يستند هذا المقال إلى فصل كتبته عن سهل الغاب السوري[1]، نُشر ضمن دليل روتلج لدبلوماسية المياه. انطلق من تجربة الغاب المحلية لتوسيع النقاش حول العلاقة بين الماء والتراث الزراعي، وأنماط الحكم، وأسئلة السيادة في سياقات النزاع في شرق المتوسط والمنطقة العربية عمومًا.
لماذا «التراث» داخل دبلوماسية المياه؟
لا يقتصر مفهوم دبلوماسية المياه على المستوى السياسي العابر لحدود الدول، فقد ركزت الدراسات مؤخراً على أهمية الاعتراف بمستوياتها المحلية والإقليمية والدولية وترابط هذه المستويات. وهذا يعني بالضرورة الاعتراف أيضاً بالفاعلين على كل من هذه المستويات، إضافة إلى عملية إدارة المياه وحوكمتها ودورها في بناء السلام المحلي والإقليمي.
وبما أن الدراسة هنا تأتي على مستوى محلي أي سهل الغاب في سوريا (مع الاعتراف بارتباطاته الاقليمية خصوصاً في فترة النزاع)، سيكون فهم العلاقات حول الماء مرتبطاً بفهم الممارسات الاجتماعية المتراكمة عبر الزمن. فالوصول إلى المياه، وتنظيم استخدامها، والتفاوض بشأنها ليس أمراً تقنياً حصراً، بل محرك حي وأساسي لما اعتمدت تسميته في هذه الدراسة تحت اسم التراث الزراعي المحلي.
يقع سهل الغاب في الحوض الأوسط لنهر العاصي في سوريا، النهر الذي حمل أسماء عديدة عبر العصور تؤكد على حضوره التاريخي القوي عبر الفترات الآرامية والهلنستية والرومانية والبيزنطية والاسلامية، وأيضاً الطقسي المتغير وفقاً لإرث المناطق التي سار بها. سمي تارةً ب تيفون الثعبان، في منبعه في لبنان، الذي تخفى تحت الأرض هرباً من ضربات برق أعداءه. ثم سمي ب الأورنط أو الأورند نسبة لأول رجل أقام جسراً عليه، أو نسبة لكلمة آرامية تعني اللبوة (اسم منبعه في لبنان) ومن هنا يأتي أصل تسميته باللاتينية أورونتس. عاد ليظهر في حمص باسم الميماس حيث كان مكاناً لمتعة أهل إميسا (حمص)، ومن ثم العاصي الذي تمرد على اتجاهات الأنهار وقرر السير من الجنوب للشمال.
أظهرت الدراسات الأثرية أنّ منطقة حوض العاصي شهدت منذ آلاف السنين نشاطاً زراعياً مكثفاً، وبالتالي أيضاً عمليات مرتبطة بإدارة المياه. فقد ازدهرت العديد من المواقع قرب النهر مثل تل النبي مندو والمشرفة (مملكة قطنا)، وحمص وحماة وتل العشَارَنة وأفاميا وقلعة المضيق وغيرها. وشهدت المنطقة الواقعة بين أفاميا والرستن وسلمية خلال العصرين الروماني والبيزنطي أنظمة مكثفة ومتنوعة لتزويد المياه، مثل قنوات الري، والـقنوات الجوفية، والنواعير.
مع الزمن جرى تأهيل بعض منشآت الري القديمة هذه وإعادة استخدامها، في حين توقّف العمل ببعضها الآخر (مثل النواعير)، وظهرت وسائل ري حديثة مثل المضخات الآلية.
يستند البحث إلى هذه الآثار المتبقية كجذور أصيلة وعميقة في مقاربة للتراث بوصفه فعلًا حيًّا، يتجلّى في تقنيات الري، وفي معرفة التربة، وفي استخدام القوانين أو التحايل عليها، وفي القدرة اليومية المستمرة (منذ تلك العصور حتى وقتنا الحالي) على التفاوض مع السلطات أو القوى المسيطرة. هذه المقاربة تدفع إلى تجاوز اختزال التراث في بقايا منشآت ري قديمة، أو في حماية «التراث المادي» وقيمه الجمالية فحسب، وتقودنا للنظر إليه بوصفه ممارسة تتفاعل باستمرار مع السياسات، ومع الإهمال، ومع العنف.
يكشف سهل الغاب في وقتنا الحاضر أيضًا تعددية التراث داخل المكان الواحد. فرغم ما يبدو من تجانس جغرافي وإداري – منطقة استصلاح واحدة، سياسات زراعية موحّدة، شبكات ري مشتركة – فإن مجتمعات الغاب ليست كيانًا منسجمًا. الاختلافات لا تنحصر في الطائفة أو الإثنية أو الحدود الإدارية، بل تتوزّع داخل القرى نفسها وبين القرى، وتظهر في أنماط التضامن كما في أنماط العنف، متجاوزة الثنائيات المجرّدة التي سادت خلال الحرب وفي كثير من الأدبيات التي تناولتها.
قراءة الماضي: من تشكّل الاستيطان إلى النظرات الاستشراقية وممارسات السلطات

تشكّل سهل الغاب بصورته الزراعية الحديثة في بدايات القرن العشرين، مع موجات انتقال سكاني من مناطق مختلفة في شرق سوريا وغربها، مدفوعة بتحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية. غير أن جزءًا كبيرًا من الأدبيات الاستشراقية التي تناولت المنطقة قرأ هذا التشكّل السكاني عبر تصنيفات طائفية جامدة. فدراسات جغرافيين وباحثين، مثل ريشارد ثومان، لم تكتفِ بوصف الاستيطان بطريقة تحقيرية لمن سكن المستنقعات، بل أسهمت في تأطيره ضمن رؤية ترى القرى كوحدات طائفية متقابلة (الشكل ١)، متجاهلة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي دفعت فئات متعددة إلى الاستقرار في السهل.
تلقّفت السلطات الوطنية التي أعقبت الانتداب الفرنسي هذه القراءات دون محاولات لتفكيكها. ومع توسّع مشاريع الاستصلاح الزراعي وتكثيف الاستيطان، خضع سهل الغاب لمركزية شديدة في إدارة الزراعة والمياه. شمل ذلك الإصلاح الزراعي، وتجفيف المستنقعات وتنظيم الحيازة، والتوظيف في مؤسسات الدولة ضمن منطق إداري لم يعترف بالفاعلين المحليين كشركاء في القرار، رغم أنهم كانوا جزءًا من عملية تشكّل المنطقة منذ بداياتها الحديثة.
بدل بناء إطار تنموي يأخذ في الاعتبار طبيعة الاستيطان المتعدد وتنوّع الخبرات، فُرضت خطط مركزية لم تُراعِ التركيبة الاجتماعية ولا استدامة الحلول الزراعية. ومع الوقت، أدى هذا النهج إلى تعميق التهميش داخل فئات مهمّشة أصلًا، وخلق فجوات داخل المجتمع، وتراكم مظالم لم تُعالج.
تحوّلت هذه السياسات إلى بنية هشّة: فساد إداري، زبائنية، قوانين تُطبّق بانتقائية، وموارد تُدار من دون مساءلة محلية حقيقية. ومن هنا، لم يكن العنف الذي انفجر لاحقًا أثناء الحرب بعد ٢٠١١ منفصلاً عن الماضي الحديث، بل أحد النتائج المباشرة لتاريخ إدارة الأرض والماء في السهل.
الحرب بوصفها نتيجة: العنف، السيطرة على الماء، وتفكك الإدارة
خلال الصراع السوري الذي تلى ٢٠١١، استُخدمت شبكات الري والسدود ومحطات الضخ أدوات سيطرة مباشرة: تعطيل وتفكيك، بيع معدات، التحكم ببوابات السدود لإغراق الأراضي أو تجفيفها، وفرض إتاوات على المحاصيل.
تحوّلت إدارة الأراضي في مناطق مثل قلعة المضيق (الشكل ٢)، إلى نزاع قانوني–أمني معقّد. فالمناطق التي خضعت لتسويات عسكرية عوملت بشكل مختلف عن تلك المصنّفة «مناطق انتشار عسكري». سُمح في بعض الحالات لأقارب باستثمار أراضي الغائبين، بينما فُتحت أراضي المهجّرين والمعتقلين والمتوفين في مناطق أخرى أمام المزادات، وتداخلت فيها مصالح ميليشيات محلية وخارجية. وحتى حين كان المالك حاضرًا، لم تكن الحيازة ضمانة: محاصيل سُرقت أو أُحرقت، أو فُرضت عليها نسب اقتطاع مرتفعة.
في منطقة الزيارة (الشكل ٣)، الواقعة على خط تماس بين سلطات متنازعة، استُخدم الماء كسلاح مباشر: تعطيل محطات كهرباء، إزالة أنابيب ري، تحكم بالسدود، وتهديدات متبادلة بتفجير البنى. النتيجة كانت تدهور الزراعة المروية، وتراجع الدخل، وتدهور التربة، ودفع المزارعين نحو محاصيل بعلية أقل كلفة وأقل مردودًا. في الوقت نفسه، مُنعت المنظمات الدولية من العمل بحجة «سخونة المنطقة» أو تصنيفها منطقة عسكرية.


(شكل 2) – (شكل 3)
دبلوماسية المياه من الأسفل: وساطة محلية وحدودها
وسط هذا التفكك، برز دور فاعلين محليين امتلكوا معرفة تقنية وخبرة إدارية، والأهم مصداقية وثقة مجتمعية. موظفون سابقون في مديريات زراعية استفادوا من قدرتهم المحدودة على العبور بين المناطق المقسمة عسكرياً، وأعضاء جمعيات تعاونية، وتقنيون، أعادت المجتمعات «تعيينهم» ممثلين ومفاوضين غير رسميين بعد انهيار السيطرة المركزية.
لم يستند هؤلاء إلى شرعية سياسية أو عسكرية، بل إلى علاقات سابقة، وفهم للقوانين، وقدرة على التفاوض مع سلطات الأمر الواقع. بفضلهم، جرى تنظيف بعض قنوات الري في مناطق قنص عسكري، وصيانة مضخات، وتأمين مرور محاصيل، والتخفيف من حدّة العنف المرتبط بالسيطرة على الماء. شكّلت هذه الممارسات دبلوماسية مياه محلية، تُدار عبر الثقة والحاجة المشتركة.
لكن الفصل البحثي يضع حدودًا واضحة لهذه الوساطة. فمع تصاعد الضغوط الدولية والإقليمية، خصوصًا منذ عام 2018، جرى تجاهل هذه الإمكانات. في بعض المناطق فُرضت حلول عسكرية صرفة، وأُجهضت فرص كان يمكن أن تُستثمر لخفض التصعيد. لذلك لا يقدّم الفصل هذه الحالة بوصفها وصفة جاهزة، بل يؤكد ضرورة فهم هذه العلاقات وهذا الرأسمال الاجتماعي في أي تخطيط لاحق.
من سهل الغاب إلى شرق المتوسط وجنوبه: دروس في المياه والسيادة
يقدم سهل الغاب مجموعة دروس تنموية وسياسية تفرض إعادة التفكير في مقاربة المياه والزراعة والسيادة في السياقات العربية المتأزمة. هذه الدروس لا تنطلق من الحرب كنقطة بداية، بل من مسار أطول لإعادة التفكير في القراءات الخاطئة، والأطر الكولونيالية، والإدارة المركزية التي لا تؤمن بالتشاركية، والتهميش الاجتماعي.
أولًا، لا يمكن تصميم سياسات مياه مستدامة من دون تتبّع الذاكرة والممارسات العميقة التي شكّلت علاقة المجتمعات بالمورد. فالماء ليس مجرد بنية تحتية، بل علاقة تاريخية تتكوّن عبر العمل والتفاوض وتراكم المعرفة المحلية.
ثانيًا، يجب تفكيك الأطر التفسيرية الموروثة عن الإرث الكولونيالي، التي ما تزال تختزل المجتمعات في تصنيفات جامدة، وتحجب الأسباب البنيوية للصراع، وتعيد إنتاج الإقصاء بصيغ جديدة.
ثالثاً، تُظهر تجربة سهل الغاب أن العمل الفلاحي لا يمكن اختزاله في بعده التقني أو الإنتاجي. فالزراعة ممارسة اجتماعية وسياسية بقدر ما هي نشاط اقتصادي، ترتبط بعلاقات الملكية، وبأنماط التنظيم المحلي، وبموازين القوة، وبقدرة المجتمعات على التفاوض حول الموارد. لذلك، فإن الحلول التقنية وحدها – مهما بدت متقدّمة أو «محايدة» – تبقى قاصرة ما لم تُدمج ضمن مقاربات تأخذ في الاعتبار البُعد الاجتماعي والسياسي للعمل الزراعي، ودوره في إعادة بناء الثقة، وتنظيم العلاقة بين المجتمعات المحلية والسلطات، وإعادة تعريف مفاهيم الحوكمة والسيادة على الموارد.
رابعاً، تُظهر تجربة الغاب أن النزاعات لا تنتج لامركزية صحية تلقائيًا. فاللامركزية ليست فراغًا تُملؤه المبادرات المحلية عفويًا، بل مسارًا مؤسساتيًا واجتماعيًا يحتاج إلى مركز قوي و أمان وقواعد واضحة ومساءلة.
خامساً، تُعدّ اللامركزية (ضمن إطار قدرة إدارية مركزية فاعلة) بما فيها من مشاركة حقيقية للفاعلين المحليين منذ المراحل الأولى، شرطًا أساسيًا لأي تدخل عادل ومستدام. فهذه الخبرات المحلية تمتلك معرفة بالقوانين، وبالممارسة الزراعية، وبشبكات الثقة، وهي قادرة على التفاوض وابتكار حلول تتجاوز الانقسام السياسي، شرط أن تكون المشاركة فعلية لا شكلية.
سادساً، كما يبيّن سهل الغاب بوضوح، على المنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة تجنّب العمل الانتقائي الذي يفكك الأقاليم بدل دعم ترابطها الاقتصادي والبيئي. فالمشاركة المجتمعية لا تعني العمل مع «قرية» دون أخرى، بل الاعتراف بالإقليم كوحدة مترابطة، وأن أي تدخل مجتزأ يقوّض الروابط الاجتماعية الاقتصادية ويُضعف إمكانات التفاوض المحلي.
- إيڤا زيدان – سوريا
المراجع
[1] أُجري هذا البحث عام 2022، ولم يكن إنجازه ممكنًا لولا دعم الأستاذين عبد الرحمن اليحيى وسمير حميدي، اللذين أسهما بشكل أساسي في الوصول إلى الفاعلين المحليين والمساعدة في تحليل السياق، في أوقات وظروف وأماكن مقسمة وتحت سيطرات عسكرية مختلفة.
المراجع الأساسية العربية
دوسو، رينيه. المسالك والبلدان في بلاد الشام في العصور القديمة والوسطى. ترجمة وتعليق عصام شحادات، مراجعة محمد الدبيات. بيروت: منشورات المعهد الفرنسي للشرق الأدنى، 2013.
الغزي، كامل. نهر الذهب في تاريخ حلب. 3 مجلدات. تحقيق شوقي شعث وعلي سعادة. حلب: دار القلم العربي، 1993.
حسين، حسام وآخرون. «دبلوماسية المياه: ما أهميتها؟ وكيف تعمل؟». سياسات عربية، المجلد 11، العدد 62 (أيار/مايو 2023)، ص 13–24.
زكريا، وصفي. جولة أثرية في بعض البلدان الشامية. دمشق: دار الفكر، 1934.
References (English)
– Barnes, J. (2009). Managing the waters of Baath country: The politics of water scarcity in Syria. Geopolitics, 14, 510–530.
Saadé-Sbeih, M., Haj Asaad, A., Shamali, O., Zwahlen, F., & Jaubert, R. (2018). Groundwater balance politics: Aquifer overexploitation in the Orontes River Basin. Water Alternatives, 11(3), 663–683.
Sadiddin, A. (2004). Syria farming systems: Farming systems of the central irrigated and rainfed plains and Al-Ghab. Syria: National Agricultural Policy Center.
Syrian Arab Republic & United Nations. (2010). Al-Ghab Development Program (SYR/010/002). Damascus, Syria.
Syrians for Truth and Justice (STJ). (2020). Desertification threatens the Ghab Plain after TIP removed irrigation pipes fed by the Orontes River. Available at:
https://stj-sy.org/wp-content/uploads/2020/11/Desertification-Threatens-the-Ghab-Plain-.pdf
Thoumin, R. (1936). Le Ghab. Revue de Géographie Alpine, 24(3), 467–538.
Wessels, J. (2011). Groundwater and qanats in Syria: Leadership, ownership, and abandonment. In Water, cultural diversity, and global environmental change (pp. 149–162). Dordrecht: Springer.
Whitehead, C., Schofield, T., & Bozoğlu, G. (2021). Plural heritages and community co-production: Designing, walking, and remembering. London & New York: Routledge / Taylor & Francis Group.
Ziedan, E. (2021). Souls of homes: Heritage as a manifestation of community relationships through space and time. In H. Al-Harithy (Ed.), Urban recovery: Intersecting displacement with post-war reconstruction. London: Routledge.

