عاملات أكادير: حين تُسحَق أجساد النساء تحت آلة الفلاحة التصديرية



خلال العقود الأخيرة أصبح النظام الفلاحي بالمغرب نموذجًا يقوم على توسيع الضيعات الكبرى، وتخصيص أفضل الأراضي والمياه للزراعات التصديرية، ودمج الفلاحة في منطق السوق العالمية. في ظل هذا النموذج، تحولت منطقة سوس–ماسة إلى “مصنع كبير تحت البلاستيك”، تضبط إيقاعاته على طلبات الأسواق الأوروبية، لا على حاجات الساكنة المحلية. تعد جهة سوس–ماسة إحدى أكبر المنصات الفلاحية في المغرب، إذ تمتد فيها 616.500 هكتار من الأراضي الفلاحية، منها 30% مسقية رغم المناخ الجاف الحاد. وتضمن هذه المساحات إنتاج 75% من البواكر الوطنية و95% من الصادرات الفلاحية المبكرة نحو الأسواق الدولية، ما يجعل المنطقة خزانًا غذائيًا موجّهًا بالأساس للمستهلك الأوروبي.[1]

وسط هذه السياسة الفلاحية توجد العاملات الزراعيات حيث يشكلن النسبة الأكبر من اليد العاملة في الضيعات ووحدات التلفيف. اختيار النساء ليس صدفةً؛ بل جزء من تقسيم جندري للعمل يراهن على اعتبار المرأة “أكثر طواعيةً” وأقل قابليةً للاحتجاج، وعلى حاجتها الملحة للدخل لإعالة الأسرة، خصوصًا وأن نسبًا كبيرةً من العاملات في القطاع غير المهيكل بالمغرب يعتبرن معيلات أوليات لأسرهن. فحسب تقرير الـ HCP حول «المرأة وسوق الشغل»، تشتغل أكثر من أربع نساء من بين كل عشر في القطاع الفلاحي، وهو ما يجعل الزراعة أكبر مشغل للنساء في المغرب بنسبة 46,9%. هذه الأرقام لا تعكس فقط كثافة الحضور النسائي، بل تكشف موقعًا بنويًّا خطيرًا، فالنساء يمسكن باليد العاملة التي تُدير العجلة الفلاحية، لكنهن في المقابل الحلقة الأضعف في علاقتها بوسائل الإنتاج، وبالقانون، وبسلاسل القيمة.[2]

تقول خديجة، 35 سنة، وهي تمسح يديها المتشققتين بعد يوم طويل تحت البلاستيك:

راه حنا لي هازين هاد الفيرمات لي كتشوفي على حساب صحتنا، وفالتالي إلا غير نهار عيتي كتبدلي بحالك بحال شي حبة د الخضرة، كاع مصالحة تمشي فصندوق لي غادي يوصل لأوروبا“.

إذا كانت هذه البنية الفلاحية في سوس–ماسة هي الإطار العام لاستغلال العاملات، فإن التفاصيل اليومية تكشف الوجه الأكثر حدة لهذا الاستغلال: فبين الفجر والغروب، تعيش العاملات دورة كاملة من العنف الصامت؛ عنف لا يمارس فقط عبر الأجور المتدنية، بل عبر المس المباشر بسلامة الجسد، والحق في الكرامة والعيش الكريم، والحق في الحياة.

تبدأ الرحلة قبل طلوع الشمس، الخروج في ظلام الفجر ليس خيارًا، بل ضرورة تفرضها مواقيت الضيعات. في “الموقف”، تتجمع عشرات النساء وسط صمت ثقيل، ثم يشرعن في الصعود إلى عربات صغيرة “الهوندات والبيكوب” لا تتسع لربع العدد.

تقول فاطمة، وهي أم أرملة لخمسة أطفال:

الطريق كتقتل كثر من الخدمة… كيمشّيو بينا بحال شي سلعة لا حزام، لا كراسي، غير زحام والسرعة، محيث خص البيكوب ترجع وتعمر أكبر عدد ممكن“.

الحوادث شبه يومية. انقلاب سيارات نقل العاملات والطريق في وضعية مزرية والسرعة هي السبيل للسائق لكي يستطيع توصيل أكبر عدد ممكن. عددٌ من العاملات فقدن حياتهن في الطريق وتركن وراءهن أبناءً وفتياتٍ سيؤول بهن المآل إلى الضيعات في غياب أمهاتهن المعيلات.

بمجرد وصولهن إلى الحقول، يبدأ يوم آخر من المواجهة. في البيوت البلاستيكية، الحرارة خانقة، الهواء مشبع بروائح الأسمدة والمبيدات، والتهوية شبه منعدمة.

تقول حنان، 28 سنة:

العرق كيقطر علينا بحال الشتاء… كنشمو المبيدات أكثر من الهواء. ومنين كنشكيو كيضحكو، كيقولو لينا: راكم ضسرتوا“.

العمل يستمر بين 10 و14 ساعة متواصلة، قطف، فرز، تعبئة، حمل، انحناء طويل يوجع الظهر، ووتيرة سريعة تفرضها أوامر “الكابران” الذي سيدفع فقط ثمن “الصندوق للمرأة” أو كما يسمى بلغة الفلاحة “ثمن الكوربة”، حيث بعد 14 ساعة من العمل ستأخذ هذه المرأة فقط ثمن عدد الصناديق المعبأة فقط في حالة كانت مطيعةً، حيث إن قرر “الشاف” أو “الكابران” نزع صناديقها لا يوجد من يرد لها حقها، وأحيانًا الطاعة في عين “الشاف” تأخذ أشكالًا أخرى ممكن أن تمتد للتحرش والعنف الجسدي.

وفي أغلب الأحيان، يمنع استعمال القفازات أو الكمامات بحجة أنها “تخرب جودة المنتوج” الموجه للسوق الأوروبية، حتى وإن كان الثمن هو صحة العاملات، حيث إن العاملات يؤكدن أن هذه الضيعات تفتقر حتى لمياه الشرب والمرافق الصحية مما يزيد صعوبة ظروف العمل هناك.

لا ينتهي العنف الذي تتعرض له العاملات الزراعيات عند حدود الإنهاك اليومي أو التعرض للمبيدات، بل يمتد إلى مدى أبعد بكثير، حيث تتحول الصحة نفسها إلى ثمن تدفعه النساء من حياتهن. فوفق تقرير صادر عن مكتب العمل الدولي في جنيف، تواجه العاملات الزراعيات خطر الإصابة بأمراض قلبية–عصبية مزمنة أو حادة بنسبة قد تصل إلى 89%[3]، وهو رقم صادم يكشف حجم الكارثة الصحية التي تتعرض لها النساء اللواتي يعملن بشكل مباشر ودائم مع المواد الكيماوية والمبيدات. هذا الخطر يتضاعف عامًا بعد عام، لأنهن يشتغلن دون أي معدات وقاية، ودون أي متابعة طبية، ودون إمكانية إجراء فحوصات دورية.

لكن الأخطر من المرض نفسه هو منع العاملات من الاعتراف بمرضهن. تقول عائشة، 30 سنة، بصوت يحمل غضبًا مكبوتًا: «ما عندناش الحق نقولو را حنا مرضنا… إلا فتحتي فمك، كيحيدوك من الخدمة وكتضيعي فنهار ديال الخبز. الكابران كيقول: اللي ما قاداش ترجع لدارها».

بهذا الشكل، يصبح الجسد المريض “عقبةً” يجب التخلص منها، لا إنسانة تحتاج للرعاية. ورغم العدد الكبير من النساء اللواتي يعانين من أمراض خطيرة من الربو إلى التهابات الجهاز العصبي والقلب، يفضل أرباب الضيعات تجاهل الوضع، وترك العاملات يدفعن ثمن الفقر بصحتهن. فالمهم بالنسبة لسلسلة الإنتاج هو استمرارية العمل، أما سلامة النساء فتبقى خارج حسابات هذا النموذج الذي يحول المرض إلى عبء شخصي لا تتحمله لا الدولة ولا المشغلون.

هكذا يتأكد أن غياب التغطية الصحية ليس مجرد نقص إداري، بل آلية بنيوية لإدامة الهشاشة، تجعل من المرأة العاملة جسدًا مستهلكًا داخل عجلة الإنتاج، في نموذج فلاحي يعطي الأولوية للربح والتصدير… على حساب الحياة نفسها.

تقول مريم، 18 سنة التي لم تستطع متابعة دراستها بسبب عدم توفير المنحة لمتابعة دراستها الجامعية، فلا بديل سوى لجوئها للضيعات الفلاحيات: “المبيدات كتدخل لينا لصدرنا، كنرجعو للدار كنختنقو… ولكن إلا دويتي غادي يجرييو عليك ونتي معندك تا كونطرا وحتا تغطية صحية والو… مرة طاحت واحد البنت، بدل ما يعيطو للإسعاف، جروها للجانب وقال ليهم الكابران: خليو الخط يخدم“.

تتحول الأجور الهزيلة والعمل بدون عقود إلى آليات يومية لإعادة إنتاج الفقر ونفس الهشاشة المجتمعية، فمعظم النساء يشتغلن بأجرٍ يتراوح بين 50 و80 درهمًا في اليوم، وهو أجر لا يعكس حجم العمل الشاق ولا المخاطر الصحية التي يواجهنها، ولا يساوي الحد الأدنى للأجر القانوني ولا يستطيع حتى مسايرة غلاء المعيشة الذي أصبح المغرب يواجهه، في غياب أي شفافية حول كيفية احتساب الأيام أو الساعات. والأخطر من ذلك أن الأغلبية الساحقة تعمل دون عقود عمل، ودون تسجيل في الضمان الاجتماعي، ما يجعل العاملات خارج أي حماية قانونية: لا تعويض عن الحوادث، لا تقاعد، لا تغطية صحية، ولا إمكانية للجوء إلى القضاء عند الطرد التعسفي.

تقول ربيعة، أم لطفلين:

خدمت 9 سنين وما عندي حتى ورقة كتثبت أني خدمت نهار واحد… الباطرون جرا عليا بحال عمري ما كنت تما“.

وبسبب غياب العقود، تُفرَض على النساء علاقات عمل غير متكافئة يتحكم فيها “الكبران” أو الوسيط، الذي يقرر عدد أيام العمل في الأسبوع، ويفتح أو يغلق “اللائحة” حسب مزاجه أو حسب رغباته. كثيرات يشتغلن بنظام “اليومية أو الكانزة” أي نظام الخمسة عشر يومًا، ما يعني أن المرض أو الغياب القهري يحتسب فورًا كـ “خسارة” للعاملات، وليس كحق.

تقول عائشة، 30 سنة:

إلا مرضتي كتضيع اليومية، وإلا غبتي نهار كيحيدوك من اللائحة ونهار آخر كتلقاي بلاصتك خداوها“.

ومن المهم جدًا الإشارة إلى أن المغرب، وهو يعيش أزمة مياه حقيقية بسبب السياسات المائية المستنزفة للموارد الطبيعية، يواجه في سوس–ماسة جفافًا لم يعد مجرد مشكلة بيئية، بل تحول إلى نتيجة مباشرة لتقاطع ثلاثة عوامل: التغيرات المناخية العالمية المبنية هي الأخرى على استغلال الموارد دون مراعاة المجتمعات المحلية، وسياسات فلاحية موجهة للتصدير، واستنزاف مفرط للموارد المائية. فالمنطقة، التي كانت تعتمد تاريخيًّا على فرشة مائية مستقرة نسبيًّا، دخلت خلال العقد الأخير مرحلة جفاف غير مسبوقة، كما أدت أزمة الماء إلى تقليص المساحات المزروعة، وإلغاء مواسم كاملة، ما يعني تقليل أيام العمل، وتراجع “اليومية”، وحرمان النساء من مصدر عيشهن الوحيد. النساء الأكبر سنًا والمتضررات صحّيًا هن أول من يتم استبعادهن من لوائح العمل، مما يضعهن في مواجهة بطالة قسرية دون بدائل.

وإذا كانت التغيرات المناخية أزمة عالمية، فإن أثرها المحلي يتضاعف بسبب السياسات الفلاحية التي تعطي الأولوية للتصدير على حساب الأمن المائي والغذائي للسكان. وفي هذا السياق، تصبح العاملات الجهة الأكثر تأثرًا، وتصبح بالنسبة لهن “أزمة الماء، أزمة اجتماعية قبل كل شيء”.

لا يقف العنف الذي يطال العاملات الزراعيات عند حدود الإنهاك الجسدي، فالأخطر من المبيدات والحرارة هو العنف الجنسي الذي يتحول يوميًا إلى أداة للسيطرة والإخضاع. في الضيعات الزراعية حيث يعمل آلاف النساء في فضاءات معزولة ومغلقة يصبح التحرش والابتزاز جزءًا من “النظام الداخلي” غير المعلن.

إن غالبية العاملات اللواتي تعرضن للتحرش وقابلنَهُ أثناء إنجاز هذا المقال لم يتقدمن بشكاوى، إما خوفًا من الطرد أو خشيةً من الوصم الاجتماعي.

تقول سناء، 27 سنة، وهي إحدى العاملات اللواتي اشتغلن في ثلاث ضيعات مختلفة: “الباطرون يقدر يحيد ليك الخدمة فنهار واحد غير حيث ما تبعتيهش. الخدمة مرتبطة برضا الراجل اللي مسؤول عليك، ماشي بقانون، ولا بجهدك“.

ويبدأ العنف أحيانًا قبل الوصول إلى الضيعة نفسها، داخل عربات النقل المكتظة حيث يستغل ضيق المساحة لفرض اللمسات والنظرات المزعجة، مستفيدين من خوف النساء من “كلام الناس” أو من خسارة العمل.

تقول خولة، 23 سنة:

الطريق بحال الامتحان… كتجلسي خايفة، وكتدعي توصلي بلا ما يدير شي واحد شي حركة. وحتى إلا دار، كتسدي فمك، حيت إلا هضرتي غادي يقولو المشكل منك“.

وتبيّن شهادات عاملات أن التحرش لا يمارس بشكل فردي فقط، بل أحيانًا يُستخدم كوسيلة “لانتقاء” النساء للعمل.

تقول امرأة رفضت ذكر اسمها:

الكبران كيختار شكون تبقى وشكون تمشي… ما كيشوفوش غير الخدمة، كيشوفو حتى الشكل. البنت اللي كتقول لا كتخرج من اللائحة بسهولة“.

وتزداد خطورة هذا النوع من العنف حين يغلفه المجتمع بطبقة ثقيلة من الوصم الأخلاقي. فتجربة العاملات مع السلطة العائلية والمجتمعية تجعل من مواجهة المعتدي أمرًا شبه مستحيل. فـ “الفضيحة” تتحول إلى خطر أكبر من الاعتداء نفسه.

تقول مريم، 29 سنة: “إلا مشيتي تشكي، أول سؤال كيطرحو عليك: علاش خرجتي تخدمي مع الرجال؟ علاش ركبتي فالهوندا؟ علاش سكتي؟ بحال إلا الغلط كولو جاي مني حيث أنا غير امرأة“.

هذا الوصم لا يقتصر على الضيعة، بل يلاحق النساء في حياتهن اليومية. فبعض الأسر تعتبر العمل في الحقول “مذلّة”، وبعض الرجال يرفضون الزواج بامرأة “خدامة فالفيرما”، وكأن اشتغال المرأة في الفلاحة مساس بشرفها. هذا التمثّل الاجتماعي يعيد إنتاج العنف داخل البيت كما في الحقل، ويحول المرأة العاملة إلى “امرأة بلا حماية”.

وبسبب هذا المزيج السام من التحرش، الخوف، الصمت الإجباري، والوصم الاجتماعي، تغيب الشكايات الرسمية تقريبًا، وتبقى حالات العنف الجنسي غير موثقة وغير مرئية. هذا الغياب لا يعني غياب العنف، بل يعني رسوخه العميق داخل البنية الفلاحية، حيث يتحالف الاقتصادي مع الثقافي لصنع نظام يضمن استمرار الاستغلال بأقل تكلفة.

تقول فاطمة، 38 سنة، بخلاصة موجعة:

إلا بغيتي الخبز، كتسدي فمك. وإلا فتحتي فمك، كتسد عليك البيبان كلها“.

هكذا تتحول الضيعات الزراعية إلى فضاءات يتجاوز فيها العنف حدود الجسد، ليطال الصورة الاجتماعية للعاملات، والحق في الكرامة، والحق في التبليغ. إنّه عنف بنيوي يشبه شبكة ممتدة: يمتد من الطريق إلى الحقل، ومن الكابران إلى الأسرة، ومن جسد المرأة إلى سمعتها، في دائرة مغلقة لا تنكسر إلا حين تتحدث النساء، وحين يتم الاعتراف بأن العاملات الزراعيات لا يحاربن فقط المبيدات تحت البلاستيك، بل يحاربن مجتمعًا كاملاً يصر على ترك أجسادهن وكرامتهن خارج الحسابات.

ورغم الهشاشة العميقة التي تخنق العاملات الزراعيات في سوس–ماسة، فإن النساء لا يقفن مكتوفات الأيدي. فالكثير منهن يلجأن إلى النقابات المنتشرة في المنطقة وهي عديدة بحكم الطابع الفلاحي الكثيف بحثًا عن حماية قانونية أو عن صوت قادر على حمل معاناتهن إلى المجال العام. لكن هذه النقابات نفسها تصطدم بجدار من المنع والتضييق؛ إذ تُغلق الضيعات أبوابها أمام المناضلات، ويُمنع الوصول إلى أماكن العمل، وتُراقب اجتماعات النساء بعين لا تغفلها أعين الوسطاء، بينما تُهدَّد كل عاملة تُظهر رغبة في الانخراط أو تنظيم زميلاتها.

وتؤكد أغلب النساء اللواتي التقيناهن أنهن يذهبن إلى النقابة سرًا، ويجلسن بعيدًا حتى لا تُرى وجوههن، خوفًا من أن يصل الخبر إلى “الكابران” أو أرباب العمل فيُجردن من حقهن في العمل.

أمام هذا الواقع، بدأت النساء يبحثن عن مسارات أخرى للمقاومة، صغيرة لكنها فعالة: مجموعات تضامن بين العاملات، تبادل للمعلومات حول الضيعات، مساندة لضحايا التحرش والطرد، ومحاولات لتشكيل تنسيقيات محلية بعيدة عن ضغوط الوسطاء. ومن بين هذه النقاشات اليومية، وسط حكايات الجفاف واستنزاف الماء والطرد والتحرش، برزت لدى العاملات رؤى بديلة لتغيير هذا الواقع؛ رؤى تنطلق من قناعة مشتركة بأن الحلول الحقيقية لا تُصنع في المكاتب المكيفة، بل في الحقول نفسها، من قِبَل النساء اللواتي يعرفن الأرض ويعرفن ثمن العمل عليها.

تقول زهرة، وهي تمسح العرق عن جبهتها بعد يوم طويل تحت البلاستيك: “بغيت نخدم على أرض تعطي ولدي ياكل، ماشي نخدم على البراني ناكل أنا الفتات إلا وصلني بخمسين درهم.

انطلاقًا من هذا الوعي البسيط والعميق معًا، يتقدّم أول بديل تطرحه العاملات: إعادة الاعتبار للفلاحة كوسيلة لضمان الغذاء الكريم والعيش الآمن للساكنة المحلية، لا مجرد قطاع موجَّه لتلبية طلبات الأسواق الخارجية. فبناء نموذج غذائي عادل يستلزم إعطاء الأولوية للزراعات التي تخدم المجتمع وتضمن أمنه الغذائي، وتخفف الضغط عن الماء والأرض.

ويتقاطع هذا الوعي مع الحاجة إلى اقتصاد تضامني نسائي يقوم على إنشاء تعاونيات صغيرة، وتشجيع الزراعة الإيكولوجية، واستعمال البذور المحلية، وخلق قنوات تسويق خارج سلاسل التوريد المهيمنة. هذه المبادرات لا تمنح النساء استقلالية اقتصادية فحسب، بل تعيد بناء علاقة أكثر احترامًا بين الإنسان والأرض، عبر نماذج إنتاج أقل استنزافًا للماء وأكثر قدرة على الصمود أمام التحولات المناخية.

كما تُجمِع العاملات على ضرورة وضع النساء في مركز السياسات الفلاحية؛ فالعاملات لسن مجرد يد عاملة، بل يحملن معرفة دقيقة بالدورات الزراعية وبالبذور والتربة والماء. ولهذا يصبح التنظيم الذاتي – عبر مجموعات محلية أو تنسيقيات – شرطًا رئيسيًا لبناء قوة تفاوضية جماعية تحمي النساء وتمنحهن مساحة آمنة للتعبير. ولا يمكن تجاهل عبء العمل غير مدفوع الأجر الذي تتحمله النساء في جلب الماء وإعالة الأسرة، وهو جزء أساسي من المنظومة الغذائية يجب الاعتراف به.

وفي النهاية، يظل تعزيز حضور النساء داخل النقابات ضرورة استراتيجية، شرط أن تُعيد هذه النقابات هيكلة نفسها لتستوعب العاملات: لجان نسائية محلية، تكوين قانوني مبسط، وتمثيلية داخل القرار. فالنقابة تصبح فعّالة حين تحمل صوت النساء، لا حين تبقى بعيدة عن الحقول التي تُنتج الغذاء يوميًا.

  • كنزة سمود – المغرب

المقال أعلاه مأخوذ من مجلة سيادة – العدد السادس: “العمالة الزراعية كفاح من أجل السيادة الغذائية“. للاطلاع على العدد وتحميله: اضغط\ي هنا


[1] المندوبية السامية للتخطيط، “تقديم جهة سوس–ماسة”. متاح عبر الرابط:
https://www.hcp.ma/region-agadir/Presentation-de-la-region-de-Souss-Massa_a16.html
(تم الاطلاع عليه يوم 22 أكتوبر 2025)

[2] المندوبية السامية للتخطيط، جهة سوس–ماسة، “النساء وسوق الشغل: الخصائص والتطور، الواقع والآفاق”، يناير 2022. متاح عبر الرابط:

https://www.hcp.ma/region-agadir/docs/Femmes%20du%20Souss%20Massa%20et%20marche%20du%20travail%20_%20caracteristiques%20et%20evolution%2C%202020VF.pdf
(تم الاطلاع عليه يوم 12 أكتوبر 2025)

[3] مكتب العمل الدولي، “السلامة والصحة في القطاع الفلاحي”، 2011. متاح عبر الرابط:
https://www.ilo.org/wcmsp5/groups/public/—ed_protect/—protrav/—safework/documents/normativeinstrument/wcms_161136.pdf
( تم الاطلاع عليه يوم 21 أكتوبر 2025)

كنزة سمودمؤلف

صحفية استقصائية مستقلة ومتخصصة في التنمية الدولية.