جمنة تمر وثورة: حين نظّم الهامشُ نفسه وأربك الدولة



ما فعلَتْه جمنةُ عامَ 2011 لم يكنْ في جوهرِه استعادةَ أرضٍ بالمعنى المادِّيِّ الضَّيِّقِ، بل كانَ أعمقَ من ذلك وأكثرَ إزعاجًا للسّلطة: كانَ استعادةَ ذاكرةٍ جماعيَّةٍ للنَّهبِ، ظلّت مختزنةً في الأجساد والحكايات المتوارثة جيلاً بعد جيل، تنتظر فجوةً في جدار السّلطة تتيح لهذا التّاريخ أن يتكلّم بصوت عالٍ. وحين جاءت تلك الفجوة عام 2011، لم يكن ما تحرّك مجرّد نزاع فلاحيٍّ محلّيٍّ حول قطعة أرض، بل انبثقت تجربة سوسيولوجيّة استثنائية تطرح أسئلة جوهرية حول إمكانيات التّنظّم الذّاتي وعلاقته بالسّيادة الغذائيّة، وحول قدرة الجماعات المهمّشة على بناء أشكال حكم بديلة خارج أطر الدولة والمؤسسات التّقليدية. إنها تجربة تُعيد الاعتبار لمفهوم التّنظّم باعتباره لا مجرّد أداةً لوجستيّة، بل ممارسةً سياسيّةً خلاّقة وفعلاً تأسيسيًّا وهوياتياً يُولّد السيادة من الأسفل. ذلك أنّ عشرات العائلات التي توجّهت نحو جمنة لم تكن تمارس فعلاً عفويًّا بلا معنى، بل كانت تُعيد تأسيس فضاء سياسيٍّ من الصّفر، وتُمارس القدرةَ[1] بمعناها الأصيل أي تلك الطاقة التي لا تولد في الفرد المنعزل، بل في الفضاء البيني الذي ينشأ بين الناس حين يجتمعون ويتحرّكون معاً نحو هدف مشترك. وسيحاول هذا التحليل أن يتتبّع جمنة من شرط ولادتها حتى المأزق الذي تتركه مفتوحاً.

لا يمكن فهم تجربة جمنة إلاّ في ضوء تاريخ طويل من نزع الملكيّة والإقصاء الممنهج. فالجذور الأولى لهذه الواحة تعود إلى فترة الحماية الفرنسية، حين تمّت مصادرتها سنة 1922 وأُنشئت كمشروع فلاحي استعماري فوق أراضٍ جماعية وأوقاف دينية تزيد مساحتها عن 300 هكتار وتنتج تمورًا عالية الجودة[2]، وهو ما يفسّر استمرار تسمية «ضيعة المعمّر» (هنشير المعمّر) إلى اليوم. ومع الاستقلال، لم تسترجع المجتمعات المحلّيّة ما نهب منها ولم يحصلوا حتّى على تعويض، بل ورثت الدّولة الوطنيّة الحديثة المنطق الاستعماري ذاته في إدارة الأراضي العموميّة؛ إذ برغم الوعد بالبيع الذي اقترحته الحكومة على السّكّان وبعد تجميعهم لمبلغ يناهز الأربعين ألف دينار[3]، استعادتها الدّولة وقامت بتأميمها سنة 1964 واستغلالها عبر الشّركة التّونسية لصناعات الألبان حتّى سنة 2002. بعد إفلاس الشّركة وتخلّيها عن الهنشير، قام نظام زين العابدين بن علي بتأجيرها لمالكين عقاريين كبيرين مقرّبين من السّلطة [4]مقابل مبالغ زهيدة بعد بتّة للأراضي الدّوليّة.[5]

هذه الاستمراريّة البنيويّة للإقصاء، التي تجمع بين الذاكرة-الجرح ومنطق الدولة المركزية، هي التي تجيب عن سؤال “لماذا هنا”: السخط لم يكن وليد 2011 بل كان مختزناً منذ عقود. أما “لماذا الآن” فتجيب عنه نظرية الباحثين قي الحركات الاجتماعيّة “بنية الفرص السياسية”[6] فالثورة فتحت فضاءً ظرفياً أتاح لجماعة مهمّشة أن تتحرك وتُعبّر عن مطالبها دون أن يكون الثمن باهظاً كما في السياق الاستبدادي. بمعنى آخر، الثورة لم تخلق سخط أهالي جمنة، كان هذا السخط كامناً منذ عقود بل فقط أزالت حاجز الخوف وفتحت إمكانية الفعل الجماعي في الفضاء العام. غير أن معرفة لماذا تحرّكت جمنة لا تكفي وحدها؛ ثمة حركات احتجاجية كثيرة نبتت من جراح تاريخية مماثلة ولم تُنتج ما أنتجته جمنة الفارق لا يكمن في حدّة السخط بل في طبيعة الفعل الذي نبع عنه.

اللاّفت سوسيولوجياً هو أن جمنة لم تنتظر توجيهاً من مركز سياسي، ولا قيادةً من نخبة حضرية. فعلهم نبع من الداخل، من الجماعة ذاتها، مُستنداً إلى موارد اجتماعية متراكمة: ذاكرة مشتركة وروابط ثقة موروثة، وهوية جماعية صمدت رغم عقود من الهيمنة. وما يُميّزها عن كثير من الحركات الاحتجاجية التي شهدتها تونس ما بعد الثورة هو أنها لم تقف عند حدود المطالبة والرفض. فالاحتجاج، رغم أهميته السياسية، يبقى فعلاً سلبياً في جوهره: يقول “لا” للسلطة لكنه لا يبني بديلاً. أمّا جمنة فقد تجاوزت هذا الحدّ إلى ما هو أصعب وأعمق: بناء منظومة تنظيمية قادرة على إدارة موارد مشتركة، وتوزيع العائدات على الجهة خدمة للمصلحة العامّة، واتخاذ القرارات الجماعية، وتسوية النزاعات الداخلية.

في هذا المعنى، تتجاوز تجربة جمنة “سياسة الاحتجاج” أي” [7]Contentious Politics لتدخل فيما يمكن تسميته “سياسة البناء”. هذا الشّكل من الفعل الجماعي الذي لا يكتفي بتعطيل السلطة القائمة، بل يُقيم منظومة بديلة تُعيد توزيع السلطة والموارد وتصنع العلاقات الاجتماعية داخل الجماعة. وقد كان هذا التحوّل من الاعتصامات الأولى العفوية الغاضبة إلى تنسيقيات محلية تُفكّر في الأمد البعيد وتُدير موارد وتبني تحالفات، نتاجَ تعلّمٍ جماعيٍّ تراكمي نبع من داخل التجربة ذاتها. (بعد استرجاع الأرض تمّ إنشاء لجان حماية الثورة وهي ليست إنشاء مؤسّساتي بل لجان أحياء لتتحوّل لاحقًا إلى جمعية “حماية واحات جمنة”[8].) وهذا يطرح على الفور سؤالاً حول طبيعة الكيان الذي أنتجه هذا التعلّم وامكانيّة قراءته في ضوء الأدوات المفاهيمية المتاحة.

حينَ نتأمَّلُ هذه التّجربة بعيدًا عن الإغراءِ الوصفيِّ، نجدُ أنفسَنا أمامَ ظاهرةٍ تستعصي على التَّصنيفِ المعهودِ: فجمنةُ ليسَت حركةَ احتجاجٍ بالمعنى الكلاسيكيِّ، ولا هيَ منظَّمةٌ مجتمعيَّةٌ بالمعنى المؤسَّسيِّ، ولا حزبًا ولا نقابةً ولا جمعيَّةً مسجَّلةً في سجلَّاتِ الدَّولةِ. إنَّها كيانٌ يُولَدُ في الفجواتِ التي تتركُها الدَّولةُ حينَ تتخلَّى عن وظيفتِها، ويتشكَّلُ في الفضاءِ الواقعِ بينَ ما هو رسميٌّ وما هو عفويٌّ، بينَ ما هو سياسيٌّ وما هو اجتماعيٌّ. وهذا بالضَّبطِ ما يدفعُنا إلى اقتراحِ مفهومٍ من داخلِ التَّجربةِ: المجتمعُ المدنيُّ غيرُ الرَّسميِّ.

لا يعني “غيرُ الرَّسميِّ” هنا مجرَّدَ غيابِ التَّسجيلِ القانونيِّ؛ إنَّه اللَّارسميَّةُ بوصفِها منطقًا تكوينيًّا. فهذه الكيانَاتِ لا تُولَدُ خارجَ الأطرِ الرَّسميَّةِ بالصُّدفةِ أو بسببِ قصورٍ تنظيميٍّ، بل لأنَّ طبيعةَ ما تفعلُه وطريقةَ تشكُّلِها وعلاقتَها بالزَّمنِ والمكانِ والجماعةِ كلَّ ذلكَ يجعلُ الرَّسمنةَ مستحيلةً أو مُفرِغةً للمحتوى. فحينَ تُسجِّلُ حركةً كجمنةَ وتُحدِّدُ لها هيكلًا وأعضاءً وميزانيَّةً، فإنَّكَ لا تُنظِّمُها، بل تُحوِّلُها إلى شيءٍ آخرَ كلِّيًّا: تسلبُ منها القدرةَ على التَّجاوبِ العضويِّ مع مجتمعِها، وتُدخِلُها في منطقِ البيروقراطيَّةِ والتَّقييمِ الخارجيِّ الذي يُحدِّدُ ما يُعدُّ “نجاحًا” وما يُعدُّ “فشلًا” وفقَ معاييرَ لا صلةَ لها بالواقعِ المعيشِ. اللَّارسميَّةُ إذَن ليسَت نقيصةً تحتاجُ إلى تصحيحٍ، بل شرطُ الإمكانِ لوجودِ هذا النَّوعِ من الفعلِ الجماعيِّ وهي ما يجعلُ التَّنظيمَ مرنًا بما يكفي لاستيعابِ التَّناقضاتِ الدَّاخليَّةِ، وما يُتيحُ للجماعةِ أن تتعلَّمَ وتُخطِئَ وتُعيدَ ضبطَ مسارِها دونَ أن تنهارَ.

غير أن اللارسمية تطرح على الفور سؤالاً لا يمكن تفاديه: من أينَ تستمدُّ هذه الكيانَاتُ حقَّها في التَّصرُّفِ باسمِ المجموعةِ؟ شرعيَّة جمنة ليسَت إجرائيَّةً بل تأسيسيَّةٌ: تنبثقُ من طبيعةِ العلاقةِ بينَ الفاعلينَ والمجتمعِ، وتُبنى في الزَّمنِ وتتراكمُ مع كلِّ قرارٍ يثبتُ للجماعةِ أنَّ من يمثُّلُها يُحسِنُ الاستماعَ إليها. وهذا يعني أنَّها شرعيَّةٌ أكثرُ هشاشةً وأكثرُ ثمنًا في آنٍ معًا: هشاشةٌ لأنَّها لا تحميها وثيقةٌ، وثمنٌ عاليٌ لأنَّها تستوجبُ تجديدًا مستمرًّا عبرَ الممارسةِ الفعليَّةِ. وهذا ما يجعلُ المجتمعَ المدنيَّ غيرَ الرَّسميِّ مساراً في حركةٍ دائمةٍ لا حالةً ثابتةً: يتشكَّلُ ويُعيدُ تشكيلَ نفسَه تبعًا لما تُعلِّمُه التَّجربةُ، حيثُ لا يسبقُ النَّظرُ التَّطبيقَ ولا يأتي بعدَه، بل يتشابكانِ في لحظةٍ واحدةٍ. إذا كان تعريف هذا الكيان يستعصي على التّصنيف المعهود، فإنّ علاقته بالدّولة لا تقلّ استعصاء وهي أعقد من أن نختزلها في ثنائيّة المواجهة أو الانفصال.

العلاقة بين جمنة والدولة ليست عدائية بالمعنى الأيديولوجي. هذه التجربة لا تُعرِّفُ نفسَها بالتَّضادِّ مع السُّلطةِ، بل تتشكَّلُ في المسافةِ التي تتركُها السُّلطةُ شاغرةً؛ فالهدف ليس إسقاطِ الدَّولةِ أو تجاوزِها أيديولوجيًّا، بل ملء الفراغ الذي تركَتْه، وإثبات القدرة على الإدارةِ الذَّاتيَّةِ في غيابِها، هذا يجعلُ العلاقةَ بالدَّولةِ علاقةً مُركَّبةً: غيابُ الدَّولةِ هو ما يستدعي المجتمعَ المدنيَّ غيرَ الرَّسميِّ إلى الوجودِ، بيدَ أنَّ عودتَها وتهديدَها هو ما يُوحِّدُه ويُعيدُ تعريفَ حدودِه. وهو تمييز جوهري لفهم ما يجري.

ومع ذلك، ثمة خلل بنيوي عميق في هذه العلاقة يمكن قراءته من خلال مفهوم «الحكومَنة»[9] كما طوّره ميشال فوكو واستخدمه إجرائياً جان-كلود مونو. فالحكومَنة لا تحيل إلى الدولة أو مؤسساتها بوصفها كيانات ثابتة، بل إلى منظومة ديناميكية من علاقات القوة تُعرَّف بوصفها «تسييراً للتسيير»: مجموع التقنيات والإجراءات التي تهدف إلى توجيه سلوك الأفراد والجماعات ليس عبر القسر المباشر فحسب، بل عبر إنتاج المعايير وحمل الأفراد على حكم أنفسهم بأنفسهم. وما تكشفه جمنة هو أن هذه الأنماط لم تعد قادرة على إنتاج الطاعة أو القبول أو الشرعية: الدولة التونسية تواصل اعتماد منطق مركزي وهيمني في إدارة الأراضي العمومية، متجاهلةً الذاكرة التاريخية للمنطقة ونزع الملكية الممتد منذ الاستعمار، ومتعاملةً مع الأهالي كمستهلكين للقرار لا كأصحاب حق في صنعه. وهكذا تتحوّل أزمة الحكومَنة إلى لحظة تُفصح فيها الجماعة عن موقف جماعي واضح: «لم نعد نريد أن نُحكَم بهذه الطريقة» وهو موقف لا يعني رفض الحكم في حد ذاته، بل رفض نمط بعينه من الخضوع، وفتح أفق جديد لإعادة تخيّل السلطة والشرعية من الأسفل.

وإذا كانت أزمة الحكومَنة تفسّر الشرط الذي أنتج هذه الحركات، فإن الفعل الذي قام به شباب جمنة يتجاوز الظرف التاريخي الآني ليتأسّس بوصفه لحظة كسر في الزمن السياسي السائد، أعادت وصل الحاضر بسلسلة طويلة من الذاكرة الجماعية للمقاومة والعصيان والسعي إلى استعادة الأرض، الممتدة منذ سنة 1879. ففي جمنة، تحوّلت الذاكرة من موقع الحنين والعجز إلى موقع الممارسة السياسية الحيّة؛ صارت قوة فاعلة في إنتاج المعنى والشرعية، وتحقّقاً متأخراً لحلم تاريخي مكبوت ظلّ يسكن الآباء والأجداد الذين شهدوا اقتلاعهم من الأرض دون أن يمتلكوا آنذاك أدوات الردّ. ومن هنا، تندرج جمنة ضمن ما تسمّيه سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية بـ«السياسة الاحتجاجية»، أي تلك الأشكال من الفعل الجماعي التي تواجه السلطات والعلاقات السائدة للقوة في الفضاء العام خارج الأطر المؤسساتية التقليدية كالانتخابات والأحزاب والبرلمانات. وبهذا المعنى تصبح جمنة تعبيراً عن «ديمقراطية الاحتجاج»، لا بوصفها نقيضاً للديمقراطية بل شكلاً متحوّلاً منها، تنشأ حين تعجز آليات التمثيل الكلاسيكية عن الاستجابة للمطالب الاجتماعية فيُعاد تعريف الشرعية من الأسفل. وبذلك، حتى لو جرى تطويق التجربة أو احتواؤها، فإنها ستظل مؤسِّسة لأنها أحدثت انزياحاً دائماً في المخيال السياسي وأعادت تعريف ما يمكن التفكير فيه وما يمكن فعله في مواجهة الهيمنة. ولذا ستبقى جمنة بعد جمنة.

عادة ما يختزل مفهوم السيادة الغذائية في معناه التّقني المُختزَل في بُعده الكمّي أي الإنتاج الكافي وتقليص الاعتماد على الاستيراد، ويقصى الجانب السّياسي. وهذا الاختزال في حقيقته إفقارٌ مقصود للسؤال الجوهري. فالسيادة الغذائية كما صاغتها حركة لا فيا كامبسينا [11] هي قبل كل شيء سؤال عن “من يُقرِّر؟” أي أنّها سيادة في القرار حق الجماعات في تعريف نُظُمها الغذائية، واختيار ما تزرعه وكيف تزرعه ولمن تبيعه. من هذا المنظور، لم تحقّق جمنة السيادة الغذائية لأنها جنت التمر وباعته، بل لأن أهاليها هم من قرّروا: هم من حدّدوا كيف تُستثمر الواحة، وأين تذهب العائدات، وكيف تُوزَّع الثروة داخل الجماعة وعلى الجهة. وهذا بالذّات ما جعل التّجربة تُشكّل تهديداً حقيقياً لا مجرّد مطالبة اقتصاديّة قابلة للاحتواء: فالدولة تتعامل مع النزاعات الاقتصادية بمنطق التفاوض والتعويض، لكنها تجد نفسها أمام معضلة أعمق حين يتعلق الأمر بمن يملك حق القرار في إدارة المورد ذاته. بيد أن السيادة على القرار لا تتحقق في فراغ، بل تشترط وجود تنظيم جماعي قادر على حملها وصونها؛ وهنا يتجلّى أحد الدروس البنيوية الأعمق لتجربة جمنة. إذ يكشف التحليل السوسيولوجي أن السيادة الغذائية والتنظيم الجماعي لا يقوم أحدهما بدون الآخر: لا سيادة دون قدرة جماعية على الإدارة والتقرير، ولا تنظيم مستدام دون هدف مشترك يمنحه معنى ويُبقيه حياً في وجه الإرهاق. وما تُثبته الأبحاث الميدانية حول تجارب إدارة الموارد المشتركة هو أن أكثرها نجاحاً وديمومةً هي تلك التي جمعت بين بُعدَين متلازمَين لا يُستغنى بأحدهما عن الآخر: البُعد التقني المتعلق بأساليب الزراعة والتسويق، والبُعد السياسي المتعلق ببناء الشرعية الداخلية وآليات التمثيلية وصنع القرار. وجمنة أدركت هذه الحقيقة النظرية بطريقتها العملية، ونجاح هذه التّجربة لم يكن ممكناً لولا جملة من الشّروط البنيويّة التي هيّأت التّربة له: فالتجانس الاجتماعي النسبي للجماعة وما يُولّده من هوية مشتركة وتاريخ مشترك ومصلحة مشتركة خفّف من حدة معضلة التنسيق التي تُعثِر كثيراً من التجارب الجماعية. فضلاً عن ذلك، فإن الأرض في جمنة لم تكن مجرد مورد اقتصادي قابل للتفاوض، بل كانت كرامةً مُسترَدَّة وذاكرةً مُجسَّدة في تراب الواحة، وهذا البُعد الرمزي والعاطفي للرهان هو ما جعل التنظيم يصمد أمام الإرهاق الجماعي والضّغط الخارجي وحوّل الفعل الاقتصادي إلى فعل هوياتي لا تستطيع أي استراتيجية استيعاب أن تُفرِّغه بسهولة.وهنا تحديداً تبدأ السلطة في إعادة شحذ أدواتها.

لا يُمثّل القمع المباشر الشكل الوحيد ولا الأكثر خطرا من أشكال التصدي لتجربة جمنة؛ فثمة استراتيجيتان أخريان تستهدفان جوهر التجربة لا مظهرها. أولهما استراتيجية الاستيعاب: إذ سارعت السلطات التونسية إلى محاولة إعادة ترويض جمنة وإدراجها ضمن أطر قانونية ومؤسسية مُفرَّغة من روحها التضامنية، مستحضِرين خطاب “ريادة الأعمال الاجتماعية” بوصفه أداةً ناعمة لإعادة دمج المبادرات الجذرية في منطق السوق، وتحويل ما كان فعلاً سيادياً جماعياً إلى مشروع قابل للقياس وفق معايير الكفاءة الاقتصادية. وهذا بالضبط ما يُحذّر منه إطار الفلاسفة المركسيّين المعاصرين مثل نيغري وهاردت[12]  : التسييج في طوره المتأخر لا يعمل بالإقصاء الصريح دائماً، بل بالاستيعاب أي بتفريغ الفعل المقاوم من محتواه التضادي مع إبقاء شكله الخارجي سليماً، فيبدو وكأنه باقٍ بينما جوهره قد استُنزف.

أمّا الاستراتيجية الثانية فأكثر برودةً وأشد خطراً: إنها استراتيجية الإنهاك. فالسلطة تعرف جيداً أن الحركات الاجتماعية تحمل في داخلها بذور التعب الذاتي، إذ تقوم على حماس جمعيّ لا يمكنه الاتقاد إلى ما لا نهاية. ولذلك تختار الدولة أحياناً ألا تواجه هذه الحركات، بل تنتظرها بصبر ودهاء مؤسّسي حتى تُنهك نفسها بنفسها. وهاتان الاستراتيجيتان متكاملتان: الاستيعاب يُحيّد الفعل المقاوم من الخارج بإعادة تأطيره، والإنهاك يتآكله من الداخل باستنفاد طاقته التأسيسية. وقد رأينا أن البُعد الرمزي والهوياتي للرهان في جمنة هو تحديداً ما يجعل هاتين الاستراتيجيتين أقل فتكاً مما قد تكونان في حركات أخرى. ومن هنا تصبح جمنة أكثر من حالة محلية، إذ تفرض نفسها على المنظومات الفكرية الكبرى التي أنتجها الجنوب العالمي في مواجهة الرأسماليّة.

ليست جمنة مجرّد قرية في أقصى الجنوب التونسي استرجعت واحةً وزرعت نخيلاً. جمنة هي سؤال حضاري عميق حول القدرة الذاتية للمجتمعات المهمّشة على بناء بدائل حقيقية؛ حول ما يُمكن أن يُنتجه التنظيم الجماعي حين تتوافر الإرادة والثقة والمعنى المشترك. وخير برهان على أنّ السّيادة الغذائيّة ليست حلماً طوبائياً مستحيلاً، بل مساراً تدريجياً مرهوناً بقدرة الجماعة على تنظيم نفسها، وإنتاج معاييرها الداخلية، والتفاوض مع الدولة من موقع قوة. غير أن كل منظومة تُدير الموارد المشتركة وتُعيد توزيع الثروة تحمل في طيّاتها، بوعي أو بغير وعي، أحكاماً مضمرة حول من يُدرَج في “الجماعة” ومن يقف خارج بابها. في سياقات التنظيم الجماعي الفلاحي عبر المنطقة العربية، كثيراً ما تُغيَّب المرأة أو تُهمَّش في هياكل القرار، حتى حين تُشكّل العمود الفقري للإنتاج الفعلي. لا يعني هذا أن جمنة أخفقت في هذا الملف، لكنه تذكير لا يمكن تأجيله: تجربة التنظيم الجماعي لن تكون مكتملة ما لم تُراجع علاقاتها الداخلية للسلطة، وتجعل من المساواة مركزاً لمشروعها لأن تنظيماً يُعيد إنتاج إقصاء داخلياً بينما يقاوم إقصاءً خارجياً لا يكسر منطق الهيمنة، بل يُعيد إنتاجه بوجه آخر وبأيدٍ مختلفة.


[1] يمكن التّوسّع في هذا المفهوم من خلال كتابات حنّا أرندت

[2] Jemna, l’oasis de la révolution » de Mohamed Kerrou . Novembre 2021 CERES production 2021

[3] Taher Taheri interviewé par Habib Ayeb (OSAE) – Jemna le 25-08-2020

[4] Comment étudier la mobilisation d’une

communauté oasienne ?

Grand résumé de l’ouvrage Jemna, l’oasis de la révolution, Tunis, Cérès

éditions, 2021

[5] Jemna, l’oasis de la révolution » de Mohamed Kerrou . Novembre 2021 CERES production 2021

[6] نظرية الفرصة السياسية، وتُعرف أحيانًا أيضًا بنظرية السيرورة السياسية أو بنية الفرصة السياسية هي مقاربة لحركات اجتماعية شديدة التأثر بعلم الاجتماع السياسي. تحاجج بأن نجاح الحركات الاجتماعية أو فشلها يتأثر بصورة رئيسة بالفرص السياسية. يُعَدّ المنظرون الاجتماعيون بيتير آيسينجر وسيدني تارو وديفيد ماير ودوغ مكآدام من بين أبرز المناصرين لهذه النظرية

[7] سياسة الاحتجاج” مفهوم نظري طوّره عالما السياسة تشارلز تيلي وسيدني تاروو، ويُشير إلى أشكال الفعل الجماعي التي يلجأ إليها الأفراد أو الجماعات لمواجهة السلطة أو المطالبة بتغيير سياسي أو اجتماعي، كالإضرابات والاحتجاجات والمظاهرات وحركات المقاومة. وما يميّز هذا المفهوم هو تركيزه على التفاعل الديناميكي بين المحتجّين والسلطة، إذ لا يُنظر إلى الحركات الاجتماعية باعتبارها أحداثاً معزولة، بل بوصفها عمليات تفاوضية ومتحوّلة داخل بنية سياسية معيّنة

Tilly, Charles & Tarrow, Sidney (2007). Contentious Politics. Boulder, CO: Paradigm Publishers

[8] L’Oasis de Jemna en Tunisie, entre dissidence et négociation , épisode 65

[9] governmentality

[10] Leçons d’une enquête sur une mobilisation locale inventive dans la Tunisie de la « révolution » de 2011 Jemna, l’oasis de la révolution, de Mohamed Kerrou (2021) Par Jacques Lemière CLERSE UMR 8019 CNRS, Universite de Lille

[11] منظمة دولية للمزارعين تأسست في عام 1993 في مونس، بلجيكا، وتشكلها 182 منظمة في 81 دولة، ووصف نفسها بأنها «حركة دولية تنسق منظمات الفلاحين من المنتجين الصغار والمتوسطين، والعمال الزراعيين، والنساء الريفيين، والمجتمعات الأصلية، من آسيا وأفريقيا وأمريكا وأوروبا

[12] نطونيو نيغري (1933–2023) فيلسوف وناشط سياسي إيطالي ماركسي، من أبرز المنظّرين في الفكر ما بعد الماركسي. اعتُقل في إيطاليا بتهمة الإرهاب وأمضى سنوات في المنفى الفرنسي.

ميكائيل هاردت فيلسوف أمريكي، أستاذ في جامعة ديوك، تتلمذ على يد نيغري وأصبح شريكه الفكري.

معاً ألّفا ثلاثيتهم الشهيرة: الإمبراطورية (2000)، الحشد (2004)، الكومنولث (2009)

ندى الهماميمؤلف

باحثة في القانون العام و ناشطة بيئيّة.