Follow Us

الغذاء والماء والارضدراسات

من سلسلة إمداد الغذاء إلى السيادة الغذائية


مثلما ذكرنا آنفًا، هناك أسباب متينة لِعكس اتّجاه الأشْرِعَة والتحرُّك نحو مزيدٍ من الاكتفاء الذاتي الغذائي عِوضَ مواصلة السعي نحو عولمة إنتاج الغذاء. ومع ذلك، يجب أن يتجاوز الهدف مجرّد ضمان الاكتفاء الذاتي من الغذاء إلى تشجيع القيَم والمُمارسات التي تدعَمُ المجتمع والتضامن الاجتماعي والديمقراطية. 

لم يقَع تغيير النموذج المُتبَّع إثر أزمة أسعار الغذاء في 2007-2008. بل كان ذلك هو “الطريق المتروك”، في حينِ ثَبّتَتْ شركات الزراعة الغذائيّة العابرة للقوميّات ومُنظِّرُوها قدرتهم في الحفاظ على المنظومة وتوسيعها. ومع ذلك، التقى ممثّلو الفلاحين ومجموعات المجتمع المدني في قرية نييليني في سيلينڨي بمالي، قبل اندلاع الأزمة بوقت قصير، للتعبير عن رؤية مختلفة وطريق مُغاير عُرفَ لاحِقًا بـ”السيادة الغذائية”.

تَحدّث “إعلان نيليني”، المنبثق عن اللقاء، باسم من يُنتجون ما يُقدَّرُ بـ 70% من الغذاء العالمي. أولئك الذين لم يعُد ممكنًا تجاهلُ مصالحهم فحسب، بل ويقدّمون كذلك نهْجَهَم: “طريق الفلّاحين” أو “فيَا كامبيسينا” ــ مثلما تُسمّي نفسها إحدى المُنظّمات المُناصِرة للسيادة الغذائية ــ كأفضل سَبيلٍ أمام العالمِ.

أعلَن المشاركون في ذلك المؤتمر التاريخي ما يلي: ” نكافح من أجلِ عالمٍ تستطيع فيه كُلّ الشعوب والأُمَم والدُوَل اختيارَ أنظمة إنتاجها الغذائي ووضع السياسات الكفيلة بأن تُوّفرُ لكُلٍ منّا الغذاء الجيّد، الكافي، المُتاح، الصّحي والمُلائم ثقافيا.”

من الممكن اعتبار المبادئ التالية، والتي عبّر عنها أنصارها في مجموعة متنوعة من كتاباتهم ومداخلاتهم، كأحجار الزاوية في نموذج السيادة الغذائية :

يجب أن تسعى كلّ بلاد جاهدةً لتحقيق اكتفائها الذاتي من الغذاء، ما يعني ضرورة أن ينتج مزارعوها معظم الطعام المستهلَك محليًا. هذا الشرط الذي يقوّضه مفهوم الشركات للأمن الغذائي، القائل بإمكانية تلبية جزء كبير من احتياجات البلاد الغذائية عبر الاستيراد.

يجب أن يكون للناسّ الحقّ في تحديد أنماط إنتاجها واستهلاكها للأغذية، مع مراعاة “التنوع الريفي والإنتاجي”، وأنْ لا يُسمحَ برهن هذا التنوّع لتقلبّات التجارة الدولية غير المُنظَّمَة.

ينبغي أن ينقاد إنتاج واستهلاك الغذاء لرفاه الفلاحين والمُستهلكين ومصالحهم الحقيقيّة، لا لأرباح الشركات عبر القوميّة بقطاع الزراعة التجاريّة.

بالأساس، يجب أن تضطلع مجتمعات السُكّان الأصليّين وصغار المزارعين والتعاونيات أو مؤسسات الدولة بالإنتاج الزراعي، وينبغي التخلص تدريجيًّا من تدخُّل الشركات عبر القوميّة في إنتاج الغذاء.

يجب إخضاع توزيع واستهلاك الغذاء لنظامِ تسعيرٍ عادلٍ، يأخذ بعين الاعتبار حقوق ورفاهَ كُلٍ من المزارعين والمستهلكين معًا. يعني هذا، فيما يعني، وضع حدٍّ لإغراق الشركات عبر القوميّة للسوق بالسلع الفلاحيّة المُدعَّمَة، الذي يُؤدي إلى انخفاضٍ مصطَنَع في الأسعار وإلى تدمير صغار المزارعين. يعني ذلك أيضًا، وفقًا للباحث والناشط بيتر روسيت، “العودة إلى حماية الإنتاج الغذائي الوطني للدول … إعادة بناء احتياطيات الحبوب … إعادة النظر في ميزانيات القطاع العام وفي أسعار الحد الأدنى وفي الائتمان، وغير ذلك من أشكال الدعم التي تُحفِّز انتعاش الطاقة الإنتاجية الغذائية للبلدان”.

يجب الثنْيُ عن الزراعة الصناعية القائمة على الهندسة الوراثية والثورة الخضراء ذات الاستخدام الكثيف للمواد الكيميائية. اذ تخدمُ السيطرة الاحتكارية على البذور أجنداتَ الشركات، فيما لا تتسمّ الزراعة الصناعيّة بالاستدامَة.

تحتوي التقنيات الزراعية التقليدية للفلاحين والسكان الأصليين على قدرٍ كبير من الحكمة وتُمثل تطورًا متوازنًا وحميدًا ـ إلى حدٍ كبير ـ بين المجتمع البشري والمحيط الحيوي. يجب بالتالي، أن يأخذ تطوّر التكنولوجيا الزراعية الساعي لتلبية الاحتياجات الاجتماعية، الممارسات التقليدية كنقطة انطلاق بدلاً من تجاوزها واعتبارها ممارسات بالية.

يمكن تحقيق السيادة الغذائية بشكل أفضل من خلال الفلاحة الإيكولوجيّة، التي تتميّز بـ “إعادة تدوير المُغذِّيات والطاقة في المزرعة نفسها، بدلاً من استعمال مُدخَلات خارجية؛ تعزيز المواد العضوية في التُربة والنشاط البيولوجي للتربة؛ تنويع الأصناف النباتية والموارد الوراثية في النُظم الايكولوجية الزراعية على امتداد الزمان واختلاف المكان؛ دمج المحاصيل والثروة الحيوانية وتحسين التفاعلات وإنتاجية النظام الزراعي الكُلّي، بدلاً من التركيز على محاصيل الأنواع الفردية”.

من المؤكَّد، مثلما يشير جون بوراص جونيور وزملاؤه، أنّ هناك العديد من الأسئلة المتعلقة بالاقتصاد والسياسة وتكنولوجيا السيادة الغذائية التي ما تزال دون إجابة، أو التي يقدمّ أنصارُها أجوبة مُتعدّدة أو متناقضة أحيانًا. لكنّ النماذج الجديدة لا تولَدُ كاملةً أو مرّة واحدة.

ما يمنحُ هذا الجديد زخَمه هو ما خلّفه النموذج القديم من أزَمات لا يمكن تداركُها. وكذلك اقتناع كُتلة حرِجة من الناس بأنّ التجديد هو السبيل الأوْحد للتغلّب على مشاكل المنظومة القديمة وانفتاحُ احتمالاتِ تحقيقِ ما يعتزّ به الناس من قيَم. وكما هو حالُ أيّ شكل من أشكال تنظيم العلاقات الاجتماعيّة لا يمكن الإجابة عن الأسئلة وإزالة الغموض والتناقضات إلّا عبْر الممارسة والتجربة، لأنّ الممارسة هي أُمّ القُدُرات. 

ما يجب ذكره كخلاصة هو أنّ نموذج السيادة الغذائية يمثّل إحدى محاولاتٍ بديلَةٍ عديدةٍ لتنظيم الحياة الاقتصادية. وقد ظهرت كردّ فعلٍ على ترنُّح الرأسماليّة من أزمة إلى أخرى طيلة العقود القليلة الماضية.

تشمل هذه البدائل إضافة إلى الصفقة الخضراء الجديدة، التيار المناهض للعولمة و المنادين بتراجع النموّ، والنسوية الإيكولوجية، والماركسية التحرّرية، و”بْوِينِ فِيفرْ”، أو المعيشة الجيّدة. ورغم أنّ هذه الرؤى قد ركّزت على أبعاد مختلفة في علاقات الناس مع بعضهم البعض ومع الكوكب، إلّا أنّ ما تشتركُ فيه من عناصر يثير الذهول.

وعلى حدّ تعبير المفكر المَجَري العظيم كارل بولاني: تتمحور كلّ هذه العناصر حول خلق الظروف المُلائمة حتّى لا يستمرّ السوق المُنْبَتّْ، أو الاقتصاد الرأسمالي، في قيادة المجتمع، بل يُعادُ دمجُه به. يتمثّل التحدّي الكبير لعصرنا في تسخير ودمج فراسَة هذه المقاربات، مَفْصَلَة تلك التي تضمَّنت بالفعل قدرًا كبيرًا من التفكير والممارسة، وتجسيدها ثمّ الدفع بها من قِبل كُتلة حرجة قادرة على تغيير الموازين لصالح التحرّر.

المقال أعلاه مأخود من دراسة : جائحة كوفيد 19 وامكانيّة تحقيق السّيادة الغذائية

للباحث الفليبيني  والدن بيلو

لتحميل وقراءة الدراسة : إضغط هنا

المنشورات ذات الصلة
الغذاء والماء والارضمكتبة

الجزائر : حول كتاب "الزراعة الصحراوية دون الواحيين" اصدار جمعية "تربة"

الغذاء والماء والارضالمشاركات الدولية

التعبئة الشعبية المضادة من أجل تغيير الأنظمة الغذائية للشركات

العولمة الليبراليةالغذاء والماء والارض

قمة نظام الغذاء للأمم المتحدة تزرع حلول الشركات وتحرث تحت مُستوى معرفة الناس

الغذاء والماء والارضالمشاركات الدولية

أوضاع عمال/ات الزراعة بالمغرب في سياق قمة الأمم المتحدة للنظم الغذائية لسنة 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *