مـقـدمـة
يعتمد القطاع الزراعي في مصر بشكل كبير على النساء العاملات، وتشكل النساء 45% من القوى العاملة في القطاع الزراعي[1]، حيث أصبح قطاع الزراعة مؤنثًا بسبب هجرة الرجال من الريف إلى المدن، مما جعل ملاك الأراضي الزراعية يتجهون إلى استغلال اليد العاملة النسائية مستفيدين من الفجوة في الأجور بين الرجال والنساء، فيتم الاعتماد بشكل أكبر على النساء في أعمال حصاد المحاصيل الزراعية وتعبئة الخضروات والفاكهة[2]، وفي المقابل يُدفع لهن نصف الرواتب المخصصة للرجال، متروكات بلا أي خيارات أخرى.
تقدم هذه الورقة جزءًا من الانتهاكات التي يتعرض لها العاملات في مجال الاستثمار الزراعي في محافظة المنيا بصعيد مصر، والمنيا هي إحدى المحافظات التي تضمنها مشروع المليون ونصف فدان، وكان نصيب محافظة المنيا من المشروع 370 ألف فدان[3].
من خلال عيون وتجارب ثلاث نساء أُجريت معهن مقابلات معمقة حول ظروف وبيئة العمل في الاستثمار الزراعي بمحافظة المنيا، نرصد معاناتهن مع حق الوصول للأرض كنتيجة لقوانين الإصلاح الزراعي، وصعوبة الوصول لمياه نظيفة لأغراض الشرب والنظافة والتي تسببت في الإجهاض لإحدى العاملات الثلاث، وتكلفة عدم تفعيل قانون الحضانات داخل بيئة العمل، وغياب العمالة الزراعية من السياسات المناخية التي تتبعها الدولة، وتغييبهم من عملية التنمية.
تنتمي النساء الثلاث لثلاث قرى مختلفة، “أم ياسين” تبلغ من العمر 30 عامًا وأم لطفلين، من قرية “طحا العمودين” تقع شمال مدينة المنيا، “أم محمد” تبلغ من العمر 37 عامًا أم لأربعة أطفال، من قرية “نزلة الشرفا” من القرى التي تقع في نطاق مدينة المنيا، “أم أحمد” تبلغ من العمر 35 عامًا أم لأربعة أبناء، من قرية “المحرص” تقع جنوب مدينة المنيا، ثلاث قرى قريبة في النطاق الجغرافي، ولم تتقابل الثلاث نساء مرة واحدة، لكن يجمعهن نفس الاستغلال والإقصاء من قبل سياسات الاستثمار الزراعي.
المفاهيم التي تستند إليها الورقة:
العمالة غير الرسمية: كل من يقوم بأداء عمل غير دائم بطبيعته مقابل أجـر أيًا كانت صورته، أو يعمل في مهنة أو حرفة لا ينظمها قانون خـاص، مثـل الباعـة الجائلين، وموزعى الصحف، وغيرهم[4].
وقد حددت وزارة القوى العاملة، وفقًا للقرار رقم 162 لسنة 2019، فئات العمالة غير المنتظمة فيما يلي:
1- فئة عمال المقاولات، وتشمل النجار والحداد الكهربائي والسباك الصحي واللحام والنقاش وعمال البناء وعمال الصيانة وسائقي المعدات الميكانيكية.
2- فئة عمال الزراعة الموسميين في الحدائق والبساتين وعمال المناحل والعمال في المشروعات الصغيرة لتربية الحيوانات.
3- فئة الموظفين غير الرسميين في الشركات الرسمية.
4- فئة الصيادين وعمال المواني.[5]
الإجهاد الحراري: الإجهاد الحراري هو حالة حادة ناتجة عن تعرض الجسم لحرارة عالية لفترة طويلة. ويحدث الإنهاك الحراري (Heat Exhaustion) عند تعرض الشخص إلى درجات حرارة عالية لفترة طويلة من الزمن، حيث يعاني الشخص من أعراض مثل الصداع والإرهاق والتعرق بغزارة وتسارع نبضات القلب خاصةً بعد قيامه بنشاط أو وجوده في منطقة ذات مناخ حار ورطوبة مرتفعة لفترات طويلة.[6]
موقع العمالة الزراعية من قوانين الإصلاح الزراعي:
فئة العمالة الزراعية منذ المشروع الناصري مستثناة من قوانين الإصلاح الزراعي، حيث استبعدت المادة التاسعة من القانون الفلاحين المعدمين وعمال الزراعة من الاستفادة من التوزيع، ونصت على توزيع الأرض المستولى عليها في كل قرية على صغار الفلاحين، بحيث يكون لكل منهم ملكية صغيرة لا تقل عن فدانين ولا تزيد على خمسة أفدنة تبعًا لجودة الأرض.
ويشترط فيمن توزع عليه الأرض:
(أ) أن يكون مصريًا بالغًا سن الرشد ولم يصدر ضده حكم في جريمة مخلة بالشرف.
(ب) أن تكون حرفته الزراعة.
(ج) أن يقل ما يملكه من الأرض الزراعية عن خمسة أفدنة، وتكون الأولوية لمن كان يزرع الأرض فعلاً؛ مستأجرًا أو مزارعًا، ثم لمن هو أكثر عائلة من أهل القرية، ثم لمن هو أقل مالًا منهم ثم لغير أهل القرية.
وفقًا لهذا الإجراء من قوانين الإصلاح الزراعي استُبعِد نحو مليوني عامل زراعي وفلاح معدم من عملية إعادة التوزيع[7]، ومع الدخول في حقبة السياسات النيوليبرالية والسوق المفتوح ازداد تدهور فئة العمالة الزراعية، مما فاقم من الأعباء التي تقع على عاتق المرأة بخلاف الأعباء المنزلية والرعائية.
فئة العمالة الزراعية منذ المشروع الناصري مستثناة من قوانين الإصلاح الزراعي، حيث استبعدت المادة التاسعة من القانون الفلاحين المعدمين وعمال الزراعة من الاستفادة من التوزيع، ونصت على توزيع الأرض على صغار الفلاحين.
تقول “أم ياسين” إنها لم تتمكن من أن تجد فرص عمل أخرى، فهي غير متعلمة ولا تجيد أي حرفة، ولأن الرجال في قريتها “طحا العمودين” يرفضون العمل بجوار النساء في الأرض، “عندنا في البلد محدش عم يرضى يشغل الحريم بيشغلوا الرجالة بس.. الرجالة بتجول (يقولون) أنا مجفش في الأرض كتفي بكتف الحريم” لم تجد أم ياسين هي ونساء القرية سبيلًا آخر غير العمل في مزارع الصحراء.
لم يكن رفض أهل القرية تشغيل النساء في أراضيهم مبنيًا على التحيز الجندري وحسب، لكن تقزم الملكية الزراعية [8] الذي لا يحتمل استئجار عمالة موسمية هو جوهر المسألة، وهو الذي دفعهم للعمل بأيديهم وبأيدي بناتهم وزوجاتهم دون مقابل مادي توفيرًا لأجرة عامل، وفي حال اللجوء لاستئجار عمالة يفضل أن تكون من الرجال والشباب.
“بيقولوا انتي واحدة ست ومتعلقة في رقبة راجل يصرف عليكي.. لكن أجيب راجل عشان عنده هم بيت وعيال” كان هذا منطق تفكير أصحاب الأرض عندما سألت أم أحمد عن العمل داخل قريتها.
الاستثمار الزراعي في الصحراء الغربية المصرية
دخلت مصر حقبة اقتصادية جديدة عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد في منتصف السبعينيات، وكان أبرز التحولات التي حدثت هو إصدار قانون العلاقة بين المالك والمستأجر، والذي ينص على حق المالك في طرد الفلاحين حال تأخرهم عن سداد قيمة الإيجار لمدة 3 أشهرٍ، بموجب هذا القانون فقدت نحو مليون عائلة أراضٍ كانوا حتى صدور القانون يتمتعون فيها بحيازةٍ آمنة. الغالبية الساحقة منهم كانوا من صغار المزارعين الفقراء، وبفقدان الأرض فقدوا مصدرًا رئيسيًّا لرزقهم ولأمنهم الغذائي أيضًا.
عقب ذلك توالت حزمة القوانين التي تم سنها تسهيلًا للحقبة الاقتصادية الجديدة، منها قانون 117 لسنة 1976 لإنشاء البنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي وبنوك القرى التي أُنيط بها مهمة تمويل الزراعة بعيدًا عن التعاونيات، والقانون الخاص بتملك الأراضي الصحراوية لسنة 1981 حيث حدد ملكية الفرد بـ 100 فدان و300 للأسرة وعشرة آلاف لشركات الأفراد و 50000 للشركات المساهمة[9].
بالوصول إلى التسعينيات أصبحت سياسة الدولة في المجال الزراعي والتي تنبثق من توجيهات البنك الدولي وهيئة المعونة الأميركية تتلخص في:
- إلغاء الدعم الفني والعيني للإنتاج الزراعي والفلاحي بالوادي والدلتا عن صغار الفلاحين.
- تبني سياسة الزراعة من أجل التصدير.
- الترويج لنمط الإنتاج الكبير ودعم نموذج المزارع الشاسعة على غرار نموذج كاليفورنيا.
- استبدال سياسات الاكتفاء الذاتي من الغذاء بسياسات الأمن الغذائي بمعنى الحصول على الغذاء من أي مصدر بدلًا من إنتاجه محليًا[10].
لم ينتج عن هذا التوجه الاستثماري صفوفٌ من العمالة العاطلة وحسب، بل زاد معدل النزوح الداخلي نحو العشوائيات الحضرية بحثًا عن فرص عمل، وتحول صغار الملاك من المزارعين إلى أجراء زراعيين، ومع تفاقم سوء الأوضاع الاقتصادية نتيجة الارتفاعات المتتالية لمعدلات التضخم الاقتصادي، زادت معدلات هجرة الشباب والرجال نحو المدن، تاركين النساء والأطفال في الريف.
نتيجة هذه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المركبة استوعب النمط الاستثماري الزراعي أعدادًا هائلة من العمالة النسائية والأطفال بدءًا من سن 6 سنوات، حيث يحتاج النمط الاستثماري الزراعي إلى عمالةٍ كثيفة ورخيصة الثمن، وهذان شرطان متوفران لدى النساء والأطفال في الريف المصري.
دخلت مصر حقبة اقتصادية جديدة عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد في منتصف السبعينيات، وكان أبرز التحولات التي حدثت هو إصدار قانون العلاقة بين المالك والمستأجر، والذي ينص على حق المالك في طرد الفلاحين حال تأخرهم عن سداد قيمة الإيجار لمدة 3 أشهرٍ، بموجب هذا القانون فقدت نحو مليون عائلة أراضيهم.
تشكل النساء نحو 45% من القوى العاملة الزراعية، خاصة في الأعمال المرتبطة بالمحاصيل والثروة الحيوانية [11]، وهذا ما يؤكد عليه الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء حيث تبلغ نسبة النساء المعيلات 17% وفقًا للبيان الذي أصدر في اليوم العالمي للأسرة عام 2023.
تقول أم محمد: “أنا متعلمة ومعايا دبلوم وعندي طموح وعاوزة ولادي يعيشوا أحسن عيشة عشان كدة أنا بروح أنظف بيوت وأجيب طلبات للستات الموظفات جنب شغل الصحرا“.
أما أم أحمد في قرية المحرص قالت: “عندي ولادي في المدارس ومحتاجين مصاريف كتير ومرتب جوزي لوحده مش مكفي عشان كده طلعت الصحرا“.
بالنسبة لأم ياسين تكاد تكون مصدر الدخل المستقر في أسرتها، فزوجها لا يجيد أي حرفة بالإضافة إلى أنه مريض قلب، لا يقوى على الخروج معها كل يومٍ للعمل.
لدى أم ياسين وضعٌ أكثر سوءًا من نظيراتها اللاتي حُرمن من حق الوصول للأرض، تروي عندما كانت تعمل في أحد الأيام في محصول الطماطم، وتصف كيف أن العمل في الطماطم يشبه الكابوس، حيث يتطلب قوة عملٍ بدنية لا تملكها، ومقابل قوة عملها كل ما تتحصل عليه هو خمسة جنيهات لكل قفص طماطم.
“كنت بشتغل في الطماطم وأنا حامل ومن كتر التعب مقدرتش أرفع الأقفاص من الأرض عشان أرفعهم على العربية.. في اليوم ده مخدتش أجرة عشان المقاولة قالتلي تعالي بكرة وكملي باقي الشغل عشان تاخدي أجرتك”. في آخر اليوم الثاني تحصلت أم ياسين على أجرٍ قدره 100 جنيهٍ مقسومةً على يومين مقابل 20 قفص طماطمٍ.
الاستثمار الزراعي والفئات الأكثر هشاشة (النساء- الأطفال)
السياسات الزراعية الجديدة التي صاحبت النيوليبرالية تضمن السيادة الكاملة للاستثمار وغيابًا للحقوق القانونية، فقانون العمل رقم 14 لسنة 2025 مادة رقم 60 الخاص بإنشاء حضانات داخل منشآت العمل[12]، يُلزم أصحاب العمل بإنشاء حضاناتٍ في حال أن يتم تقنين أوضاع العاملات، وفي حالة العاملات الزراعيات فإن العمل في المزارع الاستثمارية هو عمل يومٍ بيوم، لا يُقيَّد فيه أصحاب المزارع بعقود عمل تجاه العمال، وعدم استقرار العاملات في مزارع ثابتة يعزز عدم تفعيل القانون، بحجة عدم ثبات عدد الأطفال الذين يحتاجون للرعاية كل يومٍ، هذا بالإضافة للخلط بين أدوار النساء الرعائية داخل المنزل المصاحبة لها في العمل، والتي بالأساس هي نظرة المجتمع للنساء والتي يتبناها أصحاب العمل.
تجاهل الأدوار الرعائية للعاملات الزراعيات تكون نتيجته اصطحاب الكثير من النساء أطفالهن للمزارع، تقول أم ياسين:
“في مرة كنت بشتغل في الطماطم وكنت بشيل العديات بتاعة الطماطم وسبت ابني راح كلب من الصحرا جري وراه وكان سعران لحد ما واحد لحقه“.
غياب وعي العاملات بوجود هذا القانون هو جانبٌ آخر لا يمكن إغفاله، وهو ما يعتمد عليه أصحاب المزارع، وحتى في حال وجود الوعي فالعاملات لا يستطعن المطالبة بأية حقوقٍ، نتيجة عدم تقنين أوضاعهن، بالإضافة للابتزاز الذي يتعرضن له، إما عمل بدون حقوق قانونية أو لا شيء على الإطلاق.
تصطحب أم ياسين ابنها للعمل، تاركة ابنتها الصغرى مع إحدى الجارات لترعاها، “تاخد بالها عليها عبال ما أرجع“، وصولًا لليوم الذي صدمتها سيارةٌ وتوفيت. تقول أم ياسين: “ملحقتش في اليوم ده أشوفها وأقعد معاها. شفتها يادوب ساعتين قبل ما أمشي على الشغل في الفجر”. صمتت أم ياسين قليلاً: “بقيت مش عارفة أعمل إيه؟ واخدة معايا العيل المريض وسايبة البت الصغيرة.. دفناها بالليل وفي الفجر طلعت الصحراوي عشان الولد محتاج يعمل تحاليل.. ده أنا ملحقتش حتى أحزن عليها”.
أما أم أحمد فهي تتحدث عن تعرضها لحادثٍ مروعٍ تعرضت له خلال رحلة عودتها من الصحراء: “في اليوم ده كانت بنتي معايا، والعربية كانت محملة أنفار فوق العدد، راح الكاوتش فرقع والعربية اتقلبت بينا، والناس كل واحد اتحدف في ناحية.. لحد ما الإسعاف جالنا ونقلنا على المستشفى وكان الدم مغرق وشي (وجهي)“.
من يحصد الماء؟- مشروع المليون ونصف فدان
تم الترويج لمشروع المليون ونصف فدان من قِبَل النظام الحالي في 2015 بغية تحقيق الأمن الغذائي والتنمية التي تحتاجها مصر في الفترة القادمة، من خلال التوسعات الزراعية الاستثمارية في الصحراء الغربية، والتي تشمل ثماني محافظات مصرية هي: الوادي الجديد، قنا، أسوان، مرسى مطروح، جنوب سيناء، الجيزة، المنيا، والإسماعلية، يعتمد فيه نظام الري على المياه الجوفية بنسبة 80%، والباقي على مياهٍ سطحية من نهر النيل.[13]
في ذات العام 2015 أصدر مجلس الوزراء السعودي قرارًا رقم 66 بوقف زراعة الأعلاف، لترشيد استهلاك مخزون المياه الجوفية، فالشركات المنتجة للألبان ومشتقاتها تستهلك نحو 96% من كمية المياه في إنتاج الحليب، تُستَهلك في تلبية الاحتياجات المائية للأعلاف المزروعة محليًّا لتغذية قطيع الأبقار[14]، تُلقي مقالة “صراع أبناء النيل لإطعام أبقار الخليج“[15] الضوء على شركة المراعي السعودية حين اتجهت للتعاقد خارج حدود أرضها لتأمين احتياجها من الأعلاف، والتحول نحو الزراعة في الخارج، حيث تعاقدت عام 2014 مع (مصر-إثيوبيا-السودان) من أجل زراعة وتصدير الأعلاف، وبهذا تكون تحولت إلى استيراد الأعلاف بالكامل من الخارج تماشيًا مع سياسة بلدها في ترشيد استهلاك المياه الجوفية.
زراعة العلف من الزراعات التي تستهلك كميات كبيرة من الماء، ويعكس التعاقد مع الدول الثلاث الحجم الضخم للاستثمار السعودي، حيث تؤكد دراسة أن إنتاج لترٍ واحدٍ من الحليب، يحتاج إلى 1000 لترٍ من الماء، معظمها يتم عبر تغذية الحيوانات. أما في حالة إنتاج حليب البودرة، فلا بد من إضافة خمسة أضعاف هذه الكمية من المياه، إذ يعادل لتر الحليب الواحد 200 جرام من حليب البودرة [16].
شركة المراعي تُعد أحد الأمثلة على التسهيلات التي تقدمها حكومات الدول الفقيرة للاستثمار الأجنبي، دون مراعاةٍ لاستدامة الموارد، ولا يمكن اعتبار مسألة تصدير الفواكه والخضر والأعلاف مجرد مبادلةٍ تجاريةٍ وحسب، بل يجب النظر إليها على أنها استحواذٌ على الموارد (الأرض والمياه) مستثنى منها صغار منتجي الغذاء ولا وجود فيها للعمالة الزراعية.
لم يعرف الفلاحون المصريون فيما سبق عبء جلب مياه الشرب للعمل، كانوا يجلبون الطعام فقط، أما المياه فهي متوفرة، “طرمبة الماء” كفيلةٌ بسد عطش الفلاحين في أراضي الوادي القديم، أما المياه الجوفية التي يعتمد عليها النمط الزراعي الاستثماري فهي غير صالحةٍ للشرب، وهي على حد تعبير العمال الزراعيين “مياه مالحة“، بالإضافة إلى طرق تخزينها، حيث تخزين المياه في خزاناتٍ ضخمة يحول دون قدرة العمال الزراعيين على استعمالها في غسل الطعام قبل تناوله، أو استعمالها لأغراض النظافة لعدم قدرتهم على الوصول لها.
شركة المراعي تُعد أحد الأمثلة على التسهيلات التي تقدمها حكومات الدول الفقيرة للاستثمار الأجنبي، دون مراعاةٍ لاستدامة الموارد.
تتحصل أم ياسين على يوميةٍ قدرها 120 جنيهًا، تنفق منها من 40 إلى 50 جنيهًا لشراء الفطور، تشتري زجاجة مياهٍ باردةٍ في فصل الصيف في طريقها يوميًا للعمل صباحًا، فهي لا تستطيع جلب المياه من منزلها، حيث إن طول المسافة حتى تصل لمكان العمل لن يجعلها تحتفظ بالبرودة، متبقيًا معها من 70 إلى 80 جنيهًا تنفق منها على باقي الالتزامات من طعامٍ وشرابٍ وعلاجٍ وتسديد فواتير واقتطاع جزءٍ لتسديد قرض.
أما بالنسبة لأم محمد فالوصول للمياه أثناء العمل يعد شبه مستحيلٍ، حيث تجلب معها مياه الشرب، أما عن مياه غسل الطعام قبل تناوله أو استخدام المياه لأغراض النظافة الشخصية فلا سبيل للوصول إليها “في مرة بنت صغيرة كانت عاوزة تغسل الأكل قبل ما تاكل راحت على الخزانات الي مخزنين فيها المياه وطلعت عشان تجيب شوية مية من الخزان راحت وقعت جوة الخزان وكانت هتغرق لحد ما المشرف طلع الخزان وانقذها”.
تحت الشمس الحارقة – العمالة الزراعية و التغيرات المناخية
تتبنى مصر مجموعة من السياسات المناخية في عدة قطاعات، بالنسبة للقطاع الزراعي تأتي هذه السياسات في:
- تفعيل نظام الإنذار المبكر للتنبؤ بتأثير التغيرات المناخية المتوقعة على المحاصيل الزراعية، وتوعية الفلاح بطبيعة المحاصيل المناسبة وفق هذه المنظومة.
- تبني سياسات الزراعات الذكية مناخيًا بما يكفل الزيادة المستدامة في الإنتاجية الزراعية.
- تعزيز سبل الزراعة المستدامة، وتوفير الدعم المالي والفني لتحسين قدرة الإنتاج الزراعي على الصمود أمام التحديات ذات الصلة بتغير المناخ.
- توظيف التكنولوجيا الحيوية لتطوير والتوصل إلى تركيب محصوليٍ متوافقٍ مع التغير المناخي وكمية المياه وجودتها[17].
هذه السياسات تتطلب قدرًا عاليًا من التكنولوجيا والقدرة على الوصول للمعلومات، وهذا متاحٌ فقط للاستثمار حيث لا يستطيع صغار منتجي الغذاء الحصول على هذه التكنولوجيا المكلفة، أما بالنسبة للدعم الفني فكان المرشد الزراعي يقوم بهذا الدور، بحيث يحافظ على التركيب الحيوي للتربة من خلال التقليل من استخدام المبيدات والأسمدة بشكلٍ مفرط، وبالتالي يتحقق عنصر الحفاظ على البيئة، أما اليوم فتوقفت الدولة عن تعيين المرشدين الزراعيين، وأصبح الفلاحون بلا إرشادٍ زراعيٍ، وبات الفلاحون الصغار مطالبين بامتلاك هذه التكنولوجيا.
فيما يتعلق بالعمالة الزراعية وموقعها لم تأتِ هذه السياسات على ذكر العمالة وطرق الوقاية من موجات البرد والحرارة الشديدة، وسبل مواجهة العطش في الصحراء.
لم تكن تعرف أم ياسين عن التغيرات المناخية غير حرارة الطقس المرتفعة في فصل الصيف، وتتكرر هذه المعاناة مع محاولات الإنجاب المستمرة عقب وفاة ابنتها.
“في مرة كان في الصيف والدنيا حر جدًا جدًا والميه (المياه) الي معانا خلصت والراجل صاحب المزرعة كان معاه جركن مية مدسيه (يخبئه) مننا ومرضيش أبدًا يدينا منه، في اليوم ده كنا شغالين في الشمام بقينا نفتح الشمام نشرب المية الي فيه من شدة العطش وعلى ما روحت البيت وجعت (سقطت) من طولي وركبت محاليل وسجطت (أجهضت) في ليلتها”.
الإجهاد الحراري الذي عانت منه أم ياسين، نتيجة ارتفاع درجة الحرارة وقلة المياه استعاضت عنها بمحلول السكر المركز في فاكهة الشمام، مع حالة الضعف العام وسوء التغذية التي تعاني منها تسببوا في إجهاض الحمل، ولم تكن مدركةً لهذه العلاقة حيث اعتقدت أن الإجهاض حدث نتيجة “زعل“، وعندما أوضحت لها السبب قالت: “طيب هعمل إيه؟ لما حبيت أريح في البيت الفترة الأولى لحد ما الحمل يثبت جوزي مقدرش يشتغل كل يومٍ عشان مرضه.. وبالعين نزلت الشغل قبل الحمل ما يثبت وسجطت، والله كانت بنتي لسة عايشة وممعيش فلوس في البيت نهائي كل الي كان عندي شوية كشك[18]قعدت أنا وعيالي ناكل فيهم 8 أيامٍ من غير بيضٍ حتى.. أنا ما ينفعش أجعد“.
تنمية لمن؟ وبيد من؟
لا يمكننا الحديث عن السياسات الزراعية النيوليبرالية في مصر دون التطرق لمسألة التنمية، حيث قام تيموثي ميتشل برصد دور الوكالة الأميركية للتنمية (USAID) في مصر في فترة السبعينيات والثمانينيات، حين قدمت تقاريرها لمصر حول أن مشاكلها التنموية تكمن في الجغرافيا والديموغرافيا، مخفية بذلك أجندتها حول سعيها للسيطرة السياسية والاقتصادية على القطاع الزراعي المصري، من خلال فتح الأبواب أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية والاتجاه صوب الصحراء لإنشاء المزارع الاستثمارية بالخبرة والتكنولوجيا الأميركية، الفكرة الثانية التي لعبت عليها (USAID) هي عدم توافق الخبرات التقليدية لدى الفلاحين ونمط الاستثمار الجديد، الذي يعمل على التوجه للمحاصيل التصديرية مثل الخضراوات وزهور الزينة، لذا تمثل الهدف المعلن لمشروع التنمية المزعوم في تشجيع ميكنة الزراعة المصرية، وتمويل مراكز خدمة للآلات، مما جعل الاقتصاد الزراعي غير قادر على النمو إلا بتكلفةٍ مرتفعة، لا يقوى عليها سوى النمط الاستثماري[19].
هذا الزعم التنموي برعاية البنك الدولي والـ USAID القائم على إنكار الخبرات الزراعية الأصلية للفلاحين، عنى خروج صغار منتجي الغذاء من معادلة التنمية، الذين هم أصحاب الأرض وأصحاب الخبرات الأصلية، وزيادةً في استغلال فيض العمالة الزراعية، رخيصة التكلفة.
هذه التنمية تكلف العاملات الزراعيات وقتًا ومجهودًا بدنيًا بمقابلٍ بخسٍ، أم محمد تتقاضى أجرًا يوميًّا قدره 80 جنيهًا، تنفق منها 10 جنيهاتٍ على وجبة الإفطار، 20 جنيهًا للخبز الذي تتركه لأبنائها الأربعة قبل الذهاب للعمل، متبقيًا معها 50 جنيهًا لباقي متطلبات الحياة.
هذا الزعم التنموي برعاية البنك الدولي والـ USAID القائم على إنكار الخبرات الزراعية الأصلية للفلاحين، عنى خروج صغار منتجي الغذاء من معادلة التنمية، الذين هم أصحاب الأرض وأصحاب الخبرات الأصلية.
“أنا كل يومٍ بطلع أشتغل في الخضار والفاكهة.. وبلدنا مليانة خيرٍ الحمد لله.. بس الخير ده كله بيروح فين وبنلاقيه بسعرٍ غاليٍ ليه؟”
كيف تتحقق التنمية عندما تستغرق أم ياسين يوميًا رحلة سفرٍ للمزرعة ثلاث ساعات ذهابًا وثلاث ساعات إيابًا، بدون ساعات عملٍ محددة، حيث يمكن أن تصل أوقات العمل قرابة دخول الليل، كل يومٍ في مزرعةٍ مختلفةٍ عن الأخرى (هذا ما أجمعت عليه الثلاث عاملات).
“إحنا بنعمل الي صاحب المزرعة يقول عليه وفي آخر النهار بناخد أجرتنا ونمشي”
أم أحمد تذهب فجر كل يومٍ لمكان تجمع العمالة الزراعية في قريتها في انتظار مقاول الأنفار كي يتم توزيعهم على المزارع، وتوزيع العمل على العمال.
“كانت المقاولة توزع علينا الشغل.. تقول فلانة وفلانة هيشتغلوا في الطماطم.. وفلانة في العنب.. وفلانة في حش الحشيش وتنظيف الأرض”
كان في كلام النساء الثلاث شعورٌ بالاغتراب عن عملهن والمحاصيل الزراعية التي يقمن بجنيها (الطماطم-الشمام-العنب) نتيجة للعمل الموسمي غير المستقر وغير المعروف ماهيته، لذا تجد العاملة الزراعية نفسها كل يومٍ في مزرعةٍ مختلفة، وبعملٍ مختلف، وبصاحب عملٍ مختلف.
هذا الوضع يزيد من هشاشة أوضاع العمالة الزراعية[20] فالتنقل بين المزارع لا يعطي مجالًا للتضامن العمالي والمواجهة والمطالبة بأية حقوق، مما يجعلهن هامشًا داخل الهامش.
“أم ياسين، أم محمد، أم أحمد” وغيرهن من العاملات والعمال لا يخرجن/ون يوميًا حتى يحققن/وا تنمية اقتصادية للدولة، فهن/هم حتى لا يدركن/وا معنى هذه الكلمة، هن/هم يخرجن/ون يوميًا من أجل أجرٍ زهيدٍ لا يكفي الرمق، لكن تبقيهن/م قادرات/ين على التنفس، مما يجعل ثمن ذلك هو التناقص التدريجي لقدرة الجسد وصولًا لمرحلة اللاعطاء.
يأتي أثر السياسات النيوليبرالية بشكلٍ سريعٍ على أجساد الفقراء، حيث تدفع العاملات ثمن خروجهن اليومي من أجسادهن المضعفة، التي لها قدرةٌ إنتاجيةٌ محدودةٌ نتيجة مشقة العمل الزراعي وسوء التغذية، مما يجعل قدرتهن على العمل محصورةً في سنواتٍ قليلةٍ، محولًا إياهن إلى ما يسمى “بالعبء الاقتصادي”.
- مروة ممدوح – مصر
المقال أعلاه مأخوذ من مجلة سيادة – العدد السادس: “العمالة الزراعية كفاح من أجل السيادة الغذائية“. للاطلاع على العدد وتحميله: اضغط\ي هنا
المـراجـع
[1] FAO, 2023; World Bank, 2023
[2] دار الخدمات النقابية والعمالية 2024\https://www.ctuws.com/content
[3] خريطة مشروعات مصر https://egy-map.com/project/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-1.5-%D9%85%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%81%D8%AF%D8%A7%D9%86
[4] القانون رقم 14 لسنة 2025 بإصدار قانون العمل، نشر في الجريدة الرسمية ، العدد ) 18تابع( ، في 3 مايو 2025 .
[5] د. فاطمة الزهراء علي: آليات التكيف الإجتماعي مع تداعيات جائحة كورونا لدي العمالة الغير منتظمة، دراسة ميدانية في حي بولاق بمدينة القاهرة، مجلة كلية الأداب، جامعة الفيوم، مجلد 14، عدد 1، 2022، ص3020.
[6] الهيئة العامة للرعاية الصحية https://eha.gov.eg/ar/medical-info/heat-exhaustion/heat-exhaustion
[7] صقر النور، الأرض والفلاح والمستثمر: دراسة في المسألة الزراعية والفلاحية في مصر، دار المرايا للإنتاج الثقافي، القاهرة، 2017.
[8] يقدر حجم الحيازات الزراعية الصغيرة (أقل من فدان-3 فدادين) حوالي %84.33 عام 2015، وفقًا دراسة تحليلية للمؤشرات الإحصائية لتوزيع الحيازات الزراعية في جمهورية مصر العربية، مركز البحوث الزراعية، 2015.
[9] محمد رمضان – صقر النور، كتاب عيش مرحرح: الاقتصاد السياسي للسيادة على الغذاء في مصر، صفصافة، القاهرة، 2021.
[10] علي نويجي – نحو بنك للتعاون الزراعي لمواجهة السياسة الزراعية الجديدة للحكومة – مطبوعات التجمع.
[11] الحماية القانونية والاجتماعية والصحية للعاملات في القطاع الزراعي: دليل مبدئي لضمان حقوقهن، شبكة تنمو للانتقال البيئي العادل، 2025.
[12] العدد 18، الجريدة الرسمية الصادرة عن رئاسة الجمهورية الصادرة في 5 ذي القعدة سنة 1446ه الموافق (3 مايو سنة 2025م).
[13] https://learn.agrogatemasr.com/irrigation-water-sources-and-for-the-1-5-million-feddan-project/
[14]
[15] صقر النور. 2017. https://manassa.news/stories/1870
[16] د. أسامه محمد سلام، البصمة المائية للإمارات العربية المتحدة: مؤشر أمن الماء والغذاء، E-Kutub Ltd، لندن، 2016.
[17] جريدة اليوم السابع ،خطوات للتصدي للتغيرات المناخية بالقطاع الزراعى – تفاصيل البرنامج الحكومي، 8 اغسطس،2024.
[18] يُصنع الكشك من القمح المجروش واللبن الرائب، يُقطع إلى كرات صغيرة ويُجفف بواسطة حرارة الشمس، ثم يجري تخزينه في مكان جاف وجيد التهوية لمدة سنة حتى حلول موسم القمح التالي. يُعد الكشك من الأطعمة المحلية شديدة الخصوصية، ويُصنع في محافظات الوجه القبلي بمصر.
[19] تيموثي ميتشل، حكم الخبراء: مصر، التكنو – سياسة، الحداثة، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2010.
[20] تلعب منظمات المجتمع المدني دورًا مهمًا من خلال التوثيق والتوعية والدعم القانوني والضغط الإعلامي من أجل الوصول إلى إعادة هيكلة النظام الاستثماري الزراعي ووضع حقوق الإنسان والعمال في صلب أولوياته.

