افتتاحية العدد السادس من مجلة سيادة: العمالة الزراعية كفاح من أجل السيادة الغذائية

العمالة الزراعية والسيادة الغذائية


باتت المسألة الزراعية مطروحة بقوة في منطقتنا، بالنظر لما تعرفه من تغلغل للنمط الزراعي الرأسمالي الذي اكتسح غالبية بلداننا. يعد هذا النمط الزراعي الصناعي الساعي إلى الربح السريع، أحد مسببات الجوع في العالم وآلية فتاكة بالبيئة. تغلغل هذا النموذج يأتي على حسابات صغار منتجي- ات الغذاء، من رعاة وصيادين ومزارعين، ويدمر بشكل منهجي الزراعات الأسرية المعيشية التي تطعم العالم برمته.

ليست منطقتنا استثناء في التحولات الجارية في العالم، باكتساح الرأسمال للمجال الفلاحي، بل يمكن اعتبارها من المناطق الأشد تضررا من السياسات النيوليبرالية منذ ثمانينيات القرن العشرين إلى اليوم. بدت ملامح التأثر من هذه  التعديات منذ التسعينيات ولا تزال سارية: استحواذ على الأراضي واستنزاف المياه والسطو على التراث الزراعي المحلي، مثل البذور. بل ازدادت هذه الوضعية تفاقما، باستغلال مفرط لليد العاملة الزراعية لاسيما النسائية منها، وتُعد هذه سمة فاقعة لهذا النموذج الزراعي الرأسمالي، علاوة على محاربة العمل النقابي أو أي جنين تنظم نضالي.

يترافق هذا التعدي الرأسمالي القاسي على مكاسب شعوبنا مع وضع استثنائي تعيشه المنطقة منذ تراجع انتفاضات الشعوب سنة 2011، واندلاع الحروب، مرورا بأزمة كوفيد- 19، وصولا إلى الابادة الصهيونية في فلسطين وتدمير كامل لقطاع غزة، والحرب الإجرامية الدائرة بالسودان.

تشكل النساء النسبة الأكبر من العاملين في الزراعة وإنتاج الغذاء في أغلب بلدان المنطقة العربية، وهن القائمات على حفظ نظم غذائنا المحلية وحارسات تراثنا الزراعي في مواجهة التمدد الكبير للزراعة الرأسمالية وسيطرة الشركات على نُظم الإنتاج. ومع ذلك، يتعرضن يوميًا لأشكال مختلفة من العنف والتمييز، ما يشكل تهديدًا مباشرًا لسيادتنا الغذائية.

يصدر هذا العدد السادس من مجلة سيادة بينما تغرق منطقتنا العربية وشمال إفريقيا والشرق الأوسط في النزاعات والحروب التي تؤججها قوى الرأسمالية والإمبريالية العالمية وقوى إقليمية، متحالفة مع أنظمة الاستبداد المحلية.

في مناطق النزوح والحروب تواجه النساء ليس فقط آلات القتل والإبادة، بل أيضًا المجاعة والأوضاع اللاإنسانية، في ظل تعمد استهداف مقومات الحياة: من تدمير للبنية التحتية والمستشفيات إلى الإبادة البيئية بتلويث الأراضي بالألغام والمعادن الثقيلة. في لبنان وغزة وسوريا، اقتُلعت أشجار الزيتون المعمرة وأُحرقت بالفسفور الأبيض، لتُقطع أرزاق آلاف العائلات ويُستهدف صغار منتجي- ات الغذاء بشكل مباشر، كجزء من سياسة منهجية تهدف إلى تقويض السيادة الغذائية وتجويع الشعوب الأصلية.

وليست النساء في المناطق البعيدة عن ساحات الحرب في مأمن من القتل والعنف؛ ففي كل يوم تقريبا نشهد عنفا ضد النساء وبخاصة في المناطق الريفية وفي الضيعات الزراعية الرأسمالية الكبرى (تحرش واستغلال وضُعف الأجور…) وحوادث طرق.

وفي ظل سياسات إفقار رأسمالية قاسية، يجري استغلال قوة العمل النسائية دون أجور لائقة، ودون ضمان اجتماعي أو حق فعلي في التنظيم النقابي المستقل للذود عن حقوقهن والحفاظ على النزر اليسير من المكاسب الهشة.

ومع ذلك، لا تستسلم الفلاحات والعاملات الزراعيات أمام هذا الواقع. ففي الخرطوم وغزة مثلًا لجأت النساء إلى الزراعة المنزلية لمواجهة نقص الغذاء، وشكلت النساء تعاونيات زراعية في تونس والمغرب، وفَّرت شبكات تسويق محلية رغم ضعفها البيّن وانزياح غالبيتها عن الاطار التضامني عبر دمجها في السوق الرأسمالية. وفي مصر، نشهد عددا من المبادرات التنظيمية الذاتية للعاملات في الزراعة، وكذلك في لبنان نرى حدة استغلال العاملات السوريات بالعمل الفلاحي ما يستدعي بناء مقاومة معهن، عبر منظمات محلية، بالإضافة إلى العديد من المبادرات الأخرى في المنطقة التي تهدف إلى مقاومة الفقر والجوع وحفظ نظم الغذاء المحلية والتنوع البيولوجي. تعكس هذه المحاولات اليومية إرادة وإبداعًا في مواجهة الجوع والاستغلال. وفي المنشآت الرأسمالية الكبرى، الموجهة أساسا للتصدير، تقاوم النساء، أغلبية اليد العاملة، الاستغلال المفرط بالتنظيم النقابي، بالرغم مما يتعرض له من شتى صنوف التضييق وحتى الوأد، وبخوض غمار كفاحات متنوعة، من إضرابات ووقفات احتجاج، واعتصامات ومسيرات، وحتى بتنظيم نضالات خارج الهياكل النقابية .

وإذ نعرض لأوجه متنوعة من هذا الواقع، لا نريد أن يكون هذا العدد مجرد توصيف أو نقد لأوضاع العمالة الزراعية بل نسعى إلى فتح نقاش نضالي نقدي حول سبل مقاومة هذا الوضع، وإبراز المبادرات التي تقودها النساء وغيرهن، وطرح منظورات عملية بغاية غرس تقاليد التعاون والتضامن، هذا هو هدفنا في شبكة سيادة، ولهذا نصدر هذا العدد.

  • هيئة تحرير مجلة سيادة

للاطـلاع عـلـى الـعـدد وتـحـمـيـلـه: اضـغـط\ي هـنـا