العاملات الزراعيات في مصر: التعاونية كفعل مقاوم للاستغلال



في إحدى قرى محافظة المنيا في صعيد مصر، راود مجموعةً من العاملات الزراعيات حلمٌ انتزعهنَّ من قسوة الواقع، وطرد عنهنَّ اليأس الذي أثقل صدورهنَّ لسنوات. حلمْنَ أن يكون لهنَّ عملٌ يملكنه بأيديهنَّ، يحفظ كرامتهنَّ، ويصونهنَّ من الإهانة والاستغلال، ويمنحهنَّ ولأطفالهنَّ حياةً تليق بكرامتهم. لكن سرعان ما تجلَّى الوجه القبيح للرأسمالية، متجسدًا في صاحب إحدى المزارع الكبرى حيث يعملن، وقد صادف أن حضر لحظة الحلم.

ابتسم الرجل بثقة من يعرف السوق وقال ساخرًا: “بحسابات السوق… اللي بتحلموا بيه ده مستحيل، كل خطوة فيه بفلوس. المنشر ده لوحده عايز مش أقل من مليون جنيه”. لتسودَ لحظةٌ من الصمت انكمشت فيها الوجوه وضاع الجميع بين الإحباط وخيبة الأمل، حتى وقفت إحداهنَّ، بعينين تلمعان بالإصرار، وقالت جملةً صارت علامةً فارقةً في الحكاية: “إحنا هنعمل المنشر[1] ولو من شيلان رجالتنا”.

في تلك اللحظة انقلبت المعادلة، لم يعد الحلم رفاهية، بل تحديًا جماعيًّا، واستعيد الحماس من رماد الهزيمة. لم يكن الهدف منشرًا كبيرًا أو مشروعًا رأسماليًّا، بل مساحةً صغيرةً تصنعها النساء بإمكاناتهنَّ المحدودة وإرادتهنَّ الحرة.

من هذه اللحظة تنطلق هذه المقالة، لتتتبع مسار العمالة الزراعية في مصر بين هيمنة السياسات النيوليبرالية وإمكانيات الفعل الجماعي في الريف المهمَّش.

عند تتبع نشأة العمالة الزراعية في مصر، نجد أن الفلاح في البداية لم يكن يملك الأرض، إذ كانت مملوكةً للدولة، وكان يُقسَّم محصوله بحيث تأخذ الدولة جزءًا ويحتفظ الفلاح بالباقي، أو تُفرَض الضرائب. واختلفت أشكال إدارة هذه العملية وتسمياتها عبر العصور.[2]

ففي عهد محمد علي، بدأ يظهر ما يمكن اعتباره أول شكل من أشكال العمالة الزراعية الحديثة، حيث طُبِّق نظام السخرة، وظهرت ظاهرة عمال التراحيل، الذين كانوا يعملون في ظروف قسرية لأجل الدولة أو كبار الملّاك[3]. بعد ذلك، ومع ظهور ملكية الأرض بالمعنى الرأسمالي، بدأت الطبقات الاجتماعية في الريف المصري تتضح، حيث ظهر كبار الملاك، وصغار الملاك، والعمالة الزراعية التي تعمل بأجر في أراضٍ لا تملكها[4]. وهنا بدأ التمييز بين الفلاح الذي يملك الأرض والعامل الذي يعمل بأجر على أرض الغير.

بعد ثورة يوليو 1952، مُنِحَ الفلاحون هامشًا محدودًا من العدالة عبر قوانين الإصلاح الزراعي التي استهدفت إعادة توزيع الأراضي وتقليص نفوذ كبار الملاك. أدى ذلك إلى تحسُّن نسبي في أوضاع الفلاحين، حيث نصَّ القانون لأول مرة على تحديد ساعات عملهم بثماني ساعات. وبمقتضى هذا القانون، حددت اللجنة العليا للإصلاح الزراعي الحد الأدنى لأجور الفلاحين من الرجال البالغين بمبلغ 18 قرشًا يوميًّا، وعشرة قروش فقط بالنسبة للأحداث والنساء[5].

يمكن القول بأن في هذه الفترة أُعيد دمج العمالة الزراعية في القرى من جديد، وجرى تحقيق قدر نسبي من الاستقرار للفلاح عبر سياسات الإصلاح الزراعي، ولكن تظل المنظومة الزراعية خاضعةً لمنطق مركزي تسيطر عليه الدولة.

ومنذ منتصف التسعينيات ومع بدء تطبيق سياسات التثبيت والتكيف الهيكلي والتي ركزت على تحرير السوق، وبدء ظهور الاستثمار الزراعي للقطاع الخاص ورجال الأعمال، وتراجع الدعم الحكومي للأسمدة والبذور، وارتفاع تكاليف الإنتاج على الفلاحين، في الوقت الذي فُتِحَت فيه الأسواق أمام الاستثمارات الخاصة، بدأ الفلاح يفقد القدرة على الاعتماد على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل. هذه التحولات الاقتصادية أدَّت إلى زيادة الفجوة بين الفلاحين.

يكشف لنا تعداد عام 2017 للسكان عن عمق هذا التحول، إذ بلغ عدد سكان الريف نحو 54.75 مليون نسمة يمثلون 57.8% من إجمالي السكان[6]. مما يعكس استمرار الكثافة السكانية العالية في المناطق الريفية رغم تراجع جدوى الزراعة كمصدر دخل أساسي. وتشير البيانات إلى أن صغار الفلاحين الذين يملكون حيازات أقل من خمسة أفدنة يمثلون نحو 90% من هيكل الملكية الزراعية، وأن الأسر الزراعية التي تملك أقل من فدان واحد تمثل حوالي 37.7% من المجتمع الزراعي، وترتفع هذه النسبة إلى 69% لمن يملكون أقل من ثلاثة أفدنة. في المقابل، لا يتجاوز من يملكون أكثر من 20 فدانًا نسبة 1%، لكنهم يستحوذون على 24.9% من المساحة المزروعة، ما يعكس تزايد تمركز الملكية الزراعية وهيمنة الأقلية الرأسمالية على الموارد[7].

ومع تفتُّت الحيازة وارتفاع تكاليف الزراعة وتراجع الدعم الحكومي، وجدت كثيرٌ من الأسر الفلاحية نفسها مضطرةً لبيع أراضيها أو البناء عليها، إلى جانب عوامل أخرى كالميراث الذي أدى إلى تجزئة الملكيات الزراعية. ومع مرور الوقت، ابتعد بعض الفلاحين عن الزراعة تمامًا، بينما أصبح آخرون يملكون مساحاتٍ صغيرة يزرعونها جانب عملٍ آخر خارج القطاع الزراعي. وفقد عددٌ غير قليل منهم ما تبقَّى من أراضيهم، فتحوَّلوا إلى عمالةٍ مأجورةٍ تعمل في أراضٍ لم تعد تملكها دون حمايةٍ أو سلطةٍ على أدوات الإنتاج.

وبناءً على المعطيات السابقة، أصبح جزءٌ كبيرٌ من سكان الريف يعتمد على العمل الزراعي بأجر نتيجةً لتفتُّت الحيازات وتوجُّهِ الدولة في التوسع في مشروعات استصلاح الأراضي الصحراوية وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في قطاع الزراعى، حيث يشكِّل حاليًا 90% منه[8]، وأعاد تشكيل علاقات العمل في الريف على نحوٍ جعل العمال الزراعيين خاضعين لسلطة المقاولين والسماسرة الذين يتحكمون في فرص العمل وشروطه، مما خلق عمالةً زراعية هشَّة في مقاومة استغلال السوق النيوليبرالية غير المرئي الذي يفرض نفسه عبر ارتفاع الأسعار وتكاليف الإنتاج والتنافس مع الاستثمارات الكبيرة، وليس من خلال سيطرةٍ واضحة كما كان الحال في الماضي من قبل الدولة أو الحاكم.

وفي ظل ضعف التنظيم النقابي في مصر، أصبحت هذه الفئات في مواجهةٍ مباشرةٍ مع السوق دون أي وسائط تمثلها أو تحميها. وباتت العمالة الزراعية أمام تحدٍّ مباشر: هل يمكن للعمالة الزراعية وصغار المزارعين مقاومة السياسات النيوليبرالية؟ وما هي أشكال المقاومة؟

ربما بدأت الإجابة بالتبلور بالفعل منذ اللحظة التي حلمت فيها مجموعةٌ من العاملات الزراعيات في إحدى قرى محافظة المنيا بصعيد مصر في تأسيس كيانٍ يحقق لهن عملاً دائمًا ويوفر حقوقهن الأساسية في الحياة، فهن يعملن كعمالةٍ موسميةٍ كأغلب العاملين في قطاع العمالة الزراعية في الأراضي القديمة الممتدة على ضفاف وادي النيل، وينتمين إلى محافظةٍ يبلغ عدد سكانها حوالي 5,879,725 نسمة، أي نحو 5.9% من إجمالي سكان مصر، وتساهم بحوالي 12.2% من الناتج القومي المحلي، بينما يمثل قطاع الزراعة 31% من أنشطتها الاقتصادية[9]، مما يجعلها منطقةً مركزية في فهم واقع العمالة الزراعية الذي تأثَّر بتوجهات الدولة في التوسع في مشروعات استصلاح الأراضي الصحراوية ليبدأ ظهور المزارع الكبرى التي تحتاج إلى عمالةٍ قريبة، وقد أصبحت القرى القديمة مصدرًا أساسيًّا لهذه العمالة نظرًا لانخفاض أجورها وغياب أشكال الحماية القانونية والاجتماعية عنها.

روت إحدى العاملات أنهن يُنقلنَ إلى المزارع في سيارة ربع نقل (Pickup) غير آمنة يقفن فيها بأعدادٍ كبيرةٍ، ويعملنَ من الخامسة صباحًا حتى الخامسة مساءً تحت إشراف مقاول الأنفار الذي يقتطع من أجورهن عمولاتٍ وخصومات. ورغم أن يوميتهن لا تتجاوز 80 جنيهًا، كثيراتٌ يَعُدنَ بـ 40 جنيهًا فقط، بينما يحصل الرجال على 100 جنيه، حيث يؤكدن أن أجور النساء تظل أدنى من أجور الرجال رغم قيامهنّ بالمهام ذاتها في بعض مراحل العملية الزراعية، مما يعكس تمييزًا جندريًا واضحًا في سوق العمل الزراعي. بالإضافة إلى ذلك، تتعرض بعض العاملات للتحرش ولأضرارٍ صحيةٍ متزايدة بسبب المبيدات وحرارة الطقس، وهي مخاطر تتصاعد مع التغيرات المناخية وغياب وسائل الحماية.

كما ظهر ذلك في سلسلة الحوادث المأساوية التي شهدتها مصر خلال الأعوام الأخيرة، ومنها ما عُرف إعلاميًا باسم “شهداء لقمة العيش”، حين لقي تسعة عمال من قرية واحدة مصرعهم وأُصيب ثلاثة عشر آخرون في أغسطس/آب 2022 أثناء توجههم إلى العمل الزراعي[10].

ولم يختلف الوضع في مدن الوجه البحري عن القبلي، حيث تكرّر المشهد باستشهاد 18 فتاة في محافظة المنوفية[11]، في مشهد يعكس استمرار الخطر دون تدخلٍ جاد لحماية العمال الزراعيين أو تنظيم وسائل نقلهم. فبالرغم من مرور أكثر من ستة عشر عامًا على صدور قانون العمل رقم 12 لسنة 2003، والتي تنص مادته 26 على تنظيم أوضاع العمالة المنتظمة، لم تترجم إلى آليات تضمن الحماية لهذه الفئات.

وبرغم ضعف الأجر وخطورة الطريق وكثرة الحوادث، تواصل العاملات الذهاب بحثًا عن مصدر رزق. وقد شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة عدة حوادث مؤلمة راح ضحيتها عدد من العمال/ات الزراعيين/ات أثناء انتقالهم إلى العمل.

كما بدأ يظهر في القرية نمطٌ آخر من العمل، حيث تقوم نساء بتجهيز بعض المحاصيل في المنازل لصالح مصانع وشركات القطاع الخاص، خاصة المحاصيل التي تشتهر بها المنيا مثل البصل والبامية والرمان. كانت النساء يتقاضين نحو ستة جنيهات فقط مقابل البرنيكة الواحدة (25 كيلو)، ويعملن بمساعدة أطفالهنّ وجاراتهنّ لزيادة عدد البرانيك، إذ لا تتجاوز أقصى طاقة للعاملة خمسة برانيك يوميًا مقابل 50 جنيهًا. ورغم أن كثيرات فضّلن هذا العمل المنزلي على الخروج للمزارع، إلا أن أغلبهن اضطررن للجمع بينهما لتأمين احتياجات أسرهن. ويُعد هذا النمط شكلًا آخر من استغلال القطاع الخاص للنساء، حيث تذهب القيمة المضافة لجهدهن بالكامل إلى أصحاب المصانع لا إليهن.

في ظل هذه الظروف، بدأت النساء بمقاومات صغيرة، إذ أخذت إحداهن، التي كانت محل ثقة زميلاتها، تتولى الدفاع عنهن والتفاوض مع المقاول لحل المشكلات اليومية، ومع الوقت أصبحت مرجعًا للنساء لتنظيم العمل في مزارع المناطق الصحراوية، فتحول ذلك إلى مساحة تضامن وتنسيق جماعي.

ورغم أن الاتجاه الشائع للعمالة عادةً ما يكون نحو تأسيس نقابات للدفاع عن الحقوق وتحسين فرص العمل، اختارت النساء شكلًا يناسب ظروفهنّ ويحقق مصالحهنّ في السياق المصري، حيث يواجه العمل النقابي قيودًا كبيرة. كانت حاجتهن تكمن في وجود كيان يمكنهن من خلاله توفير بيئة عمل تتوافق مع احتياجاتهنّ، وهذه التجربة تُظهر أنه بعد فقدان الثقة في الأشكال التنظيمية التقليدية، قد يبتكر الناس حلولًا جديدة.

اقترحت عليهم إحدى منظمات المجتمع المدني إنشاء تعاونية، ورغم أن القانون المصري يعترف بوجود التعاونيات الإنتاجية والخدمية في قطاعات متعددة، إلا أنه لا يتيح حتى الآن إطارًا قانونيًا واضحًا لتأسيس تعاونيات تخص العمالة الزراعية تحديدًا.

وبما أن أغلبهن يعملن كعمالة زراعية في مزارع العنب، التي يملك أصحابها مراحل تصنيع داخل المزرعة، شاركت العاملات في عدة مراحل من إنتاج الزبيب مثل غسل العنب وتجفيفه ونشره وتعبئته، مكتسبات معرفة دقيقة بهذه العمليات. ومن هنا ظهرت الفكرة: إذا كانت هذه المهام جزءًا من خبرتهنّ العملية، فلماذا لا يقمن بها لأنفسهن؟

كان الطموح الأول للمجموعة أن تؤسس تعاونية تمكّنهن من التعاقد بشروطٍ جيدةٍ مع المصانع، لكن سرعان ما توسع طموحهن ليشمل التصنيع الزراعي، فتنتج التعاونية الزبيب (العنب المجفف)، ومخلل ورق العنب، وتجهيز منتجاتٍ أخرى مثل البصل والبامية والرمان. بدأت المجموعة بمراحل إنتاج أولية لإنتاج أول كميةٍ من الزبيب ومخلل ورق العنب، بطاقةٍ تصل إلى نحو 2 طنًّا، مع التركيز على أن تكون ملكية هذا الإنتاج لهن بالكامل. ولكن صادف ذلك حضورَ أحد أصحاب المزارع خلال مرحلة التخطيط، مما جعله يشعر بالقلق من احتمال فقدان جزءٍ من السيطرة على العمالة، رغم صغر حجم المشروع مقارنةً بعدد العمالة الكبير في المزارع. لم يكن الهدف منافسة السوق، لكن هذه التجربة شكّلت خطوةً فعليةً للنساء نحو استقلاليةٍ أكبر في العمل ضمن إطار النظام القائم.

كانت تلك لحظة اختبارٍ حقيقيةٍ لإرادتهنّ، فأصبح المنشر هو هدف المجموعة. انطلقت المجموعة في تجميع الإمكانيات المتاحة، فبنَين المنشر يدويًّا في محاولةٍ لتوفير أعواد الخشب وشراء بعض الشبك الرخيص وتوفير المواد الخام من المزارع التي يعملن بها. خلال موسم تقليم العنب، استغللنَ فرصة إزالة الأوراق الزائدة لتغذية الثمار، واتفقنَ مع أصحاب المزارع على الحصول على هذه الأوراق المقصوصة مقابل عملهن، مما وفر على المزارع تكاليف الجمع والنقل، وفي الوقت نفسه حصلن على خامةٍ أساسيةٍ لإنتاجهنّ دون تكلفةٍ إضافيةٍ.

قدمت قائدة المجموعة قطعة أرضٍ صغيرةٍ ملكها، كانت الجزء المتبقي من الأرض التي بُني عليها منزلها، لبناء المنشر، كما خصصت أخرى جزءًا من منزلها كمقرٍّ للاجتماعات بأجرٍ رمزيٍّ للمجموعة. بدأت النساء تنفيذ مراحل الإنتاج على نطاقٍ محدودٍ، وكان الهدف ليس المنافسة في السوق المحلي، بل إثبات القدرة على الإنتاج الذاتي وامتلاك وسيلة عملٍ مستقلة، بالاعتماد على معرفتهنّ وخبرتهنّ، وعلاقاتهنّ مع أصحاب المزارع والفلاحين في القرى المجاورة.

ومع تأسيس التعاونية، ورغم العقبات القانونية التي واجهنها في التأسيس، بدأت النساء العمل على منتجاتٍ مثل تقشير البصل والرمان للمصانع بشكلٍ تفاوضيٍّ أفضل، مع تحديد ساعات العمل والتعامل المباشر مع المصنع. هذا وفر لهن جزءًا من الأموال التي كان يقتطعها المقاول، وحقق حضورًا فعليًّا في سلسلة القيمة للمنتج، مع اشتراطات عملٍ أفضل وعائدٍ مالي أعلى من السابق.

في كل دورةٍ من الدورات الإنتاجية للعاملات الزراعيات، كانت مشكلة رأس المال تشكل عائقًا لبدء عملية الإنتاج، خاصةً وأن أغلبهن لا يملكن غير أجر عملهن اليومي. للتغلب على ذلك، أنشأنَ صندوق التمويل والإدخار التعاوني[12]، وهو صندوقٌ يجمع مساهمات الأعضاء بالإضافة إلى مدخراتٍ تتناسب مع إمكانياتهم. يتيح الصندوق توفير رأس مالٍ لتمويل دوراتٍ إنتاجية أو مشاريع سريعةٍ مثل تربية الدواجن، لتوفير دخلٍ إضافيٍّ في منازلهن، كما يوفر مبالغ لمواجهة الطوارئ أو أي مشكلةٍ قد تتعرض لها العضوات. تُعاد الأموال إلى الصندوق مع ربحٍ صغيرٍ، ويعتمد عمله على تجميع الإمكانيات المالية والاجتماعية للأعضاء وفق لوائح داخلية وضعتها المجموعة نفسها، تضمنت قواعد ملزمة وآليات واضحة لإدارة المال وتدويره داخل المجموعة.

تقدّم التعاونية لأعضائها أشكالًا متنوعةً من الدعم، منها توفير المنتجات بأسعار مخفّضة لأعضائها، بالإضافة إلى عرض منتجاتٍ جيدةٍ في السوق المحلي بأسعار مناسبة. وتسعى العاملات إلى امتلاك أرضٍ للتعاونية، مع طموحٍ واضحٍ لتطوير أنشطتهنّ الزراعية والإنتاجية، سواءً من خلال تأجير الأراضي لزراعة محاصيل لصالح التعاونية، أو العمل على تصنيع منتجاتٍ وبيعها مباشرةً في السوق المحلي، بهدف تعزيز استقلاليتهنّ الاقتصادية وتثبيت مكانتهنّ داخل منظومة الإنتاج.

ورغم أن العاملات يظلنَ ضمن إطار النظام النيوليبرالي ومتأثراتٍ به، تظهر التجربة أن الواقع أكثر تعقيدًا. صحيحٌ أن النساء لم يخرجن عن سياق السوق أو سلطة أصحاب المزارع والمصانع، إلا أن خطواتهن في التنظيم الذاتي، وتأسيس التعاونية، وإنشاء صندوق التمويل التعاوني، تمثل محاولاتٍ فاعلة لإعادة توزيع القوة داخل هذا النظام. حيث لم يقتصر الأمر على التكيف مع ظروف العمل، بل شهدت النساء محاولاتٍ لفرض شروطٍ يوميةٍ وتحسين بيئة العمل عبر التنسيق الجماعي، وهو شكلٌ من أشكال المقاومة المباشرة داخل النظام. ثم التحول إلى تعاونيةٍ للإنتاج يعني امتلاك أدوات الإنتاج وإيجاد مساحةٍ في سلسلة القيمة، حتى ولو كان ذلك جزئيًّا ومحدودًا مقارنةً بالقوى الاقتصادية الكبرى. هذه الممارسة تظهر أن الفئات الهشة قادرةٌ على إحداث تغييراتٍ ملموسة ضمن النظام دون الخروج الكلي عنه. ويأتي صندوق التمويل التعاوني كأداة تمكين واستقلاليةٍ اقتصاديةٍ، حيث تجمع النساء الموارد ويدرنها بأنفسهن، ما يتيح لهنّ التحكم في دورة الإنتاج والعائد المالي، وتقليل الاعتماد على النظام النيوليبرالي بشكلٍ مباشرٍ.

باختصار، المقاومة هنا ليست رفضًا كاملًا للنظام، لكنها استراتيجيةٌ للتأثير والتمكين ضمنه. وتجربةٌ تُظهر قدرة الفئات المهمشة على ابتكار حلولٍ عمليةٍ تحسن وضعهن وتزيد من استقلاليتهن، حتى في ظل بيئةٍ استغلاليةٍ وهشّة. إنها ليست مقاومةً صاخبة، بل فعلٌ يومي هادئ لاستعادة الموارد التي انتُزعت منهن تدريجيًّا.

  • نور حسني – مصر

المقال أعلاه مأخوذ من مجلة سيادة – العدد السادس: “العمالة الزراعية كفاح من أجل السيادة الغذائية“. للاطلاع على العدد وتحميله: اضغط\ي هنا


[1] المنشر هو مساحة من الأرض تجهز لتجفيف العنب على طبقات من الشبك المثبتة على أعمدة من الخشب أو الحديد. ففي المزارع الكبيرة يستخدم الحديد وشبك خاص يمتد على مساحات واسعة، أما في القرى والمناطق الريفية فيستبدل ذلك بأعمدة خشبية وقطع من القماش تربط بإحكام ليفرش عليها العنب حتى يجف طبيعيا ويتحول إلى زبيب.

[2]  للاطلاع: جابريل بيير، تاريخ ملكية الأرض الزراعية في مصر الحديثة 1800-1914، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1988

[3]  للاطلاع :عطية الصرفي، “تاريخ عمال الزراعة والتراحيل في مصر والعالم”، 2011

[4]  للاطلاع: رؤوف عباس وعاصم الدسوقي، الملاك والفلاحين في مصر 1837-1952، القاهرة: مؤسسة هنداوي للنشر، 2017

[5] عطية الصرفي، “تاريخ عمال الزراعة والتراحيل في مصر والعالم”، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1988)، ص 109

[6]  الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، جدول أهم خصائص ومؤشرات التعداد العام للسكان والإسكان والمنشآت 2017، الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء، 2017

[7]  صقر النور ، “الأرض والفلاح والمستثمر : دراسة في المسألة الزراعية والفلاحية في مصر”، القاهرة ، دار المرايا للنشر ، 2017 ، ص 95

[8] Egypt Human Development Report 2021 Development, a right for all: Egypt’s pathways and prospects,(2022),UNDP &the Ministry of planning and Economic Development ,Egypt.

[9]   وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية وصندوق الأمم المتحدة للسكان، توطين أهداف التنمية المستدامة في مصر : محافظة المنيا ، الإصدار الأول، ديسمبر 2020

[10]   مصراوي، “كيف وقع تصادم المنيا”، أغسطس 2022. https://www.masrawy.com/news/news_regions/details/2022/8/7/2270944/-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8A%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D8%A3%D8%B3%D9%88%D8%A7%D9%86-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D9%88%D9%82%D8%B9-%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D9%8A%D8%A7-9-%D9%88%D9%81%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%8813- %D9%85%D8%B5%D8%A7%D8%A8-%D8%A7-%D8%B5%D9%88%D8%B1?utm_source=chatgpt.com

[11]  ) موقع مدى مصر، ” في السنابسة.. ضحايا على مذبح «اليومية» “، يوليو 2025 https://www.facebook.com/watch/live/?ref=watch_permalink&v=607363507727295

[12]  صندوق التمويل والإدخار التعاوني: هو نموذج مبتكر تم تصميمه وتنفيذه من خلال مركز تعاون مصر بالتعاون مع شبكة الاقتصاد الاجتماعي والتعاوني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ويتم تطبيقه داخل عدد من القرى من خلال عدد من البرامج التي تنفذها الشبكة.

نور حسنيمؤلف

باحثة في الاقتصاد الاجتماعي والتعاوني والعدالة الجندرية، والمدير التنفيذي لشبكة الاقتصاد الاجتماعي والتعاوني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.