Follow Us

الغذاء والماء والارضالمخططات النيوليبراليةدراسات

من أجل فلاحة إيكولوجية: تعافي الأرض وليس الاقتصاد الرأسمالي


شعار البنك العالمي هو: “إنها، مع ذلك، تدور”. تصر هذه المؤسسة الرأسمالية العالمية على تعافي الاقتصاد الرأسمالي، وكأن هذا الأخير هو المريض، والحال أنه هو المرض. والحل السحري والجاهز دائما لدى البنك هو المزيد من النمو الاقتصادي بمفهومه النيوليبرالي: “ثمة حاجة في المدى المتوسط إلى تعزيز الإنتاجية لاستعادة النمو وتحقيق الاستقرار في حجم الدين. ومن الوسائل القوية لتحقيق ذلك السعي لتحقيق إصلاحات مؤسسية جوهرية من شأنها إعادة تشكيل دور الدولة، وتعزيز المنافسة العادلة وتسريع وتيرة اعتماد التكنولوجيا الرقمية والسعي إلى التكامل الإقليمي الذي هو محور تركيز هذا التقرير”.

ويعني هذا مواصلة نفس النزعة الإنتاجوية التي تشكل وجها ملازما لعملةٍ وجهُها الآخر هو الاستخراجية ببلداننا، دون الاهتمام بآثار النزعتين على البيئة وصحة الإنسان. فالبيئة والانسان بنظر رأس المال محضُ “موارد طبيعية” و”رأس مال بشري” يجري استغلالهما في دورة إنتاج القيمة ومراكمة الأرباح.

في وجه ذلك، تُطرح الزراعة البيئية كنموذج بديل للزراعة الأحادية التسويقية المفروضة على المنطقة منذ التغلغل الاستعماري. يدافع الباحث صقر النور في مؤلَّفِه: “الأرض والفلاح والمستثمر، دراسة في المسألة الزراعية والفلاحية في مصر”، عن الزراعة البيئية كنمط زراعي بديل. ويصفها بكونها: “علم، وفي الوقت ذاته مجموعة من الممارسات الفلاحية ومن الحركة الاجتماعية الشاملة… وباعتبارها تخصصا علميا، فإنها تقوم بتطبيق علم البيئة في الزراعة وإدارة وتطوير نظم بيئية- زراعية مستدامة من أجل تعزيز السيادة الغذائية”. وهو نفس الطرح الذي تدافع عنه منظمة لابيا كاميسينا- أوروبا: “في أوروبا، يعني بناء الإيكولوجيا الزراعية أيضًا بناء قدرة ممارسي- ات النظم الزراعية الإيكولوجية ومشاركتها، ووضع أطر لسياسة عمومية تدعم الزراعة الإيكولوجية وسلامة التربة. من الأهمية بما كان تطوير نظم زراعية تستخدم أقل قدر ممكن من مدخلات، فضلاً عن الاقتصادات الريفية المرنة، حيث يتم دمج الممارسات الغذائية والزراعية في العمليات الطبيعية والنظم البيئية وفقًا لمناطقها الجغرافية والمناخية”.

السيادة الغذائية: ليست خيارا وحسب، بل ضرورة

التبعية الغذائية وفقدان الشعوب حقَّ إنتاجِ غذائها هما نتاجُ سيرورة طويلة من تحويل العالم إلى سلعة. سيرورة انطلقت من أوروبا الغربية، حيث قضت على أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية وطردت الفلاحين- ات من أراضيهم- هن وانتزعت منهم- هن عناصر الإنتاج (أرض وماء) وحولتهم- هن إلى يد عاملة مأجورة متضخمة في المدن. ولا زالت عملية الاستحواذ على أراضي صغار المزارعين بأروبا مستمرة لحدود الآن: “مع أكثر من نصف الأراضي الزراعية التي تديرها 3% فقط من المستغَلات الزارعية، يشكل الاستحواذ على الأراضي تهديدًا حقيقيًا للبنية الاجتماعية في المناطق الريفية، ولكن أيضًا للقدرة على بناء أنظمةِ غذاء مستدامة في المستقبل… لقد خلقت اتفاقية الشراكة والتعاون وضعا تستولي فيه الدول الغنية وأنشطتها الزراعية الصناعية على مساحات شاسعة من الأراضي في الدول الأعضاء الفقيرة”.

انتقلت سيرورة التسليع هذه إلى النصف الغربي من الكرة الأرضية عبر حملات إبادة سكان الأمريكيتين، ثم حملات الاستعمار التي انتزعت أراضي أفريقيا وآسيا من سكانها، وربطت اقتصاديات القارات الثلاث (أفريقيا وآسيا أمريكا اللاتينية) بحاجات الاقتصاد الإمبريالي، لا بحاجات السواد الأعظم من سكانها، الذي ينتجون ما لا يأكلون ويأكلون ما لا ينتجون. وفي بلداننا يفاقم النهج الاستخراجي في استغلال الموارد الطبيعية استنزافَ هذه الأخيرة، وتلويث المياه وتهديد سلامة التربة.

أ – من أجل زراعة فلاحية محلية

رب أزمة نافعة، أو على حد تعبير والدن بيلو “لا تُهدر أبدا فرصةَ أزمة جيدة!”، كتب صقر النور: “ربما تكون هذه اللحظة مناسبة لطرح برنامج لدعم الانتقال إلى نظام زراعي بديل، يدعم الزراعة الفلاحية والتحول البيئي للزراعة والتوقف عن التمادي في تهميش الزراعة الفلاحية. تتطلب هذه اللحظة أيضًا مراجعة ذلك الانبهار بنمط الإنتاج الكبير وإعادة الاعتبار للزراعة الفلاحية ودعم التحول نحو الزراعة البيئية ودعم صغار الفلاحين”.

يدافع صقر النور، في مواجهة المزارع الرأسمالية الكبيرة وسلاسل القيمة الدولية، عن “أهمية الزراعة العائلية التي يقوم بها صغار الفلاحين، خاصة وأنها قادرة على التنظيم الذاتي لاستمرار الإنتاج مع إمكانية أكبر لحماية الأرواح بحفظ المسافات. هذا النمط الإنتاجي المناسب أكثر للبشر أكثر قدرة على التكيّف مع الأزمات من أنماط الإنتاج الكثيفة والإنتاج الكبير”. وانتقد التنظيرات النيوليبرالية التي تتهم “الزراعة الفلاحية بعدم الكفاءة واعتبار الفلاحين “عقبة” أمام التحول لما يعتقدون أنه النموذج العالمي الرائد، المعتمد على الإنتاج الكبير والزراعة الرأسمالية. ولكن فجأة تتحول هذه العقبة المختلقة إلى طوق النجاة، لأنه لولا هؤلاء المقاومين الصامتين، لكان وقع الأزمة أكبر كثيرًا مما هي عليه الآن”.

بدورها، تدافع لابيا كامبيسينا عن أنظمة إنتاج محلية، ففي نداء بتاريخ 6 أكتوبر 2020، ورد: “في هذا السياق، فإن إنتاج غذاء صحي ودعم الأسواق المحلية والأكل الصحي كلها أفعال مقاومة لتعزيز التنمية المحلية بإنصاف وكرامة… لقد أظهر لنا وباء كوفيد -19 أهمية ومرونة النظم الغذائية المحلية التي تحمي سكاننا من الجوع والمجاعة”. ووجهت نداء مفاده: “عليكم أن تتبنوا الأصناف النباتية- أي البذور- ازرعوها وقوموا بإنتاج الغذاء لتعزيز الزراعة المحلية. جربوا متعة تناول ما يأتي من حدائقكم النباتية!”.

سيكون للنساء دور بالغ الأهمية في الدفاع عن زراعة بيئية وإرسائها، إذ “لا تحمل الفلاحات على عاتقهن مهمة إدارة وتدبير احتياجات الأسرة وفقط، بل يمتد دورهن بعمق داخل العملية الزراعية، وهو دور لا يقل أهمية عن دور الرجال، فالمرأة جزء من هذه العملية قبل وبعد الزراعة، وهي التي تحدد ماذا تزرع كي تأكل أسرتها، وتحدد أنواع البذور المزروعة لأنها تعرف جيدا حالة البذور وجودتها. لهذا دافعت لابيا كامبيسينا- أوروبا في وثيقتها الموسمة بـ “دليل السيادة الغذائية” عن هذا الدور الخاص بالمرأة: “كانت النساء في قلب السيادة الغذائية منذ إنشائها. حاول دائما أعضاء منظمة لابيا كامبيسينا تجاوز النماذج التقليدية لهيمنة الذكور في المنظمات الزراعية من خلال خلق فضاءات تنظمها النساء ومن أجلهن. منحت هذه العملية، في جميع أنحاء العالم، الاستقلالية للفلاحات اللواتي يقفن في الخطوط الأمامية للنضال من أجل السيادة الغذائية. وبالتالي، فإن النضال من أجل السيادة الغذائية هو أيضًا نضال من أجل حقوق المرأة”.

ليست السيادة الغذائية ضرورية لتأمين غذائنا وحسب، بل حتى لبقاء “أمنا الأرض” التي يستنزفها الرأسمال عابر الأوطان بشراكة مع وكلائه المحليين. وعلى حد تعبير إستير بيباس ثمة دوما، في وجه سيطرة الشركات والمضاربين والموردين على سبل إنتاج غذائنا وتوزيعه وحتى أنماط استهلاكه، “بدائل. هنالك ما يمكن القيام به من أجل السيادة الغذائية في مواجهة اغتصاب الموارد الطبيعية: أن تتحكم المجتمعات في السياسات الزراعية والغذائية. يجب أن تُعادَ الأرض والبذور والماء إلى المزارعين قريبا حتى يتاح لهم تحقيق الاكتفاء الذاتي ويبيعوا منتجاتهم للمجتمعات المحلية، عوض تخصيص فائض للتجارة الدولية. إننا نتحدث عن الممارسات التي كانت تجري طيلة قرون، وقد ضمنت الأمن الغذائي للأقسام العريضة من السكان من خلال تنويع المحاصيل، والاهتمام بالأرض، واستعمال الماء، وخلق أسواق محلية وأنظمة مجتمعية… بالإضافة إلى ذلك، لا بد من القيام بإصلاح زراعي شامل لملكية الأرض وإنتاجها. معا من أجل تشريك الموارد الطبيعية”. وهو ذات ما ورد في نداء بيا كامبيسينا 6 أكتوبر 2020: “بصفتنا فلاحات وفلاحين، وسكان أصليين، وسكان قرويين، وعمال زراعة، وشباب المدن والقرى، لدينا الحلول- السيادة الغذائية والإيكولوجيا الزراعية الفلاحية- التي تسمح لنا بالقضاء على الجوع، وتبريد الكوكب، والحفاظ على التنوع البيولوجي، وكذلك احترام حقوق الفلاحات والفلاحين  والعمال والعاملات”.

بـ – من أجل تضافر النضالات على صعيد عالمي لتحقيق السيادة الغذائية

لكن للمعضلة وجها عالميا، ويجب أخذه بعين الاعتبار، وعلى نقاش السيادة الغذائية أن يتخذ نفس البعد، إذ ستكون الجهود المحلية لفهم أزمة الغذاء وانعدام السيادة الغذائية، محدودة جدا دون أخذ السياق العالمي بعين الاعتبار.

ولا يعني ذلك، إمكان وجود حل عالمي متماثل ينطبق على كل بقاع الأرض، وهو ما عبرت عن ذلك وثيقة صادرة عن “التنسيق الأوروبي لابيا كامبيسينا” بقول: “ليست السيادة الغذائية سلسلة من الحلول التقنية الثابتة، ولا صيغة تنطبق بنفس الطريقة على جميع أنواع الحالات، بل هي “عملية حيز التنفيذ”. إنها دعوة لنا نحن المواطنين للتنظيم والتفكير معًا لتحسين مجتمعنا وظروف معيشتنا”، وتضيف نفس الوثيقة مركزة أكثر على ملحاحية الطابع العالمي للسيادة الغذائية: “ظهرت السيادة الغذائية لتقديم إجابة وبديل للنموذج الليبرالي الجديد لعولمة الشركات. بهذا المعنى، فإنها تتخذ طابعًا دوليًا/ أمميا وتوفر إطارًا لفهم الحوكمة الدولية حول الأغذية والزراعة”.

نعني بلفت الانتباه إلى الوجه العالمي لمشروع السيادة الغذائية إدراجا للجهود المحلية والإقليمية في إطار منظور عالمي، كما نبه إلى ذلك حمزة حموشان: “إن أي مناقشة حول السيادة الغذائية بالبلدان المغاربية/ شمال إفريقيا يجب أن تتناول المسائل المتعلقة ببنيات السلطة غير العادلة على المستوى العالمي”، أو كما قال والدن بيلو عن “فرصة أزمة جيدة لا يجب أن تُهدر أبدا”: “تتصل جائحة كوفيد 19 اتصالا وثيقا بتموين الغذاء، لجهة أصولها، وأثرها، والدروس التي تقدمها لإعادة هيكلة المنظومة الغذائية العالمية”، ويضيف مؤكدا على “أهمية البدء في التحويل الاستراتيجي لنظام الغذاء العالمي”. واعتبر بيان السيادة الغذائية- شمال أفريقيا أن “الوعي بهذا الجذر العالمي ومسؤولية النظام الرأسمالي عن الأزمة وحلولها في صميم اهتمام شبكة شمال أفريقيا للسيادة الغذائية: “إنّ الأزمة الصّحيّة الحالية، يجب تحليلها وفهمها في هذا السياق العالمي”.

يستند هذا المنظور إلى حقيقة أن العائق الأساس [إلى جانب عوامل أخرى محلية لا يمكن الاستهانة بها] أمام تحقق السيادة هي سيطرة الشركات متعددة الجنسيات والصناعات الغذائية الكبيرة على إنتاج الغذاء وتسويقه، فضلا عن تدخل مؤسسات عالمية (مثل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية) في الخيارات الزراعية، بدل تقريرها من طرف الشعوب والمنتجين- ات الحقيقيين- ات والمستهلكين- ات. ففي البلدان الرأسمالية المتقدمة ذاتها، ليست الشعوب سيدة إنتاج غذائها، فهذا محتكر من طرف الرأسمال الكبير وشركات الصناعة الغذائية الضخمة والسوبرماكيت العالمي، ويتعرض فيه الإنتاج الصغير للاندثار. هذا ما تؤكده وثيقة لافيا كامبيسينا بأوروبا: “خسرت الزراعة الأوروبية مئات الآلاف من المستغَلات الزراعية ومداخيلها- فقد اختفى ثلث المزارع في أوروبا في مجرى العقد الماضي. يعتمد الإنتاج المفرط للحوم ومنتجات الألبان بشكل كامل تقريبًا على الأعلاف الحيوانية المستوردة، وخاصة فول الصويا المعدل وراثيًا القادمة من أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة. التوسع الكبير في استخدام المواد الكيميائية له تأثير كارثي على النظم البيئية في جميع أنحاء القارة. لم يعد الغذاء الصحي متاحًا للمواطنين نظرًا لوجود الأغذية المصنعة بشكل متزايد والتحكم تجار التجزئة في أسواق التوزيع. حلت المحاصيل الهجينة، الموحدة وذات فترة صلاحية محدودة، محل أصناف البذور التقليدية عالية القيمة الغذائية”. وهو ذات ما أكدته استير بيباس بقول: “الإعانات الزراعية الأمريكية والأوروبية الموجهة بالدرجة الأولى نحو الصناعات الزراعية الغذائية تطمس صغار المنتجين المحليين. هذا الدعم للأعمال الزراعية يُحتَسب بربع قيمة الإنتاج الزراعي في الولايات المتحدة و%40 في الاتحاد الأوروبي… في حين أن الهولدينغات العائلية، التي تدعم المناطق الريفية في أوروبا وملايين المزارعين في الجنوب، لا تملك فعليا أي دعم وتعاني من المنافسة الغير العادلة لهذه المنتجات العالية الدعم”.

إلى جانب الوجه العالمي للمعضلة، ينضاف سؤال إمكان تحقيق سيادة غذائية كاملة دون قطيعة ناجزة مع الرأسمالية؟ عندما يُنظَّم الاقتصاد القومي [بالأحرى العالمي] في مجمله على النهج الرأسمالي، فلا يمكن الحديث عن وجود زراعة مستقلة عن قوانين الإنتاج السلعي [قانون القيمة]، وإن كانت معيشية في جزء كبير منها. فالمزارع الصغير ينتج في شروط تتحدد بالشروط العامة لتنظيم الإنتاج الرأسمالي.

برهن تاريخ الرأسمالية العالمية على أن الرأسمال الصغير يلد دائما الرأسمال الكبير، عبر آليات المنافسة التي تؤدي إلى اندحار من هم- هن أقل إنتاجية وإفلاسهم- هن، والمزارع الصغير يلد المزارع الكبير عبر نفس الآلية. وفي إطار الإنتاج السلعي يكون دائما هناك احتياج في الزراعة الحديثة للنقود. وإن النقود التي لا توظَّف لغرض الاستهلاك الفردي في المجتمع الحديث تصبح رأسمالا. وتلك الموجَّهة للاستهلاك الفردي تشتري سلعا أنتجها خواص، أي تحقق فائض القيمة، وتتحول بالتالي إلى رأسمال، لكن ليس في يد من أنفقها بل في يد الرأسمالي… لذلك نجد تركيزا قويا من قِبل أدبيات الشبكات المناضلة من أجل السيادة الغذائية على التضامن الجماعي بدل التنافس الرأسمالي: “السيادة الغذائية مرادفة للتضامن وليس المنافسة”، “نموذج السيادة الغذائية يمثل إحدى محاولات بديلة عديدة لتنظيم الحياة الاقتصادية. وقد ظهرت كرد فعل على ترنح الرأسمالية من أزمة إلى أخرى طيلة العقود القليلة الماضية”.

الإنتاج في النظام الرأسمالي يُنْتج قيما تبادلية بالدرجة الأولى، وليس محضَ قيم استعمالية. وما دامت الزراعة الأحادية التصديرية الكثيفة تحقق معدلات ربح أعلى وتجلب عُملة، فإن السياسات العمومية واختيارات الرأسماليين الخواص ستختار هذا النموذج من الزراعة، وهو ما أكدته دراسة “مجموعة العمل للسيادة الغذائية- تونس” حيث ورد: “إن تشجيع الفلاحة المعدَّة للتصدير استقطبت الاستثمارات المباشرة في القطاع الفلاحي فتمركزت تلقائيا بحثا عن الربح حيث تتواجد الأراضي الخصبة واليد العاملة الرخيصة وأين تتوفر إمكانات استغلال المياه، بصفة قانونية أو غير قانونية”.

سجل والدن بيلو في خاتمة دراسته إحدى الخلاصات المهمة من الأزمة وأصر على “أن تتمفصل عملية التحول هذه [نحو السيادة الغذائية. ع. أ] مع بدائل تقدمية أخرى في السعي نحو تجاوز ما تولِّده الرأسمالية العالمية من لامساواة وصراعات وتنمية غير متكافئة وزعزعة للاستقرار البيئي”.

لذلك أورد “ائتلاف الجماهير” في بيانه المعنون بـ”بيان اشتراكي من أجل الفيليبين ما بعد كوفيد 19″، الذي ضمنه والدن بيلو في دراسته: “تُثبت طريقة واضطراب استجابات الفاعلين المهيمنين حيال الأزمة، ودون أدنى مجال للشك، أنه لم يعد بوسع الطبقات الحاكمة ترميم النظام القديم ولا أن تدير المجتمع بنفس الأسلوب البالي. ورغم الفوضى وضبابية المشهد والمخاوف والأجواء الكئيبة والموحشة الناجمة عن كوفيد- 19، إلا أن هذه الأزمة حبلى كذلك بفرص وتحديات واعدة لتطوير نمط جديد لتنظيم وإدارة المجتمع وتقديمه للناس. بما في ذلك من مكونات سياسية واقتصادية واجتماعية تصاحب هذا النمط. فكما أشار الاشتراكي ألبرت أينشتاين: “لا يمكننا حل مشاكلنا باعتماد نفس آلية التفكير التي خلقناها بها”.

تطرح دييغو مونتون عضو السكرتارية التنفيذية لـ CLOC- Via Campesina الأمر بهذا النحو: “بالنسبة لنا، يستحيل تحقيق السيادة الغذائية للشعوب في إطار النظام الرأسمالي والأبوي. يفرض هذا ضرورة بناء برنامج شعبي قائم على التضامن والعدالة الاجتماعية والبيئية والعدالة بين الجنسين وكذلك السيادة الغذائية”.

تقوم مهمتنا الرئيسة على حفز وتشجيع بناء حركاتٍ تنظمُ عملَ ونضالَ صغار المزارعين- ات والعمال- ات الزراعيين- ات والمستهلكين- ات في القرى والمدن، بتضافر مع جهود التثقيف التي تقوم بها شبكة شمال أفريقيا للسيادة الغذائية ومنظمات أو حركات أخرى مثيلة [لابيا كامبيسينا، على سبيل المثال لا الحصر].

ندافع عن منظور يعيد تحديد أولويات الاقتصاد لصالح من هم أسفل، بدل خدمة مصالح قلة رأسمالية مغتنية وأرباح الشركات متعددة الجنسيات ومورّدِي الغذاء. إن تلاقي نضالات شعوب بلدان الجنوب وحركات المزارعين- ات والعمال الزراعيين- ات والمستهلِكين- ات الحضريين- ات والريفيين- ات، مع نظرائهم- هن في بلدان الشمال ضد الصناعات الغذائية والمنتوجات المعدلة جينيا، يقع في صلب الدفاع عن سيادة غذائية كاملة. وقد حددت وثيقة لابيا كامبيسينا- أوروبا هذا التلاقي النضالي كالآتي: “تشمل السيادة الغذائية حركات الدفاع عن الزراعة الإيكولوجية الفلاحية، والعدالة المناخية والبيئية، وحقوق الفلاحين، والإصلاح الزراعي، وكرامة وحقوق المهاجرين- ات والعمال- ات الأجراء- ات والصيادين- ات وغيرهم- هن. هذا التقارب بين النضال والحركة هو الذي يحدد السيادة الغذائية ويعطيها العمق والقوة، ليس فقط عبر الحدود الدولية، ولكن أيضًا عبر مختلف القطاعات الاجتماعية والاقتصادية. هناك إجماع دولي متزايد على أن السيادة الغذائية يمكن أن تصبح ملتقى حقيقيا للعديد من الحركات الاجتماعية في جميع أنحاء العالم”.

ويُعتبر الإطار الشمال أفريقي إطار وسيطا بين النضال القُطْرِي والنضال العالمي. يساعد تكامل المؤهلات الطبيعية بين البلدان شمال أفريقيا، في البدء بسياسة زراعية- غذائية في خدمة الشعوب وليس الشركات والأسواق. وشبكة شمال أفريقيا للسيادة الغذائية لبنة أولى في هذه الطريق التي بدأنا الخطوة الأولى في مسافة الألف الميل لتحقيق الهدف.

ختاما، المسألة في التحديد الأخير مسألة سياسية بالدرجة الأولى، كما أوضح حمزة حموشان في ختام دراسة جمعية أطاك المغرب حول السيادة الغذائية: “الحصول على الغذاء وإنتاجه قضية سياسية بامتياز. ومن منظور العدالة المرتكزة على إعادة التوزيع، فهي تحاول الإجابة على أسئلة من قبيل: من يملك ماذا؟ من يفعل ماذا؟ من يحصل على ماذا؟ من يفوز ومن يخسر؟ ومن الذي يستفيد من الملك العمومي الجماعي؟ وعلاوة على أخذها بعين الاعتبار أيضًا الإرث الاستعماري والاستعماري الجديد، والقضايا الطبقية والمرتبطة بالنوع، فإنها تكشف أن “السيادة الغذائية” ليست مجرد مفهوم تمردي، ولكنها أيضًا مشروع جذري للتغيير الاجتماعي والاقتصادي العميق نحو السيادة الشعبية للمنتجين الحقيقيين للمواد الغذائية على وجه الخصوص، والمضطهدين بصفة عامة. ترتبط “السيادة الغذائية” عمومًا بحق الشعوب بتقرير مصيرها على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية. وبناءً على هذا المنطق، فإن أي مناقشة حول السيادة الغذائية بالبلدان المغاربية / شمال إفريقيا يجب أن تتناول المسائل المتعلقة ببنيات السلطة غير العادلة على المستوى العالمي، واستدامة الموارد، ونزع ملكية الفلاحين التاريخية وزعزعة استقرارهم بالفترة الاستعمارية وبحقبة ما بعد الاستعمار من خلال فرض الإصلاحات الاستعمارية الجديدة وبرامج التقويم الهيكلي النيوليبرالية”.. وهذا الوجه ليس حصرا على بلدان الجنوب- وضمنها شمال أفريقيا- بل تشمل حتى العالم الرأسمالي المتقدم، حيث أشارت وثيقة لابيا كاميسينا- أوروبا إلى ذلك بقول: “عملت القوى السياسية بشكل جيد لسنوات عديدة من أجل الحكم في جميع جوانب أنظمة إنتاج الغذاء لدينا، ولوضع دورة الإنتاج والبذور والمدخلات وغيرها من الضروريات تحت سيطرة خصخصة متزايدة”.

إن الحاكمين بشمال أفريقيا يخدمون مصالح الرأسماليين [محليين وأجانب]، فضلا عن تنفيذ إملاءات مؤسسات الرأسمال العالمي [بنك وصندوق نقد دوليين..]، ففي الجزائر على سبيل المثال أقر القانون التكميلي لمالية 2020، قرارا سيرهن مجمل سيادة الجزائر الاقتصادية، وليس فقط الغذائية. نص القانون “على إلغاء قاعدة توزيع رأس المال 49/51 بالمائة، باستثناء أنشطة شراء وبيع المنتجات وتلك التي تكتسي طابعا استراتيجيا، وإلغاء حق الشفعة لدى التنازل عن الأسهم أو الحصص الاجتماعية المنجزة من طرف أجانب أو لصالحهم، إلى جانب إلغاء إلزاميـة تمويل الاستثمارات الأجنبية باللجوء إلى التمويلات المحلية”، إضافة إلى “الإعفاء من الحقوق الجمركية والرسم على القيمة المضافة لمدة سنتين قابلتين للتجديد للمكونات والمواد الأولية المستوردة أو المقتناة محليا من قبل المقاولين المناولين”.

سيقف هؤلاء ضد أي ديمقراطية فعلية يقرر عبرها المنتجون- ات الحقيقيون- ات (عمال- ات وصغار المزارعين- ات ومستهلكين- ات… إلخ) ما سيزرعون؟ وكيف يزرعونه؟ وأسلوب التوزيع. وقد أظهرت جائحة كوفيد- 19 الأمر بحدة أكثر، حيث حافظ الماسكون بزمام السلطة على نفس السياسات الفلاحية المنتهَجة منذ عقود- بالموازاة مع تدخلات مضبوطة وظرفية لتخفيف آثار الجائحة أثناء فترة الإغلاق. تظهر هذه الجائحة، كما أكد بول مارسيال “الحاجة، في إفريقيا كما في أي مكان آخر، إلى إعادة توجيه الاقتصاد لتلبية حاجات السكان الاجتماعية. يتطلب مثل هذا التغيير إرادة سياسية ليست قائمة اليوم في أجندة القادة الأفارقة والدول الغنية أكثر مما كانت بالأمس. الحل الوحيد هو تدفق الشعوب الهائل إلى الساحة السياسية”.

على هذه الإرادة السياسية التي سيشكلها “تدفق الشعوب الهائل إلى الساحة السياسية” أن تدافع عن نمط زراعي- فلاحي لخصه “منتدى نييلي” المنعقد بمالي سنة 2007، وضم ممثلي الفلاحين ومجموعات المجتمع المدني، على الشكل التالي: “نكافح من أجل عالم تستطيع فيه كل الشعوب والأمم والدول اختيار أنظمة إنتاجها الغذائي ووضع السياسات الكفيلة بأن توفر لكل منا الغذاء الجيد، الكافي، المتاح، الصحي والملائم ثقافيا”. ويمكن طرح هذه البدائل التي فصلها والد بيلو في دراسته، لتكون أرضية لتجميع أنصار السيادة الغذائية والفلاحة الإيكولوجية:

1. يجب أن تسعى كل بلاد جاهدة لتحقيق اكتفائها الذاتي من الغذاء، ما يعني ضرورة أن ينتج مزارعوها معظم الطعام المستهلَك محليا. هذا الشرط الذي يقوضه مفهوم الشركات للأمن الغذائي، القائل بإمكانية تلبية جزء كبير من احتياجات البلاد الغذائية عبر الاستيراد.

2. يجب أن يكون للناس الحق في تحديد أنماط إنتاجها واستهلاكها للأغذية، مع مراعاة “التنوع الريفي والإنتاجي”، وأن لا يُسمَح برهن هذا التنوع لتقلبات التجارة الدولية غير المنظمة.

3. ينبغي أن ينقاد إنتاج واستهلاك الغذاء لرفاه الفلاحين والمستهلِكين ومصالحهم الحقيقية، لا لأرباح الشركات العابرة للأوطان بقطاع الزراعة التجارية.

4. وجوب فك الارتباط بين الإنتاج وسلاسل التوريد العالمية، التي أخضعت من خلالها الشركاتُ العابرة للأوطان الإنتاج المحلي من أجل تحقيق ربحية أكبر.

5. يتضمن مفهوم السيادة الغذائية بالضرورة عملية توطين الأنشطة الزراعية محليا. وهذا أمر جيد بالنسبة للمناخ، فانبعاثات الكربون الناجمة عن الإنتاج المحلي أقل بكثير- على المستوى العالمي- من تلك التي تُصدِرها الزراعات القائمة على سلاسل التوريد العالمية.

6. ضرورة وجود رقابة ديمقراطية على السياسة التجارية الوطنية، وبما يتيح للمزارعين والقرويين التدخل بشكل رئيسي في عملية اتخاذ القرار.

7. يجب أن تنتج منظومات الغذاء الوطنية غذاءً صحيا وذا جودة عالية وملائما ثقافيا للسوق المحلية، متجنبة بذلك الطعام حسب المعايير الدولية أو “سَقْطُهُ” (الوجبات السريعة).

8. يجب بلوغ توازن بين الزراعة والصناعة، وبين الريف والمدينة، لعكس تبعية الزراعة والريف للنخب الصناعية والحضرية. إذ أدت هذه التبعية إلى ريف تعيس وأحياء حضرية فقيرة مكتظة بالنازحين الريفيين.

9. يجب النظر إلى الزراعة الحضرية محدودة النطاق، التي تغذي اليوم حوالي 800 مليون نسمة عالميا، على أنها مكملة للزراعة الريفية الصغيرة. بإمكانهما التآزر ودعم عودة صغار الوسطاء وتجار التجزئة.

10. يجب وقف الاستيلاء على الأراضي، وعكسُ سياسة تجميع الأراضي من قبل المُلاَّك والشركات العابرة للأوطان. كما يجب تعزيز العدالة في توزيع الأراضي من خلال الإصلاح الزراعي. ينبغي أن يشمل الإصلاح أيضا قوانين تدعم الأشكال المجتمعية والجماعية للملكية والإنتاج المعزِّز للشعوب بالمسؤولية البيئية.

11. بالأساس، يجب أن تضطلع مجتمعات السكان الأًصليين وصغار المزارعين والتعاونيات أو مؤسسات الدولة بالإنتاج الزراعي، وينبغي التخلص تدريجيا من تدخل الشركات العابرة للأوطان في إنتاج الغذاء.

12. يجب إخضاع توزيع الغذاء واستهلاكه لنظام أسعار عادل، يأخذ بعين الاعتبار حقوق ورفاه كل من المزارعين والمستهلكين معا. هذا يعني، فيما يعني، وضع حد لإغراق الشركات العابرة للأوطان للسوق بالسلع الفلاحية المدعمة، الذي يؤدي إلى انخفاض مصطنَع في الأسعار وإلى تدمير صغار المزارعين. يعني ذلك أيضا، وفقا للباحث والناشط بيتر روسيت: “العودة إلى حماية الإنتاج الغذائي الوطني للدول… إعادة بناء احتياطيات الحبوب… إعادة النظر في ميزانيات القطاع العام وفي أسعار الحد الأدنى وفي الائتمان، وغير ذلك من أشكال الدعم التي تحفز انتعاش الطاقة الإنتاجية الغذائية للبلدان”.

13. يجب الثني عن الزراعة الصناعية القائمة على الهندسة الوراثية والثورة الخضراء ذات الاستخدام الكثيف للمواد الكيماوية. إذ تخدم السيطرة الاحتكارية على البذور أجندات الشركات، فيما لا تتسم الزراعة الصناعية بالاستدامة.

14. تحتوي التقنيات الزراعية التقليدية للفلاحين والسكان الأصليين على قدر كبير من الحكمة، وتمثل تطورا متوازنا وحميدا- إلى حد كبير- بين المجتمع البشري والمحيط الحيوي. يجب بالتالي، أن يأخذ تطور التكنولوجيا الزراعية الساعي لتلبية الحاجات الاجتماعية، الممارسات التقليدية كنقطة انطلاق بدلا من تجاوزها واعتبارها ممارسات بالية.

15. يمكن تحقيق السيادة الغذائية بشكل أفضل من خلال الفلاحة الإيكولوجية، التي تتميز بـ”إعادة تدوير المغذِّيات والطاقة في المزرعة نفسها، بدلا من استعمال مدخلات خارجية؛ تعزيز المواد العضوية في التربة والنشاط البيولوجي للتربة؛ وتنويع الأصناف النباتية والموارد الوراثية في النظم الإيكولوجية الزراعية على امتداد الزمان واختلاف المكان؛ دمج المحاصيل والثروة الحيوانية وتحسين التفاعلات وإنتاجية النظام الزراعي الكلي، بدلا من التركيز على محاصيل الأنواع الفردية”.

المقال أعلاه مأخود من دراسة : أزمة كوفيد 19 وضرورة النضال من أجل السيادة الغذائية بشمال أفريقيا

لتحميل وقراءة الدراسة : إضغط هنا

المنشورات ذات الصلة
الغذاء والماء والارضمكتبة

الجزائر : حول كتاب "الزراعة الصحراوية دون الواحيين" اصدار جمعية "تربة"

الغذاء والماء والارضالمشاركات الدولية

التعبئة الشعبية المضادة من أجل تغيير الأنظمة الغذائية للشركات

العولمة الليبراليةالغذاء والماء والارض

قمة نظام الغذاء للأمم المتحدة تزرع حلول الشركات وتحرث تحت مُستوى معرفة الناس

الغذاء والماء والارضالمشاركات الدولية

أوضاع عمال/ات الزراعة بالمغرب في سياق قمة الأمم المتحدة للنظم الغذائية لسنة 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *