Follow Us

الغذاء والماء والارض

 لو كانت الصحراء خضراء

رجيم معتوڨ، البلاد التونسيّة – اعتاد محمّد بن عمّار بن عمّار أن يَترك جماله، خلال فصلَيْ الشتاء والربيع، تتجوّل في الصحراء بعيدًا عن هذه القرية على تخوم حدود تونس الغربيّة. لا يرافقها، فهي تعرف طريقها. تأكلُ حتّى تشبَع من الشُجيْرات المالحة الصحراويّة – نباتات زيتا، الضمران والفدر – وترجع دائمًا قبل حلول الليل.

تعوّد بن عمّار، البالغ 78 عامًا من العمر، تسمية كلّ واحد من جماله. كانت تلك طريقته لتمييزها وسط قطيع يضمّ حيوانات مملوكة لغيره. “عندما أناديها باسمها تأتيني”، أخبَرَني عندما زُرتُه مؤخّرًا. كان ذلك قبل أن توفّر الحكومة الأعلاف، مجانًا في البداية، كجزء من مشروع مُحكَم لتحويل الكثبان المُترَبَة إلى واحة خضراء.

على الرغم من عيْش الناس منذ القِدَم بين الكثبان الرمليّة المتنقّلة للعِرڨ الشرقيّ الكبير والبحيرة المالحة الواسعة “شطّ الجريد”، لم تظهر قرية رجيم معتوڨ إلى الوجود فعليًا قبل حوالي عام 1980، عندما بنَت فيها الحكومة التونسيّة مدرسَةً، ومركز شرطة ومقرًا للفرع المحلّي للحزب السياسي الحاكم.

كذلك، غَرسَت أكثر من 6 آلاف فدّان ]حوالي 2500 هكتار­ [ من أشجار النخيل. أُنْجِزَ المشروع من قبَل وزارة الدفاع، التي اعتبرته أوّلاً وأساسًا “معركة ضدّ التصحّر” عبر خلق حاجز أخضر بين الرمال والعمران الحديث مُطَّرِدُ الاتسّاع في تونس.

حسب بعض التوقّعات، يُهدّد التصحّر – عندما تصير الأرض جدباء في المناخات الجافّة – حوالي 70 % من المناطق القاحلة حول العالم. يتمّ الحديث في هذه المناطق عن “توسّع” الصحراء وعن “خراب” الأرض التي تحتاج إلى استصلاح.   برّرت هذه المخاوف سياسات التصدّي للرمال “المعتدية”، في أحيان كثيرة عبر غراسة سلالات غير محلّية، إلى جانب توطين العائلات المرتحلة وتسوير التجمّعات السكنية بحيطان خضراء من الشجر والنبات. 

لطالما دعمَت الحكومات والشركات متعدّدة الجنسيّة والمنظّمات حملات التشجير لمقاومة التغيّر المناخي من خلال إنماء الغطاء الغابي العالمي من أجل تنقية الجوّ من ثاني أوكسيد الكربون ومجابهة المشاكل المحلّية كالانجراف والعواصف الترابيّة.  يزعم كثيرون أنّهم زرعوا بنجاح المليارات من البذور والشتلات.

في مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ –الدورة 26- (“كوب 26”) المنعقد نوفمبر المنقضي، جدّد قادة 141 دولة التزامهم بالاتفاقيّة الأمميّة لمحاربة التصحّر. كما جرى بداية هذا العام تأمين جولة جديدة من التمويل لمشروع “السور الأخضر العظيم”، الرامي إلى بناء طوق أشجار ونباتات بعرض تسعة أميال وبطول 5 آلاف ميل من السنغال إلى جيبوتي.  يهدف المشروع إلى حجز حوالي 275 مليون طنّ من الكربون بحلول العام 2030. تعهّد رجل الأعمال جيف بيزوس بالتبرّع بـ 1 مليار دولار للغرض.

بيْدَ أنّ جيلًا جديدًا من الباحثين يُحاجِج بأنّ الأفكار القديمة حول التصحّر منقوصة – لكونها لا تحيط بالتحدّيات التي تواجهها الأراضي الجافّة بسبب التغيّر المناخي والتدهور البيئي. كما يشيرون إلى أنّ “الحلول” المطبقة عادَةً في المناطق القاحلة، مثل حملات التشجير الممتدّة على سنوات أو مشاريع الفلاحة المكثّفة، عادة ما تكون غير ملائمة للبيئة وللاقتصادات المحلّية.

“تراودني شكوك حول منفعة مخطّطات التشجير الواسع، تحديدًا في مناطق الأراضي الجافّة حيث يعيش الرُعاة،” يقول إيان سكونز، الأستاذ بمعهد دراسات التنمية بجامعة سوسكس. “هي ليست أراضٍ فارغة أو غير مستعمَلة وبحاجة إلى إحياء”.

إحدى المشاكل، كما أخبرتني ديانا ديفيس، أستاذة التاريخ في جامعة كاليفورنيا بدافيس، هي “أنّه ليس هناك تعريف مُجمَع عليه للتصحّر.” تُتابع ديفيس تطوّر ما تصفه بـ”المركزيّة الشجَريّة.” وتضيف “هناك مناطق من العالم تعرّضت لإجتثاث الغابات وتعرّت بالفعل.” “ثمّ هناك مناطق أخرى من العالم حيث توجد منظومات بيئيّة صحّية تمامًا وفي انسجام من دون أيّ أشجار على الإطلاق.

اليوم، تعزّزت مشاريع التشجير بواسطة أسواق تعويض الكربون، حيث تتّجه الشركات والحكومات المُلوّثة إلى شراء مخطّطات خضراء توازن بصماتها الكربونيّة الكبيرة. إذ قدّمت شركات الطاقة مثل شال وطوطال وعودًا ضخمة بغراسة الغابات. لكن هناك شكوك جدّية حول انخفاض التلوّث بقدر ما يزعم الملوّثون؛ في بعض الأحيان، الغابات “المصانة” لم تكُن مُهدَّدة، وفي أحيان أخرى لم يكن لها وجود أصلاً.

توصّلت بعض الدراسات والتحقيقات إلى أنّه من المُستبعَد أن يكون لنسبة هامّة من تعويضات الكربون تأثير ملموس على انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. كذلك يقدّر بعض العلماء أنّ أقصى ما يمكن للأرض أن تبلغه من نموّ للغطاء النباتي سيحبس بالكاد ما يكفي عقدًا واحدًا من تصاعد انبعاث غازات الاحتباس الحراري بمعدّلاتها الحالية، وذلك بالنظر إلى محدوديّة ما يمكن إتاحته من ضوء وماء ومُغذّيات يتطلبّها نموّ النباتات.  وفي الأثناء تواصل الشركات والحكومات الملوّثة تلويثها.

وتستطرد ديفيس، “عندما تجمع بين المركزيّة الشجريّة وسرديّة أزمة التغيّر المناخي”، فإنّ ذلك “يبدو كحلّ سريع ورائع للشركات. ’رائع، يكفي أن نموّل برنامج تشجير‘ … حتى ولو تكن هناك غابة من قبل.”

نجد أصل هذه الصورة النمطيّة عن الصحراء، كخطرٍ زاحِفٍ يُهدّد الأراضي الخصبة، في السياسة الغابية الاستعماريّة الفرنسيّة بالقرن 19، وقد ساهمت في تبرير احتلال الأرض بذريعة الحفاظ عليها.  كان يتمّ تخيّل أنّ الصحاري كانت خصبة في الماضي، وأنّها بحاجة إلى “إعادة تشجير”. روّج أعوان الاستعمار للتشجير الذي من شأنه إنماء  “الغطاء الغابي” إلى مستوًى اعتُقِد ضروريًا حتّى تُعتبر أمّة ما “متحضّرة”. اعتنق المستوطنون فكرة أنّ الظروف الصحراوية والجفاف كانت بمثابة الانتقام الإلهي؛ وكان يُعتَقَد أنّ غراسة الأشجار هي طريقة لاستدرار الأمطار.

أوّل من استعمل مصطلح “التصحّر” في العام 1927، كان المختصّ في مجال الغابات لويس لافودان، الفرنسي المقيم في تونس. إذ وصف ذلك بأنّه “نتيجة للنشاط البشري حصرًا” وصوّر البدو الرُّحَل كمذنبين معتبرا خرفانهم وأبقارهم وجمالهم متسبّبة في “الرّعي المُفرط”. برّر ذلك السياسة الاستعمارية الفرنسيّة لتوطين الرُّحَل، وهو ما أخَلَّ بالطرُق البدوية القديمة للرُعاة وربطهم بالمُدُن والبلدات التي تليق ببلد حديث.

في الواقع، تشكّل ما يُعرَف اليوم بـ الصحراء الكُبرى على مرّ الزمن، ببطء لكن بشكل حاسم، نتيجة تحرّك الصفيحة التكتونيّة الإفريقية عبر المناطق الاستوائية نحو خطوط عرض أكثر جفافًا، حيث يقلّ الهواء ويزداد دفئًا. قبل 11 ألف سنة، كانت الصحراء رطبة وتنتشر فيها البحيرات والأنهار.

كان للصيّادين- القاطفين الذين عاشوا في جنوب ليبيا قبل 10000 سنة نظامٌ غذائيٌّ يتكون في الغالب من سمك البلطي وسمك السلّور. تكشف النقوش الصخرية المنحوتة في جبال النيجر منذ ما بين 6000 و8000 سنة عن عددٍ كبيرٍ من كائنات السافانا – الزرافات والأسود والنعام. في ذلك الزمان، نمَت النباتات في أعماق الصحراء أكثر بمئات الأميال ممّا هي عليه اليوم.

حسب مارتن ويليامز، الأستاذ الفخري لعلوم الأرض بجامعة أديلايد، ومؤلف كتاب “عندما كانت الصحراء خضراء”: “لقد كان مشهد سافانا: أرضٌ عُشبية وغابات”. “كانت مثل شرق إفريقيا اليوم.”

طيلة الفترة الاستعمارية، كان تفسير خصائص المنطقة الجيولوجية والمناخية السائد يعتمد غالبًا قراءات (خاطئة) للمخطوطات الرومانية عنها، والتي كُتبَت على الأرجح عندما كانت الصحراء تمرّ بفترة رطبة نسبيًا. بعبارات عنصرية، وصف المسؤولون الاستعماريّون الفرنسيون وخبراء الغابات التحوّل من حالة الخِصب إلى الجفاف على أنّه تدهور بيئي من صنع الإنسان.

إذ كتب لوفودان في العام 1927: “عبقرية التخريب التي تميّز العرب كافية لشرح وجود الصحراء في هذه المنطقة.” ومن جهته كتب أوغست وارنييه، وهو صحفي وسياسي استعماري قضّى معظم حياته في الجزائر: “فرنسا نفسها، المزدهرة جدًا، ستصبح سريعًا صحراء إذا سيطر عليها العرب.” لقد استُخدمت الخصوبة السابقة لشمال إفريقيا و”انحطاطها” على أيدي العرب، كما كتبت ديفيز، لتبرير أسطورة أنّ فرنسا هي “وريثة روما”.

“اعتنق المستوطنون فكرة أنّ الظروف الصحراوية والجفاف كانا نوعا من الجزاء الإلهي.”

تسرّبت المقترحات المُكلِفة لإعادة تخضير الصحراء من خلال الإدارة الاستعمارية الفرنسية. اعتقد الجغرافي العسكري المغامر فرانسوا إيلي رودير أنه وجد بقايا بحيرة تريتونيس الأسطورية، التي كتب عنها هيرودوت، في أحواض الملح الجافة بالصحراء الجزائرية. قدّم مخطّطًا لحفر قناة تجلب مياه البحر من خليج ڨابس، معتقدًا أنها ستجعل المنطقة أكثر رطوبة وستيّسر إنشاء طرق تجارية جديدة إلى المناطق الواقعة في الجنوب. وكتب في رسالة إلى مطَوِّر قناة السويس، ما يلي: “سنفتح باب الفرص لأوروبا، ونجلب الحضارة حولها ]البحيرة[ ونتيح الشغل للسكّان الأصليين، سنوفق بين كافّة المصالح ونجعل الجميع سعداء. ستصبح” البحيرات المالحة ” أنهارًا مرة أخرى، كما كانت بلا شك، وستؤدي في النهاية إلى تخصيب مساحات شاسعة من الأراضي الصحراوية على ضفافها.”

في النهاية، رُفض المقترح من قبل الحكومة الفرنسيّة، إلّا أنّ النظريات الاستعماريّة حول الصحراء تحوّلت إلى قوانينٍ جرّمت ممارسات الشعوب الأصليّة وحرَمَت الرعاة خدمةً لمصالح المستوطنين الأوروبيّين. صارت الجزائر، تحت الحكم الفرنسي، رائدة في بناء “السُدُود الخضراء” من الأشجار في مواجهة الصحراء؛ حدّد قانونٌ صادر في العام 1903 النسبة “العادية والمناسبة” للغطاء الغابي بـ 30% (لا يتجاوز حجمه اليوم 13%).

انتقلت هذه السياسات إلى البريطانيّين، الذين دَرَس العديد منهم أواخر القرن 19 في المدرسة الفرنسية للغابات بنانسي، ثمّ توجّهوا لإرساء نفس السياسات في أرجاء امبراطوريّتهم بغاية “إحياء” المناظر الطبيعيّة التي يرون أنّها خُرّبَت أو غير منتِجة. ففي الهند، على سبيل المثال، منعت الحكومة البريطانيّة الرُعاة من النفاذ إلى أجزاء من صحراء ثار بهدف تشجيع نموّ الأشجار، التي تُستَخدَم في بعض الحالات للخشب والوقود.

شُقَّت آلاف الأميال من القنوات لتحويل مراعي البنجاب، التي كانت تُعتبر أرضًا قاحلة غير منتجة، إلى حقول مروِيَّة من المحاصيل المُعَدَّة للتصدير. وفي الوقت نفسه، تمّ الاستيلاء على مساحات من الأراضي ومصادرة الحيوانات التي دمّرَت القنوات أو تجوَّلَت في الطرق العامة أو الحقول. نتيجة لهذه السياسات زاد إنتاج الغذاء في البنجاب، ولكن توجيه معظمه إلى التصدير جعل القليل منه يصل إلى موائد السكان المحليين.

استمرّت المواقف العدائيّة ضدّ الصحاري في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر وما بعده، وانتقلت على مدى عقود إلى حكومات ما بعد الاستقلال، وكذلك إلى الشركات ومنظمة الأمم المتحدة. واصلت الحكومة الجزائرية، سعيا إلى السيطرة على الصحراء وبدْوُها، في نفس السياسة الاستعمارية لتشييد السدود الخضراء، بما في ذلك تلك التي بدأ بناؤها في السبعينيات، وكان مفترضا امتدادها إلى أكثر من 1000 ميل، لكنّ معظم الأشجار ماتت. وفي الهند اليوم، تحتفل الحكومة بمشاريع التشجير كتعويض عن اجتثاث الغابات الناتج عن تشييد البنية التحتية – مناجم الفحم والطُرق السريعة – ولكن يتمّ في بعض الأحيان التخلّي عن “المَزارع” لتتلاشى أو يتمّ اصطناعها بالكامل.

في غضون ذلك، أتاحت المحاولات الحديثة لتخضير صحراء ثار، “غير المُنتِجة”، الغطاء النباتي الذي يحتاجه  الجراد كي يقفز إلى المناطق التي لم يتمكنّ من بلوغها سابقًا، فألحَقت أسرابُه الأذى بأنواع الأشجار والنباتات التي تكيّفت مع المنطقة وهدَّدت سُبُل عيْش الرعاة. وكما قال أحدُ الباحثين: “إنّ غرس الأشجار في الصحاري أمر سيّء مثل قطع الأشجار في الغابات المطيرة، لأنه يغيّر الطبيعة الأساسية للمنظومة البيئيّة.”

“تحوّلت النظريات الاستعماريّة حول الصحراء إلى قوانينٍ جرّمت ممارسات الشعوب الأصليّة وحرَمَت الرعاة خدمَةً لمصالح المستوطنين الأوروبيّين.”

بدأت الحكومة الاستعمارية البريطانية غرسَ الأشجار في فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى، وكذلك فعلت الجماعات الصهيونية ]الإستعماريّة[ التي كانت تشتري الأراضي. اليوم، يزعم الصندوق القومي اليهودي، وهو أحَدُ تلك المجموعات، أنّ “غابته” يَتير التي تبلغ مساحتها 7400 فدّان، وهي الأكبر في البلد، تُوقف زحف الصحراء وتكافح تغيُّر المناخ. ومع ذلك، ينتقد علماء البيئة ذلك لأنه نقَل النباتات والحيوانات من بيئتها الطبيعيّة في الصحراء وتسبَّب في ارتفاع درجات الحرارة بدلًا من خفضها. تضمنت مثلُ هذه المشاريع الزراعية في صحراء النقَب، آنذاك واليوم، إعادة توطين البدو الذين يعيشون هناك قسراً.

كذلك شأن الصين، التي تُشكّل الصحراء زهاء 20٪ من مساحتها، فلها سورها الأخضر العظيم الذي بدأ في صحراء جوبي عام 1978. ولكن غالبًا ما تمتصّ الأشجار المزروعة هناك المياه الجوفية الثمينة، ما يقتل الأنواع المحلية ويسبّب تدهور التربة. ستموت هذه الأشجار في نهاية المطاف، ما لم تحظ بعناية، بعد أن غُرسَت في مناطق ليست مناسبة لازدهارها.

كما أنّ نتائج مبادرة السور الأخضر العظيم في الصحراء ]الأفريقيّة[ منذ بدايتها في عام 2007 لم تكن مفيدة تمامًا . ففي السنغال، فَقد رعاة الماشية مراعيهم في المناطق المُشَجَّرة. وقد نجا أقلّ من نصف الأشجار المزروعة هناك. ركّزت بعض هذه المشاريع على غراسة الكينا، وهي شجرة سريعة النمو ومتعطشة للماء، من شأنها تجريد التربة من العناصر الغذائية، وتُفرز حمضًا قد يقلّل التنوّع البيولوجي في المنطقة المحيطة.  إجمالًا، تمّ بلوغ ثُلُثَيْ الطريق حسب جدول المشروع الزمني، لكن لم يتمّ تحقيق سوى فقط من الهدف الأصلي، وثمة حاجة إلى ما يُقَدَّر بنحو 43 مليار دولار أمريكي لإنهائه.

مؤخّرًا، جرى تحوير هدف المبادرة المتمثّل في كبح جماح الصحراء للتركيز بدلًا منه على جملة مشاريع تنمية ريفية أصغر، مثل ترك الشتلات تنمو بين المحاصيل عوضًا عن زراعة الأشجار الأحادية. لكن، غالبًا ما يتمّ استبعاد أصوات الرعاة. قال لي سكونز: “للأسف، كانت الأساطير، المطعون فيها منذ أمد بعيد، على قيد الحياة وبصحة جيدة في قمّة ’كوب 26‘.” وأضاف: “تُستخدم هذه الأساطير لتبرير مبادرات الاستعادة واسعة النطاق القائمة على الحلول المستندة إلى الطبيعة. ولكن بدون إشراك الرعاة وفلّاحي الأراضي الجافة، فإنّ الفشل سيكون في الموعد مجدّدًا.”

لطالما عُرفَت الأرض المحيطة برجيم معتوڨ بأنّها غنيّة بالكلأ بالنسبة لبن عمّار وشيوخ القرية الآخرين ورعاة الإبل؛ عندما تُمطر، كان الناس يأتون مع حيواناتهم من بقاع أخرى بالمناطق الصحراوية في تونس، ومن الجزائر، للرَعيْ.

ابتداءً من أوائل القرن العشرين، أقام المستعمرون الفرنسيون مزارع أُحادية المحصول من نخيل “دڨلة نور” في جميع أنحاء جنوب غرب تونس، وذلك بغاية تصدير التمور إلى أوروبا. تمّ منح العائلات البدوية قِطعَ أرض حتى تتجذّر وتستقر فيها. قال لي حمزة حمادي، العالم في المعهد التونسي للمناطق القاحلة، “كان الفرنسيّون صارمين للغاية”. حصل جدّ حمّادي، الذي كان يعيش في واحة جمنة آنذاك، على 40 نخلة. قال: “[هو] أخبرني عن العقيد الذي كان يتفقد المزارع، والفلاح الذي لم يقطع الأعشاب الطفيلية يتم اقتياده إلى السجن”. في محاولة لإبقاء الناس هناك، كان الجنود يراقبون استعمال المياه وإذا وجدوا أنّ المالك لا يستغلّها بدرجة كافية يسترجعون منه الأرض.

إثر استقلال تونس عام 1956، واصل الرئيس الحبيب بورڨيبة نفس السياسة. كان هدفه القضاء على القبليّة والارتحال لإفساح المجال لدكتاتورية حداثيّة. في أقل من 20 سنة، من 1966 إلى 1984، انخفض عدد العائلات البدوية في جنوب تونس من 3000 إلى 200 فقط. وفي الوقت نفسه، توازيًا مع الحملة “الخضراء”، وقع فتح جنوب البلاد أمام شركات النفط؛ تمّ بناء العديد من القرى والمزارع حول الآبار المكتشفة بالصدفة خلال عمليات التنقيب عن النفط. أخبرني عبد المجيد عبّاس، مدير المكتب الجهوي للإدارة العامّة للغابات، أنّ الهدف الأصلي في الجنوب الغربي كان زراعة الأشجار لحماية المدن الجديدة: إذا كانت الدولة ستبني القرى وتضع الناس فيها، فهي إذن بحاجة إلى فعل شيء ما لحماية البُنية التحتية الجديدة من الانطمار تحت الرمال. عندما التقيت به في ڨْبِلّْي، إحدى أقدم الواحات التونسية، غير بعيدة شرق رجيم معتوق، بدا غاضبًا بشكل واضح من الجهود المبذولة لكبح الرمال. قال: “الصحراء لا تتقدّم، نحن جئنا ووضعنا أنفسنا في الصحراء!” وتابع أنّ محافظ المنطقة ]الوالي[ أنفق مؤخرًا 400 ألف دينار (141 ألف دولار) لإزالة ثلاثة أكوام من الرمال من ثلاث قرى مختلفة، لكنّها لم تلبث أن عادت إلى مواضعها

تمثّل جزء مهمّ من تأسيس ثقافة استقرار في تفكيك وخصخصة الأراضي التي كانت تُستغَلُّ جماعيًا منذ أجيال. تم إنشاء مجالس تصرّف في الأراضي للإشراف على العملية، ولكن حتى اليوم، ما تزال النزاعات قائمة حول استخدام الأراضي وملكيتها بين العائلات والقُرى والقبائل. في رجيم معتوڨ، دفعت الدولة لقبيلة غريب دينارًا رمزيًا – فعليًا لا شيء – عن كلّ هكتار من الأرض التي ستصبح مزرعة نخيل تمور، وتمّ منح كلّ واحد من أفراد القبيلة 2.5 فدان و100 نخلة. قال بن عمّار عن الأرض: “لم نكن بحاجة إليها في ذلك الوقت”. أمّا الأموال التي تم جمعها فقد اسُتخدمت لبناء مسجد بالقرية.

لم تقتصر أهداف مشروع رجيم معتوڨ على تثبيت الرُّحل ووقف زحف الصحراء. “كانت فكرة بورڨيبة هي إقامة حدود بشرية – أحفُر بئرا، اِخْلِقْ قرية” هكذا قال فتحي بن حاج يحيى وهو كاتب ومعارض، سُجن تحت حكم بورقيبة من 1975 إلى 1980 بسبب نشاطه مع اتحاد الطلبة، ذي التوجّه اليساري. سُجن البعض من رفاق بن يحيى في سجن رجيم معتوڨ خلال الستينيّات والسبعينيّات. في ذلك الوقت كان الوضع السياسي في ليبيا يزداد سوءا وشعُر بورقيبة بالضعف. يجب تأمين الحدود ويجب أن يُعطى الناس سبَبًا للولاء. “تمّ فرزهم واختيارهم ليكونوا أعيُونًا للدولة، حتّى يعملوا مع الشرطة والعسكريّين” أضاف بن حاج يحيى.

في الواقع، يعتبر بن عمّار نفسه بورڨيبيّا: “بورڨيبي اليوم وغدًا وبعد غد”. طُلب من سكان رجيم معتوڨ المحتمَلين التسجيل كمنخرطين في حزب بورڨيبة. أُجْبِر نُزلاء سجن رجيم معتوڨ، والذي كان يُديره الجيش حتى 2010، على زراعة النخيل وبناء المنازل. أُنشأت مزارع رجيم معتوڨ الضخمة بتمويل بملايين الدولارات من أوروبا. خلال التسعينيّات، أصبحت الحكومات الأوروبية، وخاصة منها الإيطالية، قلقة بشأن المهاجرين من شمال افريقيا المُبحرين عبر المتوسط والراسين على ضفاف أوروبا. أقرّت إيطاليا في عام 2002 قانونًا يربط المساعدات (لمشاريع كزراعة النخيل) بالتعاون على منع الهجرة غير النظاميّة.

إلى اليوم، ما زالت إيطاليا تموّل مشاريع ” للتنمية المستدامة” في رجيم معتوڨ. ومنذ 2015، قدّمت وكالة التعاون الإيطاليّة 2 مليون دولار للقرية، خُصِّصَت للبُنية التحتية والقروض الصغرى. الهدف من مساعدات كهذه هو “وقف الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، ولكن عبر دعم الأنشطة الاقتصادية حتّى لا يُغادروا”، قال روميو زولّي مُساعد تقني في وكالة التعاون الإيطاليّة. وأردَف موضحًا أنّه ليس متأكدا من فاعليّة هذا الإجراء، فالهجرة حتمية طالما الجفاف في تفاقم والحرارة في ارتفاع. قال روميو: “يغادر الناس المناطق الريفية لأنه هناك سُبُلٌ قليلة جدا لمقاومة التغيّر المناخي. الفلاحة ميدان هشٌّ للغاية”.

قال لي حبيب العايب، جُغرافيّ ومؤسس المرصد التونسي للسيادة الغذائية وللبيئة، إن النخيل  نفسه ، المتطلب رعاية مركزّة وواسعة ، هو اليوم – من سخرية الأقدار- بعد عقود من بدء مشروع الزراعة ، أحد الأسباب الرئيسية لتدهور الأرض.  بُنيت قرى البدو الجديدة بشكل عام على السهوب، أي المنطقة القاحلة قبل أن تبدأ الكثبان الرملية، حيث لعبت حيوانات الرعيْ دورًا مهمًا في المنظومة البيئيّة لفترة طويلة.

قال العايب: “السهوب رائعة”. “بُنية التربة عبارة عن سطح صخري، حيث تنمو أشياء صغيرة تحافظ على التربة في مكانها وتغذّي الحيوانات. لكنّ الحيوانات لا تأكل جذور هذا الغطاء النباتي “. وتابع أن الرعي المفرط يمثّل مشكلة فقط عندما ترعى الكثير من الحيوانات في منطقة معيّنة.

علاوة على ذلك، أدّى تدفق الناس إلى قطع الغطاء النباتي، المهمّ لتثبيت رمال الصحراء حول القرية، من أجل الفحم. وتستهلِك المزارع السقويّة ومزارع النخيل الكثير من المياه ممّا يقضي على الواحات الطبيعية.

يُشجّع أحد المشاريع الإيطاليّة المضخّات الصغيرة والرّي قطرة-قطرة للمحافظة على الماء، لكن هذه الطريقة قد تتسبب بقاء جذور النخلة قريبة من السطح، وغالبا سينتهي الأمر بسقوط الأشجار المُتداعية (قال زُولّي: ” من المبكر جدًّا معرفة مدى فاعليّة هذه الطريقة). مثلما صاغها حبيب العايب، تؤدي مشاريع الزراعة المُكثفة إلى عكس الأهداف التي أُنشِأت من أجلها: ” تخضير الصحراء يعني التصحّر.”

بإمكان زراعة الأشجار في المناطق القاحلة، عند تدبيرها بنحو جيد، جلب عديد المنافع الاقتصادية والبيئية. في الواحات التونسيّة، زراعة بعض أنواع الأشجار، كالتين بجانب النخيل أو نباتات بمستوى الأرض كالخُضر أو العلف للجِمال، تحمي الأرض وتخلق مناخًا أصغَريًّا رطبًا يزيد من القدرة المحليّة على التكيّف مع التغيّر المناخي.

“تكمن مسألة غرس الأشجار بأكملها في معرفة كيفية الحصول على الشجرة المناسبة في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب،  مع السياسات المناسبة”، هكذا قالت لي كاميلا تولمين، مُساعدة أولى بالمعهد الدولي للبيئة والتنمية. زراعة الأشجار عمل ظاهر للعيان، لذلك فهو نافع للحكومات والمنظمات التي تحاول أن تتباهى بمدى “اخضرارها”، لكن التجديد الطبيعي مثل “إدارة المواشي الخفيفة والتقليم الانتقائي” يمكن أن يكون له نتائج أفضل. “إنه مزيج من أشياء: زراعة جزئيًا، ورعيٌ جزئيًا”.

في النيجر عام 2020، أصدر الرئيس مرسوما للترويج لـ”تجديد طبيعي يُديره الفلاحون”، وهي تقنية تُشجّع على نموّ شتلات الأشجار التي تنبُتُ طبيعيا في الحقل عوض اقتلاعها، مثل الأعشاب الطفيلية. محليًّا، لاحظ المزارعون أنه على الرغم من أنّ ترك الأشجار بأماكنها يعني مساحة أقلّ للمحاصيل، إلّا أنّ ثمرة الذُرة الرفيعة والدخن (الدرُع) المزروعة بجانب بعض الأشجار كانت أعلى من تلك المزروعة في الهواء الطلق. أشجار مثل الجاو والباوباب توفّر الظلّ الحامي من أشعة الشمس الحارقة وتثبّت التُربَة وتخصّبها؛ كما أنّ أوراقها علف جيّد للحيوانات، كما يرى حامد تشيبوزو، مدير مشروع مع المنظمة غير الحكومية المسيحيّة “رؤية عالميّة”، الذي ساعد في صياغة المرسوم المذكور. “يعرف المنتج ما يحتاج  في حقله – هل يحتاج خشبًا لبيته، هل يحتاج غذاءً لحيواناته أم يحتاج أن يجعل حقله أكثر انتاجًا؟”

في بعض الأحيان، لا علاقة بين حماية التربة في الصحراء وغرس الأشجار. قد لا تبدو الأراضي العُشبيّة خِصبة مثل الغابة، لكنّها يمكن أن تُخزّن نفس القدر من الكربون وتكون أكثر مقاومة للجفاف والحرارة وحرائق الغابات. أخبرني جيرت ستيرك، أستاذ تدهور الأراضي والهيدرولوجيا في جامعة أوتريخت بهولندا، أنّ “التخضير” هو مسألة نسبيّة. إذ قال: “الحفاظ على غطاء من الشجيرات أمرٌ مُهم ، لكنك لا تحتاج إلى أشجار في نطاق ضيّق”. بعد الجفاف القاسي في الثمانينيات، شهدت منطقة الساحل زيادة في الغطاء النباتي مع عودة هطول الأمطار، إلّا أنّه “يجب ألّا ننسى أنّ منطقة الساحل هي منطقة شبه قاحلة ذات تُربة رملية وصخرية. قد يتوقع بعض الناس أنه إذا قمت بتحسين الظروف، يمكنك الحصول على محصول وفير. لكنني لا أعتقد ذلك “.

سقط العديد من مشاريع الجدار الأخضر العظيم في شمال السنغال، وما تزال البلاد تصارع تدهور التربة وفترات الجفاف الطويلة منذ عام 2010. “مشاريع استصلاح الأراضي لا تنجح عندما تكون مفروضة من فوق،” قال سرين سيجنان، المنسق في مجلس الحكومة السنغالية للتعاون الريفي. باتَت عملية صنع القرار أكثر توازنًا: أقرَّ إصلاح قانون الغابات في 2018 صراحة الاتفاقيات المحلية، حيث يُقَرِّر الأشخاص الذين يستخدمون الأرض، على سبيل المثال، الجزء الذي يجب تركه للراحة وأيّ جزء يجب تخصيصه للمراعي. قال عن المجتمعات والمنظمات المحلية: “إنّهم أفضل من التقنيين”. “إنّهم يعرفون الحقيقة.”

“تكمن مسألة غرس الأشجار بأكملها في معرفة كيفية الحصول على الشجرة المناسبة في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، مع السياسات المناسبة”

كاميلا تولمين

في بوركينا فاسو، وبعد سنوات من الجفاف، أُعيدت الحياة إلى الأرض الظمآنة عبر تجديد تقنية قديمة تدعى “زايي”. تستلزم هذه الطريقة حفر ثقوب في الأرض وملأها بالسماد العضوي خلال الموسم الجاف قبل غراسة البذور، وهو ما يجذب النمل الأبيض الذي يحفر بدوره جحورا في الأرض فيخلق فجوات قادرة على تجميع الماء.  تحصّل رائد هذه الطريقة – يعقوب سوادوجو مزارع من اواهيجويا شمال البلاد – على جائزة عالمية، وقد تمكّن من زراعة أكثر من 60 نوع من الأشجار بما في ذلك أشجار الباوباب، والأكاسياس وأشجار الفاكهة. في الساحل، كما في البلدان المغاربية وفي أماكن أخرى، تنجح الطريقة التقليدية لحفر خنادق على شكل نصف قمر في التقاط المياه وتجنّب الفيضانات الجامحة خلال الموسم الممطر.

الرَّعيْ سمة رئيسية للاقتصاد الأوسع لمنطقة الساحل: 80% من الأُسَر الريفية تعتمد جزئيا على الحيوانات. يُساهم أيضا الرعي الموسمي بشكل ملحوظ في إجمالي الناتج المحلي الفلاحي وفي كميات الحليب واللحم المستهلكة في المنطقة. إلّا أنّ التنقل من مرعى إلى آخر، أحيانا عبر الحدود، صار أكثر صعوبة بسبب النزاعات في المنطقة التي سلّطت بدورها ضغطا أكبر على الموارد الطبيعية، إذْ الناس مُجبرة على البقاء في مكان واحد. تكون أحيانا لمجهودات المساعَدة نفس التّأثيرات. مثلما يقول سكونز: ” واقعيًا، تتسبّب كثير من المشاريع التي تدعم الراعي نظريًا، مثل مخطّطات الاستيطان أو نقاط المياه القارّة، في التعريَة لكونها تُركِّز الحيوانات في بُقعة واحدة”

في رجيم معتوڨ، أصبح الاقتصاد المحليّ معتمدا كليّا على التمور. حسب المعلومات الرسميّة لسنة 2020، أنتجت القرية أكثر من 22.000 طن من التمور وفقط 21.000 طن لبقيّة الفواكه والمنتوجات الأخرى. تُمكّن زراعة التمور فلاحيّها من كسب عيشهم إلّا أنّ الوسطاء يستحوذون على الكثير من أرباحهم المُحتملة، مُصِرّين على عقد الصفقات خلال شهر جوان حين يصعب تقدير نوعية وكميات الحصاد القادم. السعر المعمول به في رجيم معتوق أقلّ من السعر في أجزاء أخرى من المنطقة، إلّا إذا كنت صاحب شبكة علاقات واسعة.

مازالت العائلات تحتفظ بالجِمال والمعيز والخرفان، لكن البلدية منَعت قُبيل سنوات الحيوانات من الرعي قريبا من القرية لحماية الغطاء النباتي. تقول خديجة بن مسعود، وهي شاعرة استقرت برجيم معتوڨ مع والديها حين كانت طفلة، بأن أرضها أصبحت مُجهَدة؛ تحاول أن تتحصل على قرض من الحكومة لشراء بعض الحيوانات لتخصيب الأرض. تقول في إحدى أشعارها: “الهكتار يندب مصيره / النخلة تشكو من ورطة وشيكة.”

رغم انتمائه لقبيلة غريب، لم يتحصّل الطيب فرج الله على قطعة أرض في رجيم معتوڨ حين قُسِّمَت الأرض ووُزّعت في الثمانينات. قال إنّ الأمر يتوقّف على شبكة معارفك، أن يكون لك قَرِيبٌ مُقرّبٌ من شخص بوزارة الفلاحة على سبيل المثال أمر نافع جدًّا. وهو ما يُسمّى في اللهجة المحليّة بـ “الكتِف”. تحصّل فرج الله إذن عوض ذلك على هكتار يبعد 40 ميلا عن رجيم معتوڨ. مؤخّرا جلستُ معه في فناء داره وأنشدَ أبياتا إيقاعيّة كتبها أخوه قبل سنوات حين استقرَّا بالقرية سنة 1983:

اليوم قاموا بضخ البئر المجاورة

خذ حصّة، حتى لو لم يكن لديك شيء

جئنا إلى هنا واستقرّينا أمام البئر.

هي قصيدة أمل وشكر لله الذي وهبهم الأرض ولوالي الجهة الذي “لن ينسى أمرهم”. فيها كذلك مرارة لأنّ نخلة دڨلة النور تستغرق على الأقل 5 سنوات كي تُثمر.

مرّت خمس سنوات على الاستقرار في أرض الشفاه الخشنة

نحن صبورون؛ انّني أنتظر بمرارة منذ ذلك الحين

كان الهكتار الذي تحصّل عليه فرج الله “أبيضا”، أي فارغًا، وكان عليه أن يشتري ويزرع الشتلات بنفسه. حتى يوفر رأس المال، باع جِمالَه ونصف الهكتار كما اشتغل بأعمال دوامية في الفلاحة والبناء. يملك الآن 25 نخلة، 18 منها مكتملة النمو ومُثمرة. لكن خلال السنة الفارطة عوض محصولٍ من الدڨلة (نور) الطريّة واللامعة، سقطت الكثير من التمور قبل أوان نضوجها – في مرحلة ما يسمّى بالبلَح، حين تكون حموضة الثمرة عالية تُجفّف فمك. عراجين كاملة من “المجبودة”، أي جافة وذابلة. باع الكيلوغرام الواحد بدينار – ما يعادل 35 سنتا، ربع ما كان سيجنيه للنوعية الممتازة.  قال فرج الله: “لو كان هناك ماء ستبدأ الدڨلاية العطاء.”

يحتاج الفلاحون في كلّ مرّة إلى الحفر إلى مستويات أعمق من سابقاتها حتى يجدوا الماء. سنة 1976 امتدّت زراعات النخيل على ما يزيد قليلا على 42000 هكتار في جنوب تونس. ومع حلول سنة 2020 زادت المساحة المزروعة بأكثر من ثلاثة أضعاف. شهدت ولاية ڨبلّي (التي تتبعها قرية رجيم معتوڨ) زيادة كبيرة بشكل خاص في هذه الفترة: من حوالي 12300 فدان إلى ما يقرب من 94000. ممّا شكل ضغطا كبيرا على حوضي المياه الجوفية الرئيسيين في المنطقة، يُقدّر المرصد التونسي للاقتصاد أنّ مستويات المياه في انخفاض بمُعدّل 3 إلى 12 قدما في السنة، وتُعاد التعبئة بنسق ضعيف للغاية.

في دَرجين، سمحت وزارة الفلاحة للفلاحين بالنفاذ حصرًا إلى مصدر ماء يُكلّفهم 500 دينار للهكتار الواحد (173 $) في السنة. غير أنّ فرج الله وأبناء عمومته تمكنّوا قبل 11 سنة ورغم عدم قانونية الفعل، من حفر بئر على عمق 750 قدما. قال لي فرج الله: “كان حفر الآبار ممنوعا وقت بن علي، حتى لو أنفقتَ أموالا طائلة سيغلقونه”. كانوا يسقون بالليل فقط حتّى لا يُقبض عليهم وكانوا يُخفون آلة الضخ الحمراء خلال النهار. تقنيّا، مازال الأمر محظورا، لكن منذ ثورة 2011 صار يُسمح بحفر الآبار وبإمكانك رؤية “الآلات الحمراء” في كل الأرجاء حتى في وضح النهار. يستخدم الفلاحون الميسورون الألواح الشمسية لتشغيل محرّكات ضخّ المياه. يستعمل فرج الله الغاز من مطبخه. 

لم يكن الحصاد الأخير أفضل من سابقة حين كنت هناك أوّل أكتوبر، كانت مضخّة درجين معطوبة. انقضى فصل الصيف وظلّت درجات الحرارة عالية إلّا أن النخيل كان في حاجة لمناخ أبرد. دڨلة النور على وجه الخصوص حسّاسة للحرارة المرتفعة، ممّا عزّز انتشار مرض عنكبوت النخيل الضارية.  ألقى فرج الله أبياتا أخرى نقلها عن جدّه الذي فقد حماسه تجاه حياتهم الجديدة بالقرية. يقول جزء منها: 

 تغيّر العالم نحو الأسوأ

يا أولاد فرج الله

لقد تركناه وراءنا

القصيدة كئيبة وطابعها مختلف عن تلك التي كتبها شقيقه، وتعكس موقف الجيل الأسبَق من “توطينهم” في القُرى. تحدّث فرج الله عن جدّه قائلا: “لو اقترحتَ إعطائه نخلة لقال لا وبدأ بشتمك!” سألته أيّ القصائد أقرب إليه فقال بأنّه صار يميل إلى كلمات جدّه. بدأ في الخروج إلى الصحراء والمشي مسافات طويلة، تُعجبه رحابة الأرض، والسكون خاصة في فصل الربيع. ” كنت سعيدا، لكني غيّرت رأيي بسبب الماء”. “لم يعد هناك ماء! بدأت أكره النخيل”. صار التنقل بين أسواق القرى لبيع الفحم – مصدر دخل عائلته قديما- مُتعِبا. كانت الصحراء صعبة معهم، والينابيع تجّف فيضطرون للتنقل والبحث عن ينابيع أخرى. لكنّه بدأ في التذكّر بحنين لزمان جدّه: ” كانت هناك طيبة. كان الناس أفضل، إذا حصل أحدهم على خبز، الجميع يأكُل”

لإدارة الغابات مشتَلَان في قبلي؛ تصطف أشجار السرو الطويلة في المشتل الرئيسي وقد تسمّرت بفعل شمس الصحراء اللهّابة وهي نفس الأشجار المزروعة على جوانب الطرق ومحيطات المُدن لصد الرمال. لقد اعتادوا زراعة أشجار الأوكالبتوس لنفس الغرض، لكن ذلك توقف قبل بضع سنوات لأنّ الأوكالبتوس من الأنواع الأكثر عطشًا. شُيِّد المشتل الثاني عام 2000 لأجل نباتات الصحراء والرعي. كانت هناك فكرة لمحاولة استرداد الأنواع المحليّة مثل سبارتيديوم الصحراء، وهي جيّدة كعلف وتُثبّتُ الرمل، لكنها أصبحت أكثر ندرة بسبب الجفاف والاحتطاب دون ذكر اقتلاعها لزراعة النخيل. مشتل النباتات المحليّة تقريبا مقفر الآن، إذْ فرغ ينبوعه القديم نتيجة سنوات من الجفاف.

منذ ثورة 2011، يواجه عبّاس، المدير الجهوي، عراقيل أخرى علاوة على زراعة الأشجار: مواطنون مُعزَّزون بأفكار مختلفة حول كيفية استخدام الأرض. زرعت الدولة آلاف الفدادين في السنوات السابقة دون الحاجة إلى إذن من المُلّاك الخواص. يقول عبّاس: “كنا نزرع حيثما أردنا؛ كانت الدولة قويّة”، هذا كان في السابق، الآن الناس يرفضون.”

حاولت الحكومة سنة 2019 الحصول على أرض شرق رجيم معتوڨ لزراعة “الحزام الأخضر” الذي من شأنه وقف زحف الرمال على القرية. لم يوافق مجلس إدارة الأراضي على خطّة الحكومة ووزّع عوض ذلك مئات القطع ذات الهكتارين على أكبر أبناء عرش غريب في القرية.

لا يملك بن عمار ماء  يكفي لري نخيله هذه الأيام، ومعروف أنّ التمور في رجيم معتوڨ جافة. لكن المُصدّرين قاموا بتحويل ذلك بشكل خلاّق إلى ميزة: تُسافر التمور المُجفَّفة لمسافات طويلة – إلى الأسواق في آسيا، على سبيل المثال. المزرعة ما تزال تتوسع. يُعتبر عيد، ابن شقيق بن عمار، من بين أولئك الذين يمتلكون إحدى قطع الأرض الجديدة. قال إنّ زراعة محصول من دڨلة النور هو خياره الوحيد. “وسأحتاج إلى بئر، وإلا فلن أتمكن من فعل أي شيء سوى مشاهدة أرضي.”

الرابط الأصلي للمقالة

الكاتبة: ليلي فُورودي

ترجمة: غسان بن خليفة 

المنشورات ذات الصلة
الغذاء والماء والارض

العدالة البيئية والعدالة الاجتماعية: مدخل السيادة الغذائية

الغذاء والماء والارض

المراعي الطبيعية في مصر: منتجو الغذاء يدفعون ثمن التغيُّرات المناخية والحرب

الغذاء والماء والارضمتابعة النضالات

فلاّحة أولاد جاب الله والصراع المتجدد في الريف التونسي

الغذاء والماء والارض

الجائحة والحرب الروسية- الأوكرانية:تعميق التبعية الغذائية في المنطقة العربيةّ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.