النشاط الاستخراجي والتغيّر المناخي وأثرهما على القطاع الفلاحي في تونس



عبر التاريخ، اعتبر النشاط الفلاحي أحد أهم ميزات قرية تبديت[1] من معتمدية الرديف المنجمية[2]، حيث يُمثّل هذا النشاط مصدر الرزق الأساسي لسكان القرية. لكن على ما يبدو، فإنّ النشاط المنجمي المتمثّل في استخراج الفسفاط وغير البعيد عن أحيائهم السكنية، إلى جانب التغيرات المناخية وبطء استجابة الدولة، ساهم في تبديد الثروة المائية وندرتها، الأمر الذي أدّى إلى تهديد أرزاق الجماعات السكانية المحليّة، حيث تعرف القرية حاليا تراجعا في المحاصيل الزراعية وتقلصا في الثروة الحيوانية. وفي هذا السياق يبحث هذا المقال عن أسباب ندرة المياه بالمنطقة، وعلاقتها بتقلص المردودية المالية والاقتصادية لفلاحي القرية.

قبل انخراط البلاد التونسية في برنامج الإصلاحات الهيكلية سنة 1986، أو ما يعرف بوفاق واشنطن وخصخصة العديد من المؤسسات وسلعنة المياه، حيث يقترن هذا النموذج الاقتصادي باتجاه الأمم المتحدة خلال المؤتمر الدولي المنعقد بدبلن سنة 1992، والتي اعتبرت أن الماء مجرد سلعة كباقي المواد الأخرى القابلة للبيع والشراء ووجب إخضاعها لآليات السوق. كانت قرية تبديت، من بين أحد أهم المناطق، المصدرة للخضروات لمناطق الحوض المنجمي وخاصة مدن الرديف والمتلوي وأم العرائس ولبعض مناطق الجريد من ولاية توزر. يقول الفلاح محمد[3] لجمعية نوماد 08 ومرصد السيادة الغذائية[4]: ” في الثمانينات، كانت القرية تتسّم بالجمال (الطبيعي)، فقد كنا نعثر آنذاك على جميع الأشجار المثمرة بالقرية، وكانت هناك زراعة القمح والشعير والخضروات الورقية، وكانت القرية تصدر لكافة مدن الحوض المنجمي وبعض المناطق في ولاية توزر… خلال تلك الفترة لم نكن نشتري الخضروات من بعض المناطق الأخرى مثل ولاية سيدي بوزيد…”. وحول الثروة الحيوانية ودور الدولة، يضيف محمد: “لقد كانت القرية تشتهر بتربية الإبل والأبقار والدواجن، وكانت الدولة إلى حدود ما قبل الألفية الجديدة تُقدم لبعض فلاحي الجهة دعما ماديا (في شكل ثروة حيوانية على سبيل المثال)”.

عبر التاريخ، شكّلت الفلاحة مصدر الرزق الأساسي لسكان قرية تبديت. وعن طريق هذا النشاط، كان الفلاحون المحليون يصدرون المحاصيل الزراعية والفلاحية من جهة، ويحققون اكتفائهم الغذائي الأسري من جهة أخرى. ونظرا لوفرة الإنتاج وللمردودية المالية، لم تكن فكرة العمل في شركة فسفاط قفصة مطروحة في أذهان سكان الجهة، يفسّر محمد:” خلال السبعينيات والثمانينات، ولما كانت المنطقة تتسّم بوفرة الإنتاج، عُرِض على العديد من فلاحي المنطقة فكرة العمل في شركة الفسفاط ولكنهم رفضوا ذلك… ولكن الآن يبدو، أنهم نادمون على ذلك القرار”.

بشكل عام، رغم محدودية البرامج السياسية والنماذج الاقتصادية التي تبنتها الدولة الوطنية من التجربة الأولى ذات روح ليبرالية إلى الثانية عن طريق تبني السياسية الاشتراكية الدستورية أو ما يعرف بالتعاضد (عقد الستينيات) وبعد ذلك الانفتاح على السوق الرأسمالية، (منذ مطلع السبعينيات)، ورغم ما خلفته هذه السياسات من أزمات طالت القطاع الفلاحي، إلاّ أنّ النشاط الفلاحي بقرية تبديت، إن لم يكن يوفر الكثير، فقد كان على الأقل يلبي الحاجيات الاجتماعية والاقتصادية الأساسية لسكان القرية. وبحسب بعض فلاحي المنطقة، فإن تراجع المحاصيل الفلاحية والمداخيل الاقتصادية قد انطلق منذ مطلع الألفية، نظرا لندرة الموارد المائية بسبب التغيرات المناخية والسياسة الصناعية.

كغيرها من المناطق التابعة لولاية قفصة، تقع قرية تبديت في “مجال انتقالي يخضع للتأثيرات المناخية للسباسب والتأثيرات شبه الصحراوية، بحكم وجودها في مستوى قريب من خطّ العرض 38 درجة شمالاً وبعيدة عن خليج قابس وتأثيراته البحرية بقرابة 120 كلم وعن شطّ الجريد بنحو 40 كلم جنوباً. وتتميّز درجات الحرارة هناك بشكل عامّ بالارتفاع مقارنة بمدن الوسط والشمال والساحل. ويستمرّ فصل الصيف فيها من شهر ماي إلى أكتوبر”[5]. وتُعتبر الموارد المائية بمنطقة الحوض المنجمي من ولاية قفصة جوفية بشكل أساسي في سياق تعيش فيه المنطقة على وقع تقلّب المناخ وشحّ الأمطار التي لا تتعدى 200 مليمتر[6] (ملم) سنويّا.  وقد لا تتجاوز 131 ملم في أم العرائس، و108 ملم في المتلوي[7]. وتتميّز معدّلات الأمطار هذه بعدم الانتظام وتتفاوت من سنة إلى أخرى حيث يمكن أن تعقب الفيضانات الخطيرة سنوات من الجفاف المدمّر[8] مثلما حدث في 23 سبتمبر 2009 بمدينة الرديف، التي عاشت على وقع اضطرابات جويّة تسببت في هطول أمطار قياسيّة وصلت إلى 150 ملم في وقت وجيز، مما أدى إلى حدوث حلقة هيدرولوجيّة مدمّرة لتكون الخسائر الماديّة والبشرية فادحة للغاية[9]. وهكذا تكون الأمطار غير مفيدة إما للزراعة أو لتغذية المياه الجوفية بسبب سرعتها وعدم انتظامها.

عبّدت ظاهرة ارتفاع درجات الحرارة وقلة التساقطات وعدم انتظامها وزيادة نسبة الأملاح فوق الأرض وتحتها[10] الطريق نحو هشاشة الفلاحين، فالتغيرات المناخية سواء كانت الطبيعية أو المرتبطة بالنشاط البشري هددّت الأراضي الزراعية والتجمعات السكانية. كما أنّ هذه الظاهرة ستزيد من عبء الفلاحين في فرضية عدم قدرة المجتمعات المحليّة على التكيف أو مجابهة هذه التغيرات. فبسبب التغيرات المناخية في البلاد التونسية “ستنخفض مساهمة القطاع الفلاحي في الناتج القومي الخام بنسبة تتراوح بين 5 و10% بحلول سنة 2030، وستنخفض إنتاجية القمح وأشجار الزيتون بنسبة 40% و32% على التوالي بحلول سنة 2050.”[11] وفي هذا السياق سيكون الجنوب التونسي الأكثر عرضة لإرتفاع درجات الحرارة السنوية والانخفاض في هطول الأمطار. وبسبب هذه التغيرات أيضا ستتأثر طبقات المياه الجوفية غير المتجددة في الجنوب بشكل غير مباشر ولكن بقوة تغير المناخ بسبب الضغط المتزايد الناجم عن انخفاض هطول الأمطار. وستؤدي هذه الظاهرة أيضا إلى تقلص في الثروة الحيوانية (الأبقار والأغنام والماعز) بنسبة تصل إلى 80% في الوسط والجنوب وبحوالي 20% في الشمال في أفق سنة 2030. كما ستشهد مساحات محاصيل الحبوب بالوسط والجنوب انخفاضا متوسطا قدره 200.000 هكتار، موزعة حسب المناطق بما يتناسب مع أهميتها النسبية الحالية (-16% سنة 2016، -20% سنة 2030).”[12]

يُؤدي التغير المناخي المتمثل خاصّة في قلة التساقطات وعدم انتظامها مقابل ارتفاع درجات الحرارة في سياق يحظر فيها القانون التونسي بيع وتسويق وزراعة البذور المحلية،[13] وفي ظرفية لم تنجح فيها الدولة في الإجابة عن الأسئلة الاجتماعية والاقتصادية لهذه الفئة، حيث “تحمل الدولة التونسية اليوم هؤلاء الفلاحين بين ذراعيها ولا تعرف ماذا تفعل معهم أو بهم،”[14] إلى هشاشة الفلاحين وتدهور أوضاعهم المعيشية. ولكن معاناة سكان قرية تبديت لا تقف عند هذا الحد، بل تتجاوز التغيرات المناخية، ليصبح سكان القرية ضحايا السياسة الصناعية الاستخراجية.

منذ عقود، كان الفلاحون المحليون يعتمدون تقنيات الري التقليدية، يُقسّر محمد: “وخلال الثمانينات وقبلها، كنا نسقي الحقول الزراعية من خلال الوادي الذي يمتلأ من الجزائر وأم العرائس، فبعد عملية امتلاء الوادي، يشرع الفلاحون وبوسائلهم التقليدية مثل المجرفة اليدوية على حفر مجرى مائي أو قناة ري وتوجيهها نحو الحقل، والتي كانت بمثابة السدود الترابية، وكانت أغلب العائلات تعيش على هذه الوضعية”.

بحسب المستجوب نفسه، ومنذ سنوات، لم يعد من الممكن اعتماد هذه التقنية. فوفقا له فإن الوادي كان أعلى من الحقول الزراعية بالقرية (السانية)، ولكن ترسبات شوائب الفسفاط القادمة من مقاطع الرديف وأم العرائس والتي امتدت ما بين 20 و30 سنة، ساهمت في تكلّس الأرض وفي ردم الوادي، حيث أصبحت شوائب الفسفاط على طول 6 و7 طبقات داخل الوادي الأمر الذي أدّى إلى غلقه.

بعد غلق الوادي الذي كان يمثّل المصدر الأساسي والحيوي للمياه، انتقل الفلاحون منذ المنتصف الثاني من الثمانينات إلى ري المحاصيل الزراعية عن طريق الآبار السطحية، حيث كان هناك ما بين 300 و400 بئر بكافة القرية مسجلة لدى الدولة، وكانت توفر المياه، وصمدت هذه الآبار إلى حدود مطلع الألفية، ولم يعد من الممكن اليوم العثور على مثل هذه الآبار، لينتقل الفلاحون فيما بعد إلى الري عن طريق الآبار العميقة، حيث دشنّت الدولة أربعة آبار بالقرية: (الرخاء والنور ووادي الجمل والحمام 2).

لكن المفارقة أن هذه الآبار ترتطم بمنافسة شركة استخراجية وعملاقة وهي شركة فسفاط قفصة، الأمر الذي أدّى إلى صعوبة حصول الفلاحين على المياه. تستغلّ شركة فسفاط قفصة 11 مغسلة بكافة المنطقة لتثرية الفسفاط، بطاقة إجمالية تقدر بحوالي 8.5 مليون طن من الفسفاط التجاري سنويا في حالات الإنتاج العادية (سنة 2010)، ليتبيّن أنّ طنّا واحدا من الفسفاط الخام يتطلب ما بين 1 إلى 1.5 متر مكعّب (م3) من الماء لتثريته، وهذا ما يعني أنّه في ظلّ الظروف العادية للإنتاج التي يصل فيها إلى حوالي 12.5 مليون طنا من الفسفاط الخام، فإنّ شركة الفسفاط تستغل كمية ماء تتراوح ما بين 18 و20 مليون طن م3 سنويا[15]

رغم أنّ قرية تبديت قد قدّمت أوّل شهيد[16] زمن الدولة التسلطيّة سنة 2008، وطالب سكانها بتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة ووقف الاستنزاف، إلاّ أن الشركات المنجمية قد استمرت في تبديد الثروة المائية بعد زوال الدولة القهرية في سنة 2011. بالنسبة إلى المياه الجوفية فقد استهلك القطاع الزراعي بالحوض المنجمي حوالي 87.37 مليون م3 سنة 2016، ليعتبر القطاع الصناعي ثاني أكبر مستهلك للموارد المائية حيث تبلغ الكمية حوالي 29.66 مليون م3، منها 95.23% تستخدم لمعالجة الفسفاط، أما مياه الشرب فقد استهلكت تقريبا 18.30 مليون م3. كما أنّ منسوب المياه الجوفية ضعيف العرض بسبب المناخ الجاف. أما الجداول المائية العميقة، فقد بلغت الموارد تقريبا 42.3 مليون م3 سنة 2016، ويتم استغلالها بمعدّل 80% ليكون استخراج الفسفاط في صدارة استهلاك هذه الموارد بمعدل إجماليّ قدره 76% والباقي ينقسم بين الزراعة بـ 13% ومياه الشرب ب 11%.[17] وتستغل شركة الفسفاط هذه الموارد المائية من خلال 18 بئرا عميقة موزعة على 4 آبار بأم العرائس، و3 آبار بالطرفاية بالرديف، و6 آبار بالبركة، و2 آبار بالسقي، و3 آبار بالقويفلة، مع العلم أنّ شركة الفسفاط بالرديف تستغلّ المائدة نفسها التي تستغلّها الشركة الوطنية للاستغلال وتوزيع المياه[18]، وتقدر طاقة ضخّ هذه الآبار بحوالي 647 لتر في الثانية[19] فهي أرقام تتجاوز بكثير إمكانيات وطاقة الضخّ المتوفّرة لدى الشركة الوطنية للاستغلال وتوزيع المياه بكامل مدن الحوض المنجميّ. وساهمت قوّة الضخّ هذه في انخفاض منسوب الخزّان الجوفي بشكل كبير من ناحية، وازدادت الملوحة من ناحية أخرى لتصل إلى 7 غرامات في اللتر الواحد[20]. فهي إذن مياه غير صالحة للشراب أو للاستعمال الفلاحي والزراعي.

شكّل هذا النموذج الاستخراجي تحديّا حقيقيا للفلاحين، حيث ساهم الاستنزاف في تراجع المحاصيل الزراعية وفي ظروفهم الاقتصادية والمعيشية، يشرح محمد:

” سابقا كان لدي حوالي 1400 شجرة بين الزيتون والمشمش، والخوخ واللوز الخ، والآن لم يتبق لي سوى بعض الأشجار من المشمش أو التين في محيط منزلي وليس في حقلي (السانية). ففي الحقل، وبسبب ندرة الماء وهدر النظم البيئية، ماتت العديد من الأشجار من نوع المشمش والتين والخوخ الخ، ولم يبق لي سوى بعض الأشجار التي يمكن عدّها على أصابع اليد… وبسبب التلوث فإن الفلاحين في هذه القرية يخسرون كل 5 و6 سنوات ما بين 10 و25 شجرة زيتون… وحول بيع المحاصيل، فتقريبا من سنة 2019 لم أقم بعملية بيع المنتوج الفلاحي في الأسواق، لأكتفي فقط بما يضمن جزءا من الاكتفاء الأسري أو البيع المحلي الضيّق… وضعيتي هنا تشبه وضعية أغلب الفلاحين بالقرية، فعصر ملئ السيارة المخصصة لنقل البضائع (سيارة فلاحية) بالمنتوج الفلاحي وبيعه في الأسواق يبدو أنه أمر قد انتهى، فالآن يملأ الفلاحون منتوجهم في أكياس وينقلونها بواسطة دراجات نارية بدل السيارات… وحول الثروة الحيوانية، لم يعد هناك سوى بعض المواشي والأغنام والماعز والتي يمكن عدّها على أصابع اليد أيضا، ولم تعد هذه الثروة محل تجارة، فعملية بيع المواشي هنا تجري غالبا في وقت الضرورة: فعلى سبيل المثال وحينما يُصاب أحد أفراد الأسرة بمرض  يتطلب تكاليف مالية باهضة، في عصر رسملة القطاع الصحي، يقوم  الفلاح حينها ببيع المواشي”.

شكّل تبديد المياه جراء الصناعة الاستخراجية خطرا حقيقيا على حياة الفلاحين وأسرهم بقرية تبديت، الأمر الذي أدى إلى تنامي مشاعر الإحباط وعزوف الشباب عن مهن الأسلاف. وهكذا ساهم النشاط الاستخراجي في إبادة منطقة فلاحية تاريخية اتسمت في السابق بوفرة الإنتاج. فهذه هي الاستخراجية التي توصف بأنها عملية استغلال للطبيعة، وتعاد صياغة التصدير على أنه “نزع الملكية” و”الاستغلال”. ويعتبر ما يسمى “العوامل الخارجية السلبية” للشركات بمثابة هجمات بيئية ومادية وثقافية ورمزية.[21]

وفقا لمحمد، فإنه في سنوات 2008 و2009 صار سداد فواتير الكهرباء المتعلقة بالآبار العميقة أمرا صعبا بالنسبة للفلاحين المحليين. وبعد حركات احتجاجية ومفاوضات اجتماعية مع شركة فسفاط قفصة، تدخلت هذه الأخيرة في سنوات 2013 و2014 تقريبا وصارت تدفع 50% من المبلغ المحدد في الفواتير، أي يدفع الفلاح الواحد نصف المبلغ المتعلق بفاتورته، والنصف الآخر تدفعه الشركة. ومنذ سنة 2023 تقريبا تراجعت الشركة عن هذا الاتفاق بحجة استنزاف المال العام، وأن الشركة لا يمكنها تقديم مساعدات أو خدمات اجتماعية إلا بطرق قانونية باعتبار أنّ أراضي الفلاحين هي أراض دولية[22].

بسبب هذا الإجراء في ظرفية لا تزال فيها شركة فسفاط قفصة تستنزف الثورة المائية بالجهة، ازداد وضع الفلاحين. يفسّر محمد: “في السابق كانت فواتير الكهرباء منخفضة، ومن سنة 2017 ارتفع سعر الفواتير. ففي حقلي مثلا كنت أستهلك من البئر حوالي 40 ساعة في الشهر، وتقدّر الساعة ب 7 دينارات أي بمعدّل 280 دينارا في الشهر، والآن وبسبب تراجع شركة الفسفاط وعدم تدخل الدولة أدفع 560 دينارا في الشهر، وأنا أحصل على أقل من هذا المبلغ في الشهر الواحد”. وبالتالي ارتفاع التكلفة على العائد.

وبحسب محمد فإنّ البئر الذي يعتمد عليه لسقي حقله بالقرية، كانت قوّة ضخه تقدّر بـ 36 لتراً في الثانية، والآن صار 9 لترات فقط في الثانية. ويتوقع محمد أنّ الآبار العميقة، وبسبب مواصلة الشركة لاستنزاف الماء ستفرغ من الماء ويصيبها الجفاف. فالآبار العميقة بالقرية لم تعد لها القدرة على منافسة شركة الفسفاط، فبعد أن كانت المياه تستخرج على عمق 30 و40 مترا، فإن فلاحي المنطقة يحفرون اليوم على عمق 250 مترا دون أن يجدوا الماء[23].

من جهة أخرى، طالب الفلاحون المحليون شركة الفسفاط بتقديم تعويضات وجبر الضرر جراء النشاط الاستخراجي (الغبار والتفجير عن طريق الديناميت) والتي كانت لها اسهامات كبيرة في إبادة الثروة النباتية والحيوانية بالقرية. وفي سنة 2013 انتهجت الشركة طريق الصلح الاجتماعي وقدّمت تعويضات مالية للفلاحين المحليين وكل فلاح حسب مساحة الأرض وطبيعة الإنتاج مع إمضاء على التزام يحتوي على عدم مطالبة الشركة بأي شيء طيلة 5 سنوات، وهو التزام بمثابة الهدنة الاجتماعية.

لكن أخفى هذا الالتزام وفقا لبعض فلاحي القرية، حيلة سياسية واجتماعية، يوضح محمد: “في عام 2013، قدمت لنا شركة الفسفاط تعويضات وطلبت منا ألا نطلب شيئا لمدّة 5 سنوات، ولكن ما وقع هو التحايل علينا، ففي هذا الالتزام لم تقل لنا الشركة في ظرفية لم نكن نحن نفهم فيها القانون ولم نرى بنود الالتزام بأننا سنتحصل على تعويضات أخرى إن كانت هناك أضرار بيئية”.

بصرف النظر عن مدى حقيقة القصة، إلاّ أنه يمكن القول بأن الحيل السياسية والاجتماعية مسألة متجذرة في تاريخ الشركة منذ الحقبة الكولونيالية. فعلى سبيل المثال فإن تربع الشركات المنجمية كان على حساب اقتطاع الأراضي وتجريد الأهالي بالقوة والحيل القانونية، كما أن الخط الحديدي صفاقس قفصة المتلوي يعتبر جريمة في تاريخ السكك الحديدية الفرنسية وإحدى الفضائح الكبرى في سجل الجمهورية الثالثة[24]. كما واصلت الشركة في اعتماد الحيل الاجتماعية مثل إجبار العديد من العمال على التقاعد الوجوبي والقسري حينما انخرطت الشركة في برنامج الإصلاح الهيكلي، وكذلك في تملصها من المسؤولية الاجتماعية، كما لا تحترم هذه المؤسسة مبدأ العهدة على الملوث والذي حددّه المبدأ 16 من إعلان الريو سنة 1992، والذي يؤكد على مبدأ الملوث يدفع.[25]

وهكذا تعمّقت أزمة استنزاف الماء لصالح شركة احتكارية تعتمد فيها على سياسة الحيل القانونية وفي سياق تعرف فيها البلاد تغيرات مناخية، وظلت فيها استجابة الدولة بطيئة، فتعمّقت أزمة المجتمع الفلاحي بقرية تبديت. فندرة المياه وتبديدها سرّعت في هشاشة الفلاحين المحليين.

  • خالد طبابي – تونس

هذا المقال مأخوذ من العدد الأول لمجلة المرصد التونسي للمياه. للاطلاع على العدد: اضغط\ي هنا


[1]  تبديت: قرية فلاحية صغيرة، إداريا تتبع معتمدية الرديف من ولاية قفصة الواقعة بالجنوب الغربي للبلاد التونسية، وتقع على بعد حوالي 15 كيلومتر من معتمدية الرديف ويُقدّر عدد سكانها بحوالي 2000 ساكنا.

[2]  مدن الحوض المنجمي بولاية قفصة: الرديف، المتلوي، المظيلة وأم العرائس.

[3] محمد، فلاّح بقرية تبديت وعون تنفيذ بشركة البيئة والغراسة بالرديف، متزوج وله أبناء، مولود سنة 1978، وبدأ امتهان النشاط الفلاحي سنة 1985 مع جدّه. وهذا ما يُفسّر بأن النشاط الفلاحي هو عمل وراثي بالقرية. أجريت المقابلة يوم 10 جويلية 2025 بقرية تبديت.

[4]  10… – Observatoire Tunisien de l’Eau-المرصد التونسي للمياه | Facebook

[5]  مصطفى التليلي، قفصة والقرى الواحية المجاورة: حول الحياة الجماعوية من بداية القرن 18إلى 1881، تقديم عبد الحميد هنية، تونس: جمعية صيانة مدينة قفصة، 2009، ص. 38، 39.

[6]  عبد الحميد هنيّة، الوسط الغربي للبلاد التونسية في خضم التغيّرات الناجمة عن مظاهر تحديث الدولة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إشراف المولدي الأحمر، في الثورة التونسية: القادح المحلي تحت مجهر العلوم الإنسانية، بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2014، ص. 47.

[7] Bilel Salhi, Mutations socio-spatiales et environnementales du bassin minier de Gafsa (Sud-ouest de Tunisie) Approche par les outils géomatiques, Thèse de doctorat, Université Bretagne Loire, Le Mans, 2017, p. 80.

[8]  مصطفى التليلي، مرجع سابق، ص. 39.

[9] Ahmed Boujarra, Lotfi Lahmar, Slim Aliouet, « Les inondations catastrophiques du 23 septembre 2009 dans la ville Redeyef (Tunisie méridionale) »Physio-Géo, Vol 16, 2021, p. 88.

[10]  النشاط المنجمي بمنطقة “تبديت” بالرديف: خيارات إقتصادية مدمرة يدفع ثمنها صغار الفلاحين ! – المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية

[11]  هيثم القاسمي، تغيّر المناخ والتكنولوجيا في تونس: ثورة خضراء من جديد؟، في الحق في المقاومة: حكايات الفلاحات والفلاحين التونسيين حول العدالة المناخية، تنسيق رمزي العموري وأيمن عميّد، تحرير: ماكس آجل، الترجمة والمراجعة: كمال البشيني، منشورات مرصد السيادة الغذائية والبيئية، 2024،ص 10.

[12] Stratégie nationale d’adaptation de l’agriculture tunisienne et des écosystèmes aux changements climatiques, GIZ, En collaboration avec le Ministère de l’Agriculture, des Ressources Hydrauliques et de la Pêche. (PDF).

[13] [13] Aymen Amayed, Les semences locales, une histoire de dépossession, Houloul. Le 12 Décembre 2020. Houloul – Les semences locales, une histoire de dépossession

[14]  المولدي الأحمر، من الشّاة إلى الزيتونة: في تحوّلات الأرياف المغاربية، نقله إلى العربية: الحبيب الدرويش، مسكلياني للنشر والتوزيع، تونس، 2023، ص 14.

[15]  حسين الرحيلي، الماء والعدالة الاجتماعية بالحوض المنجمي، تونس: مؤسسة فريدريش إيبرت، 2018، ص. 90.

[16]  خلال انتفاضة الحوض المنجمي (جانفي – جوان 2008)، استشهد الشاب “هشام علائمي” يوم 6 ماي 2008 بقرية تبديت وذلك بعد تعرضه لصعقة كهربائية على إثر صعوده لأحد الأعمدة الكهربائية التابعة للشركة التونسية للكهرباء والغاز، حيث يتزامن هذا الحدث مع زيارة معتمدالرديف إلى المنطقة.

[17] Bilel Salhi, Op.Cit. p. 280.

[18]  حسين الرحيلي، الماء والعدالة…”، مرجع سابق، ص. 91.

[19] Bilel Salhi, Op.cit. p. 280 – 281

[20] Abdeljalil Sghari, Salem Chriha, « Rivalité sur l’eau souterraine dans le bassin minier de Gafsa (sud tunisien) : témoignage d’une gestion incohérente », RevueGéoDév.ma, vol 4, 2016, p. 7.

[21] Mathilde Allain, Antoine Maillet, « Les mobilisations autour de l’extractivisme. Circulation et potentiel heuristique d’un concept en voie de globalisation », Revue Internationale de Politique Comparée, no. 3-4, Vol 28, 2021, p. 10.

[22]  جدير بالذكر بأنّ مشكلة الأراضي هي مشكلة تاريخية. فمنذ لحظة الاستعمار سنة 1881 وتربع شركات منجمية استعمارية على أراضي العروش، عمل المستعمر على تجريد آلاف البدو من حقهم التاريخي وغير قابل للتصرف. ولعدّة أسباب منها السياسية والمجتمعية لم تنجح الحكومات المتعاقبة في دولة الاستقلال إلى اللحظة الآنية في حل الاشكال المتعلق بعديد الأراضي.

[23]  النشاط المنجمي بمنطقة “تبديت” بالرديف: خيارات إقتصادية مدمرة يدفع ثمنها صغار الفلاحين ! – المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية

[24]  لمزيد الاطلاع حول انتهاكات الشركة يمكن للقارئ العودة إلى: بول فينياي دكتون، “جرائم الاستعمار الفرنسي في عهد الجمهورية الثالثة عرق البرنوس“، تعريب: الأزهر الماجري، المغاربية للطباعة والإشهار، تونس، 2008.

[25]  حسين الرحيلي، ورقة سياسات حول مبدأ العهدة على الملوّث، في إطار ائتلاف من أجل حوكمة عادلة ومواطنية للمواد الطبيعية، 2021، ص 4. دراسة حول “مبدأ العهدة على الملوث في تونس” | WatchWater