تحوّلت مدينة القصر الكبير، خلال الأيام الأخيرة، إلى برك مياه كبيرة غرقت فيها خرافة “تدبير” الدولة للأزمات، وعلاقتها بالمواطنين، خاصة في المدن الفلاحية الهامشية. لم تكن الفيضانات التي اجتاحت المدينة مجرد “قدر” طبيعي عابر، بل كانت لحظة كاشفة، عرّت هشاشة البنية التحتية، وفضحت تأخر الدولة في استشعار الخطر، وتظهر بوضوح من يدفع ثمن التغيرات المناخية القاسية.
بدأت المعاناة بتساقطات مطرية غزيرة وغير معتادة بلغت منذ أسابيع ما بين 100 و150 مليمتراً في جنوب حوض اللوكوس، تزامنت مع امتلاء سد واد المخازن إلى مستويات قياسية. ومع بلوغ سد واد المخازن عتبة حرجة من الامتلاء، لجأت المصالح المعنية إلى فتح بواباته كإجراء تقني لتخفيف الضغط وحماية المنشأة، غير أن هذا القرار كانت له كلفة اجتماعية ومجالية جسيمة. فوفق معطيات متداولة وتقارير أولية، تجاوز منسوب المياه بالسد نسبة 146% من طاقته الاستيعابية، ما أدى إلى ارتفاع مفاجئ في صبيب وادي اللوكوس وخروجه عن مجراه في عدة نقاط، لتجد مدينة القصر الكبير نفسها، في ظرف زمني وجيز ودون استعداد كافٍ، في مواجهة سيول اجتاحت الأحياء السكنية المنخفضة وأغرقت مساحات واسعة من الأراضي الفلاحية المحيطة بها.
التغير المناخي… صمت الدولة
لا يمكن فصل ما شهدته مدينة القصر الكبير عن السياق العالمي للتغير المناخي الناتج عن الاحترار العالمي، الذي يؤدي إلى زيادة درجات الحرارة وشدة الأحداث الجوية المتطرفة، بما في ذلك فيضانات قوية وأمطار غزيرة غير منتظمة، وهو ما حذرت منه المنظمات البيئية والأرصاد المناخية. هذه التحولات تجعل المناطق مثل شمال المغرب أكثر عرضة للأحداث المناخية الشديدة مثل ما شهدته القصر الكبير مؤخرًا. ورغم أن المغرب، وبلدان الجنوب عموما، يساهم بنسبة محدودة في الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري، فإن كلفة هذه التحولات تقع أساسا على صغار الفلاحين ومنتجي الغذاء، والسكان المهمشين. الأخطر أن الدولة، رغم التحذيرات المتكررة، واصلت سياستها دون إدماج فعلي لمخاطر التغير المناخي، لتعود في كل مرة إلى منطق تدبير الطوارئ بعد وقوع الكارثة، بدل الوقاية والاستعداد المسبق، ما يجعل الفئات الأكثر هشاشة أول من يدفع ثمن أزمة لم تكن مسؤولة عن صناعتها.
لا يمكن فصل ما شهدته مدينة القصر الكبير عن السياق العالمي للتغير المناخي الناتج عن الاحترار العالمي، الذي يؤدي إلى زيادة درجات الحرارة وشدة الأحداث الجوية المتطرفة، بما في ذلك فيضانات قوية وأمطار غزيرة غير منتظمة.
ما وقع في القصر الكبير يندرج في صميم ما تسميه الأدبيات البيئية بـ “اللاعدالة المناخية”: فالفئات التي تساهم بأقل قدر في التسبب في الاحترار العالمي هي نفسها التي تدفع الثمن الأكبر لتداعياته غالبيتهم من صغار منتجي الغذاء، والمهمشون عبر العالم، هؤلاء لا يملكون وسائل الحماية ولا القدرة على التكيّف مع الصدمات المناخية. هكذا لا يصبح الفيضان المرتبط بالتغيرات المناخية مجرد حدث طبيعي، بل آلية لإعادة إنتاج نفس التفاوت، حيث يُوزَّع الخطر على من يملكون أقل، وتُوجَّه الحماية والتعويضات إلى من يملكون أكثر.
تأخرت الدولة في رصد خطر الفيضان فالمؤشرات كانت واضحة: سد مشبع، توقعات بأمطار غزيرة، مدينة تقع في سهل فيضي معروف تاريخيا. ومع ذلك، لم يشعر المواطنون بأنهم جزء من منظومة إنذار مبكر شفافة. جاءت قرارات الإجلاء متأخرة بالنسبة لكثيرين، ورافقها نقص في المعلومة وفي التواصل، ما زاد من حالة الخوف والقلق. لم يكن الناس يطلبون المستحيل؛ كانوا يريدون معرفة ما يجري، ومتى، ولماذا، وإلى أين يسير الوضع.
يعكس ما وقع في القصر الكبير منطق إدارة الأزمات بدل الوقاية منها. تتحرك الدولة بقوة حين تتهدد مصالحها: إجلاء، إغلاق، استنفار. لكنها تتراجع حين يتعلق الأمر بالاستثمار المسبق في البنية التحتية، وفي حماية المدن الفلاحية الهامشية. يُترك المواطن وحيدا في مواجهة الخطر، ثم يُطلب منه الثقة حين تأتي القرارات من فوق.
هشاشة البنية التحتية
كشفت الفيضانات، في ساعات قليلة، هشاشة البنية التحتية في المدينة. غمرت المياه مساكن كثيرة، خاصة في الأحياء الشعبية والمناطق القريبة من الوادي وغالبيتها قرى فلاحين صغار، بسهل اللوكوس، أو صارت مهددة بالانهيار، فيما اضطر آلاف السكان إلى مغادرة بيوتهم بشكل استعجالي. هذه المساكن ليست “عشوائية”، بل هي نتاج عقود من التوسع العمراني الاضطراري أو الذي يخدم مصالح شركات عقارية غايتها تحقيق الأرباح على حساب السلامة. لم يكن البناء في المجالات الفيضية اختيارًا حرًّا، بل نتيجة مباشرة للفقر وغياب سياسات إسكان عادلة.
خسائر غير متكافئة… الرأسمال الكبير يُعوَّض والفلاح الصغير يُهمَل
إلى جانب الاحياء السكنية، كانت الأراضي الفلاحية متضررة أيضا. غمرت المياه مساحات واسعة من الحقول، خاصة المزروعات الموسمية، وألحقت أضرارا كبيرة بالبيوت المغطاة، وقنوات الري، انجرفت التربة…الخ. غير أن السؤال الجوهري ليس فقط حجم الخسائر، بل من سيتحمل تبعاتها. فالتجربة تُظهر أن الفلاحين الكبار، المرتبطين بسلاسل الإنتاج والتصدير، غالبا ما يجدون طريقهم إلى التعويضات والتأمينات والدعم العمومي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. أما الفلاح الصغير، الذي يشتغل بهامش ربح ضئيل، والذي لا يملك ملفات تقنية ولا عقود تأمين، فيُترك لمواجهة الخسارة وحده، وكأن الفيضان “قضاء وقدَرًا” لا شأن للسياسات النيوليبرالية به.
كشفت الفيضانات، في ساعات قليلة، هشاشة البنية التحتية في المدينة. غمرت المياه مساكن كثيرة، خاصة في الأحياء الشعبية والمناطق القريبة من الوادي وغالبيتها قرى فلاحين صغار، بسهل اللوكوس.
لكن المتضرر الأكبر، هم اليد العاملة الفلاحية. هؤلاء النساء والرجال الذين يشكلون العمود الفقري للإنتاج الفلاحي في حوض اللوكوس، والذين تعتمد عليهم الاستغلاليات الكبرى والصغرى على حد سواء. مع فيضانات القصر الكبير، وجد آلاف العمال أنفسهم بلا عمل بين ليلة وضحاها. إجلاء السكان، وإغلاق المدينة، وتعطّل النقل، كلها عوامل جعلت اليد العاملة غير قادرة على الوصول إلى الاستغلاليات، أو جعلت الاستغلاليات نفسها تتوقف مؤقتا عن النشاط. لا تعويض لهؤلاء عن أيام العمل الضائعة، ولا تأمين ضد البطالة، ولا صندوق طوارئ يحميهم من السقوط السريع في الهشاشة. هؤلاء خارج أي حسابات رسمية للخسارة، لأن خسارتهم لا تُسجَّل في دفاتر الدولة.
هنا تتجلى المفارقة الصارخة: الفلاح المستثمر الكبير سيُعوَّض بدعم استثنائي (كما جرى خلال جائحة كورونا)، والاستغلالية الكبيرة سيُعاد تأهيلها، لكن العامل الزراعي سيُطلب منه ببساطة “الصبر”. سيُقال له: أنها أزمة ظرفية. في الواقع، ما سيحدث هو أن كلفة الكارثة ستذهب إلى جيوب من يملكون القدرة على التفاوض والضغط، لا إلى من يملكون سوى قوة عملهم.
إن الدفاع عن صغار الفلاحين وعموم صغار منتجي الغذاء واليد العاملة الفلاحية، لا يعني إنكار دور الطبيعة أو التقليل من صعوبة الظرف المناخي، بل يعني الإصرار على أن الكوارث ليست كلها “طبيعية”. إنها نتاج تفاعل بين المناخ والسياسات والاختيارات الاقتصادية، وتوزيع الحماية. لم تغرق مدينة القصر الكبير فقط، بل غُمرت أيضا بالإهمال المتراكم، وبمنطق “سياسة تنموية” تراكم الأرباح في الأعلى، وتترك الفقراء بمواجهة المخاطر في الأسفل.
ما تحتاجه القصر الكبير اليوم ليس فقط إصلاح ما أفسدته الفيضانات، بل القطع تماما مع كيفية التعامل مع المدن الفلاحية، ومع من يعيشون من الأرض وبالقرب منها. تحتاج إلى سياسات تحمي الفلاحين الصغار واليد العاملة الزراعية لا أن تعترف بها كـ” موارد بشرية”. إنها تحتاج إلى تعويضات عادلة. وإلى أن يحدث ذلك، ستظل عودة الفيضانات، تذكيرا مؤلما بأن العدالة “المجالية” والبيئية والاجتماعية والاقتصادية ليست ترفا، بل شرطا أساسيا لضمان العيش الكريم.
وحيد عسري

