الاستيلاء على الأراضي والسلطة في السودان

الاستيلاء على الأراضي في السودان


  أودت الحرب في السودان، على مدى العامين الماضيين، بحياة أكثر من 150,000 شخص وطردت 12 مليون شخص من منازلهم/ن. يمثل هذا النزاع، “أكبر أزمة هجرة في العالم”، وتعد أيضاً أول مجاعة معلنة رسميًا في العالم منذ عام 2020، حيث يعاني نصف السكان تقريبًا من الجوع.

  لا زال الفصيلان العسكريان، المتعاونان في قمع القوى الشعبية التي أطاحت بديكتاتورية عمر البشير في عام 2019، يتحاربان مع بعضهما البعض منذ أبريل/نيسان 2023. ارتكبت كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، المدعومتان من قبل حكومات أجنبية لها مصالح في السودان، فظائع جماعية ضد المدنيين.

  كانت الإمارات العربية المتحدة أكثر عدوانية من أي طرف خارجي آخر. تتجلى أدلة دامغة على دورها الهام في تأجيج هذا الصراع الوحشي على الموارد، وذلك بشكل رئيس من خلال إمداد قوات الدعم السريع بالأسلحة وغيرها من أشكال الدعم، إلى جانب اتهامها بارتكاب مجازر وعنف جنسي وانتهاكات أخرى ضد المدنيين.

  ينصبّ اهتمام الإمارات العربية المتحدة الرئيس على الذهب في السودان، كما يمثل الغذاء أولوية أيضاً. حاولت الإمارات العربية المتحدة، خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، السيطرة على أراضي السودان الزراعية وموارده المائية لأجل إنتاج الغذاء الموجه للتصدير.

  ضخت الإمارات العربية المتحدة، ضماناً لأمنها الغذائي، أكثر من 6 مليارات دولار أمريكي في احتياطيات السودان من النقد الأجنبي ومشاريع التوسع الزراعي وميناء البحر الأحمر. بينما الحرب مشتعلة، كانت شركتان إماراتيتان – الشركة الدولية القابضة (IHC)، أكبر شركة في البلاد مدرجة في البورصة، وشركة جنان Jenaan – تزرعان أكثر من 50,000 هكتار في السودان. قبل اندلاع الحرب بفترة وجيزة، جرى توقيع اتفاقية بين الشركة الدولية القابضة ومجموعة دال DAL – المملوكة لأحد أغنى أباطرة المال في السودان – من أجل استغلال 162,000 هكتار إضافية من الأراضي الزراعية في أبو حمد، شمال البلاد. سيجري ربط هذا المشروع الزراعي الضخم، المدعوم من حكومة الإمارات العربية المتحدة، بطريق طوله 500 كيلومتر بميناء جديد على الساحل السوداني (ستقوم ببنائه وتشغيله مجموعة موانئ أبوظبي).

  يمثل السودان عنصرا مهما من إمبراطورية الإمارات العربية المتحدة اللوجستيكية المتنامية، التي تربط الآن حوالي مليون هكتار من أراضي زراعية استحوذت عليها الإمارات العربية المتحدة في جميع أنحاء العالم بشبكة من الموانئ والمراكز اللوجستيكية، وكلها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتحديات الأمنية.  يقع جزء كبير من هذه الأراضي في أفريقيا، حيث تتموقع الإمارات العربية المتحدة الآن كمَصدر رئيس للاستثمار الأجنبي. وقعت الشركات الإماراتية مؤخراً صفقات أراضٍ زراعية مع مجموعة من البلدان الأفريقية، بما في ذلك مصر وسيراليون وأوغندا وأنغولا. أصبحت الإمارات فاعلا رئيساً في مجال الاستحواذ على الأراضي والغابات الأفريقية كجزء من برامج ائتمان الكربون. يُبرز الرعب في السودان بشكل ملحوظ، إلى أي مدى الإمارات العربية المتحدة مستعدة للذهاب من أجل تأمين مصالحها الزراعية الخارجية.

  كانت الأرض وستظل في قلب النضال الشعبي الجاري في السودان من أجل تفكيك السيطرة العسكرية وشبه العسكرية على البلاد. حددت لجان المقاومة ومجالس الأحياء التي لا تزال في طليعة هذا النضال طريقًا واضحًا للمضي قدمًا بهدف تأكيد سيطرة الناس على أراضيهم/ن ونظمهم/ن الغذائية. أطاحت هذه الحركة، المعروفة باسم “ثورة دجنبر”، بنظام البشير في عام 2019، لكنها تعرضت لقمع عنيف من قبل القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. استمر بيع الأراضي والموارد الزراعية في السودان، تحت أنظار هذين الفصيلين العسكريين، ما أفسح المجال للحرب الوحشية التي تخوضها الجماعتان اليوم.

 رغم الحرب، لا تزال الحركات الاجتماعية السودانية ملتزمة بثورتها. يقول عبد الرؤوف عمر، مزارع ومناضل سوداني، أن حوالي 70% من صغار المزارعين/ات الذين يعيشون بالقرب من أكبر مشروع للري في البلاد، وهو مشروع الجزيرة، قد نزحوا/ن. لكن، يواصل هو ومزارعون آخرون تنظيم أنفسهم/ن لتأكيد سيطرتهم/ن على أراضيهم/ن. بالنسبة له، الزراعة هي مفتاح مستقبل السودان. ويقول: “لا يمكننا أن نتركها للرأسماليين الذين يخوضون هذه الحرب ويستفيدون منها”.

 إن الصراع القائم في السودان يقدم مثالا دراماتيكيا على كيف يمكن أن تكون الاستثمارات الزراعية، المتخفية غالباً تحت مسمى “الأمن الغذائي”، جزءاً من لعبة السلطة الأوسع نطاقاً العاملة ضد مصالح وحقوق جماعات السكان المحلية.

 يجب أن ننضم إلى المناضلين/ات السودانيين/ات في تكثيف الضغط من أجل وقف القتال وإيصال المساعدات إلى الأشخاص الذين يحتاجونها، بشكل عاجل. إن غياب المساءلة والعمل أمر مروع.

  يجب على المجتمع الدولي أن يولي هذه الأزمة نفس الأهمية التي يوليها لما يحدث في فلسطين وأوكرانيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأماكن أخرى. يستحق الشعب السوداني، على المدى الطويل، دعم بناء سيادته الغذائية الفعال بشكل مستقل، على أرضه دون تدخل أو فوضى.

 تؤكد GRAIN تضامنها مع الشعب السوداني.

إننا ندعم جماعات السكان المحلية في السودان وأماكن أخرى في نضالها دفاعا عن أراضيها ومواردها المائية وسيادتها الغذائية ضد استيلاء الإمارات العربية المتحدة والقوى الأجنبية الأخرى على الأراضي.

ترجمة: وحيد عسري

المصدر الأصلي للمقال على: الرابط

وحيد عسريمؤلف

باحث ومترجم من المغرب.