تنوّعت وسائل الاستيلاء على الأرض في تونس والمغرب. لكن الواضح هو أنّ كلا البلديْن يتبّعان، بدرجات متفاوتة، نفس المخطّط النيوليبرالي القائم على سلب طبقة صغار الفلاّحين ونقل ملكيّتها تدريجيًا إلى ما يُعرف بـ “المستثمرين الفلاحيّين” وشركات الزراعة التجارية، المحلّية والأجنبيّة.
أ- تونس:
تشكّل المخزون العقاري للدولة التونسية من الأراضي الفلاحية عقب 1956، عندما شرعت الدولة آنذاك في عمليات استرجاع الأراضي الزراعيّة التي كانت على ملك المستعمرين الفرنسيين. وذلك إمّا عبر مسار التأميم (قانون الجلاء الزراعي سنة 1964) أو عبر تعويض المستعمرين وشراء الأرض منهم، لتصبح بذلك أراضٍ تونسية تحت إشراف ديوان الأراضي الدولية الذي بُعثَ سنة 1961. مثّلت الأراضي الفلاحية الدَوْلية العمود الفِقَري لتجربة التعاضد في الستينات. وهي تجربة ارتكزت على سياسة إنشاء وحدات تعاضدية للإنتاج الفلاحي، تكون نوَيَاتُها المركزية الأراضي الدوْلية الفلاحية، في أفق تواصل استغلالها وتنويع إنتاجها وتحسين انتاجيتها.
إثر الإقرار بفشل تجربة التعاضد، وتبنّي السلطة السياسية في تونس الطرح الليبرالي في إدارة الشأن الاقتصادي، تميّز التوجّه الجديد في إدارة الوحدات التعاضدية للإنتاج الفلاحي والأراضي الدولية بإهمالها المُمَنْهج حتى التصفية والشروع في التفويت فيها.

الاعتزاز 2: استثمار أجنبي على أرض دولية لإنتاج وتصدير الجوجوبا – “مستعمرة الجوجوبا”
تقع ضيعة ” الاعتزاز 2 ” على أرض دَوْليّة بمساحة جملية قدرها 725 هكتار. وهي تُعدُّ أرضًا جيّدة وتحتوي على إمكانيات مائية جوفية مُعتبَرة.
وقع تسويغ ضيعة ” الاعتزاز 2 ” أواخر سنوات التسعين لصالح مستثمر أجنبي (سويسري)، في سياق عامّ اتّسم بهيمنة أطروحات التفويت وخوصصة الأراضي الدولية. وجب أن نشير الى أنّ حجم المعطيات المتوفّرة بخصوص هذا المستثمر تكاد تكون شبه منعدمة. لذلك فإننا بصدد التعاطي مع روايات أهالي قرية الاعتزاز، إضافة الى الزيارة الميدانية الى هذه الأرض.
عمد هذا المستثمر الأجنبي الى استغلال ضيعة ” الاعتزاز 2 ” لإنتاج مادة ” الجوجوبا ” المُعدّة بشكل كلّي للتصدير. وحسب ما تفيد به بعض المواقع البحثية فإنّ لنبتة الجوجوبا استعمالاتٌ في صناعة الأدوية ومواد التجميل وتشميع الفاكهة للتصدير، إضافة الى الصناعات البلاستيكية وما تطرحه من آفاق تصنيعية على غرار استخراج مشتقات المحروقات.
يتأكّد لنا ممّا سبق أنّ طبيعة الاستثمار في ضيعة ” الاعتزاز 2 ” لا تمتُّ بصلة لوظيفة الأرض الرئيسية في إنتاج الغذاء. وإنّما وقع استغلال الأرض لغايات صناعية ربحية بشكل أساسي. من جهة أخرى، نشير الى أنّ تونس تُصنَّف ضمن البلدان غير المكتفية ذاتيا في إنتاجها الغذائي في الوقت الذي تُفوّت في أراضيها الشاسعة لصالح مستثمرين أجانب لإنتاج ما لا تستحقّه البلاد، وما لا يدُرُّ عليها النفع في كلّ الأحوال.

لاحظنا أيضا، أثناء زيارتنا لضيعة ” الاعتزاز 2 ”، وجود قنوات للريّ قطرة قطرة تمتدّ على طول غراسات الجوجوبا، بالإضافة الى بئر عميقة. وهو ما يدعم مقولة استنزاف الاستثمارات الأجنبية للموارد المائية الجوفية في منطقة تُصنَّفُ عموما ضمن المناطق ذات الإمكانيات المائية المحدودة. وحسب شهادات مواطني المنطقة، فانّ هذا الاستثمار الأجنبي انحصر في تجهيزات الريّ والغراسة على جزء من الأرض المُسوَّغة من الدولة، فيما ترك ما تبقّى منها بورا (220 هكتارا بورا من أصل 750 هكتار). وفي ذلك انتهاك واضح لكراس الشروط المتعلّق بتسوّغ واستغلال الأراضي الدولية، الذي ينصّ على استصلاح كامل الأرض وفق برنامج متكامل تصادق عليه وزارة الفلاحة. من الشائع في الخطابات الحكومية الرسمية ربط الاستثمارات الفلاحية الخاصة، المحلية منها والأجنبية، بقدرتها على خلق مواطن الشغل. إلا أنّ المثال الذي نحن بصدده يُفنّد هذه الأطروحة. اذ لا يُشغّل هذا المستثمر الأجنبي، مقارنة بما يجنيه من أرباح، سوى شخصين اثنين بشكل قارّ هما حارس للضيعة ومدير فني لهذا المشروع. علمًا وأنّه عادةً ما تنصّ كراسات الشروط على حدّ أدنى من الطاقة التشغيلية، يؤدّي عدم احترامه إلى إسقاط حق المستثمر في الانتفاع بالأرض. في الحقيقة إنّ في استعراضنا لمثال ضيعة ” الاعتزاز 2” تدليلٌ على الكلفة الفلاحية والبيئية والاجتماعية لسياسات التفويت المُمَنهج في الأراضي الفلاحية الدولية، لصالح منطق الاستثمارات الربحية.
ب- المغرب:
عمَّق الانفتاح المفروض على المغرب من خلال الاتفاقيات التجارية تبعية الاقتصاد المغربي وسرّع اندماجه بالاقتصاد الرأسمالي العالمي منذ أواخر القرن التاسع عشر. كما ساهمت المديونية العمومية بصورة أشمل جدا بتسريع سيطرة المستعمر (الفرنسي والاسباني) وإدخاله علاقات الإنتاج الرأسمالية الى القرية، مدمّرا بذلك علاقة الفلاح الصغير بالأرض، ومفككا البنيات الاجتماعية التقليدية والملكية الجماعية للأراضي الفلاحية. لقد فتحت إجراءات برنامج التقويم الهيكلي والانفتاح الليبرالي المُعَمَّم ومخطّط المغرب الأخضر المجال لتغلغل كبار الرأسماليين الخواص المحليين والأجانب بقطاع الإنتاج الفلاحي، أساسا لأجل التصدير وتمتعهم بالإعفاءات والاعانات، وبنفس الوقت عمقت سيرورة إفقار الفلاحين الصغار الذين يرغمون على كراء أراضيهم أو بيعها.
عملت الدولة على تسهيل عملية الاستحواذ على الأراضي الاستعمارية المسترجعة لصالح كبار الرأسماليين عبر خصخصة مباشرة للشركتين العموميتين اللتين كانتا تديران جزءا كبيرا (حوالي الثلث) من تلك الأراضي. وتُواصل منح ما تبقى لديها من مساحات زراعية، حيث وزعت منها ما بين 2004-2018 ما مجموعه 105.699 هكتار لصالح مخطط المغرب الأخضر[1].
أراضي الجماعات السلالية وعاء عقاري ضخم يسيل لعاب الرأسماليين:
تُقَدَّرُ المساحة الإجمالية لأراضي الجماعات السُلالية أو الأراضي الجماعية بــ 15 مليون هكتار، وترتبط بها 10 مليون نسمة (مجموع سكان المغرب حوالي 34 مليون نسمة)[2].
ونظام الأراضي الجماعية، أو أراضي الجموع، هو نظام للأراضي التي ترجع ملكيتها إلى جماعات سلالية، قبائل، عشائر، فخذات أو دواوير. ولا تتميز فيها حقوق الأفراد عن حقوق الجماعة، بحيث إن ملكيتها تعتبر ملكية شائعة بين أفراد الجماعة، مع إمكانية توزيع حق الانتفاع فيما بين الأعضاء.
يرجع أصل الأراضي الجماعية إلى عصور قديمة جدا، إذ كانت ظروف الأمن والعيش تُلزِم القبائل بالاستغلال المشترك والجماعي لمواردها. وظلت الجماعات السلالية تستغل تلك الأراضي بناء على أعراف وتقاليد كل قبيلة، إلى أن دخل الاستعمار الفرنسي وعمد إلى إصدار قوانين لتنظيم طريقة استغلال هذه الأراضي. هكذا أصدر ظهيرَ 27 أبريل 1919 حول الأراضي الجماعية حتى تتمكن السلطة الاستعمارية آنذاك من التحكم بنوّاب الجماعات وتفكيك التضامن الاقتصادي والاجتماعي داخل القبيلة أو الجماعة، وإزالة سلطة التقرير والمحاسبة من يدها، وتسهيل استغلال هذه الأراضي من قبل المستعمرين. وقد عمدت السلطة الاستعمارية إلى ادخال تعديلات على الظهير المذكور لتوطيد الاستغلال. ولايزال هذا الظهير الاستعماري قائما حتى الآن، بعد إدخال عدد من التعديلات عليه بمرحلة ما بعد الاستقلال.
يعتبر نواب الجماعات السلالية الممثلين الشرعيين والمخاطبين الرئيسيّين لجماعتهم. وتعتبر موافقة النواب ضرورية بالنسبة لجميع القرارات المتعلقة بممتلكات جماعتهم (التصفية القانونية، المعاملات، قسمة الممتلكات.). ويبلغ عدد النواب 6.532 نائبا لعدد جماعات سلالية يقدر بــ 5.043 جماعة.
وتقوم وزارة الداخلية، بموافقة نواب الجماعات السلالية، بتعبئة الأراضي الجماعية لصالح الرأسماليين الخواص وأيضا لصالح مؤسسات الدولة، وذلك إما عن طريق الكراء أو التفويت لإنجاز مشاريع اقتصادية تهم مجالات الفلاحة، الصناعة، السياحة، الخدمات، استغلال المقالع واستخراج المعادن كالفوسفاط.
تتشكل أراضي الجماعات السلالية من المساحات الرعوية بنسبة تفوق 85% تستغل بصفة جماعية من قبل السكان ذوي الحقوق، وتوظف أهم المساحات المتبقية، حوالي 2 مليون هكتار، بالنشاط الفلاحي والغابوي. كما تتوزع أراضي الجموع من حيث طبيعةُ استغلالها ما بين نظام بوري (بعلي أو معتمد على المطر) ونظام سقوي. وقد صدر بخصوص هذه الأراضي ظهير 25 يوليوز [1]1969 الذي أحدث تغييرا أساسا على الملكية الجماعية للأراضي السلالية الواقعة بدوائر الريّ، بحيث حوّلها إلى ملكية خاصة مشاعة بين ذوي الحقوق الجماعيين، ثم إلى ملكية فردية.
بُعيد الاستقلال وإسقاط حكومة الوطنيين بزعامة عبد الله ابراهيم (عن حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المنشق لتوه عن حزب الاستقلال) وبإحكام “المُعمِّرين الجُدد” قبضتهم على الحكم، تخلت التصاميم المتوالية عن فكرة الاصلاح الزراعي بالمفهوم الذي حدده التصميم الأول. فاختفى الكلام عن التعرض للملكية الكبيرة وتحديدها ومنع تمركزها. ووقع بالمقابل التركيز على الأراضي المسقية الخصبة، على حساب أراضي البور، وبذل مجهود ضخم لبناء السدود وتسخيرها، في شق كبير منها، للضيعات الخاصة بالبورجوازية الزراعية الناشئة. لقد ركزت الدولة كل جهودها على توفير الإمكانيات لتوسيع قدرة الفلاحة الرأسمالية العصرية وتوفير شروط ازدهارها منذ الستينيات، وقامت الدولة باستثمارات عمومية كبرى بمجال البنيات التحتية الأساسية للسقي الفلاحي بإطار ما سمي بــ “سياسة السدود”. وسهلت تمليك الأراضي الزراعية الخصبة وضمنها الأراضي الاستعمارية المسترجَعة لكبار الملاكين العقاريين. وسنّت قانون الاستثمارات الفلاحية بمنطق “الثورة الخضراء”، أي تحديث الفلاحة باستعمال كثيف للأسمدة والمبيدات والبذور المنتقاة لمنتوجات موجهة أساسا للتصدير. وقدمت إعانات لاقتناء المعدات الفلاحية، ويسرت التمويل عبر الصندوق الوطني للقرض الفلاحي، وسنت ضريبة فلاحية منخفضة. كل ذلك مقابل ضرب متواصل للاكتفاء الذاتي والزراعة المعاشية للسكان المحليين وإضعاف السوق الداخلية للمواد الغذائية.
كان هذا التوجه يهدف، بشكل مبكر، الى خلق فلاحة تصديرية وتشجيعها (الحوامض والبواكر) للحصول على العملة الصعبة. وبرّرت الدولة هذا التوجه بإعطاء انطباع بأنّ شروط تنمية سريعة للاقتصاد تنطلق من التركيز على القطاع الفلاحي العصري دون غيره. من هنا بدأ تغلغل نمط الانتاج الجديد، اذ عانت أغلبية طبقة الفلاحين من النفوذ المتزايد للرأسمالية. فبعد أن لم تكن الجيوش الاستعمارية قادرة على التوغل أبعد من الاحتلال العسكري، تمكنت البرجوازية الزراعية من التغلغل حتى بأبعد القرى النائية، حيث هيمنت العلاقات الرأسمالية للإنتاج رافعة شعار تفوق السوق على بنيات الاستهلاك الذاتي.
التركّز العقاري بمنطقة اللوكوس
يستغل غالب الفلاحين الصغار أراضي لا تتجاوز مساحتها 3 هكتارات، أغلبيتها أراضي جماعية (الجماعات السُلالية). وتعيش المنطقة على وقع الصراعات حول تملك الأراضي بين كبار الفلاحين والفلاحين الصغار (ذوو الحقوق). وتفجّرت مجموعة من النضالات لاسترجاع الأراضي التي يتم امتلاكها عن طريق التحايل على القانون المنظم للأراضي السلالية. وسجل سعر بيع الأرض ارتفاعا كبيرا بلغ ما بين 52 ألف الى 62 ألف دولار أمريكي للهكتار الواحد، وعند الكراء ما بين 1244 و1555 دولار أمريكي للهكتار الواحد في السنة. وتتركز ملكية الأراضي الشاسعة في أيدي كبار الملاكين وشركات التصدير، وهناك نماذج عديدة لعائلات أو أشخاص أو شركات يملكون أكثر من 500 هكتار مُترامية على أراضي ليس لهم في الأصل. إذ لا يحترمون عقود الكراء، فيعمّرون
أراضي مكتراة لمدد لا تتعدى في الغالب 5 سنوات ويفترض تركها بعد انصرام مدة الكراء هذه، لكنهم يرفضون إرجاع الأراضي لأصحابها، رغم اللجوء إلى القضاء، الذي يماطل في إرجاع الحق لأصحابه[1].
جرى بالأراضي المنبسطة من منطقة اللوكوس التخلص من كل البذور التقليدية وتعويضها ببذور تجارية هجينة توزعها الشركات الخاصة والمصالح العمومية (سوناكوس). وقد صرح جميع المستجوَبين في البحث الميداني بأنّ هذه البذور التجارية المنتقاة تحتاج الى عناية مفرطة لحمايتها من مختلف الأمراض والحشرات ودعمها بالأسمدة وتوفير الماء الكثير لها. وهذا ما يفرض استعمالا كثيفا للمبيدات السامة بمختلف أنواعها (لمعالجة الأمراض الطفيلية والأوبئة، ولقتل الحشرات فوق الأرض وتحتها، ولمحاربة الأعشاب الضارة)، ولكميات كثيرة من الأسمدة بمختلف أشكالها، الكيماوية منها والصلبة والسائلة التي تستعمل في كل أطوار نمو المغروسات. يعيش الفلاحون الصغار على صعيد منطقة اللوكوس أوضاعَ البؤس والفقر والتهميش. فالمدخول السنوي من الزراعة لا يكفي لسد الحاجيات الأساسية للعيش الكريم، وبالتالي يضطرون لمزاولة أنشطة أخرى مُكمّلة، كالعمل في البناء والتجارة والسياقة، أو إرسال أبنائهم وزوجاتهم للعمل داخل الضيعات الزراعية الكبيرة، أو الهجرة إلى أوروبا التي تصاعدت بشكل كبير.
المراجع
[1] أرقام تقارير حول العقار العمومي المعبأ للاستثمار في مشاريع قانون المالية لسنوات 2016، و2017 و2018 و2019. موقع وزارة المالية
[1] بالفرنسية ‘‘‘يوجد بالمغرب 15 مليون هكتار، منها 182000 مستغل خارج أي إطار قانوني‘‘، 13 يناير 2019 على الساعة 17:24، Journal le Matin.
[1] http://adala.justice.gov.ma/ 16 – production/html/Ar/62308.htm
ضي الجماعية الواقعة في دوائر الري ظهير شريف رقم 1.69.30 بتاريخ 25 يوليوز1969 يتعلق بالأرا
[1] المصدر: فريق العمل الميداني
المقال أعلاه مأخود من الدراسة التالية : اضغط هنا.

