أجرت شبكة سيادة حوارا مع الباحث والناشط النقابي المصري وائل توفيق. غاية هذا الحوار تسليط الضوء عن قرب على أوضاع صغار الفلاحين\ات، من أجل فهم الواقع الزراعي والنقابي في مصر. وهو على درجة عالية من الأهمية بما يتيح من مداخل أساسية للفهم من اجل التغيير.
إليكم نص الحوار:
- نود منك أن تعطينا لمحة عامة عن أوضاع صغار الفلاحين\ات في مصر. في ضوء التحولات الراهنة إقليميًا ودوليًا
يمكن النظر إلى أوضاع صغار الفلاحين\ات في مصر اليوم باعتبارها أحد أكثر القطاعات تعرضًا لضغوط متراكمة، ليس فقط بسبب مشكلات الزراعة التقليدية، وإنما أيضًا نتيجة التحولات الاقتصادية والسياسات الزراعية والتغيرات الإقليمية والعالمية، التي انعكست بصورة مباشرة على تكاليف الإنتاج والسيادة الغذائية وأوضاع الريف المصري.
أولًا؛ فيما يتعلق بالضغوط المعيشية وتكاليف الإنتاج: يعاني صغار الفلاحين من ارتفاع غير مسبوق في أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي، من الأسمدة والمبيدات، والتقاوي والبذور، والوقود والطاقة، وتكاليف الري وصيانة الآلات، وأجور العمالة، والزراعية والنقل.
وقد تضاعفت هذه التكاليف عدة مرات خلال السنوات الأخيرة نتيجة انخفاض قيمة الجنيه المصري، بالاعتماد الكبير على الاستيراد في مدخلات الإنتاج، وارتفاع الأسعار العالمية بعد التوترات العالمية الأخيرة، بالإضافة لسياسات رفع الدعم وتحرير الأسعار التي انتهجها النظام المصري مؤخراً.
وأصبح هامش الربح بالنسبة للفلاح الصغير محدودًا للغاية، بل إن كثيرًا من الزراعات لا تحقق عائدًا يكفي لتغطية التكاليف والمعيشة.
ومن ناحية أخرى؛ شهدت السنوات الأخيرة تركيزًا متزايدًا على التوسع في تصدير مثل: الموالح والبطاطس والفراولة والعنب والرمان، وغيرها، وحتى بعض الخضروات والنباتات العطرية، وتهدف هذه السياسة إلى توفير العملة الأجنبية، إلا أن فوائدها تتركز غالبًا في الشركات الزراعية الكبرى وكبار المستثمرين والمصدرين وسلاسل التعبئة والتغليف.
في الوقت الذي لا يحصل فيه معظم صغار الفلاحين\ات إلا على نصيب محدود من هذه العوائد، إذ يبيعون منتجاتهم بأسعار منخفضة لتجار الوسطاء، في حين ترتفع الأسعار النهائية في الأسواق المحلية وأسواق التصدير.
كما أن مصر تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد القمح والذرة وفول الصويا والزيوت النباتية والأعلاف. ومع تزايد الاهتمام بالمحاصيل التصديرية والمحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه، تراجعت نسبيًا أهمية بعض المحاصيل الغذائية الأساسية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مفهوم السيادة الغذائية، أي قدرة المجتمع على إنتاج جزء كبير من غذائه الأساسي بشكل مستقل.
وتظهر المفارقة في أن مصر تعد من أكبر مصدري الموالح عالميًا، لكنها من أكبر مستوردي القمح والزيوت والأعلاف.
أيضاً؛ يواجه الفلاح الصغير تحديات إضافية تتمثل في ارتفاع درجات الحرارة وتغيّر مواسم الزراعة، وتغيّر الخريطة الزراعية، وانتشار الآفات والأمراض، ومحدودية الموارد المائية، مع تزايد تكاليف الري المستمرة في التصاعد.
وهو ما يمكن تسميته المخاوف المتزايدة المثارة في ملفي سد النهضة والتغيرات المناخية، حول مستقبل الزراعة المصرية، خصوصًا في المناطق التقليدية القديمة.
2- نريد أن تعطينا فكرة عن الوضع النقابي الفلاحي في مصر اليوم، وماذا يعني بالنسبة لك وجود نقابات فلاحية؟ كذلك وانطلاقا من تجربتك كيف يمكن بناء نقابة فلاحية شاملة وموحدة أو أي تنظيم كفاحي لصغار منتجي الغذاء؟
يمكن القول إن السؤال النقابي الفلاحي في مصر لا يتعلق فقط بوجود كيان تنظيمي يحمل اسم “نقابة”، بل يتعلق بوجود أداة مستقلة للدفاع عن مصالح ملايين الفلاحين في مواجهة الدولة والسوق ورأس المال الزراعي الكبير، وفي مواجهة حالة التهميش التاريخي التي عانى منها الريف المصري لعقود طويلة.
شهدت السنوات الأخيرة ظهور أول نقابة عامة مستقلة للفلاحين منذ بدايات القرن العشرين، إلى جانب وجود روابط ولجان فلاحية أخرى، في محاولة لسد فراغ استمر لعقود، إذ لم يكن الفلاحون يتمتعون بتمثيل نقابي حقيقي يعبر عن مصالحهم المباشرة.
وفي المقابل، توجد النقابة العامة للعاملين بالزراعة والري والصيد التابعة للاتحاد العام لنقابات عمال مصر، وهو اتحاد ظل لعقود جزءًا من بنية الدولة، أكثر من كونه تنظيمًا يعبر عن العمال أو الفلاحين، الأمر الذي جعل قطاعات واسعة من المصريين خلال انتفاضة يناير 2011 تتجه إلى بناء نقابات مستقلة باعتبارها وسيلة لاستعادة التنظيم الذاتي والدفاع عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية.
غير أن هذه التجربة تعرضت منذ سنوات إلى ضغوط وتشريعات وإجراءات إدارية حدّت من توسعها، وأصبح تأسيس اللجان النقابية الجديدة يخضع لقيود كبيرة، مع قبول أعداد محدودة جدًا من الطلبات، وهو ما جعل الحق في التنظيم النقابي يظل محل صراع مستمر، رغم الضغوط التي مارستها منظمة العمل الدولية لإدخال إصلاحات على التشريعات.
وجود نقابات فلاحية حقيقية لا يمثل ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة اجتماعية واقتصادية، لأن الفلاح الفرد يواجه وحده ارتفاع أسعار الأسمدة والبذور والمبيدات، وغياب التسعير العادل للمحاصيل، وهيمنة التجار والوسطاء، ومشاكل الري والمياه، والنزاعات على الأرض، والديون والقروض الزراعية، وغياب التأمين الصحي والاجتماعي، وضعف الخدمات والإرشاد الزراعي، وكل هذه القضايا لا يمكن معالجتها بصورة فردية، وإنما من خلال تنظيمات جماعية تُمثل الفلاحين أنفسهم.
فالنقابة ليست مجرد مؤسسة لتقديم خدمات، وإنما وسيلة للدفاع الجماعي والتفاوض والمشاركة في صنع السياسات الزراعية.
أما عن أهم العقبات التي تواجه العمل النقابي الفلاحي تتمثل في القيود الحكومية، حيث لا يزال الحق في تأسيس النقابات وممارسة النشاط النقابي يخضع لقيود قانونية وإدارية عديدة، كما يتعرض النشطاء النقابيون أحيانًا لضغوط وملاحقات، وهو ما يحد من قدرة التنظيمات المستقلة على النمو.
كذلك ضعف الخبرة التنظيمية؛ فبعد أكثر من ستين عامًا من هيمنة الاتحاد الحكومي، تراجعت تقاليد التنظيم الديمقراطي المستقل، وأصبحت الخبرات النقابية المتراكمة محدودة، خاصة في الريف.
أيضاً أزمة الثقة؛ نتيجة تاريخ طويل من النقابات الرسمية التي ارتبطت بالدولة وأصحاب الأعمال، سادت حالة من عدم الثقة بين القواعد وبين القيادات النقابية، فكثير من الفلاحين ينظرون إلى النقابيين باعتبارهم جزءًا من السلطة أو باحثين عن مكاسب شخصية، وليسوا ممثلين حقيقيين لهم.
بالإضافة لضعف العلاقة مع الجمعيات العمومية؛ فمن أبرز أزمات العمل النقابي المصري عمومًا ضعف مشاركة الأعضاء، وتحول كثير من النقابات إلى هياكل إدارية منفصلة عن قواعدها.
ناهيك عن التشويه الإعلامي؛ حيث تعرضت تجربة النقابات المستقلة منذ 2011 إلى حملات إعلامية اتهمتها بالفوضى أو خدمة أجندات خارجية، وهو ما ساهم في إضعاف صورتها أمام قطاعات من المواطنين.
وفي رأيي إذا أرادت النقابات الفلاحية أن تصبح قوة اجتماعية حقيقية، فإنها تحتاج إلى بناء نفسها من القاعدة إلى القمة بحيث تكون الجمعيات العمومية هي مصدر السلطة الحقيقي، وليس العكس، أيضاً الشفافية والمحاسبة حتى تستعيد ثقة الفلاحين، من خلال الإعلان الدوري عن الأنشطة والموارد والقرارات، مع ضرورة إعداد كوادر جديدة من الشباب والنساء والقيادات الريفية القادرة على العمل الميداني، وأهمية التركيز على القضايا المعيشية؛ بدلاً من الاكتفاء بالشعارات العامة، أيضاً التعاون مع بقية التنظيمات الاجتماعية.
مع أهمية الحفاظ على الاستقلال؛ سواء عن الدولة أو رجال الأعمال أو الأحزاب السياسية، لأن استقلال النقابة هو شرط ثقة أعضائها فيها.
وعلينا أن نعي ما تعلمناه من تجربة النقابات المستقلة بعد يناير؛ حيث أثبتت تجربة ما بعد 2011 أن وجود نقابات مستقلة ممكن، وأن قطاعات واسعة من المصريين كانت تبحث عن أدوات تمثيل حقيقية، لكنها أظهرت أيضًا أن التنظيمات لا تكفيها الشرعية القانونية وحدها، ولا بد من امتلاك قواعد اجتماعية حقيقية، وأن الديمقراطية الداخلية شرط للبقاء، وأن الاستقلال المالي والتنظيمي ضرورة، والتواصل المستمر مع الأعضاء أهم من الوجود الإعلامي.
خلاصة القول؛ في بلد يضم ملايين الفلاحين، لا يمكن تصور تنمية زراعية أو سيادة غذائية أو عدالة اجتماعية دون وجود تنظيمات فلاحية مستقلة وقوية وديمقراطية.
فالنقابات الفلاحية ليست مجرد كيانات مطلبية، بل هي أحد أشكال التنظيم الذاتي للمجتمع الريفي، وأداة للدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ومدرسة لتكوين القيادات الشعبية، ووسيلة لإشراك الفلاحين أنفسهم في رسم السياسات التي تمس حياتهم ومستقبلهم.
ولذلك، فإن قضية الحريات النقابية ليست قضية تخص النقابيين وحدهم، بل هي جزء من قضية أوسع تتعلق بحق المواطنين في التنظيم والمشاركة والدفاع عن مصالحهم بصورة جماعية، باعتبار أن الفلاحين ليسوا مجرد منتجين للغذاء، بل شركاء في تقرير مستقبل الريف والمجتمع بأسره.
3- ما رأيك في التعديلات المقترحة على قانون التنظيمات النقابية العمالية وحماية حق التنظيم النقابي رقم 213 لسنة 2017 والذي يقضي بمد الدورة النقابية لخمس سنوات ويضع اشتراطات عددية مرتفعة لتأسيس اللجان النقابية والنقابات العامة والاتحادات؟ وما تأثيره على الحركة النقابية واستقلالها؟
أرى أن خطوة تأجيل الانتخابات النقابية، مع الاتجاه لمد الدورة النقابية إلى خمس سنوات، تمثل تراجعًا واضحًا عن مبدأ الديمقراطية النقابية، ومحاولة لإبقاء الأوضاع التنظيمية القائمة دون إتاحة الفرصة للعمال لتجديد ممثليهم بحرية.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بمدة زمنية، وإنما بجوهر الحق النقابي نفسه. فالنقابات يفترض أنها تنظيمات ديمقراطية تعبر عن إرادة أعضائها، وبالتالي فإن تجديد الانتخابات بشكل دوري ومنتظم هو الضمان الحقيقي لمحاسبة القيادات النقابية، وتجديد الدماء، وفتح المجال أمام تمثيل أوسع للعمال، خصوصًا في ظل التحولات الكبيرة التي يشهدها سوق العمل المصري.
كما أن اللجوء إلى مد الدورة إلى خمس سنوات، دون حوار حقيقي مع النقابيين والعمال، يعكس استمرار النظرة الإدارية الوصائية تجاه الحركة النقابية، بدلًا من احترام استقلال التنظيمات العمالية وحق جمعياتها العمومية في تقرير شؤونها بنفسها.
وأعتبر أن الأولوية الحقيقية ليست في إطالة مدة الدورات النقابية، وإنما في معالجة المشكلات الأساسية الموجودة في قانون التنظيمات النقابية، وعلى رأسها؛ ضمان استقلال النقابات عن التدخل الإداري، وتسهيل إجراءات تأسيس النقابات المستقلة، وضمان انتخابات حرة ونزيهة، وكذلك تمكين الجمعيات العمومية من وضع لوائحها وتحديد مددها كما تشاء واختيار ممثليها بحرية.
كذلك، فإن أي خطوات تتعلق بمد الدورات النقابية يجب أن تخضع لنقاش مجتمعي واسع يشارك فيه العمال والنقابيون أنفسهم، لا أن تتم عبر اتفاقات مغلقة أو قرارات فوقية.
كما نؤكد إننا نرى أن ترسيخ الديمقراطية النقابية هو الطريق الحقيقي لبناء تنظيمات قوية تعبر عن مصالح العمال، وليس إطالة مدد البقاء في المواقع النقابية بعيدًا عن الرقابة والمحاسبة الديمقراطية.
4- ما تأثير القوي السياسة بأطيافها المختلفة على تنظيمات الفلاحين\ات الصغار؟
يمكن النظر إلى العلاقة بين القوى السياسية وتنظيمات الفلاحين الصغار في مصر بوصفها علاقة معقدة ومركبة، تحكمها اعتبارات تاريخية وسياسية وأمنية، وتختلف باختلاف طبيعة هذه القوى وموقعها من السلطة، فالتنظيمات الفلاحية، بحكم ارتباطها المباشر بمصالح ملايين المنتجين الصغار، تصبح بطبيعتها ساحة اهتمام للقوى السياسية المختلفة، سواء بهدف الدعم والمساندة، أو بهدف الاحتواء والتوظيف، أو من خلال الرقابة والتدخل المباشر من جانب أجهزة الدولة.
ففي الوقت الذي ساهمت بعض الأحزاب والقوى اليسارية والاشتراكية، وكذلك بعض الناشطين ذوي الخلفيات الديمقراطية، في تقديم أشكال مختلفة من الدعم لتجارب التنظيم الفلاحي، سواء من خلال نقل الخبرات التنظيمية، أو المساهمة في التدريب والتثقيف النقابي، وكذلك تقديم الدعم القانوني والإعلامي، وبناء شبكات التضامن مع الحركات الاجتماعية الأخرى، والاستفادة من التجارب النقابية والعمالية السابقة.
وغالبًا ما يتم هذا الدور بصورة غير مباشرة أو من خلال علاقات شخصية وشبكات اجتماعية، وذلك بسبب القيود الكبيرة المفروضة على الأحزاب السياسية، وحالة التخويف التي تجعل كثيرًا من الفلاحين يتحفظون على أي ارتباط معلن بالقوى المعارضة خشية التعرض للضغوط أو الوصم السياسي.
وفي المقابل، يلاحظ أن هذا الدعم، في كثير من الحالات، لا يهدف إلى فرض الوصاية على التنظيمات الفلاحية أو التدخل في قراراتها، بل يقوم على احترام استقلالها، وإدراك أن نجاح التنظيم الفلاحي مرهون بقدرته على التعبير عن مصالح أعضائه لا عن مصالح القوى السياسية الداعمة له.
فمن جهة أخرى، تسعى بعض الأحزاب القريبة من السلطة إلى استقطاب العناصر القيادية داخل التنظيمات الفلاحية، عبر وسائل متعددة، منها عرض عضوية الحزب ومواقع قيادية داخله، والوعود بتسهيل الوصول إلى المسؤولين المعنيين بالشأن الزراعي، وتوفير قنوات اتصال مع أجهزة الدولة المختلفة، بالإضافة لتقديم ضمانات غير مباشرة بعدم التعرض للملاحقات أو التضييق، مع إتاحة فرص الترشح أو شغل مواقع عامة.
وتقوم هذه المحاولات على فكرة أن العلاقة مع الحزب الأقرب إلى السلطة قد تكون وسيلة لتحقيق بعض المطالب أو حماية القيادات النقابية، إلا أن هذه المحاولات لم تحقق نجاحًا واسعًا حتى الآن، ويرجع ذلك إلى إدراك العديد من القيادات الفلاحية أن استقلال التنظيم النقابي يمثل مصدر قوته وشرعيته، وأن تحويله إلى امتداد لحزب سياسي أو جهة رسمية قد يؤدي إلى فقدان ثقة القواعد الفلاحية فيه.
كما يمكننا القول إن العلاقة بين الدولة والتنظيمات المستقلة تتسم بالحذر والرقابة المستمرة، حيث تخضع القيادات النقابية الفلاحية لمتابعة دائمة، كما تظهر أحيانًا تدخلات غير مباشرة في أنشطة التنظيمات، والاجتماعات والمؤتمرات، أو إجراءات تأسيس اللجان النقابية، أو اختيار بعض القيادات أو الاعتراض على أخرى.
وقد شهدت بعض الحالات تدخلات من خلال الجهة الإدارية المختصة، ممثلة في وزارة العمل، أو من خلال ضغوط غير رسمية تستهدف تغيير بعض الأسماء التي اختارتها الجمعيات العمومية بصورة ديمقراطية.
ويعكس ذلك استمرار النظرة التقليدية التي تعتبر التنظيمات المستقلة مجالًا ينبغي السيطرة عليه أو احتواؤه، بدلًا من النظر إليها باعتبارها أحد أشكال المشاركة المجتمعية المشروعة.
تكشف التجارب التاريخية أن أكبر المخاطر التي تواجه التنظيمات الفلاحية تتمثل في التحول إلى أداة حزبية، أو الاحتواء الرسمي، والانعزال عن القواعد
من وجهة نظري، فإن التنظيمات الفلاحية تحتاج إلى الحفاظ على عدة مبادئ أساسية الاستقلال عن الدولة وعن رجال الأعمال وعن الأحزاب السياسية، مع الانفتاح على التعاون معها، حق جميع التيارات السياسية في تقديم الدعم والخبرة دون وصاية، وضرورة خضوع القيادات لإرادة الجمعيات العمومية فقط، واحترام التنوع السياسي والفكري داخل التنظيم، والتركيز على المصالح الاقتصادية والاجتماعية للفلاحين باعتبارها القاسم المشترك الجامع.
خلاصة القول؛ لا يمكن عزل التنظيمات الفلاحية عن المجال السياسي، لأن قضايا الأرض والمياه والأسعار والسياسات الزراعية هي قضايا ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية في آن واحد، لكن قوة هذه التنظيمات لا تكمن في انحيازها لهذا الحزب أو ذاك، وإنما في قدرتها على الحفاظ على استقلالها، والاستفادة من كل أشكال الدعم والخبرات المتاحة دون أن تتحول إلى ذراع لأي طرف.
فالخبرة التاريخية المصرية والعالمية تؤكد أن التنظيمات الأكثر قدرة على الاستمرار والدفاع عن مصالح أعضائها، هي تلك التي تحافظ على استقلالها الديمقراطي، وتبني شرعيتها من قواعدها الاجتماعية، لا من قربها من السلطة، ولا من ارتباطها بأي قوة سياسية مهما كانت درجة التعاطف أو الدعم المتبادل بينها وبين تلك القوى.
5- كيف ترى التعاونيات في مصر اليوم بشكلها الحالي؟ وهل ترى فيها بديلا تنظيميًا للفلاحين؟
التعاونيات الزراعية من حيث المبدأ تُعد أحد أهم الأشكال التنظيمية التي يمكن أن تمنح صغار الفلاحين قوة اقتصادية واجتماعية أكبر، لكنها في مصر اليوم تعاني من أزمة عميقة تجعلها بعيدة عن القيام بهذا الدور، فالمشكلة ليست في فكرة التعاونيات نفسها، وإنما في الشكل القانوني والإداري الذي فُرض عليها لعقود طويلة، والذي جعلها أقرب إلى أجهزة تابعة للدولة منها إلى تنظيمات ديمقراطية مستقلة يملكها أعضاؤها ويديرونها بأنفسهم.
فالقوانين المنظمة للتعاونيات الزراعية ما زالت تعكس رؤية بيروقراطية تجعل الدولة صاحبة اليد العليا في تشكيل مجالس الإدارات، والإشراف على الأنشطة، وتحديد حدود الحركة والاستقلال، وهو ما يتناقض مع المبادئ التعاونية المتعارف عليها عالمياً، القائمة على العضوية الطوعية، والإدارة الديمقراطية، والاستقلالية، والرقابة الذاتية، والتكافل بين الأعضاء. لذلك أصبحت كثير من الجمعيات التعاونية في نظر الفلاحين مجرد هياكل إدارية لا تلبي احتياجاتهم الفعلية، وفقدت تدريجياً دورها التاريخي في توفير مستلزمات الإنتاج والتسويق والائتمان الزراعي.
كما أن السياسات الاقتصادية التي اتبعت خلال العقود الماضية، وتراجع دور الدولة في دعم الزراعة، أدت إلى إضعاف التعاونيات وتحويلها إلى مؤسسات محدودة التأثير، في الوقت الذي ازدادت فيه سيطرة كبار التجار والشركات الخاصة على أسواق مستلزمات الإنتاج وتسويق المحاصيل. ونتيجة لذلك أصبح صغار الفلاحين يواجهون السوق بشكل فردي، وهو ما يجعلهم الحلقة الأضعف في مواجهة الاحتكار وتقلبات الأسعار.
لذلك، ورغم أن التعاونيات بشكلها الحالي لا يمكن اعتبارها بديلاً تنظيمياً للنقابات الفلاحية أو إطاراً قادراً وحده على تمثيل مصالح الفلاحين، فإن الحاجة إلى أشكال تعاونية حقيقية أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فصغار المزارعين\ات بحاجة إلى تعاونيات مستقلة وديمقراطية تساعدهم على شراء مستلزمات الإنتاج بصورة جماعية لتقليل التكلفة، وتوفر إمكانيات التخزين والنقل والتصنيع الزراعي، وتُنشئ مجمعات تسويقية تُمكنهم من التفاوض الجماعي مع التجار والمصدرين، بما يزيد من دخولهم ويحد من تحكم الوسطاء وكبار المحتكرين في أسعار المحاصيل.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى التعاونيات باعتبارها بديلاً للنقابات الفلاحية، وإنما باعتبارهما شكلين متكاملين يؤدي كل منهما وظيفة مختلفة. فالنقابات تدافع عن الحقوق والمصالح الاقتصادية والاجتماعية والسياسات الزراعية، بينما تمثل التعاونيات أداة اقتصادية جماعية لتحسين شروط الإنتاج والتسويق والخدمات، وكلما تمتعت التعاونيات بالاستقلال والديمقراطية، وأُعيدت صياغة تشريعاتها بما يتوافق مع المبادئ التعاونية المعترف بها دولياً، أمكنها أن تصبح ركيزة أساسية لحماية صغار المنتجين وتعزيز قدرتهم على الصمود.
وفي ظل تفتيت الحيازات الزراعية وارتفاع تكاليف الإنتاج وتزايد نفوذ كبار التجار والشركات، تبدو الحاجة ملحة إلى تطوير نماذج جديدة للتعاونيات الزراعية والخدمية والتسويقية، تقوم على المبادرة الذاتية للفلاحين، وتستفيد من الخبرات العالمية في إنشاء اتحادات تسويقية ومجمعات إنتاجية وتعاونية، بما يسمح بخلق اقتصاد تضامني يحد من الاحتكار ويرفع نصيب المنتجين الحقيقيين من القيمة المضافة.
وبالتالي، فإن إصلاح الحركة التعاونية في مصر لا يقتصر على تعديل بعض القوانين أو إعادة تنشيط الجمعيات القائمة، بل يتطلب إعادة الاعتبار للفكرة التعاونية نفسها بوصفها شكلاً من أشكال التنظيم الاقتصادي والاجتماعي الديمقراطي، القائم على المشاركة الطوعية والمصلحة المشتركة، والقادر على دعم صغار الفلاحين وتعزيز الأمن الغذائي والتنمية الريفية، بعيداً عن الهيمنة البيروقراطية أو سيطرة رأس المال التجاري الكبير.
6- شبكة سيادة إحدى أدوات النضال التقدمية التي تسعى إلى الانغراس في صفوف صغار الفلاحين\ات بمصر، كيف يمكنها تحقيق ذلك في نظرك؟
بالطبع؛ يمكن لشبكة سيادة، بوصفها إحدى المبادرات التقدمية المهتمة بقضايا السيادة الغذائية والعدالة الاجتماعية، أن تجد لها موطئ قدم داخل صفوف صغار الفلاحين في مصر، لكن ذلك يقتضي الانطلاق من الواقع القائم، بما يفرضه من قيود سياسية وتنظيمية وأمنية، ومن حدود الممكن المتاحة، بعيدًا عن التصورات الطليعية المعزولة عن احتياجات الناس الفعلية.
ففي ظل التضييق على المجال العام، وتقييد التنظيمات المستقلة، تبدو مهمة الانغراس بين الفلاحين مرتبطة أساسًا بالعمل وسط القضايا اليومية الملموسة التي تمس حياتهم ومعاشهم، مثل ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتسويق المحاصيل، ومشكلات الري، والديون، والتعديات على الأراضي، وأوضاع المستأجرين الزراعيين، وأزمات الأسمدة والتقاوي، وقضايا السيادة الغذائية. فالناس لا تنخرط في المبادرات والأفكار المجردة بقدر ما تنخرط في الدفاع عن مصالحها المباشرة.
ومن هنا، يمكن لشبكة سيادة أن تعمل من خلال عدة مسارات متكاملة، أولها؛ تعزيز التواصل مع النقابات الفلاحية المستقلة، والنشطاء المهتمين بالشأن الريفي، وتقديم الدعم المعرفي والقانوني والإعلامي لهم، دون السعي للوصاية عليهم أو الحلول محل تنظيماتهم الذاتية، وإنما باعتبارها شبكة مساندة ومحطة تبادل خبرات.
ثانيها؛ المساهمة في إنتاج المعرفة الشعبية المرتبطة بالزراعة والسيادة الغذائية، عبر تبسيط القضايا الاقتصادية والزراعية، ونشر الدراسات والخبرات العملية، وتقديم نماذج وتجارب ناجحة في مجالات التسويق التعاوني، والزراعة المستدامة، وإدارة الموارد الطبيعية، بما يساعد الفلاحين على فهم أوضاعهم وربط مشكلاتهم المحلية بالسياسات الاقتصادية الأوسع.
أيضاً؛ الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية باعتبارها إحدى المساحات القليلة المتاحة للتواصل، من خلال إنشاء صفحات ومجموعات ومنصات إعلامية متخصصة في قضايا الفلاحين، ونقل تجاربهم ومشكلاتهم، وإعطاء مساحة لصوتهم، مع إنتاج محتوى بصري ومبسط يصل إلى قطاعات أوسع من الريف والشباب الزراعي.
كذلك؛ بناء روابط مع الباحثين، والحقوقيين، والمهندسين الزراعيين، والتعاونيات، والمنظمات المهتمة بالبيئة والتنمية الريفية، من أجل خلق شبكة تضامن واسعة حول قضايا السيادة الغذائية وحقوق المنتجين الصغار، وربط النضال الفلاحي بالقضايا الأوسع المتعلقة بالحق في الغذاء، والعدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة.
بالإضافة إلى؛ الاهتمام بتدريب القيادات الشابة والنقابية الفلاحية، ونقل الخبرات التنظيمية والتعاونية والنقابية، بما يساعد على بناء كوادر جديدة قادرة على الاستمرار والعمل الجماعي، خاصة في ظل ضعف الخبرات الناتج عن عقود طويلة من تهميش العمل النقابي والتعاوني المستقل.
مع أهمية تشجيع أشكال التعاون الاقتصادي والتسويقي بين الفلاحين، ودعم المبادرات التعاونية المحلية، والمساهمة في بناء شبكات تسويق بديلة تحد من تحكم الوسطاء وكبار التجار، باعتبار أن النضال من أجل السيادة الغذائية لا يقتصر على المطالب السياسية، بل يشمل أيضًا بناء بدائل اقتصادية واجتماعية ملموسة.
وأخيرًا، فإن نجاح شبكة سيادة في الانغراس وسط صغار الفلاحين لن يتحقق من خلال الشعارات الكبرى أو الخطابات الأيديولوجية، وإنما من خلال الحضور الدائم إلى جانبهم، والإنصات لمشكلاتهم، والمساهمة في تنظيم خبراتهم وتراكمها، وتوسيع دوائر التضامن بينهم، حتى تصبح الشبكة جزءًا من النسيج الاجتماعي والمهني للفلاحين أنفسهم، لا مجرد إطار خارجي يتحدث باسمهم.
فالمهمة الأساسية ليست قيادة الفلاحين من الخارج، بل المساهمة في خلق فضاءات للحوار والتعاون والتنظيم الذاتي، بحيث يصبح صغار المنتجين أنفسهم هم الفاعل الرئيسي في الدفاع عن حقوقهم، وفي بناء نموذج زراعي أكثر عدالة واستقلالًا وسيادةً على الغذاء والموارد.

