فاتح مايو الأممي: لتتضافر نضالات صغار منتجي- ات الغذاء والطبقة العاملة



تؤجج حروب الإمبريالية، اليوم، الوضع في العالم عامة، ومنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا خاصة. ينضاف العنف المسلح إلى الاضطهاد التاريخي عبر تدفق الأرباح الاستعمارية المسلوبة من شغيلة وفقراء فلاحي- ات البلدان التابعة. لا يعفي اليوم، التركيز على الحروب الاستعمارية أو تلك الخاصة بالعصابات، من اعتبار كل أشكال العنف والاضطهاد والأعمال العدائية المُمنهجة ضد صغارمنتجي- ات الغذاء أو عمال- ات الزراعة.

 تستعر الحروب وتتضافر سياسات نيوليبرالية تقشفية ضد إرادة الشعوب وسيادتها تاركة صغار منتجي- ات الغذاء عبر العالم، في عجز عن الحصول على دخل لائق وضمان وسائل الإنتاج، أو بوجه استحواذ الشركات على أساسيات الزراعة (بذو، أرض، ماء). كل هذا ضمن سيرورة الحفاظ على نفس نمط الإنتاج القائم على الربح ومفاقمة تدهور البيئة والتغيرات المناخية الحادة التي يشهدها كوكبنا والقضاء على الغابات أحد مصادر استمرار حياتنا.

إن رأس حربة السياسات النيوليبرالية التي ترهن سيادة الشعوب واقتصاداتها للشركات العابرة للقارات هي نظام الديون. يرتكز هذه الأخير على استعمال الموارد العمومية واستنزاف تلك الطبيعية من أجل سداد الديون، على حساب تلبية الحاجات والحقوق الأساسية للشعوب. يشمل الانخراط في نظام الديون: اتفاقات تجارة حرة لفتح الأسواق المحلية أمام الشركات الأجنبية الكبيرة وتقييدات محلية على المنتوجات المحلية وتحويلا كليا للاقتصاد الفلاحي بتوجيهه للخارج. هذا بموازاة تغيير جذري في السياسات العمومية بتشجيع تدخل القطاع الخاص وتمكينه من كل الظروف لاستغلال اليد المحلية وتدمير البيئة الطبيعية. وقد تفاقمت وضعية شعوب البلدان الخاضعة لنظام الديون.

 تستعر الحروب وتتضافر سياسات نيوليبرالية تقشفية ضد إرادة الشعوب وسيادتها تاركة صغار منتجي- ات الغذاء عبر العالم، في عجز عن الحصول على دخل لائق وضمان وسائل الإنتاج.

كان ولا يزال لمؤسستي صندوق النقد الدولي والبنك العالمي دور محوري في توجيه السياسات العمومية لتلبية حاجيات السوق الدولية وليس لحاجيات سكان الشعوب المحلية، وفي نفس الوقت لخدمة أداء الديون.

إن أفراد شعوب البلدان الفقيرة اليوم، تكدح وتقتل نفسها في العمل لتمويل اقتصاد البلدان الغنية. يساهم عمل وموارد الجنوب الطبيعية في تضخيم ثروات بلدان الشمال لاسيما الطبقات المسيطرة فيه. وتشكل الديون أقوى وسيلة للسيطرة اليوم. إن تدفق الثروة المنتَجة من الجنوب إلى الشمال أكبر من تدفقه في المنحى المعاكس. فما يسمى دولا “فقيرة” تدفع للطبقات الحاكمة في الدول الثرية أكثر بكثير مما تتلقاه منهم في شكل استثمارات وقروض ومساعدات. تُبقي الديون الشعوب مستعبَدة وتنهب مواردها.

إن النظام الاقتصادي القائم على الربح الراعي لنظام الديون هذا هو نفسه نظام الحروب الاستعمارية. وبجانب الحرب العالمية غير المباشرة ضد الشعوب بسياسات قروض وتدمير موارد طبيعية خدمة لأهداف كمشة شركات، تقوم حروب دمار مباشرة ضد الشعوب أو السكان المحليين هنا وهناك. 

تشهد مناطق الحرب نزوح ساكنيها. في السودان، يُهجّر السودانيون بشكل واسع أراضيهم خوفا من الحرب الدائرة رحاها بين قطبي الثورة المضادة (الجيش السوداني وقوات الدعم السريع). حربٌ دمرت الأراضي الزراعية وخَفضت إنتاج المحاصيل الأساسية لعيش السكان (قمح، ذرة…) ورَفعت أسعار السلع الغذائية. يتعذر اليوم على السكان الفلاحين الوصول إلى الخدمات الأساسية أو الحصول على الأغذية والمواد من أجل الزراعة، بفعل استشراء انعدام الأمن، كما تتعرض آلياتهم ومحاصيلهم للسرقة. إن الجوع الحاد يهدد اليوم ثلث مزارعي السودان بفعل سيطرة قوات الدعم السريع على المناطق الأكثر إنتاجا لقوت السودانيين (منها ولاية الجزيرة).

أما في سوريا فلا يزال السكان السوريون يؤدون ثمن حرب نظام الأسد، منذ أكثر من عقد، باهظا. يهجر العديد من المزارعين أراضيهم خوفا من الموت وبحثا عن مصدر عيش بديل، في حين يهرب آخرون من تداعيات تغير مناخي حاد وموجات جفاف (تندرج سوريا ضمن البلدان الأكثر عرضة لارتفاع الحرارة) أو ارتفاع تكلفة المحروقات وأسعار مواد الزراعة (بذور وأسمدة) غير المدعومة، وهو ما لبث يستمر مقوضا كل أمل بالبقاء والصمود في مناطق الزراعة.

في حين لا تكتفي حرب الإبادة الجماعية لإسرائيل في غزة بتهجير سكانها أو تدمير بنيتها التحتية، بل تقصف الأراضي الزراعية والاستغلاليات الصغيرة في محاولة للقضاء على الإنتاج الزراعي هناك، عبر شن حملات طرد منظمة للمزارعين الفلسطينيين من أراضيهم. تقوم القوات العسكرية باقتلاع أو بحرق الآلاف من الأشجار أو بمنع الوصول إليها كما تمنع قطفها، بوجه خاص الزيتون.

تتضافر اليوم الحروب الاستعمارية والسياسات النيوليبرالية والتغيرات المناخية لتفاقم أوضاع بؤس وجوع شعوب العالم الفقيرة.

لهذا واجبنا تعزيز التحالفات بين المنظمات الشعبية، والحفاظ على حياة الأشخاص الذين يقاتلون من أجل أراضيهم، ومن أجل ثقافتهم، والكفاح من أجل طريقة لإنتاج لا يدمر الكوكب. يجب علينا أن نجعل التهديدات التي يتعرض لها الناس ومنظماتهم/ هن مرئية ونزيد الوعي بها، ولا سيما الأكثر عزلة. يجب علينا أن ندين مرتكبي أعمال العنف التي تستهدف أصحاب الأراضي، وغيرهم من المتورطين في اضطهاد وتجريم واختفاء واغتيال الناشطين- ات المدافعين- ات عن الأرض والموارد الطبيعية وقادة الحركات والمنظمات الشعبية.

إن النظام الاقتصادي القائم على الربح الراعي لنظام الديون هذا هو نفسه نظام الحروب الاستعمارية.

إن البناء الجماعي أمر أساسي من أجل عالم اليوم والغد. يجب أن نحفز كل قيم التضامن وبناء البدائل، القائمة والجديدة، والتي يجب أن تكون القوة الدافعة لأعمالنا الجماعية في المستقبل.

ليس للنظام الاقتصادي القائم اليوم ما يقدمه للشعوب، سوى العنف والاستغلال والموت.

حان الوقت لتعزيز قيم النضال المضادة، وبعضها قديم موروث من تجارب سابقة، وأخرى تبتكرها الشعوب يوما بيوم. حان الوقت لتنظيم المقاومة، وتعزيز المعرفة المحلية وخلق المعرفة التشاركية والتعلم، والإنتاج في أراضينا.

حان الوقت لتعزيز مقاومة الدفاع عن سيادتنا الغذائية جنبا إلى جنب، عمالا/ات وصغار منتجي- ات الغذاء.

تساهم شبكة سيادة بمنطقتنا في التثقيف حول المشروع الإجمالي للسيادة الغذائية لشعوبنا، وتحفيز أنشطة ملموسة في البلدان، وتدعيم التضامن مع نضالات القاعدة الشعبية لهذا المشروع من مزارعين وبحارة صغار، وغابويين وعمال زراعيين وجميع الفئات المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بإنتاج غذائنا.

شبكة سيادة: من أجل سيادة الشعوب على الغذاء والموارد.

30 أبريل 2024