي،علاوة على استغلال عمال- ات الزراعة في الضيعات الفلاحية الكبرى.
بداية فقدان السيادة الغذائية
بعد استقلال المغرب سنة 1956، جرى تحويل ملكيات المعمرين الفرنسيين- التي انتُزعت من الفلاحين الصغار المغاربة- إلى كبار الملاكين العقاريين. هكذا استحوذ كبار الملاك- المعمرون الجدد كما يسميهم المغاربة – على 747000 هكتار إلى حدود سنوات التسعينات، من إجمالي وعاء عقاري بلغ حوالي مليون و20 ألف هكتار ، كانت تحت سيطرة الاستعمار .فيما وُجّه قسط صغير إلى القطاع العمومي، تسيره شركتا “صوديا” و “صوجيطا”، التي بدأت خوصصتها انطلاقا من نهاية التسعينيات.
ساهم برنامج التقويم الهيكلي الذي باشره المغرب سنة 1983، بإملاء من مانحين القروض الكبار، بتسريع وتيرة الاجراءات النيوليبرالية، حيث جرى تكييف الاقتصادي الوطني مع متطلبات السوق الدولية. ونال القطاع الفلاحي النصيب الأكبر من هذا البرنامج:توجيه الفلاحة نحو التصدير، تمكين المستثمرين الكبار من اعفاءات ضريبية مجزية، وهو عينه جوهر “مخطط المغرب الأخضر “،أحد الخيارات الاستراتيجية الكبرى للمغرب.
استقطبت الفلاحة في المغرب رؤوس أموال ضخمة، مكنت من تمركز الشركات الزراعية في تكتلات اقتصادية هامة حيث تسيطر سبعة تكتلات رأسمالية كبرى على ما يناهز 95% من صادرات الفواكه والخضر . كان لهذا الوضع، أثر مباشر في إحداث مناطق فلاحية كبرى، تتركز فيها يد عاملة زراعية ضخمة، تشتغل بهذه الضيعات الرأسمالية.
عمال/ات الزراعة في اشتوكة ايت باها : حراك من أجل السيادة الغذائية
تحتضن منطقة اشتوكة آيت باها ما يزيد عن 70 ألف عامل- ة زراعي- ة، يتحدرون من مختلف مناطق المغرب، محشورين- ات في قرى صغيرة، قريبة من أماكن العمل. غالبية المساكن الشعبية غير لائقة تنعدم فيها شروط الحياة الكريمة. لا بنية تحتية و لا دور حضانة لأبناء العاملات، ناهيك عن أماكن الترفيه. وسطٌ اجتماعي تُجهض فيه أحلام آلاف الشباب، المقبل على الحياة. وتعد هذه البيئة مجالا خصبا للجريمة والدعارة وشتى أمراض المجتمع الرأسمالي.وتؤمن هذه المنطقة حوالي 70% من الانتاج الوطني من الخضر و الفواكه
أوضاع البؤس هذه، هي ما يحصده العمال- ات الزراعيون من “التنمية” المزعومة، التي تشجعها الحكومة بخلق مناخ الاستثمار لشركات متعددة الجنسية، عبر تكييف التشريعات مع قانون السوق (قانون العمل، قانون الاستثمار، مدونة الضرائب… إلخ). وجدير بالذكر أن أحد المفارقات الصارخة في هذه التشريعات، هي التفاوت في الأجر ما بين العامل في القطاع الصناعي والقطاع الفلاحي. حيث لا يزال مطلب النقابات الفلاحية هو رفع الحد الأدنى لأجور عمال الزراعة ليتساوى مع مثيله بالقطاع الصناعي.
منذ سنة 2004، دخل العديد من العمال/ات الزراعيين- ات في مقاومة اجتماعية منظمة نقابيا ضد الاستغلال الذي يطالهم- هن في الضيعات الفلاحية الكبرى، سواء في أماكن الإنتاج وفي محطات التلفيف.
ومن جملة ما يتعرض له عمال- ات الزراعة: طول ساعات العمل وتدني الأجور، ومحاربة العمل النقابي،وانتشار شركات الوساطة في الاستخدام، و المخاطر المهنية ، لا سيما الاستعمال غير المراقب وغير الآمن للمبيدات الزراعية، وغيرها من مصائب العمل في المزارع الرأسمالية التصديرية التجارية .
كانت المقاومة العمالية منظمة نقابيا، واتخذت أشكال احتجاجات واعتصامات ينخرط فيها آلاف العمال- ات، على الرغم من الصعوبات الجمة التي صاحبت هذا الحراك في بداياته (الطرد، السجن بموجب الفصل 288 من القانون الجنائي المجرم للإضراب)، إلا أنه أصبح ينمو بفعل ثقة العمال-ات، في مقاومتهم وتنظمهم، وانعدام أي مخرج آخر غير المقاومة النقابية لتحسين شروط الاستغلال، وانتزاع بعض المكاسب.
لم تحظ المقاومة العمالية في منطقة اشتوكة آيت باها في مجمل تاريخها بالنصر الكامل، بل كانت الشركات تناور وتهجم على العمال- ات النقابيين- ات، وعلى المكاتب النقابية برمتها، تارة بالطرد وأخرى بالتوقيف أو بالتماطل في أداء الأجر.بالإضافة إلى رفع دعاوى قضائية في المحاكم ضد النقابيين.
يعكس هذا النموذج التنموي على النمط الرأسمالي الزراعي التجاري و التصديري، مدى الضرر البالغ الذي يخلفه ورائه من سحق عمال الزراعة ضحايا الصف الأول لمنظومة فلاحية هدفها ربحي بالأساس.
لتزويد الأسواق العالمية بالمنتوجات الفلاحية الموجه نحو التصدير، تستعمل هذه الضيعات مبيدات فلاحية، ذات ضرر بالغ الخطورة على البيئة وصحة العمال- ات، الذين يستعملونها دون احتياطات كافية لدرء الخطر،لاسيما تحت بيوت البلاستيك عالية الحرارة و الرطوبة.
شكلت مقاومة العمال- ات الزراعيين- ات ضد الاضطهاد الرأسمالي في منطقة اشتوكة ايت باها بالمغرب، احدى الروافد الحقيقية الداعية إلى السيادة على الغذاء والموارد، وتتقاطع هذه المقاومة مع مقاومات عالمية أخرى لهذا النمط الرأسمالي الزراعي الاستخراجي الذي تغلغل بشكل كبير في المغرب.
تدمير البيئة باسم التنمية
تستحوذ تكتلات الزراعة الاستخراجية على آلاف الهكتارات في سهل سوس، بمنطقة اشتوكة جنوب مدينة أكادير، وغالبيتها موجه نحو الأسواق الدولية، ضمنها منتوجات فلاحية طارئة على المنظومة البيئية للمنطقة، وتستنزف كميات هائلة من المياه الجوفية،بالإضافة إلى اعتمادها بشكل مفرط على المواد الكيماوية المضرة بصحة الشغيلة والمستهلكين- ات على حد سواء . وهو ما أكده التحقيق الصحفي لموقع لكم “إن جميع المغاربة مهددون بسموم هذه المواد” .
وتحول هذه المنتوجات التصديرية ملايين الأمتار المكعبة من المياه إلى الخارج، متسببة في تراجع كارثي للفرشة المائية بمنطقة اشتوكة أيت باها ونواحيها. وقد دقت جمعية أطاك المغرب ناقوس الخطر، إذ أكدت على “أن المياه الصالحة للشرب الموجهة للاستهلاك البشري والصناعي والسياحي لا تشكل إلا7% من مجموع الكميات المستهلكة بسوس ماسة، إلى أنها باتت مهددة بفعل الضخ المفرط للمياه من قبل النشاط الزراعي التسويقي الذي يلتهم أكثر من 93% من مجموع الموارد المائية” .
كذلك يخلف نشاط الشركات أطنانا من النفايات الزراعية المستعملة في الضيعات (أنابيب الري بالتقطير وأكياس البيوت البلاستكية…الخ)، ما يسبب ضررا بالغ الخطورة على الأراضي الفلاحية المجاورة المملوكة لصغار الفلاحين.ويسبب انتشار تراكم النفايات البلاستيكية قرب أماكن السكن مخاطر صحية على الانسان والمواشي.
ما السبيل إلى سيادة على الغذاء و الموارد؟
تصب مطالب شغيلة الزراعة ونشاطها النضالي ضمن مشروع السيادة الغذائية الذي تنادي به حركة نهج المزارعين الدولية “لا فيا كومبيسينا” وشبكة شمال أفريقيا للسيادة الغذائية، ويأتي على رأسه ضرورة الاستناد على فلاحات محلية مستدامة تحترم البيئة وتحافظ على الموروث الغذائي المحلي للشعوب، والقطع مع النمط الزراعي الصناعي، بما يضمن غذاء صحي وبيئي للسكان. هذا المطلب بيئي في طبيعته وانساني في جوهره. لن يكون متاحا بلوغه سوى على نهج مقاومة عمال/ات الزراعة باشتوكة ايت باها، متضافرا مع نضالات بيئية ونسوية من أجل مجتمع بديل.
علي أزناك

لتحميل الكتاب: اضغط هنا

المنشورات ذات الصلة
الغذاء والماء والارض

العدالة البيئية والعدالة الاجتماعية: مدخل السيادة الغذائية

الغذاء والماء والارض

المراعي الطبيعية في مصر: منتجو الغذاء يدفعون ثمن التغيُّرات المناخية والحرب

الغذاء والماء والارضمتابعة النضالات

فلاّحة أولاد جاب الله والصراع المتجدد في الريف التونسي

الغذاء والماء والارض

الجائحة والحرب الروسية- الأوكرانية:تعميق التبعية الغذائية في المنطقة العربيةّ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.