كيف أثرت الحرب على غذاء مصر ؟



لم يكن لغزو روسيا لجارتها أوكرانيا أثر مدمر على الحياة في أوكرانيا فقط، بل امتد ليشمل نقصاً في إمدادات الطاقة في كامل أوروبا، ودفع الاقتصاد العالمي نحو خطر الكساد 1، في وقت كانت كل دول العالم تعاني بالفعل من أجل استعادة قدراتها الاقتصادية بعد عامين من انتشار جائحة فيروس كورونا.

وكان لدول الجنوب العالمي من آثار الحرب نصيبٌ، فيما يتعلق بأمنها الغذائي. وتعتبر مصر من أكثر البلاد تأثرًا بويلات الحرب، رغم بعدها جغرافيًا عنها، بسبب التأثير الذي طالها وأدى إلى تهديد أمنها الغذائي، أو ما تبقى منه، بعد عقود من التراجع منذ أواخر القرن الماضي، بعد اتجاهها لتحرير الزراعة وقطاع الغذاء، وإحلال القطاع الخاص في القطاع الزراعي، في خضم سعيها للاندماج مع النظام النيوليبرالي العالمي.

كيف وصلت آثار الحرب إلى غذاء المصريين؟

أتت الحرب في أوكرانيا لتهدد ما تبقى من أمن مصر الغذائي، إذ حذرت 2 منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» من تعرض نحو 9.6% من السكان في مصر، أو ما يزيد عن 10 مليون شخص، لخطر العجز على توفير طعام صحي إذا انخفضت قدرتهم الشرائية بحوالي الثلث، إما بسبب ارتفاع أسعار الغذاء، أو تراجع مداخيل السكان، في وقت كان 85.3% من السكان أصلًا لا يستطيعون بالفعل توفير غذاء صحي، وفقا لمعلومات من الفاو تعود إلى عام 2019.

كان لدول الجنوب العالمي من آثار الحرب نصيبٌ، فيما يتعلق بأمنها الغذائي. وتعتبر مصر من أكثر البلاد تأثرًا بويلات الحرب

أظهر الأثر القوي للحرب على الأمن الغذائي المصري مدى هشاشة ذلك الأمن. فعلى مدار عقود طويلة، وبعد حرب 1973، اتجهت مصر بسرعة للاندماج في النظام النيوليبرالي العالمي، فحررت سياساتها الاقتصادية تباعًا. وتحولت مصر تدريجيًا من منتج للغذاء إلى أحد أكبر مستوردي السلع الغذائية الأساسية والبذور اللازمة للزراعة في العالم.

عقود من تبني سياسات الاندماج في النظام العالمي

ففي ثمانينيات القرن الماضي، وصلت بعثة رئاسية أمريكية 3 إلى مصر، لدراسة ما وصفته بمشاكل مصر الزراعيّة، ومن ثم، تقديم حلول لها وتوصيات بشأنها، كشرط لاستقدام معونات أمريكية، بما عناه ذلك من شروط وإملاءات؛ كاستيراد مصر الآلات والسلع الزراعية من الولايات المتحدة. وبالتوازي مع ذلك، عملت هذه المساعدات على إجهاض زراعة محاصيل إستراتيجية، كالقمح والقطن، مقابل الحصول عليها كمساعدات.

وبالإضافة إلى ذلك، شجعت الحكومة المزارعين على زراعة أصناف الخضر والفاكهة الموجهة للتصدير، للحصول على العملة الصعبة. وهو ما كان يعني الحصول على البذور اللازمة للزراعة من الشركات الدولية الحاصلة على حقوق ملكية تلك البذور بعد توقيع مصر اتفاقية حماية الأصناف النباتية 4 “UPOV” .

ولكن الاتفاقية لا تحمي صغار المزارعين، بل هي على العكس مُخصصة لحماية الأنواع المستنبطة من النباتات التي تُطور على أيدي شركات عالمية، وتعطي الحق لها في مقاضاة المزارعين إذا ما استخدموا تلك الأصناف بدون شراء حق إكثارها أو زراعتها. ما يعني، في طبيعة الحال، تحول الحماية إلى احتكار لتلك الشركات ووكلائها من مستوردي البذور، خاصة في ظل تناقص تمويل مراكز البحوث الزراعية المصرية الذي أعجزها عن إنتاج أنواع جديدة من البذور الخاصة بها، وهو الأمر الذي يُنقص قدرة مصر على تحقيق سيادتها الغذائية.

عودة الرأسمالية إلى قطاع الزراعة

تزامن ذلك مع إصدار قانون إصلاح العلاقة الإيجارية بين المالك والمستأجر 5، والذي سمح بتحرير أسعار إيجار الأراضي الزراعية، فارتفعت بشكل كبير وغدت خارج متناول شريحة كبيرة من صغار الفلاحين. وهذا ما حول مئات الآلاف منهم من مستأجرين للمزارع من كبار ملاك الأراضي، إلى عاملين بالأجرة في نفس المزارع، أو ترك امتهان الزراعة. وبالإضافة إلى ذلك، توسعت الحكومة في استصلاح الأراضي الصحراوية في مشاريع مختلفة. ولكنها اتجهت، سعيا إلى تحقيق التنمية السريعة، لبيع أو تأجير تلك الأراضي المستصلحة إلى كبار الشركات والمستثمرين المصريين والأجانب 6. ما عنى مزيدا من سيطرة التكتلات الاقتصادية الأكبر على القطاع الزراعي، والاتجاه نحو زراعة المحاصيل الموجهة للتصدير، مثل أصناف الخضر والفاكهة مرتفعة الثمن بالنسبة لأغلب قطاعات المصريين الاجتماعية، ما يعني تحول الأراضي الصالحة للزراعة في مصر إلى أرض تُستخدم لخدمة المستهلكين في الشمال العالمي. وفي المقابل، تراجعت أهمية صغار المزارعين، وارتفعت المنافسة بين الجهتين، لصالح الشركات، بطبيعة الحال، خاصة مع تناقص دور التعاونيات الزراعية.

وطوال تلك الفترة، ظهرت هشاشة هذا النظام، إذ اعتمدت الحكومة على استيراد السلع الغذائية الاستراتيجية من الخارج، ما جعل قدرتها على توفير تلك السلع عرضة لمخاطر تقلبات الأسعار مع أي مفاجآت في الاقتصاد العالمي. فمع الأزمة الاقتصادية لعام 2008، لم تستطع الحكومة توفير كميات القمح اللازمة لصناعة الخبز المدعم الذي يعتمد عليه أغلب المواطنين، فظهرت طوابير طويلة أمام المخابز في جميع أرجاء مصر للتنافس على الحصول على العيش (أي الخبز)، والتي شهدت، أحيانًا، صراعات انتهت بالقتل 7 بين المصطفين.

القمح… الخاسر الأكبر

وخلال السنوات الأخيرة، جاءت جائحة فيروس كورونا المستجد لتعصف بسلاسل التوريد العالمية واقتصاديات مصر والعالم. وما لبثت الحكومات في السيطرة على الأوضاع الاقتصادية، إلا وفجاءتها، في بداية هذا العام، اختبارات جديدة، إما بسبب التأثيرات المباشرة للحرب في أوكرانيا وتأثيرها على أسعار السلع الغذائية المستوردة مثل القمح، أو بشكل غير مباشر بعدما أصبح الاقتصاد المصري في أزمة شح للعملة الصعبة، ما قيّد قدرته على الوفاء بالدولار اللازم للاستيراد، لتوشك قطاعات غذائية مهمة على الانهيار، بما فيها صناعة الأعلاف والبروتينات الحيوانية.

وبطبيعة الحال كان القمح، بفعل أهميته الأكبر في سلة الغذاء المصرية ومدى تأثيره الأكبر على أمن مصر الغذائي، هو الأولوية الأولى في ظل الحرب.

فمنذ عهد الفراعنة، كان للخبز مكانة خاصة وأهمية مُطلقة للمصريين، بدأت من تقديسه قديمًا، واستمرت لآلاف السنين، بفضل قيمته الغذائية وسهولة الحصول عليه في العصر الحالي. فظل القمح لعقود طويلة المحصول الوحيد الذي استمرت الحكومة في دعمه بكل الأشكال، بداية من توفير البذور اللازمة للزراعة في بداية الموسم، ثم توفير سماد مُدعم لزراعته، رغم رفعها لأسعاره بشكل متزايد، مرورًا بشرائه من الفلاحين بأسعار أعلى من مثيلاتها عالميًا، ثم طحنه وتحويله إلى دقيق لينتهي في مخابز تبيعه بسعر مُدعم للمستهلكين المصريين. ومنذ دعم الخبز في أعقاب الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، ارتفع سعره ثلاث مرات فقط، إذ تجنبت الحكومات المتتالية التلاعب في سعره للحفاظ على متانة النظام السياسي.

وفي سبيل توفير القمح اللازم للخبز، تُقدر الحكومة المصرية ما تزرعه مصر بحوالي 10 مليون طن قمح. وهي تقديرات مشكوك في صحتها، نظرًا لتقادم البيانات المعتمدة وآراء الخبراء في تغير الرقعة الزراعية في مصر وإنتاجها الحقيقي من المحاصيل. على أي حال، هذا الإنتاج لا يكفي لتغطية الطلب على الدقيق الذي يصل إلى 18 مليون طن. يُعوّض الفارق (حوالي 9 – 10 ملايين طن) بالاستيراد 8 من عدة دول على رأسها روسيا وأوكرانيا، اللتين بلغت صادراتهما إلى مصر 9 نحو 80% من إجمالي استيراد القمح العام الماضي.

ومع بداية الحرب في فبراير الماضي، توقفت إمدادات القمح الروسي والأوكراني على حد سواء، ما رفع أسعار القمح العالمية بشكل تدريجي على مدار الأشهر التي تبعت بداية الحرب بنحو 48% مقارنة بالعام الماضي.

محاولات الحكومة لحصار أسعار القمح

بقصد مواجهة الأزمة، في البداية، اتجهت هيئة السلع التموينية، المشتري الحكومي للقمح، إلى عرض مناقصات متتالية لاستيراد القمح. لكنها اضطرت، في خضم ذلك، إلى إلغاء عدة مناقصات، إما لقلة العروض ، أو لارتفاع الأسعار مقارنة بما قبل الحرب. لذا؛ غيرت الحكومة خطتها، وقررت، لأول مرة ، تقليل اعتمادها على القمح المستورد والاعتماد على نظيره المحلي؛ إذ ستشتري من الفلاحين كمية مضاعفة، قدرتها بستة ملايين طن، أي ما يعادل 60% من إجمالي الإنتاج المحلي الذي تتوقعه الحكومة. أما الكمية المتبقية من احتياجاتها (ثلاثة ملايين طن) فسيتم تدبيرها عبر الاستيراد.

ولكن، تخوفت الحكومة من تسريب القمح للقطاع الخاص، الذي قد يعرض سعرا أكبر من نظيره الحكومي. وبدلًا من رفع السعر لضمان توريد احتياجاتها المحلية، أصدرت الحكومة قرارًا 4 يلزم الفلاحين ببيع جزء من إنتاجهم إلى الحكومة.

هنا ظهرت المشكلة

بغية ضمان الحفاظ على الحد الأدنى من مستويات الأمن الغذائي، تشجع الحكومة الفلاحين على زراعة القمح، وتحظر تصديره و بيعه للقطاع الخاص. بعد الحصاد تشتري الحكومة من الفلاحين نحو ثلاثة ونصف مليون طن قمح بسعر تحدده قبل الموسم، ويكون أعلى من السوق العالمي، ويحتفظ المزارعون بالكميات المتبقية للاستخدام المنزلي، ويُباع بعضه للقطاع الخاص، رغم حظر ذلك قانونيًا.

لكن الحرب غيرت كل شيء. استمرت أسعار القمح العالمية في الارتفاع، حتى تجاوزت السعر الذي وضعته الحكومة لشراء القمح من الفلاحين، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الأعلاف والدقيق والسلع الغذائية، ما دفع الفلاحين لرفض البيع للحكومة رغم قرار الإلزام.

رفعت الحكومة حافز التوريد لتشجيع الفلاحين. لكن الزيادة لم تكن، حتى بعد رفع السعر، كافية للمزارعين للاستغناء عن قمحهم الذي اعتبروه ضامنا لأمنهم الغذائي في وضع جديد عليهم. بعد الحافز، لم تستمع أو تتجاوب الحكومة إلى مطالب الفلاحين المتكررة برفع سعر التوريد، نظرًا لارتفاع التضخم الكلي سواء في الحضر أو الريف المصري، خاصة مع استمرار هيئة السلع في الاستيراد بنفس الأسعار العالمية وإهدارًا للعملة الصعبة، رغم توافر القمح محليًا.

البحث في الخارج، بدلًا من الحل في الداخل

وفي منتصف الأزمة، حاولت وزارة التموين المصرية المناورة عن طريق السماح باستيراد القمح من مصادر بديلة، بقصد الابتعاد عن منطقة البحر الأسود المضطربة، وتجنب الأسعار المرتفعة للمصادر الأمريكية والفرنسية. من بين هذه البدائل كانت الهند. لكن لسوء الحظ، سرعان ما أقدم هذا البلد، بعد تعاقد مصر على شحنتها الأولى منه، على حظر تصدير القمح، جراء ارتفاع معدلات التضخم بالبلد فضلًا عن موجة حرارة أضرت بالمحصول، فلم تورد مصر أي كمية.

ومع تأزم الموقف، واستمرار إلغاء مصر المناقصات الدولية بسبب الأسعار، قررت الحكومة التصعيد ضد المزارعين وإصدار قرار آخر يعاقب الفلاحين الممتنعين عن بيع قمحهم للحكومة بعقوبات تصل إلى الحبس، للمرة الأولى في التاريخ. لكن الحكومة لم تتمكن، رغم تلك القيود القانونية وحملات الرقابة المستمرة، إلا من جمع نحو 3.8 مليون طن رغم التصريحات 11 الرسمية بجمع 4.2 مليون طن.

وقررت وزارة التموين، بقصد الحفاظ على مخزونها الاستراتيجي من القمح وإطالة مدته، تخفيض معدلات استهلاك الدقيق برفع معدل استخراج 12 الدقيق في الخبز المدعم إلى 87.5% بدلًا من 82%. بالإضافة إلى ذلك، وفي ظل محدودية الاختيارات، تنازلت مصر عن أحد شروط جودة القمح المستورد، ورفعت مستوى الرطوبة 13 المسموح بها في القمح. وأخيرًا فكرت في إنتاج خبز من البطاطا 14 لتوفير القمح. ولكن الخطة انتهت بالفشل بعدما اكتشفت الوزارة عدم عملية الفكرة 15 في الوقت الحالي.

وخارج منظومة الخبز المدعم، وتجنبا لخطر ارتفاع أسعار قد يسبب اضطرابات اجتماعية، أعلنت الحكومة عن فرض تسعيرة إجبارية للخبز المُباع خارج نظام الدعم، في مقابل أن تمد الحكومة منتجيه بدقيق بسعر منخفض عن مثيله في السوق.

نالت الخطة الاستحسان، وأغرقت الحكومة الإعلام حديثًا عن خطتها، ووضعت عقوبات قاسية 16 على المخالفين. لكن على أرض الواقع، لم تسلم الحكومة المخابز أي دقيق 17، فاضطرت هذه إلى شراء الدقيق بسعر مرتفع من السوق الحر، وبيع الخبز بسعر أقل من سعر التكلفة خوفًا من الغرامات، ما دفع العديد من المخابز إلى إغلاق أبوابها خوفًا من الخسارة. وبعد ثلاثة أشهر ألغت الحكومة المبادرة – التي لم تنفذ قط- وعاد سعر الخبز الحر للارتفاع من جديد.

كلف ارتفاع أسعار القمح عقب الحرب مصر زهاء 15 مليار جنيه إضافية 18 في العام المالي الحالي، تحملتها الحكومة كاملة؛ سواء من مواردها الذاتية أو باللجوء إلى الاقتراض.

وفيما لم تلق الحكومة ذلك الفارق على كاهل المستهلكين، نظرًا لأولوية الخبز وحساسية أسعاره، قامت برفع أسعار ثمان سلع تموينية منذ بداية العام. وقررت في النصف الثاني من العام تعويض المصريين مستحقي الدعم بزيادة استثنائية 19 في مبلغ الدعم لمدة ستة أشهر منذ سبتمبر الماضي. لكن أسعار السلع التموينية استمرت في الارتفاع، حتى بعد المنحة الاستثنائية، ما قلل فعليًا من مبلغ الدعم.

وفي كل الأحوال، لم يكن القمح أو الخبز المُنتجات الوحيدة المتأثرة بالحرب، ولكن الوقع عليهما كان أشد.

تأثيرات الحرب تتجاوز القمح

وصل تأثير الحرب إلى مكون آخر من سلسلة الغذاء المصرية، وهو الأرز. تحقق مصر بالفعل معدل اكتفاء ذاتي مرتفعاً منه، وسيادة كبيرة على إنتاجه، لكن سياسات الحكومة لم تساهم في دعم الأمن الغذائي للمحصول في البلاد، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الأرز، ونقصه في الأسواق.

تعود أزمة ارتفاع أسعار الأرز إلى محاولة الحكومة شراء الأرز المحلي بأسعار غير منصفة للفلاحين، وإحكام السيطرة على السوق عن طريق وضع سعر إلزامي لبيع الأرز، لإجبار الفلاحين على توريد الأرز بذات السعر. يهدف القرار إلى منع رفع الأسعار خاصة في ظل انتشار الممارسات الاحتكارية في معظم القطاعات الغذائية، لكن هذه السياسات تجعل في الآن ذاته المزارعين ينأون عن زراعة المواد الاستراتيجية خوفًا من استحواذ الحكومة عليها بأسعار بخسة. خصوصًا في ظل ارتفاع مستلزمات الإنتاج حتى المدعمة منها 20، وارتفاع تكاليف الري.

وبالإضافة إلى الحبوب والأرز، جابهت مصر أزمة جديدة في البروتين.

كانت الأعلاف الضحية الأخيرة، إذ تنتج روسيا وأوكرانيا، سويًا، نحو خُمس الإنتاج العالمي من الذرة، التي تستورد منها مصر أكثر من 800 ألف طن شهريًا لصناعة العلف. ومع شحّ الدولار في السوق المحلي، لم يستطع المستوردون إدخال الأعلاف إلى البلاد 21. أما ما تمكنوا من إدخاله، فارتفعت أسعاره 22 بشكل غير مسبوق. وفيما تكدست آلاف الأطنان من مكونات الأعلاف في الموانئ المصرية، ارتفعت أسعار الدواجن والبيض، إذ تمثل تكلفة الأعلاف وحدها نحو 75% من تكلفة صناعة الدواجن.

كان التراجع في المعروض من العملات الأجنبية نتيجة مباشرة لفقد الاقتصاد المصري مليارات الدولارات منذ بداية الحرب في أوكرانيا. ففي خلال أسابيع معدودة، فقد الاقتصاد المصري 20 مليار دولار 23 من الأموال الساخنة.

رغم ذلك، استمر البنك المركزي في دعم قيمة الجنيه المصري أمام الدولار، اعتمادًا على ارتفاع في مصادر العملة الأجنبية. لكن، قابل ذلك ارتفاع كبير في فواتير الاستيراد وسط تصاعد الأسعار العالمية وانسحاب الاستثمارات الأجنبية، وهو ما وضع الجنيه والاقتصاد المصريين تحت ضغوط أكبر. لذلك، اتخذ البنك المركزي والحكومة الربع الأول من العام الجاري، عدة قرارات تروم، في مجملها، تقييد أغلب الواردات بشكل كبير ومفاجئ، بما في ذلك واردات البذور والتقاوي الزراعية للمحاصيل ومُدخلات الإنتاج اللازمة للصناعة، والتي شملت المنتجات التي تستوردها مصر لصناعة الأعلاف، مثل الذرة الصفراء وفول الصويا.

رويدًا رويدا، بدأت الأزمة تتفاقم، وفقدت الحكومة قدرة توفير أي عملة أجنبية للسماح بدخول الشحنات سلع مستوردة متعددة منها مكونات الأعلاف. اشتعلت الأزمة بعد ظهور مقاطع فيديو 24 لمنتجي الدواجن يعدمون صغار الدواجن التي تُعرف بـ”الكتاكيت” بعدما فشلوا في توفير أعلاف للطيور، بينما ظهرت سوق أعلاف موازية غير رسمية 25 ووصلت أسعارها مستويات غير مسبوقة في مصر. وبدلًا من مساندة الحكومة لقطاع الدواجن، أحد القطاعات القليلة التي اكتفت مصر منها ذاتيًا لسنوات، قررت الضغط على مصنعي الأعلاف ومزارع الدواجن؛ فاستخدمت جزءاً من العملة الصعبة النادرة التي تمتلكها، لا لتوفير أعلاف والحفاظ على أهم مصادر البروتين في سلة الغذاء المصرية، وإنما لاستيراد دواجن مجمدة من الخارج، دون إبداء أي تفسير للمواطنين أو القطاع الخاص على حدٍ سواء.

وطال الضرر كذلك مطاحن الدقيق التابعة للقطاع الخاص، حيث كف 80% 26 منها عن العمل بتوقف تدفق القمح المستورد المعتمد عليه بشكل كامل، ما أدى إلى انخفاض كبير في إنتاج النخالة التي يستخدمها صغار المزارعين علفاً للحيوانات.

ماذا يحمل المستقبل لغذاء المصريين؟

ومع تصاعد أزمة توافر العملة الصعبة، اتجهت الحكومة إلى مزيد من التنازل، وبدأت في بيع أصول 27 تمتلكها في بعض قطاعات إنتاج الغذاء المهمة، لاسيما قطاع الأسمدة.

المثير للقلق هو إمكان إشراك القطاع الخاص في إدارة صناعة بتلك الأهمية، إذ أن القطاع الخاص يهدف للربح، دون اعتبارات أخرى. وهو ما قد يغير من استراتيجيات شركات الأسمدة، والتي تحصل على غاز طبيعي بسعر مُدعم من الحكومة مقابل تخصيص جزء من إنتاجها للسوق المحلي بسعر مُدعم، لمساعدة قطاع الزراعة المصري في النمو.

لم تتغير استراتيجيات دعم السماد بعد، ولكن الحكومة قررت، بعدما باعت أجزاء من حصصها في تلك الشركات 28 ، رفع أسعار الغاز الطبيعي المُباع لمصانع السماد الأزوتية، ما سيؤدي، حسب التقديرات، إلى رفع الأسعار المحلية بنحو 33%، وقد تتطور بعد ذلك إلى نقص في السماد مع بداية الموسم الشتوي.

الأسوأ  أن أكبر أثر لقرار رفع سعر الغاز، وبالتالي أسعار السماد، سيظهر على صغار الفلاحين، نظرًا لاعتمادهم بشكل أساسي على الأسمدة الأزوتية، بينما تميل شركات الاستثمار الزراعي الكبيرة إلى استخدام الأسمدة المُتخصصة.

وبالإضافة إلى الأسمدة، اضطرت الحكومة، في أثناء محاولة مصر الحصول على قرض جديد من صندوق النقد الدولي، إلى الإذعان لمطالبات عالمية متكررة بضرورة الانسحاب من قطاعات اقتصادية متعددة. لتُعلن في وقت لاحق عما أسمته بوثيقة ملكية الدولة 29، حيث تعرض استراتيجيتها للانسحاب من بعض القطاعات خلال ثلاثة سنوات، بما فيها قطاع الثروة الحيوانية والاستزراع السمكي، والحبوب ما عدا القمح، وتخفيض استثماراتها في قطاع الألبان لاحقًا.

تقليص التواجد الحكومي مقابل الاستثمارات الأجنبية

تمثل وثيقة ملكية الدولة التي تبنتها الحكومة أحد أهم أعمدة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي الرامية إلى لحصول على قرض جديد لم يُعلن عن مبلغه بعد. وفضلا عن الانسحاب من بعض القطاعات، تشير تصريحات المسئولين إلى نيتهم في انتهاج سياسات تقشفية تتضمن إعادة هيكلة أنظمة دعم السلع للشرائح الأكثر هشاشة، بفعل ما شكل الدعم من أزمة للحكومات المتتالية، أي من عبء كبير على موازنتها العامة، دفعتها، عادة إلى لاستدانة عوض الاستثمار في القطاعات الحيوية المصرية لتعزيز أمن مصر وسيادتها الغذائية.

وتكمن المشكلة الأساسية في الحصول على قرض جديد في شروطه النيوليبرالية، المؤدية إلى مزيد من الاعتماد على الأسواق العالمية والنظام الاقتصادي العالمي، بما يعنيه ذلك في إغفال أهمية أمن مصر الغذائي الكفيل  لتوفير غذاء آمن وصحي وكاف ومناسب لجميع السكان، والقضاء على بعض المشكلات الصحية وأمراض الغذاء ومشكلات سوء التغذية والتقزم والسمنة التي تصيب ثلاثة أطفال من كل أربعة في مصر.

اضطرت الحكومة، في أثناء محاولة مصر الحصول على قرض جديد من صندوق النقد الدولي، إلى الإذعان لمطالبات عالمية متكررة بضرورة الانسحاب من قطاعات اقتصادية متعددة.

ليس إلغاء الدعم أمثل طريقة لإعادة توزيع موارد الدولة. بل على العكس، فالدراسات 30 تشير إلى أن تبني سياسات شاملة، بما فيها أنظمة الدعم، قد يكون هو الحل الأفضل.

تؤكد الدراسات 31 على أن الحل يكمن في تعديل التوزيع الأولي للموارد من خلال رفع الحد الأدنى للأجور، وشموله جميع الفئات، وتعميم نظام الحماية الاجتماعية وتوسيع نطاق خدماته، فضلًا عن اعتماد نظام ضريبي عادل يوزع الأعباء بما يتناسب مع الثروة الفعلية ويضمن إعادة توزيعها لصالح الأقل دخلاً. ويُمكن تحقيق ذلك في الواقع عن طريق دعم الفئات الأفقر في المجتمع، وخاصة المزارعين، لتشجيع أصحاب الحيازات الزراعية الصغيرة، الذي يُعتبر من الوسائل الفعالة لتحقيق الأمن الغذائي.

الدعم قد يستمر… لكن دعم المزارعين فإلى زوال

أحد أهم أسس دعم المزارعين المفتقدة هي توفير الدعم الفني والإرشادي والتدريب لصغار الفلاحين الذين لا يملكون تكلفة توظيف خبير زراعي للتعامل مع آثار التغيرات المناخية التي لم يعتادوها. وهو ما أصبح مستحيلا بعد أن انخفضت 32 أعداد المرشدين الزراعيين التابعين لوزارة الزراعة في مصر بنسبة 99.7%. وعلى جانب آخر تظهر أولوية الحفاظ على البذور الأصلية وتطويرها محليًا، وهو ما يقتضي زيادة ميزانية مراكز البحوث الزراعية التي تشكو من الإهمال وانخفاض الدعم بشكل مخجل، وإعادة صياغة اشتراك مصر في اتفاقية الـ UPOV، لتمكين صغار المزارعين من الاستفادة من بذور ذات إنتاجية أفضل في سبيل تعزيز أمن المصريين الغذائي.

يتطلب تحقيق ذلك، معالجة تدهور أوضاع الفلاحين الاقتصادية، وحماية صغار الفلاحين ودعمهم لمواجهة الصدمات المماثلة، وتشجيعهم على الزراعة بعرض أسعار استرشادية عادلة قبل الموسم الزراعي، وتوفير مستلزمات الإنتاج بسعر جيد.

بخلاف ذلك، لم تُفعل الحكومة حتى الآن صندوق التكافل الزراعي الذي أسسته منذ سنوات لتعويض الفلاحين في حالة الخسائر والكوارث، والذي تظهر أهميته حاليا، لتمكين الفلاحين من تحمل الخسائر الضخمة في المحاصيل، والتي باتت تتكرر بفعل تغيرات المناخ والتقلبات الطقسية الحادة.

تظهر السياسات الليبرالية المتواصلة في العقود الثلاثة الأخيرة في مصر في تحول الزراعة إلى قطاع يخدم كبار الملاك والشركات الكبرى، مع انخفاض دور المزارع الصغير في هذه المنظومة، أو محاولة توجيهه لخدمة سياسات تستهدف دفع التصدير. هذه السياسات أسقطت المزارعين الصغار في فقر شديد تراكم مع انخفاض العائد الزراعي عامًا بعد آخر، ليهدد مهنة الزراعة ومستقبلها في مصر.

ندى عرفات، صحفية/ مصر


  1. https://reut.rs/3UOd4sB
  2. https://reut.rs/3Ejtjqy
  3. https://jipim.journals.ekb.eg/article_231022.html
  4. https://elbashayer.com/19391/10846/
  5. https://www.almasryalyoum.com/news/details/2328789
  6. https://www.madamasr.com
  7. https://www.elwatannews.com/news/details/6005536
  8. https://www.youtube.com/watch?v=tydogHGXN6s&ab_channel=TeNTV
  9. https://archive.unescwa.org/file/110178/download?token=FMPir_n9
  10. https://archive.unescwa.org/file/110178/download?token=FMPir_n9
  11. https://www.vetogate.com/2200883