Follow Us

الغذاء والماء والارضفلاحون

نهج الفلاحين في فلسطين : تحرير الوطن عبر السيادة على الأرض


“اللي يحبّلك على ڨوتك، يحبّلك على موتك” (من يريد أن يأخذ قوتك، يريد موتك). هذا ما استنتجه شباب “أولاد جاب الله” (قرية من ولاية المهدية شرق البلاد التونسية) خلال احتجاجاتهم وصراعهم المعيشي ضد السياسات الفلاحية الاستعمارية التي تتوخاها شركات الإمداد الفلاحي بتواطؤ الدولة التونسية وإسناد المؤسسات المالية العالمية.

هكذا يفهم الفلاحون-ات عبر التاريخ علاقتهم-ن بالأرض وبالمستحوذين المحليين والغزاة الخارجيين. ولا يخفى على باحث دور الفلاحين في حروب التحرُّر من الإمبريالية خلال القرن العشرين في الصين والهند والفييتنام والزمبابوي والمكسيك وتونس وغيرها…

ولئن نجحت هذه الحركات التحررية المسلحة، المتكونة قاعدتها الاجتماعية أساسا من فلاحين، في التصدي للاستعمار العسكري فإن ترسبات الموجة الإمبريالية العالمية في القرن العشرين مازالت جاثية في فلسطين. إذ يستمر الاحتلال الاستعماري الصهيوني- وريث الهيمنة البريطانية على المنطقة ورديف خليفتها الأمريكية- في ممارسة همجيته الإستيطانية في المدن والأرياف الفلسطينية نازعا عن الفلاحين سيادتهم على أرضهم وإنتاجهم.

ولعل أبرز الدلائل التاريخية على علاقة القضية الفلسطينية بالأرض الفلاحية بداية من عادة إحياء “يوم الأرض” كل 30 مارس/أذار من كل سنة  وصولا إلى التعريف بالقضية ثقافيا من خلال خصائص فلاحة البلد عندما قرض محمود درويش شعر “باقون ما بقي الزعتر والزيتون” وحين خطّ غسان كنفاني أقصوصات “أرض البرتقال الحزين”.

أما فيما يخص أساليب التنظيم التي اعتمدها الفلاحون الفلسطينيون، فإنه قد تم قبول عضوية فلسطين الكاملة في حركة “لا فيا كمبيسينا – نهج الفلاحين” كأول بلد عربي في الحركة وذلك سنة 2013. وشغل “اتحاد لجان العمل الزراعي” هذا المقعد في سكرتارية الحركة من أجل العمل على سيادة غذائية في فلسطين ذات أفق تحرري من الاستعمار [1].

فماهي حركة “لافيا كمبيسنا” و ما هو مجال عملها في العالم وفلسطين؟

وما هو موقع السيادة الغذائية في مسيرة تحرُّر الفلاحين وتحرير الشعوب؟

لافيا كمبيسينا – نهج الفلّاحين

“لافيا كمبيسينا” (La Via Campesina أي “نهج الفلاحين” بالإسبانية) هي حركة فلاحية عالمية تم تأسيسها سنة 1993 بمدينة مون في بلجيكا وتتكون من 182 منظمة في 81 دولة.

وتعرّف الحركة نفسها بكونها “حركة أممية تنسق بين منظمات الفلاحين ذوي الإنتاج الصغير والمتوسط والعمال الفلاحيين والنساء الريفيات ومجتمعات السكان الأصليين في آسيا وإفريقيا وأمريكا وأوروبا”. [2]

تدعو حركة “نهج الفلّاحين” إلى اعتماد الفلاحة العائلية المستدامة،  كما أنها كانت أول مجموعة تعتمد مفهوم “السيادة الغذائية”. وتدافع الحركة عن حقوق الفلاحين- ات في الحصول على البذور، وتدعو إلى نبذ العنف ضد النساء، وتنادي بالإصلاح الزراعي.

تأسست الحركة إثر تعبئة شعبية مناهضة لاجتماع “الاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية والتجارة” في اليوروغواي حيث تم توقيع “اتفاقية الزراعة” و”الاتفاقية حول الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفردية” من قبل “منظمة التجارة العالمية”. أطلقت هذه الاتفاقيات الرأسمالية العديد من الاحتجاجات حول العالم ضد اعتمادها لمقاربات تقنية وتجارية بحتة مقابل الحق الإنساني في الغذاء. فقدَّمت منظمة “نهج الفلاّحين” منصة للفلّاحين الصغار كي يوصلوا أصواتهم المعارِضة لهذه الاتفاقيات التي تهدد حياتهم. وتضم الحركة الآن أكثر من 200 مليون فلّاح وفلّاحة حول العالم.

خلال مؤتمر الحؤركة السادس في العاصمة الأندونيسية جاكرتا ، من 11 و13  يونيو/حزيران 2013، تم الإعلان عن قبول العضوية الكاملة لاتحاد لجان العمل الزراعي- فلسطين في سكرتارية الحركة.

كان وزير الزراعة الفلسطيني “وليد عساف” أعلن عن قبول عضوية فلسطين في مؤتمر صحفي نظّمه اتحاد لجان العمل الزراعي. فتمت الإشارة فيه إلى أن حصول هذا الأخير على العضوية الكاملة في الحركة فرصة كبيرة لإيصال الصوت الفلسطيني من أجل الاستقلال والتحرر من الاحتلال الصهيوني.

جرى التشديد أيضا على أهمية السيادة الغذائية كمفهوم سياسي في مواجهة سياسات الاستيطان والتهويد المسلّطة ضد الأرض كما في ارتباطها بحق الفلسطينيين- ات في السيادة على أرضهم وعلى مواردها.

من جهة أخرى، فإن الانضمام إلى أكبر حركة فلاحية في العالم يضفي بعدا أمميّا أعمق للقضية الفلسطينية المرتبطة بالأرض أساسا.

السيادة الغذائية من أجل السيادة الشعبية الوطنية

حوّرت حركة “نهج الفلاحين” تعريف مفهوم “السيادة الغذائية” منذ أول ظهور له سنة 1996 خلال قمة الغذاء التي عقدتها “منظمة الغذاء والزراعة FAO” بمدينة روما فكان مفهوم “السيادة الغذائية” يعني حينها “حق الشعوب في الغذاء الصحي والملائم ثقافيا من خلال أساليب سليمة بيئيا ومستدامة، وحقها في تحديد طعامها والنظم الزراعية المناسب للظروف الخاصة بها”.

ثم استقر التعريف من خلال “إعلان نييليني” الذي انبثق عن المنتدى الدولي للسيادة الغذائية بمالي سنة 2007 على “حق الشعوب والمجتمعات المحلية والبلدان في تحديد سياساتها الخاصة بالزراعة والعمالة الزراعية وصيد الأسماك والغذاء والأراضي بطريقة ملائمة بيئيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا لظروفها. ويشمل الحق في الغذاء وإنتاج الغذاء أن لجميع الناس الحق في النفاذ لغذاء آمن ومغذ ملائم ثقافيا، والنفاذ لموارد إنتاج الغذاء والقدرة على إعالة أنفسهم ومجتمعاتهم. تولي السيادة الغذائية الأولوية لحقوق الناس والمجتمعات المحلية في إنتاج الغذاء واستهلاكه، سابقا للاعتبارات التجارية والأسواق العالمية”. [3]

صدح هذا المفهوم في الأوساط النضالية الفلّاحية عبر العالم، وخاصة في دول الجنوب الرازحة من جهة تحت وطأة التقسيم العالمي للعمل، والمُخضَعة من جهة أخرى لتبعية الاتفاقيات التجارية الدولية (من قبيل اتفاقيات التبادل الحر المعمق والشامل) التي تسلّع الغذاء، من طرف الشركات المتعددة الجنسية، التي تتحكم في مصير حيوات ملايين الناس، علاوة على الأثر البالغ المدمر للبيئة.

تجري هذه العلاقة السلعية، في إطار القيمة التبادلية المالية (التي تحكمها البنوك العالمية ودول المركز الرأسمالي) عوض القيمة الاستعمالية التي تلبي حاجيات المنتجين والمستهلكين على قدم المساواة.

وعلاوة على التحديات سابقة الذكر التي تواجهها دول الجنوب، يصارع الفلسطينيون احتلالا عسكريا مباشرا تسبب في تدمير الفلاحة المعاشية بداية من الأراضي الزراعية التي جرى تهجير سكانها الأصليين، وحرق محاصيلهم وتشييد المستوطنات الاستعمارية عليها، مرورا بالموارد الطبيعية، كما هو الحال في تلويث سواحل غزة، وصولا إلى صغار الفلّاحين ممن تم قتلهم أو سجنهم.

ترك المفكر الاقتصادي الماركسي سمير أمين، قبل وفاته بسنة، كتابا عنوانه “السيادة في خدمة الشعوب”،  مشفوعا بنص أطلق عليه اسم “الزراعة الفلّاحية، نهج المستقبل” [4]. باختصار، يعالج أمين في هذا الكتاب فكرة “السيادة” بمفهومها الفاشي المستعمل من قبل السلطات الحاكمة التي تنفي تحديد الطبقات داخل مجتمعاتها حيث تنحو السيادة في كفة الطبقة المتمعشة منها حارمة الطبقة الفقيرة من حقوقها ومشاركتها في القرار والفعل. يطرح في المقابل “حقوقا سيادية” للشعوب ضمن مشروع وطني شعبي يناضل عبر التضامن بين شعوب دول الجنوب طبق اتفاقيات تفاوضية بدل الاتفاقيات المفروضة بالقوة العسكرية والمالية تحت غطاء العولمة الليبيرالية الحالية.

في نفس الوقت، يرى أن بإمكان الفلاحة العائلية أن تفتح طريقا أمام بناء أممية الشعوب في نضالها ضد النظام الامبريالي القائم، حيث أن 570 مليونا من البشر يعتبرون مالكين صغارا للأرض الفلاحية كما أن 75% من الأراضي الفلاحية في العالم تحت استغلال الفلاحة العائلية [5].

إن أرقاما كهذه تفتح أبوابا عدة للتفكير في السيادة الغذائية بما هي سيادة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية بأنها طريق لبناء أممية الشعوب في طريق فك الارتباط مع الرأسمال المالي بشقّيه البنكي والعسكري نحو تحرير شعوب العالم الثالث من الامبريالية.

إن انضمام فلّاحي فلسطين داخل أكبر حركة فلاحية عالمية يمثل خطوة هامة نحو تحرير الشعب الفلسطيني واستعادة سيادته على أرضه ضمن منظومة تضامن بين الفلاحين في العالم.

بقلم: هيثم قاسمي/ تونس


المصادر والمراجع

[1] الإعلان عن قبول فلسطين عضوا كاملا في حركة طريق الفلاحين، 2013. وكالة معا الاخبارية. https://www.maannews.net/news/609932.html

[2] موقع “نهج الفلاحين” الالكتروني. https://viacampesina.org/en/

[3] اعلان نييليني بمالي. https://nyeleni.org/spip.php?article290

[4] Samir Amin, La souveraineté au service des peuples suivi de L’agriculture paysanne, la voie de l’avenir!, CETIM, 2017. https://www.cetim.ch/product/la-souverainete-au-service-des-peuples/

[5] Sarah K.Lowder, Jakob Skoet and Terri Raney, The Number, Size, and Distribution of Farms, Smallholder Farms, and Family Farms Worldwide, ScienceDirect, 2016.

https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0305750X15002703

المنشورات ذات الصلة
الغذاء والماء والارضفلاحون

لا مستقبل بدون سيادة غذائية : آن أوان تغيير أنظمتنا الغذائية ! نداء إلى البشرية للتحرك من أجل السيادة الغذائية

الغذاء والماء والارضدراسات

دراسة : من أجل نظام فلاحي وغذائي صامد ومستدام وشامل

أنشطة الشبكةالغذاء والماء والارض

مشاركة شبكة سيادة ضمن أيام السينما المتوسطية بشنني بتونس

الغذاء والماء والارضمكتبة

الجزائر : حول كتاب "الزراعة الصحراوية دون الواحيين" اصدار جمعية "تربة"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *