فلسطين: الإبادة والنساء الفلاحات في غزة



في خضم الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، تتصدّر النساء الفلاحات الخطوط الأمامية للصمود والمقاومة، فقد حوَّلن الزراعة من مجرد نشاط معيشي إلى وسيلة للبقاء وممارسة المقاومة اليومية، وفي مواجهة الجوع والحصار والدمار، صارت الأرض ملاذًا آمنًا وحاضنةً للأمل، ومصدرًا للحياة حين تغلق كل الأبواب.

لقد أثبتت عاملات الزراعة والمزارعات الغزّيات أن الزراعة ليست مجرد مهنةٍ بل فعل مقاومةٍ يوميٍّ ضد الموت والجوع، فعلى الرغم من القصف المستمر والاستهداف المتعمّد للأراضي الزراعية، استطعن توفير كميات من الخضروات مثل البندورة والخيار والكوسا، لتأمين الغذاء لعائلاتهن ولمن حولهنّ في ظل حرب إبادة لا هوادة فيها.

تشير الإحصائيات الحديثة إلى أن الاحتلال الإسرائيلي دمّر خلال عدوانه المتواصل أكثر من 75% من الأراضي الزراعية، وألحق أضرارًا جسيمةً بالبنية التحتية للقطاع، بما في ذلك شبكات الريّ والبيوت البلاستيكية والمخازن، ومنذ بدء الاجتياح البري في 27 تشرين الأول/أكتوبر، شملت عمليات التجريف والتدمير مناطق شمال وشرق ووسط القطاع وجنوبه، خاصة الأراضي الخصبة الممتدة من بيت حانون شمالاً إلى رفح جنوبًا، تاركًا وراءه أرضًا يبابًا ومئات الشهداء من العمال والمزارعين والعاملات اللواتي كنّ في حقولهنّ.

يُعدّ القطاع الزراعي أحد الأعمدة الحيوية للاقتصاد الفلسطيني، إذ يساهم بنحو 11% من الناتج المحلي الإجمالي وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (2023)، وتشكل الصادرات الزراعية 55% من إجمالي صادرات غزة، أبرزها الخضروات والبستنة، بقيمة تجاوزت 16 مليون دولار سنويًا قبل الحرب، وثمار البندورة وحدها كانت تمثل نحو ثلث الصادرات (33.1%).

تشير الإحصائيات إلى أن الاحتلال الإسرائيلي دمّر خلال عدوانه المتواصل أكثر من 75% من الأراضي الزراعية.

إن تدمير هذا القطاع لا يُقاس فقط بالخسائر الاقتصادية، بل بضرب منظومة الأمن الغذائي الفلسطيني التي يعتمد عليها أكثر من 40 ألف أسرة مزارعة، جلّها من النساء والفئات الفقيرة.

في قلب هذا الدمار، تبرز النساء الفلاحات كرموز للصمود والاستمرارية، وتشير التقديرات إلى أن عدد العاملات الزراعيات في قطاع غزة يبلغ نحو 6425 عاملة، بين من تعمل بأجرٍ، أو ضمن أسرهنّ دون أجرٍ، أو في مبادرات إنتاجية منزلية صغيرة.

تقول إحدى العاملات في شهادتها:

“نزرع بأيدينا رغم الخطر، ورغم الرصاص الذي يطلقه الجنود علينا.. الأرض حياتنا، ولن نتركها حتى لو احترقت”.

تعاني العاملات الزراعيات من استهداف مباشر أثناء عملهنّ في الحقول، ومن خسائر مادية فادحة نتيجة تجريف الأراضي أو احتراق المحاصيل، كما يتعرضن لضغوط نفسية هائلة بسبب القصف المستمر وصعوبة الحصول على المواد الزراعية، إضافةً إلى الانتهاكات الاقتصادية والاجتماعية التي تمسّ حقوقهنّ في العمل والمشاركة، خلافًا لما نص عليه إعلان الأمم المتحدة لحقوق الفلاحين والعاملين في المناطق الريفية (2018).

رغم الدمار والحصار، برزت مبادرات نسوية عديدة للزراعة البيتية كأحد أشكال الاكتفاء الذاتي والمقاومة الصامتة، ففي مراكز الإيواء المنتشرة في غزة، بدأت نساء بزراعة الأعشاب والخضروات في عبوات بلاستيكية أو صناديق خشبية صغيرة لتأمين ما أمكن من الغذاء.

تحكي “أم محمد” – وهي نازحة من الشمال – قصتها قائلة:

“تعلّمت التطريز من جدّتي، واليوم أستعيد مهارتي القديمة لأبيع بعض القطع وأطعم أولادي”.

أما “سهام أبو عويضة” فتقول:

“كل قطعة تطريز هنا تحكي قصة صمود وتحدٍ، وسنواصل الإنتاج حتى نثبت أن إرادتنا أقوى من أي حرب”.

وتجسّد هذه النماذج قدرة المرأة الفلسطينية على تحويل الألم إلى طاقة إنتاجية، وعلى تحويل الفقد إلى فرصة للنهوض الذاتي.

الحرب على غزة ليست مجرد حرب على البشر، بل على الأرض والهوية والذاكرة، ويدرك الاحتلال أن المرأة الفلسطينية هي الحامية الأولى للبيت والأرض، لذلك استهدفها في معيشتها وبيئتها الإنتاجية، حيث دُمّرت مزارع الدواجن، والبيوت البلاستيكية، وآبار المياه في محاولة لقطع شريان الحياة وخلق مجاعة ممنهجة، وهو ما صنّفته منظمات حقوق الإنسان كجريمة حربٍ وفق اتفاقية جنيف الرابعة.

يُعدّ القطاع الزراعي أحد الأعمدة الحيوية للاقتصاد الفلسطيني، إذ يساهم بنحو 11% من الناتج المحلي الإجمالي وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وتشكل الصادرات الزراعية 55% من إجمالي صادرات غزة.

وفي هذا السياق، تصبح سيادة النساء على الغذاء فعلاً سياسيًا بامتياز، لأنها تربط بين التحرر الوطني والاجتماعي وبين حق الشعب في الأرض وحق النساء في الموارد والإنتاج.

منذ بدء العدوان الإسرائيلي في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى اتفاق وقف إطلاق النار في كانون الثاني 2025، واجهت النساء في غزة أهوالاً غير مسبوقة، حيث شكلت النساء والأطفال 70% من الضحايا، بما في ذلك أكثر من 12,316 شهيدة وآلاف الجريحات والمفقودات، وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ونزح نحو مليوني مدني، نصفهم من النساء والفتيات، إلى مراكز إيواء مكتظة تفتقر للمياه والصرف الصحي والرعاية الصحية.

تعيش النساء الحوامل – وعددهن نحو 50 ألف امرأة – ظروف ولادة صعبة وخطرة، دون تخدير أو رعاية طبية، مع انهيار المستشفيات ونقص حاد في الأدوية والمياه، كما تواجه النساء معيلات الأسر بعد فقدان أزواجهنّ أو أقاربهنّ المسؤولين، أعباء ثقيلة لتأمين الغذاء والرعاية للأطفال في ظل انعدام الأمن الغذائي.

رغم هذه الظروف القاسية، واصلت المنظمات النسائية العمل على تقديم الدعم والإغاثة، بينما تعرضت النساء لمخاطر إضافية أثناء النزوح، كالابتزاز أو الإجبار على اتخاذ إجراءات قاسية مثل تزويج القاصرات، مما يعكس حجم الاستهداف الممنهج للمرأة الفلسطينية على مستويات متعددة: جسدية، اقتصادية، اجتماعية، ونفسية.

لا يمكن للقطاع الزراعي أن ينهض في ظل الحصار وانعدام الأمن ومنع دخول المواد الأساسية، لذلك فإن وقف العدوان ورفع الحصار هما الخطوة الأولى نحو التعافي، لكن إعادة البناء تتطلب رؤية استراتيجية تشمل:

  • إعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية المدمرة، بما في ذلك شبكات الري والمخازن وآبار المياه.
  • دعم المزارعات بالمدخلات الأساسية كالأسمدة والبذور والمعدات الزراعية.
  • تشجيع الزراعة المستدامة التي تراعي المناخ وتستخدم الطاقة النظيفة.
  • تعزيز البحث والتطوير الزراعي عبر الجامعات والمراكز المحلية.
  • توفير الدعم المالي والفني للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، مع التركيز على النساء والفئات الهشة.

1. استعادة الحقوق

– سنّ قوانين تحمي العاملات وتضمن لهن الأجور العادلة وظروف العمل اللائقة.

– تطبيق القوانين ومحاسبة الجهات المخالفة.

2. الحماية الاجتماعية

– إدراج العاملات ضمن الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي.

– تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للعاملات المتضررات.

3. ضمان المشاركة في صنع القرار

– تشجيع التنظيم النقابي والتعاوني النسوي لتوحيد الصوت والدفاع عن الحقوق.

– دعم المنظمات النسائية الزراعية للمشاركة في التخطيط والسياسات العامة.

– التمكين الاقتصادي عبر القروض الميسّرة والتدريب المهني.

أ. الدعم المادي

– التمويل والقروض: توفير قروض ميسرة ودعم مالي مباشر للعاملات لتوسيع مشاريعهن.

– الوصول إلى الأسواق: تسهيل تسويق منتجاتهن محليًا وإقليميًا، وإنشاء منصات رقمية ومتاجر تعاونية.

– تخفيض تكاليف الإنتاج عبر دعم أسعار البذور والطاقة والمياه.

ب. الدعم السياسي

– السياسات الزراعية الوطنية لتشجيع الإنتاج المحلي وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

– تأمين الأراضي للنساء، وضمان ملكيتها أو حيازتها.

– تطوير برامج التأمين الزراعي لمواجهة الكوارث والحروب.

ج. الدعم القانوني

– قوانين العمل اللائقة لضمان المساواة وحماية العاملات من الاستغلال.

– شبكات الأمان الاجتماعي للحماية من البطالة والفقر.

– حماية المنتجات المحلية والملكية الفكرية للمشاريع النسوية الصغيرة.

تُحوَّل قصص النساء الفلاحات في غزة إلى مشروع جماعي للسيادة الغذائية النسوية عبر:

  • التوثيق والرواية الجماعية: جمع ونشر قصص النساء لتعزيز الوعي والمقاومة الاقتصادية النسوية.
  • بناء الأطر التنظيمية التعاونية: تعاونيات نسوية زراعية وغذائية لضمان الاستمرارية والاستقلالية.
  • تعزيز المعرفة والسيادة على الموارد: تعليم الزراعة المستدامة وحفظ البذور وتمكين النساء من الوصول إلى الأرض والمياه.
  • التحالف مع الحركات الاجتماعية والنقابية: توحيد النضال بين النساء والفلاحين والعمال والشباب ضمن رؤية تحررية شاملة.
  • التأثير في السياسات العامة: صياغة مذكرات مطلبية للحكومات والمؤسسات لدعم الإنتاج النسوي، وإدماج السيادة الغذائية النسوية في الخطط الزراعية والتنموية.

تجربة النساء الفلاحات في غزة تمثل ذروة التلاقي بين الصمود والمقاومة، وبين الحق في الحياة والحق في الأرض، حين تتحول قصصهن الفردية إلى فعل جماعي منظّم، يصبح لديهن القدرة على بناء حركة تحرر اجتماعي واقتصادي وسياسي، تضع النساء في مركز منظومة إنتاج الحياة ذاتها.. إنها حركة تنمو من الجذور إلى السيادة – من الأرض إلى المائدة، ومن الصمود الفردي إلى الفعل الجماعي التحرري.

  • سحر عبدو – فلسطين

المقال أعلاه مأخوذ من مجلة سيادة – العدد السادس: “العمالة الزراعية كفاح من أجل السيادة الغذائية“. للاطلاع على العدد وتحميله: اضغط\ي هنا


– الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. (2023). تقرير حول تأثير العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. رام الله، فلسطين.

– منظمة الأغذية والزراعة (FAO). (2022). النساء والزراعة في فلسطين: التحديات والفرص. روما، إيطاليا.

– الأمم المتحدة، الجمعية العامة. (2018). إعلان حقوق الفلاحين والعاملين في المناطق الريفية. نيويورك، الولايات المتحدة.

– اتحاد نضال العمال الفلسطيني. (2024). تقارير دائرة المرأة حول العاملات الزراعيات في غزة.

– الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، دائرة المرأة. (2024). تقرير حول دعم وتمكين المرأة الفلاح في القطاع الزراعي.

– الأمم المتحدة للمرأة. (2024). بيان حول الأزمة الإنسانية في غزة وتأثيرها على النساء.

– صندوق الأمم المتحدة للسكان. (2024). الوضع الصحي والإنساني للنساء والفتيات في غزة.

La Via Campesina. (2020). Peasant and Women’s Food Sovereignty Framework –

سحر عبدومؤلف

عضو اللجنة التنفيذية للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين ورئيسة دائرة المرأة بالمكتب التنفيذي لاتحاد نضال العمال الفلسطيني.