Follow Us

الغذاء والماء والارضالمخططات النيوليبراليةفلاحون

المغرب : السياسة الفلاحية السائدة هل تحقق السيادة الغذائية؟


لم يكن ما يهم واضعي السياسة الفلاحية بالمغرب هو تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء لاطعام المغاربة، أو تمتيع المنتجين المباشرين لغذاائنا، من فلاحين صغار ومتوسطين… بحقهم في السيادة على ثرواتهم الطبيعية، من ارض وماء ومحيط بيئي…نقيض ذلك، كان الدافع لنهج تلك السياسات هو تسخير كل وسائل الدولة، من دعم مالي واعفاءات ضريبية وتسهيلات مختلفة لصالح الرأسمال الفلاحي الكبير المهتم بجني الربح، أي مصالح أقلية رأسمالية جشعة تنهب الثروات وترحل الأرباح والأموال الى الخارج.يقوم هذا النموذج الرأسمالي الفلاحي الكبير على الانتاج من أجل التصدير وليس لتلبية حاجيات السوق الداخلية من الغذاء. هكذا تأسست، وفق هذا التوجه، مجموعات فلاحية رأسمالية كبرى على شكل مركب زراعي صناعي تجاري ومالي كبير يحظى بدعم الدولة لإقامة زراعات تصديرية كثيفة، مستنزفة للمياه ومدمرة للتربة والبيئة عامة، ولا تغطي عائداتها سوى 47 بالمائة من الواردات الغذائية ثلتها من الحبوب، كمعدل خلال عشر سنوات من تطبيق “مخطط المغرب الأخضر”.من هنا نفهم حقيقة هذا المخطط الداعم لمشاريع كبار رأسماليي الفلاحة، مقابل ترك الزراعات المعيشية لحالها، والفلاحين الصغار والمتوسطين لمصيرهم المحتوم، خارج أي دعم أو مساعدة. يتعرضون جراء ذلك للتدمير، ما يؤدي باستمرار الى اندثارهم كفئة اجتماعية، وتحولهم الى أجراء لدى مالكي الضيعات الفلاحية الكبرى بعد استحواذ الرأسمال الكبير والجشع على أراضيهم.

في هذا السياق فان الاستحواذ على الاراضي أصبح توجها مخططا له وترعاه الدولة عبر ترسانتها القانونية الهادفة الى تسهيل استيلاء كبار الرأسماليين على أراضي الجماعات السلالية، وقد جرى في هذا الاطار تحفيظ 05 ملايين هكتار منها الى حدود  2020، بغية تسهيل تمليكها للخواص.يجري الاستحواذ كذلك على الثروات المائية كإجراء مواكب لسيرورة الاستيلاء على الأراضي، وقد جرت شرعنة ذلك عبر ترسانة قانونية متكاملة حيث جرى وضع المخطط الوطني للماء والاطار المؤسساتي الذي يضع هيكلة شاملة للتحكم في هذه المادة الحيوية والاستحواذ عليها.لقد زاد تطبيق هذه السياسات من تعميق معاناة الفلاحات والفلاحين الصغار والمتوسطين اليوم، من خلال  النسبة الكبيرة للأمية وغياب الخدمات (الصحة) والحماية الاجتماعية (التقاعد والتغطية الصحية)، وقد نظم هؤلاء الفلاحون رفقة السكان المتضررين احتجاجات في مختلف المناطق، فسخرت لها الدولة أجهزتها القمعية بهدف تكميم الأفواه. جرى كذلك في أواخر 2018 وبداية 2020 تنظيم تنسيقية أكال لمسيرات وطنية احتجاجية ببعض المدن للتنديد بمختلف تعديات الدولة على الحقوق الجماعية للسكان كالأرض والغابات والمراعي والثروات المعدنية وغيرها. فتردي أوضاع هؤلاء الفلاحين الصغار الاقتصادية والاجتماعية يكشف زيف الدعاية الرسمية بكون “مخطط المغرب الأخضر” بالفلاحة يساهم في تنمية سكان العالم القروي.

“اذا كانت الثروة متنامية في جانب، فهذا معناه ان البؤس متنام في الجانب الآخر؛ هذا ما ينطبق على الفلاحة التصديرية: خروج الثروات في شاحنات مكيفة صوب السوق الخارجية، مقابل تكدس العاملات والعمال الزراعيين داخل شاحنات قاتلة للالتحاق بالعمل [أين نحن من الاجراءات الاحترازية في ظل الوباء؟]. هذا ما يجعلنا نخلص الى ان النموذج الزراعي المالي التجاري الصناعي والتصديري الذي تفرضه الدولة، هو بمثابة طاحونة لعصر البشر لتنمية أرباح أقلية رأسمالية جشعة. يتغلغل النموذج الزراعي المالي التجاري والتصديري من خلال فرض انماط انتاج واستهلاك وفق نموذج البلدان الرأسمالية الكبرى وتعميم البذور الهجينة والأغراس المعدلة وسلالات الماشية، وتدمير آخر ما تبقى من الموروث الجيني الذي راكمه الفلاحون الصغار، والذي استحوذت عليه الشركات متعددة الجنسيات واحتكرته باسم الملكية الفكرية وبراءة الاختراع، التي عملت الدولة على وضع ترسانة من القوانين لحمايتها. فالدولة ماضية في اصدار قوانين مختلفة هدفها تسهيل الاستحواذ على الثروات المحلية لصغار الفلاحين والبحارة كشجر الأركان بمنطقة سوس والصويرة والتمور والزعفران بالجنوب الشرقي؛ حيث يتدخل الرأسمال الكبير المحلي والأجنبي لإقامة تعاونيات ضخمة كآليات للاستحواذ، وتحويل المنتجين الحقيقيين لهذه الثروات [أصحاب الأرض]الى يد عاملة رخيصة، وبالمقابل، تصدير المنتوج الى الخارج وبيعه بأثمان خيالية.

تقوم تلك الانواع من البذور والأشجار الدخيلة التي يجلبها الرأسمال الفلاحي الكبير على تقنيات زراعية مدمرة للأرض ومستنزفة للماء وعلى استعمال كثيف للأسمدة الكيماوية والمبيدات السامة [والشيء نفسه يقال عن سلالات الماشية والدجاج التي تستهلك كميات هائلة من العلف والمضادات والهرمونات الحيوية] كما يقوم هذا التنوع الزراعي الإنتاجوي على استهلاك كبير جدا للطاقة الأحفورية [النفط؛ الكازوال والبوطان..] المساهمة بدورها في ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ، وما ينتج عن هذا التغير من جفاف وفيضانات…وقد وضعت الدولة نظاما متكاملا من الاعانات المالية لتشجيع هذه المزروعات التصديرية بالمناطق السقوية التي لا تشكل سوى 17 بالمئة من المساحة الزراعية الاجمالية، في حين همشت المساحات المرتبطة بالأمطار، التي يتركز فيها انتاج المواد الغذائية الرئيسة كالحبوب والقطاني [حوالي 60 بالمائة]. هذا علاوة على ان نظام الاعانات هو في الواقع مجال لنهب المال العام من قبل كبار الرأسماليين والشركات التجارية الفلاحية.

هكذا يجد الفلاحون الصغار أنفسهم محاصرين بزحف نمط الانتاج الرأسمالي الكبير بالزراعة، الذي يدمرهم كمنتجين ويهمشهم كسكان قرويين ويدوس كرامتهم كمواطنين.استمد هذا النموذج الإنتاجوي أسسه من فترة الاستعمار الفرنسي، ثم تواصل بعد الاستقلال الشكلي من قبل النظام لدعم تشكيل بورجوازية زراعية وتمليكها غالبية الأراضي الزراعية المسترجعة [أكثر من مليون هكتار] وتمتيعها بمنافع سياسة السدود وقانون الاستثمارات الفلاحية [صدر في السبعينيات] والمساعدات المالية والاعفاءات الضريبية.وفي  سنة 1995 انضم المغرب الى منظمة التجارة العالمية فتعمقت سيرورة انفتاحه الليبرالي خاصة بعد توقيعه اتفاقيات للتبادل الحر مع قطبي الامبريالية العالمية، الاتحاد الاوروبي [2000] والولايات المتحدة الامريكية [2006]. وقد فتحت هذه الاتفاقيات الاستعمارية حدود المغرب أمام دخول السلع والرساميل، من جهة، وترحيل الأرباح، من جهة ثانية،  وزادت العجز التجاري استفحالا، وعمقت الاستعباد الامبريالي لبلدنا وتبعيتنا الغذائية [أزمة 2007-2011 الغذائية العالمية-أزمة الحبوب] وارتفاع أسعار مواد الاستهلاك الأساس، وتنامي سلسلة احتجاجات شعبية دفاعا عن القدرة الشرائية بمناطق مغربية عديدة مثل: تنسيقيات مناهضة الغلاء؛  2006/2007.

وفي سنة 2008 أصدر البنك العالمي تقريره المخصص للتنمية الزراعية مقترحا وصفات ليبرالية سرعان ما جرت ترجمتها في “مخطط المغرب الاخضر” الصادر نفس السنة، الذي ينص على تخصيص الحيز الأكبر من التمويل للتكتلات الرأسمالية التصديرية الكبرى، وتهميش جماهير الفلاحين الصغار التي لن تستفيد سوى من قسط ضئيل في اطار ما سمي “الفلاحة التضامنية” وقد خصص “المخطط” على مدى عشر سنوات [2008-2018] استثمارا اجماليا بلغ 104 مليار درهم، لم تنل منه الفلاحة التضامنية سوى 15 مليار درهم، في حين ارتفع عجز الميزان الغذائي في هذه الفترة، حيث بلغ المعدل السنوي للواردات الغذائية 42 مليار درهم، تمثل منها واردات الحبوب 34.5 بالمائة مقابل 19.7 مليار درهم كمعدل صادرات غذائية تمثل منها الطماطم الطرية والحوامض 32 بالمائة . فاحتداد تبعية المغرب الغذائية يبين طبيعة النموذج الفلاحي المالي التصديري التجاري الصناعي المعمق لأزمة المديونية العمومية البالغة أكثر من 83 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، هذا التعميق للمديونية، الناجم، في المجال الزراعي عن الدعم المالي واللوجستيكي المقدم لهذه الفلاحة الرأسمالية التي لا يهمها سوى تحقيق أرباح شلة من المصدرين المستفيدين من الاعانات لملء حساباتهم البنكية بالخارج، عبر تهريب الأرباح الى خارج البلد، وهم أنفسهم من يمارس المضاربة فيما يتعلق باستيراد الحبوب والمواد الغذائية الأخرى.

بقي أن نشير الى دخول سلع غذائية أمريكية سوقنا الداخلية ابتداء من سنة 2019، تنفيذا لاتفاقية التبادل الحر، وتتمثل في الدجاج والديك الرومي الأمريكي واللحوم الحمراء. ومعلوم أن هذه اللحوم مشبعة بالهرمونات والمضادات الحيوية المسببة للسرطان. ولأننا في دولة استبدادية لا تتم استشارتنا كمواطنين مستهلكين أو أخذ رأينا رغم خطورة ما نستهلك. ونفس الشيء يقال عن الذرة الأمريكية المعدلة وراثيا والتي غزت أسواقنا منذ مدة، كعلف للدواجن، أو اللحوم البيضاء [لحوم الفقراء].خلاصة القول إننا غارقون في التبعية الغذائية، ولا زلنا أبعد ما نكون عن تحقيق سيادتنا الغذائية بكل ما تحمله من مضمون تحرري، وأن ما هو آت أسوأ بكثير وأكثر خطورة. فحتى الأرقام التي يقدمها وزير الفلاحة تنطق بكل شيء، فهو يقر بان قيمة الصادرات أدنى بكثير من قيمة الواردات الغذائية، والفجوة لا زالت تستفحل.

خلاصة عامة

إن الدعامة الأساس للسيادة الغذائية هم الفلاحون الصغار والمتوسطون والعاملات والعمال الزراعيون وصغار البحارة. وكلها فئات تتعرض للظلم والاقصاء والتهميش، رغم دورها الحاسم في توفير حاجياتنا من الغذاء. وكلها فئات خاضت نضالات مريرة دفاعا عن ثرواتها الطبيعية أو عن حقوق لا يصونها قانون الشغل، وكلها فئات تعرضت أثناء الاحتجاجات لأنواع شتى من القمع الشرس. لهذا نرى أن واجبنا كجمعويين وكمناضلين هو تجسيد ما يلزم من تضامن مع هذه الفئات المناضلة ومساعدتها على توحيد صفوفها وبناء أدوات نضالها الذاتية من الاسفل، في تعاون وتنسيق تامين مع كل ضحايا الجشع الرأسمالي أينما وجدوا،  قصد خوض نضالات وحدوية لتعديل ميزان القوى وتغيير الوضع.

بقلم/ حكيم حلاوة – المغرب

المنشورات ذات الصلة
الغذاء والماء والارضمكتبة

الجزائر : حول كتاب "الزراعة الصحراوية دون الواحيين" اصدار جمعية "تربة"

الغذاء والماء والارضالمشاركات الدولية

التعبئة الشعبية المضادة من أجل تغيير الأنظمة الغذائية للشركات

العولمة الليبراليةالغذاء والماء والارض

قمة نظام الغذاء للأمم المتحدة تزرع حلول الشركات وتحرث تحت مُستوى معرفة الناس

الغذاء والماء والارضالمشاركات الدولية

أوضاع عمال/ات الزراعة بالمغرب في سياق قمة الأمم المتحدة للنظم الغذائية لسنة 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *