لماذا تعثر التصنيع في المغرب: قراءة في تاريخ السياسات الصناعية



يتناول هذا المقال موجزا تاريخيا للسياسات الصناعية التي جرى تبنيها في المغرب في الفترة الممتدة من ما بعد الاستقلال السياسي (1956) إلى نهاية تسعينيات القرن العشرين، مع جرد مكاسب تلك السياسات وكبواتها، والسياق السياسي والاجتماعي والدُّولي التي جرى تبنيها في إطاره، ثم تقييم لتلك السياسات.

ورث المغرب عن الاستعمار اقتصادا متخلفًا يعتمد على الفلاحة والاستخراجية (المعادن)، وتابعا يلبي احتياجات المتربول الاستعماري. بعد الاستقلال كان هَمُّ الملكية الأول هو ترسيخ سلطتها السياسية، في وجه حركة وطنية برجوازية (حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية). لذلك كانت المَلكية متخوفة من تصنيع سريع للبلد، كونه سينشئ طبقة برجوازية قوية تفرض شروطها على المَلكية.[1] وفي المقابل، حاول يسار الحركة الوطنية (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية) بناء اقتصاد وطني مستقل (بموجب مخطط خماسي قائم على التصنيع وإصلاح زراعي، وعملة وطنية ومؤسسات اقتصادية وطنية) متبنيًا خطة اقتصادية قائمة على تدخل قوي من الدولة، وهو ما كان شائعًا بعد الحرب العالمية الثانية في جميع أنحاء العالم الرأسمالي مع مفهوم دولة الرفاهية، وكان عبد الرحيم بوعبيد (وزير الاقتصاد الوطني في حكومة عبد الله إبراهيم 1959- 1960) متأثرا بالكينزية وحاول أن يجعلها ملائمة لظروف البلاد النامية الفتية باستخدام وظائف الدولة الاقتصادية كأداة لتحديث المجتمع وعقلنة العلاقة بين الدولة والمجتمع.[2]

كان الصراع الاقتصادي الرئيسي بين يسار الحركة الوطنية والمَلكية قائمًا حول القطاع الذي يجب أن تعطى له الأولوية: التصنيع (يسار الحركة الوطنية) أم الفِلاحة (المَلكية)، وقد فاز الأخير. كان الاختيار سياسيًا بالدرجة الأولى لأن القاعدة الاجتماعية الداعمة للملك، آنذاك، كانت موجودة في الريف، فكبحت المَلكية كل ما من شأنه أن ينال من وضعيات الأعيان القرويين الاقتصادية، وكذا كل ما يمكن أن يبدو وكأنه أمر يعبر عن بدايات طلائعية ما لبعض الإصلاحات الأوسع في البنيات الهيكلية.[3]

في بداية ستينيات القرن العشرين، وبعد إرساء المَلكية لحكمها وهزيمة يسار الحركة الوطنية، تبنت الليبراليةَ الاقتصادية وانحازت للغرب. ولكن تهرَّبَ أرباب العمل المغاربة من الاستثمار المنتِج [4] وتفضيلهم الاستثمارات قصيرة الأجل والمكاسب الرأسمالية من المضاربة العقارية،[5] دفع المَلكية إلى العودة إلى سياسة التخطيط الخماسي، وتولت مهمة مدِّ البلد ببنية تحتية صناعية، مقتصرة على الصناعات الاستهلاكية الخفيفة. اصطدمت الدولة آنذاك بمعضلة التمويل، وكان ذلك فرصة تدخُّل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، اللذين فرضا اقتصادا قائما على الفلاحة والسياحة. أشارت إلى ذلك جمعية أطاك المغرب في مذكرتها حول وثيقة “النموذج التنموي الجديد” بقول: “كانت أولى توصيات البنك العالمي وصندوق النقد الدولي في بدايات 1960 متمحورة حول ضرورة اعتماد المغرب على الفلاحة التصديرية كركيزة أساس لـ”النموذج التنموي” بعد الاستقلال وتمويله عبر القروض. وهذا ما زج بالبلد في دوامة المديونية بعد عجزه عن تسديد خدمات الدين في نهاية 1970″.[6]

في بداية ستينيات القرن العشرين، وبعد إرساء المَلكية لحكمها وهزيمة يسار الحركة الوطنية، تبنت الليبراليةَ الاقتصادية وانحازت للغرب.

ورث المغرب عن الاستعمار صناعةً ممركزة أساسًا في الدار البيضاء، تتجمع فيها الصناعات الفولاذية والميكانيكية والكهربائية والفلاحية والغذائية وصناعات النسيج. واعتمدت الدولة لإنماء رأسمالية محلية على أدوات مثل “إحلال الواردات”[7] و”الحمائية” و”سياسة المغربة”.

1.1. إحلال الواردات

كان إحلال الواردات من أولى استراتيجيات ما بعد الاستعمار التي جرى تبنيها. وشملت الإنتاج المحلي للمنتجات التي كانت تُستورَد في السابق. وكان هدفها الرئيسي هو الحد من الاعتماد على البلدان المتقدمة من خلال تطوير النشاط الصناعي الوطني القائم على السوق المحلية. كان الهدف من هذه السياسة هو إنشاء قاعدة إنتاجية قادرة على خفض حصة الواردات في العرض الإجمالي.[8]

أعطت الدولةُ الأولويةَ لإحلال الواردات بين سنوات الاستقلال الأولى إلى سنة 1972. ركزت هذه السياسة على الصناعات التحويلية الخفيفة (الغذائية والنسيج)، واعتمدت على آليات مثل وسائل الاحتراز الجمركي والتحفيز والاستثمار العمومي،[9] وركزت على القطاعات التي اعتبرَتها ذات التأثير الإيجابي الأكبر على النمو الاقتصادي، لذلك أُعطيت الأولوية لـ”الصناعة الغذائية“ و”المنسوجات والجلود“، المعروفة باسم”الصناعات الخفيفة“، والتي كانت موجهة أساسًا نحو تلبية الطلب المحلي. وفي الحقيقة لم يكن ذلك أفضلية مختارة، بل احترامًا لحصة المغرب في القسمة الدولية للعمل، وعجزًا عن الاستثمار في الصناعات الأخرى (الثقيلة والتجهيزية) التي تحتكرها البلدان الصناعية المتقدمة وتمنع بلدان الجنوب من التخصص فيها.

كان من المفترض أن تساعد هذه الآلية على إرساء بنية صناعية محلية مستقلة؛ فقد كان مقررًا حسب رواد هذا التوجه الصناعي أن تظهر فوائده على ثلاث مراحل: تمثلت المرحلة الأولى في استيراد السلع الرأسمالية (أي المعدات والآلات التي تدخل في دورة إنتاج سلع نهائية أو استهلاكية أو خدمات) والمواد الخام لتصنيع السلع الاستهلاكية. وتمثلت المرحلة الثانية في إنتاج المزيد من السلع الاستهلاكية، مع البدء في إنتاج الآلات الأساسية والمنتجات الوسيطة عن طريق استيراد السلع الرأسمالية. وأخيرًا، كانت المرحلة الثالثة تهدف إلى تطوير إنتاج السلع الرأسمالية. وهي حلقة لم يقدَّر لها أن تكتمل في جل بلدان العالم الثالث،[10] ولم تكن أصلا في الحسبان بالنسبة لحاكمي بلد مثل المغرب.

أثار تقييم هذه الآلية نقاشات عديدة، لكن هناك اتفاق على أنها حققت نتائجا إيجابية؛ إذ كان النمو ”الأسرعُ“ (11% كمعدل سنوي) خلال العقد الذي شهِد تفضيل إحلال الواردات. وكانت الواردات من السلع الاستهلاكية تمثل %10 في نهاية الستينيات،[11] لكن هذا الانخفاض كان لصالح ارتفاع الواردات من السلع الرأسمالية؛[12] ما رفع حجم العجز التجاري، وكان الرأسمال الأجنبي يهيمن على قسم من مقاولات السلع الاستهلاكية؛ ما حرم الشركات المحلية من تحسين قدرتها التنافسية. وأقرت وثيقة المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية (2014):

“فشَل المغرب، رغم سياسة إحلال الواردات، في زيادة حصة الإنتاج الوطني في العرض الإجمالي للسلع المصنعة، ولم يكن هناك تحول في عملية الإنتاج في مرحلة ما قبل الإنتاج… وفي نهاية السبعينيات، لم يكن المغرب يغطي سوى 10% من احتياجاته من المعدات الرأسمالية و47% من المعدات الكهربائية والإلكترونية”.[13]

أما عن سبب الفشل ذاك فقد نًسبته في نفس الوثيقة إلى فشل القطاع الخاص، على الرغم من الحوافز المقدمة، وجرى التخلي عن هذه طموحات التنمية الصناعية تلك، كما نُسِب الفشل إلى الآثار الضارة لـ”الحمائية”!

1.2. السياسة الحمائية

حسب المتعارف عليه في التاريخ الاقتصادي شكلت الحمائية شرطًا ضروريًا للتنمية، وقد استخدمتها أغلب البلدان المتقدمة خلال مراحل حرجة معينة من التصنيع. أورد إدواردو غاليانو، في كتابه “الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية”، تصريحًا معبرًا للرئيس الأمريكي يوليسيس غرانت (حكم 1869-1877):

“لقد اعتمدت إنجلترا لقرون على الحمائية، بل ومضت بها إلى أقصى حد، وكسبت من ورائها نتائجًا مرضية. وهي مدينة بقوتها الحاضرة لهذا النظام دون شك. ووجدت إنجلترا بعد قرنين، أنه لمن المناسب اعتماد مبدأ حرية التجارة لأنها ترى أن الحمائية لم يعد بوسعها أن تعود عليها بشيء. حسنا إذا، أيها السادة، إن معرفتي ببلادي تدفعني إلى الاعتقاد بأن أمريكا سوف تعتمد هي الأخرى مبدأ حرية التجارة، ولكن بعد قرنين، عندما تكون قد كسبت من الحمائية كل ما يمكنها منحه”.[14]

لكن، حسب غاليانو، فالبلدان الغنية، الداعية إلى التجارة الحرة، تطبق أشد سياسات الحمائية ضد البلدان الفقيرة، وتمنع هذه الأخيرة من تنفيذ نفس الإجراءات.

في المغرب كانت الحمائية مكمِّلة لسياسة إحلال الواردات، واستهدفت تشجيع ظهور قطاع خاص مغربي وحمايته.[15] جرت حماية جميع هذه القطاعات التي ركزت عليها سياسة إحلال الواردات من المنافسة الدولية عبر تدابير تمثلت، حسب وثيقة تقييمية لخمسين سنة من التنمية صادرة عن الدولة سنة 2005، في تشجيع تنمية الصناعة الوطنية، مرتكزة في مرحلة أولى على دعم صناعة إحلال الواردات، واستهداف تدابير الحماية الجمركية، وتعديل ثمن دخول السلع المستورَدة، التي تنافس المنتوجات المحلية، مع إحداث تعريفة جمركية تفضيلية تُخضِع، ولو نسبيًا، عتادَ التجهيزات للرسوم، والمواد الأولية والمنتوجات شبه المحوَّلة، عكس ما هو عليه الحال بالنسبة لمنتوجات الاستهلاك، التي تتحمل رسومًا جمركية مرتفعة نسبيا، من شأنها الإسهام في تنمية مواد الاستهلاك الجارية. وجرى تعزيز هذه الحماية الجمركية بأنواع من المراقبة المباشرة على تدفقات السلع المستورَدة (حظر تام على بعض المواد، وتحديد الحصص، ومنع استيراد بعض السلع بأثمان تقل عن الثمن الأدنى المحدد مسبقا).[16]

أدت هذه السياسة إلى ظهور ما يُطلَق عليه “أبطالًا وطنيين”، وهم أقطاب احتكارية (أمنيوم شمال أفريقيا ONA، الخطوط الملكية الجوية، اتصالات المغرب، سوناسيد، المجمع الشريف للفوسفاط (OCP)… إلخ). لكن هناك تقييمات حول حدود هذه السياسة في الإسهام في تحوُّل هياكل المغرب الإنتاجية. فأمام عائق محدودية السوق الداخلية،[17] اضطرت الدولة إلى تشجيع الصناعات الموجَّهة نحو التصدير، ولأن هذه تحتاج إلى قوة تنافسية في السوق الدولية، فقد اضطرت الدولة إلى إحداث تحفيزات عديدة، ضمنها أنظمة اقتصادية خاصة بالجمارك، تستهدف منح إعفاء على الرسوم الجمركية بالنسبة للمواد الأولية والسلع الرأسمالية الوسيطة المستورَدة، والتي ستُدمج في تصنيع المنتوجات الموجَّهة نحو التصدير. وذهب تقييم آخر، إلى أن الحماية المفرطة تؤدي إلى قتل المنافسة عبر دعم شركات غير قابلة للبقاء، ولا تشجع الشركات على الاستثمار في تطوير القدرات التكنولوجية المحلية، على عكس المنافسة الدولية التي تُجزي الشركات القادرة البقاء والنمو بينما تقصي من السوق الشركات غير القادة على الصمود.[18]

جرى التخلي عن السياسة الحمائية مع برنامج التقويم الهيكلي بدءًا من 1983، فحسب مريام كاتوس “إذا كان %38 فقط من الواردات حرة في عام 1983، فقد وصلت إلى %90 في عام 1995”.[19]

1.3. قانون “مغربة الشركات”

اصطدم طموح إنشاء صناعة محلية بهيمنة الرأسمال الأجنبي (الفرنسي أساسًا) على قسم مهم من الصناعة المغربية. لذلك، وإلى جانب آليتي إحلال الواردات والحمائية، تبنت الدولة في 2 مارس 1973 “قانون المغربة”، أيْ مغربةُ المقاولات التي كانت سابقًا بيد الأجانب.

حسب الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي، تضمن هذا القانون لائحتين للأنشطة الخاضعة لـ”المغربة”، يتم بموجبه الحرص على نقل على الأقل %50 من رأسمال شركات تلك الأنشطة إلى أشخاص طبيعيين أو اعتباريين مغاربة. شملت اللائحة الأولى البناء والأشغال العمومية والتجارة والنقل والصناعات الغذائية وصناعة السيارات والأسمدة، وكذا بعض الخدمات. فيما شملت اللائحة الثانية أساسًا البنوك وشركات التأمين وبعض الأنشطة التجارية والصناعية غير الواردة في اللائحة الأولى (المطاحن والجلد والمعدات الكهربائية).[20]

أورد نجيب أقصبي حصيلة هذه العملية، واصفًا إياها بالمخيبة للآمال:

“أولا مقارنة مع أهدافها، حيث إن أقل من نصف المقاولات المعنية تمت مغربتها (باقي المقاولات إما توقفت عن النشاط وإما غيرت نشاطها للإفلات من القانون، إن لم تعفِها من ذلك اللجنةُ المكلفة بالعملية). ثم لأن واقع السلطة داخل المقاولات غالبًا ما ظل “خارجيًا”[21]، لا سيما بعد السماح للشركات الأجنبية التي تمت مغربتها حديثًا بأن تقوم بمغربة شركات أخرى (بفضل سلسلة المساهمات المتدرجة واللجوء إلى شركات أو أشخاص صوريين). وأخيرًا، عوض المساهمة في خلق طبقة متوسطة من المقاولين المغاربة القادرين على الأخذ بزمام اقتصاد البلاد، عاين المتتبعون أساسًا استحواذ قلّة من “العائلات الكبرى”، تلك التي تمكنت من الاستفادة بحكم قربها من السلطة السياسية وارتباطاتها بالممولين والشركاء الأجانب، على جزء كبير من رصيد المغربة”[22].

وبعد تطبيق برنامج التقويم الهيكلي، ألغت الدولة قانون المغربة.[23] ثم شرَعت الدولة منذ سنة 1993 في مسلسل خصخصة المؤسسات العمومية، بهدف توسيع حقل نشاط القطاع الخاص، وعاد الاستثمار الأجنبي من الأبواب المُشرعة للخصخصة، ليستعيد ما أفلت من يديه بسبب تلك السياسة.

يقدم لنا إدواردو غاليانو حصيلة مشابهة في المكسيك، حيث قامت الدولة هناك أيضا بـ”المَكْسَكَة”:

“إن'”المكسك'” الإلزامية لرأس المال والتي يتعين بموجبها على الرعايا المكسيكيين حيازة غالبية الأسهم في بعض الصناعات، تعد، وفقا لما ذكره وزير الصناعة والتجارة محل استقبال طيب بوجه عام من جانب المستثمرين الأجانب، الذين اعترفوا علانية بوجود مزايا مختلفة في إنشاء مشاريع مختلطة”. وأردف يقول: “يجب التنويه بأن المشاريع الشهيرة على المستوى الدولي قد تبنت هي نفسها ذلك الشكل للمشاركة في الشركات التي أنشأتها المكسيك، كما يجب التأكيد على أن السياسة الخاصة بمكسكة الصناعة ليس فقط لم تؤد إلى تثبيط الاستثمار الأجنبي في المسكيك، بل إن تدفق الاستثمارات بعد هذا قد تجاوز رقما قياسيا في عام 1965، كما أن حجم الاستثمارات الذي تحقق في ذلك العام قد تم تجاوزه مرة أخرى في عام 1966”.[24]

لتطبيق السياسات الواردة أعلاه، استفادت الدولة المغربية من صعود أسعار الفوسفاط في السوق العالمية، واستمرت في سياسة التخطيط، وأنشأت سياسة صناعية قائمة على حمائية انتقائية وإحلال الواردات، مع الاهتمام بالتصدير، خاصة إلى المجموعة الأوروبية حديثة النشأة آنذاك.

اصطدم هذا المسار بتغيرات عالمية في منتصف السبعينيات (صدمة النفط، وانخفاض أسعار الفوسفاط)، ومحلية (تكاليف حرب الصحراء الباهظة).[25] وفي بداية الثمانينيات تفجرت أزمة المديونية، وفرضَ صندوق النقد الدولي برنامج التقويم الهيكلي سنة 1983.

انتقل المغرب من سياسة إحلال الواردات والحمائية الجزئية، إلى استراتيجية قائمة على التصدير وتأهيل المقاولة المغربية للتنافس في السوق العالمية وما واكبه من انفتاح تجاري. في هذه المرحلة انخرط المغرب في مشاورات الاتفاق العام بشأن التعريفات الجمركية والتجارة (الغات) سنة 1987 وأصبح عضوًا في منظمة التجارة العالمية التي انعقد مؤتمرها التأسيسي في مراكش سنة 1995.

بلغت موجة الخصخصات الكبرى مدى كبيرا، وأعلنت الدولة انسحابها من القطاعات الإنتاجية.[26] حسب مريام كاتوس مثلت الـ 114 شركة التي طُرحت للخوصصة سنة 1989 نسبة %40 من محفظة الدولة، وشملت قائمة الشركات الصناعية الكبرى في البلاد (لا سيما في قطاعات الأسمنت والصلب والبترول والفوسفاط والتعدين)، بالإضافة إلى أربعة من البنوك الرئيسية وشركات التأمين وشركات التمويل وشركات الخدمات. كما جرى توسيع نطاق الخصخصة بشكل خاص في مجال الخدمات العامة (البريد والاتصالات، والنقل، والمسالخ، وشركات المياه والكهرباء المملوكة للدولة، وما إلى ذلك).[27]

كانت حصيلة التثبيت الاقتصادي وبرنامج التقويم الهيكلي كارثية؛ فقد شهد الاستثمار الإجمالي، الذي نما بمعدل 9.8٪ سنويًا في المتوسط خلال الستينيات والسبعينيات، تباطؤًا واضحًا خلال الثمانينيات والتسعينيات، حيث بلغ معدل نموه 4.1٪. ومع ذلك، لم يكن النمو الاقتصادي قوياً ومستداماً طوال هذه الفترة؛ فقد تطور من 3.5٪ سنوياً خلال الستينيات إلى 5٪ بين عامي 1970 و1982، ثم إلى 3.2٪ بين عامي 1982 و2000.[28] (أنظر الجدول (1).

الجدول (1): متوسط النمو الاقتصادي بين سنوات 1960 و2000

الفترةالستينيات1970 و19821982 و2000
متوسط النمو الاقتصادي3.5٪3.2٪

صدر تقرير البنك الدولي سنة 1995، محذرًا من سكتة قلبية تترصد الاقتصادَ المغربي. كانت تلك فترة انتقال الحكم من الحسن الثاني إلى ولي عهده محمد السادس، واستسلام ناجز للمعارضة الليبرالية (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) ودخولها لحكومة الواجهة سنة 1998، وتخليها عن كل طموحٍ لبناء اقتصاد وطني.

بعد تولي محمد السادس الحكم سنة 1999، جرى التخلي رسميًا عن “التخطيط الخماسي” سنة 2003، وتعويضه باستراتيجيات قطاعية ابتداءً من سنة 2005. كان هدف هذه الأخيرة، ضمان الإقلاع الصناعي للبلد واستهداف الأسواق الخارجية (الأوروبية بالخصوص)، اعتمادًا على “المهن العالمية”، أي صناعة السيارات والطيران والإلكترونيات، وأعلِن الاستثمار الأجنبي وسيلة بلوغ ذلك، من أجل إحداث تحول هيكلي في النسيج الاقتصادي المغربي وتنويعه.

كانت هذه نهاية حقبة وبداية أخرى، لكن مع خيط من الاستمرارية، عبرت عنه مريام كاتوس بقول:

“التحولات التي طرأت على القدرات الاقتصادية للدولة المغربية في مواجهة التحرير السريع لاقتصادها… لا تشير إلى عودة السوق و”انسحاب الدولة“، بقدر ما تشير إلى تنويع وإعادة توزيع السلطة العامة من خلال تقنيات وطرائق جديدة لإدارة النشاط الاقتصادي…”.[29]

فالهدف ظل هو نفسه: استعمال السياسة الاقتصادية لدعم الرأسمال الخاص. فإذا كان تدخل الدولة في الديناميات الاقتصادية، في النصف الأخير من القرن العشرين، في مجمله نيابةً عن قطاع خاص مغربي صغير وعاجز عن الاستثمار، فإن الاستراتيجيات القطاعية للعقد الأول من القرن الواحد والعشرين، كانت موجَّهة لإسناد رأسمال محلي كي يستطيع الصمود أمام المنافسة الدولية في ظل العولمة الرأسمالية. ورغم العقيدة النيوليبرالية، لم ينخفض الاستثمار العمومي ولا تقلَّص إنشاء المقاولات والمؤسسات العمومية بل شهدا ارتفاعًا كبيرًا، لكنهما لم يكونا موجَّهين للحلول محل القطاع الخاص، بل لإنشاء بنية تحتية جبارة توضع في خدمته، ولتأسيس مقاولات ومؤسسات عمومية يُسنَد تدبيرُ أنشطتها للقطاع الخاص، عبر عقود “التدبير المفوَّض” و”شراكة قطاع عام- قطاع خاص”.[30]

أوردنا بعض التقييمات أعلاه لفشل سياسات “إحلال الواردات” و”الحمائية” و”المغربة”، لكنها تنطوي على تفسيرات جزئية (التركيز على الآليات بحد ذاتها)، دون وضعها في سياقها العام، باستثناء إسهام نجيب أقصبي، الذي أشار إلى دور الاحتكارات الاقتصادية المسنودة باحتكار المَلكية السياسي.

كانت حصيلة التثبيت الاقتصادي وبرنامج التقويم الهيكلي كارثية؛ فقد شهد الاستثمار الإجمالي، الذي نما بمعدل 9.8٪ سنويًا في المتوسط خلال الستينيات والسبعينيات، تباطؤًا واضحًا خلال الثمانينيات والتسعينيات.

عرفت اقتصاديات العالم الثالث بعد موجة الاستقلالات تبني السياسات الواردة أعلاه، وقد نجح بعضها نسبيًا وفشل بعضها الآخر، ثم انهدمت تلك السياسات الصناعية كلها تحت وقع الهجمة الرأسمالية المضادة منذ نهاية سبعينيات القرن العشرين، تحت لواء “العولمة النيوليبرالية”. وكان المغرب ضمنها، وإن كان أقلَّها طموحا وسياستُه أبعد من أن توصف بالجذرية، كما شهدتها مثلًا مصر والجزائر وبلدان أمريكا اللاتينية.

يظل أفضل تقييم لتلك التجارب واردًا في كتاب قديم[31] للمؤرخ العراقي عصام خفاجي، حيث كتب:

“إن سلطة الدولة الرأسمالية تأخذ زمام المبادرة في التدخل حيثما عجزت الرأسمالية عن أن تلعب الدور المطلوب منها. وهذه العملية تتفاوت تبعا لمستوى التطور الداخلي والدُّولي للرأسمالية”.

وبالطبع، لا يمكن لإرادة السلطة السياسية، مهما بلغ طموحها، أن تتعدى الشروط التاريخية التي تتحرك في إطارها. والسياسات الصناعية تابعة بالضرورة للإمكانات الاقتصادية والبشرية في البلد لحظة تبنيها، وفي نفس الوقت للتركيب الطبقي السائد داخل البلد والاتجاه الاقتصادي الذي تعبئ، أو لا تعبئ، من أجله تلك الإمكانات. كان اقتصاد المغرب، بعد الاستقلال السياسي، شديد الارتباط بالقطاع الفلاحي، متأرجحًا حسب التقلبات المناخية. وكان القطاع الصناعي الذي خلفته فرنسا وراءها، صغيرا جدا، وموجَّها لتلبية حاجيات المتربول الاستعماري، بينما كانت البرجوازية المغربية في غالبيتها، برجوازية تجارية تقليدية وقسم من الرأسمال المغربي يخشى أي استثمار طويل الأمد، مفضلًا الاستثمارات ذات الربح السريع (الخدمات الصغيرة، والمضاربة العقارية)، بينما فضلت المَلكية الحاكمة احترام قسمة العمل الدولية التي فرضت على البلد التخصص في الفلاحة والمواد الخام.

كانت الأزمة المالية البنيوية مؤشر “ضعف”[32] الإمكانات الاقتصادية التي يمكن تعبئتها لضمان تصنيع للبلد وإحداث تحول هيكلي من اقتصاد فلاحي إلى اقتصاد مصنع. لم يكن ذلك الضعف قدَرًا محتومًا، بل اختيارًا واعيًا؛ فقد تهربت البرجوازية المغربية من تمويل عملية التحويل الهيكلي تلك، لذلك مولتها الدولة عبر المديونية الخارجية والضرائب على الاستهلاك والدخل. عمقت الأولى تبعية الاقتصاد المغربي والدولة للمانحين الأجانب، بينما ضيقت الثانية نطاق السوق المحلية التي تشكل أحد الشروط اللازمة لإطلاق التصنيع. وظل الاقتصاد المغربي مرتبطًا بالاقتصاد الأجنبي تمويلًا وتصديًرا، ولا تزال هاتان السمتان غالبتان إلى الآن.

أحد الأسباب الأخرى التي أدت إلى فشل التصنيع بالمغرب ترتبط بعجز القطاع الحكومي/ العام عن توجيه تلك العملية، لا بسبب ضعف مساهمته الكمية في الاستثمار أو الناتج، بل بسبب كون القطاعات، التي اتجهت إليها سيطرة الدولة، عاجزة بالضرورة عن إحدات تغير هيكلي في البنية الإنتاجية المغربية: الفلاحة والخدمات (السياحة بالخصوص)، والسلع الخفيفة الاستهلاكية، وكانت هذه الأخيرة في حاجة إلى السلع الرأسمالية، التي جرت تلبيتها عبر الاستيراد، ما عمق عجز الميزان التجاري، وأعاد إنتاج علاقات التبادل اللامتكافئة التي أرساها الاستعمار. أعاقت تلبيةُ حاجيات الصناعة المحلية عبر المستوردَات الأجنبية إمكانَ إسهام المشتريات العامة في بناء قطاع صناعي محلي/ وطني، خصوصًا أن التبعية لمركز بعينه (فرنسا في حالة المغرب آنذاك) كانت تفرض شروط شراء مجحفة، بدل تنويع الشركاء التجاريين الذي يتيح هامشا أكثر لتوطين التكنولوجيا. وكان ذاك التنويع في الشركاء التجاريين (خصوصا مع دول الجنوب الأكثر تطورا من المغرب، ومن البلدان المسماة اشتراكية) من شأنه الدفع بإحلال تصنيع تلك المستوردات من السلع الرأسمالية، بدل الاقتصار على إحلال المستورَدات الاستهلاكية.[33]

تهربت البرجوازية المغربية من تمويل عملية التحويل الهيكلي من اقتصاد فلاحي إلى اقتصاد مصنع، لذلك مولتها الدولة عبر المديونية الخارجية والضرائب على الاستهلاك والدخل.

يشكل الفائض الاقتصادي الذي تمركزه الدولة رافعة مهمة للاستثمار الصناعي، لكن هذا الأخير يتسرب إلى الخارج عبر الشركات الأجنبية التي ظلت مهيمنة على قسم من القطاع الإنتاجي بالمغرب (رغم سياسة إحلال الواردات وقانون “المغربة”)، وعبر مشتريات السلع الرأسمالية والتبادل اللامتكافئ. وظلت الدولة عاجزة عن التحكم في التكنولوجيا – الشرط اللازم الآخر لكل عملية تصنيع – وأسلوب التصرف بها بما يتلاءم وحاجات التنمية المحلية. وكما قال إدواردو غاليانو، في تقييمه للتجربة الأرجنتينية في ظل حكم بيرون:

“لم تدرك الدولة في الوقت المناسب أنها إذا لم تساعد على خلق تكنولوجيا خاصة بها، فإن سياستها القومية سوف تحاول التحليق بأجنحة مقصوصة”.[34]

كانت آلية إحلال الواردات المنفَّذة في المغرب خجولة جدًا وبعيدة عن المفهوم كما جرت صياغته وتنفيذه في مناطق أخرى من العالم الثالث. استراتيجية إحلال الواردات كما جرى تطبيقها في التجربة التاريخية لأمريكا اللاتينية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، وإلى عمل اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي في خمسينياته، كان مضمونها هو تلبية الطلب المحلي بالاستعاضة عن المنتجات المستورَدة بتنمية الإنتاج المحلي. وهدفت نظرية اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي إلى توسيع نطاق هذه العملية على التوالي لتشمل جميع قطاعات الصناعة عن طريق خلق “قطيعة” مع المركز.[35] لكن ما نفذته الدولة المغربية كان بعيدًا تمامًا عن هذه الروح؛ إذ اقتصر فقط على السلع الاستهلاكية المستورَدة دون تحقيق إحلال كلي للواردات، كما لم تسعَ قط إلى إحداث قطيعة مع المركز، بل كانت سياساتها الاقتصادية قائمة على تعزيز الارتباط به.

هاجمت الأيديولوجية النيوليبراليةُ، كل تدخل حكومي في الاقتصاد، وجرى وصم القطاع العام بالعجز، في حين مُدح القطاع الخاص ورُفعت السوق إلى ذرى المثالية. وكانت العجوزات المالية والفشل التقني للقطاعات الحكومية/ العمومية إحدى الحجج التي يُستدَل بها. لكن ما أغفلته هذه الحجة هو أن عجز قطاع اقتصادي معين هو، بالضرورة، فائض لقطاع آخر. وهذه محاكمة قديمة، وردت في كتاب عصام خفاجي المنوه به أعلاه، واستعادها “تقرير التجارة والتنمية” الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) سنة 2013:

“إن الانخفاض (أو الزيادة) في عجز القطاع العام يظهر إما كخفض (أو زيادة) في فائض القطاع الخاص… ولم يكن ذلك يمثل مشكلة في حد ذاته: فمن الطبيعي أن تتراكم فوائض لدى القطاع الخاص، حيث إن هدفه المفترَض هو تراكم الثروة”.[36]

لذلك، لا يمكن عزو فشل القطاع العام إلى كونه قطاعًا عامًا، فهذا تفسير للماء بالماء. فالقطاع الخاص يثبت كفاءته على حساب القطاع العام، وكان القطاع الخاص المغربي أثناء اعتماد السياسات أعلاه (إحلال الواردات، والحمائية، والمغربة)، يتغذى من القطاع العمومي، خصوصًا مع الطلبيات العمومية، إلى حد أن وثيقة رسمية صادرة بمناسبة الاحتفال بخمسين سنة من استقلال المغرب، اعترفت بذلك:

“اكتسى دعم الدولة للقطاع الخاص شكل طلبيات عمومية لممتلكات عمومية وخدمات مقتناة لدى مقاولات مغربية خاصة. ولقد بلغت هذه الطلبيات من الأهمية ما مكنها من توجيه تطور تراكم الرأسمال الخاص”.[37]

على كل حال كان هذا هو هدف السياسات الصناعية التي تبنتها الدولة في المغرب في مرحلة ما بعد الاستقلال السياسي، وقد نجحت في تحقيق هدفها: إنماء برجوازية محلية، لكن دون النجاح في مهمة التصنيع والتحول الهيكلي؛ إذ ظل الرأسمال المغربي الصناعي مرتبطًا بالرأسمال الأجنبي عبر التعاقد من الباطن، وحاليا إنشاء المهن العالمية للمغرب (السيارات، الطيران، الإلكترونيك…) اعتمادًا على الاستثمار الأجنبي حصرًا، حيث يُترك للرأسمال المغربي أنشطة التعاقد من الباطن في ذيل سلسلة القيمة (النقل، تزويد بمنتوجات بسيطة، حراسة ونظافة… إلخ).

يستدعي التصنيع شروطًا أخرى لا يجري تناولها إلا لمامًا في الأدبيات الرائجة حاليًا في المغرب، أو يجري استبعادها؛ وهو الشروط الاجتماعية/ الطبقية. فالرأسمال المغربي الخاص مُدرك تمام الإدراك أن شروط اقتحامه للسوق العالمية وتنافسيته منعدمتان، ودولته مرتبطة بسلاسل التمويل والتبعية مع الرأسمال العالمي. لذلك كانت السياسات الصناعية لفترة ما بعد الاستقلال السياسي، موجَّهة لإنماء رأسمال خاص في حدود اختصاصه ضمن قسمة العمل الدُّولية التي أرساها الاستعمار. ولكي يستطيع القطاع العام أن يُحدث طفرة نوعية في التصنيع والتحويل الهيكلي، فإن ذلك يتطلب شروطًا سياسية واجتماعية تُحول الطبيعة الطبقية للدولة ذاتها إلى دولة معادية للطبقات المستفيدة من الوضع القائم، بحيث إن الضغط المتزايد من جانب قطاع خاص يقوي مركزَه مع الزمن يمكن أن يجابَه بإجراءات مضادة لا بتنازلات لصالحه. وكانت الدولة في المغرب، ولا تزال، معبِّرة عن سيطرة قسم من الرأسمال المغربي، أي الرأسمال الكبير الخاص والأعيان القرويين المرتبطين ارتباطًا وثيقًا بالمراكز الاستعمارية القديمة والجديدة، لذلك لم يكن في مصلحتهما إحداث تغير هيكلي في بنية النظام الإنتاجي المغربي. ولا يزال هذا يسم الرأسمال المغربي لحدود الساعة: رأسمال كبير شديد المركزة والتدويل ويغلب عليه المورِّدون الذين يفضلون مراكمة الأرباح من الاستيراد على إنشاء بنية إنتاجية محلية، وشركات كبرى، يُطلق عليها أبطالًا وطنيين، مملوكة للعائلة المَلكية وبطانتها، شديدة الارتباط بدورها بالرأسمال الأجنبي (الأوروبي والخليجي).

لكي يستطيع القطاع العام أن يُحدث طفرة نوعية في التصنيع والتحويل الهيكلي، فإن ذلك يتطلب شروطًا سياسية واجتماعية تُحول الطبيعة الطبقية للدولة ذاتها إلى دولة معادية للطبقات المستفيدة من الوضع القائم.

أصبح المورِدون يشكلون قوة اجتماعية فعلية، ليس في مصلحتها أي تصنيع للبلد. وفي تقييم لسياسات تشجيع الصادرات، كتب نجيب أقصبي:

“أردنا ‘تصدير كل شيء’، وحصلنا على ‘استيراد كل شيء’!”، مشيرا إلى أن معدل انفتاح[38]الاقتصاد المغربي على الاقتصاد العالمي من أعلى المعدلات في العالم (%87).[39]

وفي حوار مع موقع شبكة سيادة، قدم نجيب أقصبي أرقامًا دالة:

 “إن أغلب فاعلينا يفضلون التخصص في الاستيراد وليس التصدير! بناءً على أرقام رسمية، هناك ما يقارب خمسة آلاف مصدِّر. في حين أن المصدِّرين الدائمين وبصفة منتظمة لا يتجاوزون 500 مُصدر. ولكن مقابل هذا، لدينا 25 ألف مستورِد”.[40]

في الجهة الأخرى من الهيكل الاجتماعي، تلقى الفلاحون الصغار ضربة قاصمة منذ بداية الاستقلال السياسي، إذ قضت المَلكية، بتعاون مع الجيشين الإسباني والفرنسي، على ما كان يمكن أن يشكل التعبير السياسي عن الفلاحين الصغار المغاربة؛ أي جيش التحرير الوطني سنة 1958، وفي نفس السنة قمع عنيف لانتفاضة صغار الفلاحين بالريف (منطقة الاستعمار الإسباني سابقا). أتاح هذا للملكية استعمال التركة العقارية الاستعمارية، المكوَّنة من أكثر من مليون هكتار، لتكوين برجوازية زراعية قروية شكَّلت قاعدة اجتماعية للمَلكية في مواجهة أحزاب الحركة الوطنية المدينية. حسب لو باسكون، حُمِّل الفلاح الفقير جزء من تمويل نموذج التنمية الرأسمالي القائم آنذاك:

“أن الضرائب ثقيلة، مع ذلك، على الفلاح الفقير الذي لا يدفع ضرائب مباشرة، وذلك عن طريق نظام الأسعار ونظام الضرائب غير المباشرة. ولو تصدينا لعلاقة الأسعار بالضرائب لرأينا بشكل واضح أن الفلاح هو الذي يدفع ثمن التنمية”.[41]

 بينما كان خفض الضريبة أحد مرتكزات تشجيع الرأسمال الزراعي في المغرب منذ بداية الستينات. في هذا الشأن كتب عمر أزيكي، الكاتب العام لجمعية أطاك المغرب المغرب:

“استفاد القطاع الفلاحي من الإعفاء الضريبي الكامل منذ سنة 1984 بقرار من الحسن الثاني. ابتداء من 2014، اعتمدت الدولة منهجية تدريجية تستجيب لضغوطات كبار الفلاحين، بحيث لم تفرض الضريبة برسم السنة المالية 2014 سوى على الشركات الفلاحية التي يفوق أو يساوي رقم معاملاتها السنوي 35 مليون درهم(تقريبا 3 ملايين و360 مليون يورو)[42]، وإرجاء تلك التي يفوق او يساوي 20 مليون درهم (مليون و920 ألف يورو) إلى فاتح يناير 2016، وتلك التي يفوق أو يساوي 10 مليون درهم(960 ألف يورو) إلى فاتح يناير 2018. ويجب انتظار 2020 حتى تشمل تلك التي يفوق أو يساوي 5 مليون درهم (480 ألف يورو).[43]

أدى كل هذا إلى تقليص إمكانات السوق الداخلية، أحد أهم أساسات كل تصنيع محلي. نفس الشيء بالنسبة للطبقة العاملة، إذ اعتمدت الدولة الأجور المنخفضة، لمساعدة الرأسمال المغربي على التراكم البدئي. وكان هذا بدوره مسنودًا بقمع شديد للحركة العمالية، واستقطاب قممها البيروقراطية وإفسادها.

لن تتمكن أي سياسة صناعية من إحداث التحول الهيكلي والتصنيع، ما دامت الشروط أعلاه قائمة، وهو ما لاحظته العديد من الأدبيات الصادرة حول السياسات الصناعية التي جرى تبنيها في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، المسماة استراتيجيات قطاعية، والمعتمدة على استراتيجية نمو قائم على التصدير و”المهن العالمية للمغرب” (السيارات، الطيران، الإلكترونيك…) والاندماج في سلاسل القيمة العالمية. ولا تزال عوائق التصنيع الموروثة عن النصف الثاني من القرن العشرين ماثلة وعقبة كأداء.

علي أموزاي – المغرب

المقال أعلاه هو القسم الأول من دراسة: “التصنيع الأخضر في المغرب مطامح كبيرة وعوائق أعظم” وعنوانه الأصلي: “رؤية تاريخ السياسات الصناعية بالمغرب”. للاطلاع على الدراسة كاملة: اضغط\ي هنا


[1]- جون واتربوري (2013)، “أمير المؤمنين، المَلكية والنخبة السياسية المغربية”، ترجمة عبد الغني أبو العزم وعبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق، مؤسسة الغني للنشر، الرباط- المغرب، الطبعة الثالثة، ص 434.

[2]-  عبد اللطيف جبرو (1993)، “عبد الرحيم بوعبيد، سيادة الوطن وكرامة المواطن”، الجزء الأول (1941- 1961)، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء- المغرب، الطبعة الأولى، ص 6-7.

[3]- ريمي لوفو (2011)، “الفلاح المغربي المدافع عن العرش”، ترجمة محمد بن الشيخ، منشورات وجهة نظر (2)، الرباط- المغرب، الطبعة الأولى، ص 7.

[4] – غالبا ما يجري التركيز على هذه الحجة لتبرير تخلُّف تصنيع بلدان الجنوب العالمي، لكنها حجة لا تفسر شئيا. نورد هنا الردّ المفحم لعصام خفاجي:

“كان لازدياد مخاطر النشاط التجاري لرأس المال وانخفاض معدل العائد المتوقع منه أثرا مساعدا في تفضيل المستثمر- آنيا- توجيه أمواله نحو قطاع باتت آفاقه أكثر طمأنينة وربحية. ويشكل هذا ردا ضمنيا على الآراء التي تعزو التخلف إلى نقص “روح المبادرة” أو “المغامرة” لدى رأسماليين البلدان المتخلفة، فلا يعدو الأمر أن يكون مرهونا بطبيعة عمل قانون القيمة في البلدان المتخلفة، إذ حيثما كان قطاع ما أكثر عائدا من آخر، فمن غير المعقول أن يتجه أي مستثمر إلى الأخير. فعلى صعيد الأفراد لا يمكن أن نتوقع اتخاذهم لقراراتهم الاستثمارية انطلاقا من حاجات التنمية الاقتصادية (أو معيار الربحية الاجتماعية). وهذا ما يشكل عنصرا إضافيا يدفع بالدولة إلى التدخل، حتى وإن كانت الدولة تتخذ قراراتها الاستثمارية من وجهة نظر النمو الرأسمالي بعيد المدى أي من وجهة نظر (الرأسمال الجماعي). عصام خفاجي (1 يونيو 1979)،”رأسمالية الدولة الوطنية” ، دار ابن خلدون، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى، ص 91.

[5]- Sous la direction de Noureddine El Aoufi et Bernard Billaudot (2019), «Made in Maroc Made in Monde, Volume 1, Industrialisation et développement», CHAPITRE 11- Nicolas Moumni, “Financement du développement industriel”, Recherches menées avec le concours de de l’Académie Hassan II des Sciences et Techniques, revue Critique économique.

[6] – أطاك المغرب (9 سبتمبر 2021)، “مذكرة عامة حول تقرير “اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي”من أجل مغرب آخر ممكن، واقتصاد يقطع مع النموذج الرأسمالي النيوليبرالي”، https://attacmaroc.org/مذكرة-عامة-حول-تقرير-اللجنة-الخاصة-بال/.

[7] – تلبية الطلب المحلي بالاستعاضة عن المنتجات المستوردة بتنمية الإنتاج المحلي… بالارتكاز إلى جرعة معتبرة من الحمائية وتدخل الدولة المنسق بهدف تطوير صناعات ناشئة (إريك توسان (2022)، “البنك العالمي، تاريخ نقدي”، ترجمة أطاك المغرب).

[8]- SEPTEMBRE 2014, M. Azzedine GHOUFRANE, M. Nabil BOUBRAHIMI et M. Adil DIANI «INDUSTRIALISATION ET COMPETITIVITE GLOBALEDU MAROC», L’Institut Royal des Etudes Stratégiques (IRES), https://www.ires.ma/fr/publications/rapports-thematiques/industrialisation-et-competitivite-globale-du-maroc.

[9]- المملكة المغربية اللجنة المديرية للتقرير (2005)، “50 سنة من التنمية البشرية وآفاق سنة 2025-التقرير العام”، الذكرى الخمسينية لاستقلال المملكة المغربية.

[10]- Sous la direction de Noureddine El Aoufi et Bernard Billaudot (2019), «Made in Maroc Made in Monde, Volume 1, Industrialisation et développement», CHAPITRE 6- Safae Aissaoui, Industrialisation et développement : le rôle de l’innovation, Recherches menées avec le concours de de l’Académie Hassan II des Sciences et Techniques, revue Critique économique.

[11]- SEPTEMBRE 2014, M. Azzedine GHOUFRANE, M. Nabil BOUBRAHIMI et M. Adil DIANI «INDUSTRIALISATION ET COMPETITIVITE GLOBALEDU MAROC», L’Institut Royal des Etudes Stratégiques (IRES), https://www.ires.ma/fr/publications/rapports-thematiques/industrialisation-et-competitivite-globale-du-maroc.

[12]- Sous la direction de Noureddine El Aoufi et Bernard Billaudot (2019), «Made in Maroc Made in Monde, Volume 1, Industrialisation et développement», CHAPITRE 6- Safae Aissaoui, Industrialisation et développement : le rôle de l’innovation, Recherches menées avec le concours de de l’Académie Hassan II des Sciences et Techniques, revue Critique économique.

[13]- SEPTEMBRE 2014, M. Azzedine GHOUFRANE, M. Nabil BOUBRAHIMI et M. Adil DIANI «INDUSTRIALISATION ET COMPETITIVITE GLOBALEDU MAROC», L’Institut Royal des Etudes Stratégiques (IRES), https://www.ires.ma/fr/publications/rapports-thematiques/industrialisation-et-competitivite-globale-du-maroc.

[14]- إدواردو غاليانو (2016)، “الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية”، ترجمة علاء شنانة، دار طوى للثقافة والنشر والإعلام، لندن- المملكة المتحدة، الطبعة الأولى، ص 296.

[15]- Alain Piveteau, Khadija Askour et Hanane Touzani, «Le Maroc industriel dans la mondialisation : Processus, parcours et acteurs Alain Piveto», https://horizon.documentation.ird.fr/exl-doc/pleins_textes/divers20-12/010080697.pdf.

[16]- المملكة المغربية اللجنة المديرية للتقرير (2005)، “50 سنة من التنمية البشرية وآفاق سنة 2025- التقرير العام”، الذكرى الخمسينية لاستقلال المملكة المغربية.

[17]- المرجع السابق.

[18]- Sous la direction de Noureddine El Aoufi et Bernard Billaudot (2019), «Made in Maroc Made in Monde, Volume 1, Industrialisation et développement», CHAPITRE 6- Safae Aissaoui, Industrialisation et développement : le rôle de l’innovation, Recherches menées avec le concours de de l’Académie Hassan II des Sciences et Techniques, revue Critique économique.

[19]- Myriam Catusse (10 Jan 2011), «Morocco’s political economy: Ambiguous privatization and the emerging social question», HAL Id: halshs-00553994 https://shs.hal.science/halshs-00553994v1.

[20]- نجيب أقصبي (أبريل 2024)، “الاقتصاد المغربي تحت سقف من زجاج، من البدايات إلى أزمة كوفيد-19″، ترجمة نور الدين سعودي، المجلة المغربية للعلوم السياسية والاجتماعية – عدد 36، سلا – المغرب، ص 60.

[21]- أي أن الرأسمال الأجنبي احتفظ بسلطته داخل المقاولات رغم عملية “المغربة”.

[22] – نجيب أقصبي (أبريل 2024)، “الاقتصاد المغربي تحت سقف من زجاج، من البدايات إلى أزمة كوفيد- 19″، ترجمة نور الدين سعودي، المجلة المغربية للعلوم السياسية والاجتماعية- عدد 36، سلا- المغرب، ص 69- 70.

[23]- المملكة المغربية اللجنة المديرية للتقرير (2005)، “50 سنة من التنمية البشرية وآفاق سنة 2025- التقرير العام”، الذكرى الخمسينية لاستقلال المملكة المغربية.

[24]- إدواردو غاليانو (2016)، “الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية”، ترجمة علاء شنانة، دار طوى للثقافة والنشر والإعلام، لندن- المملكة المتحدة، الطبعة الأولى، ص 32.

[25]- المملكة المغربية اللجنة المديرية للتقرير (2005)، “50 سنة من التنمية البشرية وآفاق سنة 2025- التقرير العام”، الذكرى الخمسينية لاستقلال المملكة المغربية.

[26]- المرجع السابق.

[27]- Myriam Catusse (10 Jan 2011), «Morocco’s political economy: Ambiguous privatization and the emerging social question», HAL Id: halshs-00553994 https://shs.hal.science/halshs-00553994v1.

[28]- Haut  Commissariat  au  Plan (Janvier 2016), «Etude sur le Rendement du Capital Physique au Maroc», https://www.hcp.ma/attachment/2235607/.

[29]- Myriam Catusse (10 Jan 2011), «Morocco’s political economy: Ambiguous privatization and the emerging social question», HAL Id: halshs-00553994 https://shs.hal.science/halshs-00553994v1.

[30] – لإدراك الحجم الذي لا يزال يتمتع به القطاع العام في المغرب الإطلاع على “تقرير حول المؤسسات العمومية والقاولات العمومية”، ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2026، وزارة الاقتصاد والمالية، https://www.finances.gov.ma/fr/vous-orientez/Pages/plf2026.aspx.

[31]- عصام خفاجي (1 يونيو 1979)، “رأسمالية الدولة الوطنية”، دار ابن خلدون، الطبعة الأولى، ص 37.

[32]- المقصود هنا رفض الدولة تحميل البرجوازية القائمة آنداك وطبقة الأعيان القرويين كلفة تصنيع البلد، وليس بالضرورة نقصا في الموارد.

[33] – للمزيد حول تقييم هذه الاستراتيجيات (إحلال الواردات بالخصوص)، انطر- ي: إدواردو غاليانو (2016)، “الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية”، ترجمة علاء شنانة، دار طوى للثقافة والنشر والإعلام، لندن- المملكة المتحدة، الطبعة الأولى.

[34]- المرجع السابق، ص 312.

[35]- إريك توسان (أبريل 2022)، “البنك العالمي، تاريخ نقدي”، ترجمة جمعية أطاك المغرب، ص 153.

[36]- أمانة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية/ الأونكتاد (2013)، “تقرير التجارة والتنمية، 2013″، نيويورك وجنيف، https://unctad.org/system/files/official-document/tdr2013_ar.pdf.

[37] – المملكة المغربية اللجنة المديرية للتقرير (2005)، “50 سنة من التنمية البشرية وآفاق سنة 2025- التقرير العام”، الذكرى الخمسينية لاستقلال المملكة المغربية.

[38]- معدل الانفتاح: قياس لمدى أهمية التجارة الخارجية في الاقتصاد الكلي للبلد، والمعدل العالمي للنسبة هو %56.4. وكلما زادت النسبة على المعدل فهذا يعني أن البلد منفتح تجاريا ويعتمد بشكل كبير على الاقتصاد العالمي. (https://www.unescwa.org/ar/sd-glossary/نسبة-الانفتاح-التجاري).

[39]- نجيب أقصبي (أبريل 2024)، “الاقتصاد المغربي تحت سقف من زجاج، من البدايات إلى أزمة كوفيد- 19″، ترجمة نور الدين سعودي، المجلة المغربية للعلوم السياسية والاجتماعية- عدد 36، سلا- المغرب، ص 219.

[40]- شبكة سيادة (28-11-2023)، إصدار جديد: “رهان السيادة الغذائية: إكراهات المديونية والتبادل الحر بالمغرب”، https://www.siyada.org/akesbi/دراسات-واصدارات/رهان-السيادة-الغذائية/.

[41]- بول باسكون (02-07-2008)، “زرع النماذج وغياب التجديد”، جريدة المناضل- ة: https://web.archive.org/web/20121212015952/http://www.almounadil-a.info/article1432.html.

  • [42]كل الأرقام المحوَّلة من الدرهم الغربي إلى اليورو الواردة في الدراسة مقدَّرة بقيمة الدرهم إلى اليورو لسنة 2026: الدرهم = 0.096 يورو.

[43] – عمر أزيكي (21-05-2014)، “مأزق الصادرات الفلاحية المغربية”، موقع جمعية أطاك المغرب: https://attacmaroc.org/مأزق-الصادرات-الفلاحية-المغربية/.