صارت مسألة مياه الشرب في تونس من القضايا الحاضرة يوميا في حياة المواطن، ليس فقط بسبب الانقطاعات أو محدودية الموارد، بل أساسًا بسبب تراجع جودة المياه ومقبوليتها للشرب. فقد تحوّل الماء الصالح للشراب، الذي يُفترض أن يكون حقًا أساسيًا ومضمونًا، إلى مصدر قلق صحي واقتصادي، يدفع أغلب التونسيين إلى البحث عن بدائل مكلفة أو غير مضمونة السلامة. ورغم وفرة الخطاب الرسمي حول تعبئة الموارد المائية وتطوير البنية التحتية، ظلّ النقاش العمومي حول جودة مياه الشرب محدودًا ومجزّأ، على الرغم من أن هذه ا المسألة تؤثر بشكل مباشر على صحة المواطنين وثقتهم في الخدمات المقدمة.
يهدف هذا المقال إلى الإسهام في النقاش العام حول مياه الشرب في تونس، من خلال تحليل جودة مختلف أنواع المياه المتداولة فعليًا، ومقارنتها بالمعايير الصحية الوطنية والدولية، مع تسليط الضوء على الهوة القائمة بين النصوص المنظمة والواقع المعيش. ولا يقتصر هذا العمل على تشخيص الاختلالات، بل يسعى أيضًا إلى طرح حلول عملية وتنظيمية من شأنها تحسين جودة مياه الشرب وضمان الحق في ماء آمن ومقبول للجميع.
مـقـدمـة
شهد تزويد مياه الشرب في تونس تطورا تدريجيًا، مرتبطا بالظروف المناخية ومحدودية الموارد المائية، فتاريخيًا اعتمدت البلاد أنظمة تقليدية لتجميع وتخزين المياه، مثل الآبار والصهاريج والفسقيات والمواجل والقنوات. أما بعد الاستقلال، فتم وضع منظومة وطنية لتعبئة وإدارة الموارد المائية، شمل بناء السدود وحفر الآبار العميقة وتطوير شبكات نقل المياه، كما تأسست الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (ش.و.إ.ت.م. – صوناد) عام 1968، للأشراف على إنتاج وتوزيع مياه الشرب على المستوى الوطني. وقد أتاحت هذه المنظومة التطور التدريجي لشبكات الجلب والتوزيع وتحسنًا ملحوظًا في خدمات مياه الشرب في المناطق الحضرية والريفية على حد سواء. ومع تقلص الموارد التقليدية وتزايد الطلب، اتجهت تونس إلى البحث عن الموارد غير التقليدية، بما في ذلك تحلية المياه الجوفية المالحة ومياه البحر وتطوير مصادر المياه، لتدعيم أمن إمدادات المياه الصالحة للشرب. فقد وصل حجم انتاج مياه الشرب الى حوالي 800 مليون م3 سنويا، أكثر من نصفها متأت من المياه السطحية و9% منها مياه تحلية في سنة 2024 بعد ما كانت في حدود 3% سنة 2014، كما يشير الى ذلك الشكل رقم 1. ويبدو من هذا الرسم، المستخلص من التقارير الوطنية للمياه لسنوات 2015-2024 [1]، أن نسبة المياه السطحية المستعملة في مياه الشرب مستقرة بين 54 و58 % في العشر سنوات الأخيرة رغم الجفاف الذي مرت به البلاد، ويعود ذلك أساسا الى أن التزود بمياه الشرب يحظى بالأولوية الأساسية مقارنة بالمياه الموجهة للري.

ومع تراجع جودة مياه الشرب التي بدأت منذ أكثر من عقدين، اتجهت نسبة كبيرة من الشعب التونسي نحو المياه المعلبة التي أصبحت المصدر الأول للشرب. وتعتبر كلفة هذه المياه باهضه وغير مقدور عليها من طرف شريحة واسعة من العائلات التونسية خصوصا التي يقل دخلها عن ضعفي الأجر الأدنى الصناعي. هذه الشريحة اتجهت نحو المياه غير المنظمة مثل مياه العيون والآبار الموزعة عبر صهاريج محمولة في شاحنات ومياه مُحلّاة غير معبّأة تُباع سائبًة (صبّة) بثمن يقل عن خمس ثمن المياه المعلبة.
وفي هذا المقال سوف يتم التطرق الى دراسة مختلف أنواع المياه الصالحة للشرب وللاستعمال البشري في تونس، مع التركيز على جودة هذه المياه ومدى مطابقتها للمعايير الصحية ومقبوليتها للشرب.
1- مياه الحنفية أو الصنبور
شهدت السنوات الأخيرة جدلا متزايدا حول ندرة المياه وجودتها في تونس، غير أن معظم المعطيات المنشورة والمتداولة ركزت على الموارد المائية وإمدادات المياه بينما بقيت مسألة الجودة الجانب الأقل دراسةً والأكثر غموضًا مع قلة المعلومات المتوفرة حول أغلب أنواع مياه الشرب أو مياه الاستعمال المنزلي كما يفضل البعض تسميتها. ويلاحظ تكرار التساؤلات بين المواطنين، خاصة من الجيل القديم وفي المجال الإعلامي أيضا، حول السبب الذي يجعل مياه الحنفية مقبولة للشرب سابقا، أما اليوم فمع تطور التقنيات ورقابة الجودة أصبح استخدامها غير مقبول للشرب في عديد الحالات وأحيانًا حتى غير مناسب للاستعمال المنزلي، مما يعكس الحاجة إلى مزيد من الدراسات والتوعية حول جودة المياه.
1.1 مطابقة مياه الشرب للمعايير الكيميائية
جودة المياه الصالحة للشرب منظمة في تونس حسب المواصفات التونسية NT 09.14(2013) وتلخص أهم هذه المواصفات الكيميائية مقارنة مع توجيهات المنظمة العالمية للصحة (م. ع. ص) [2] في الجدول رقم 1.

وبمقارنة المواصفات التونسية مع توجيهات المنظمة العالمية للصحة، نلاحظ أن الحد الأقصى لأغلب العناصر حسب المواصفات التونسية مضاعفة مقارنة بالتوجيهات م. ع. ص.
فيما يتعلق بمدى قبول مياه الشرب من حيث الطعم الذي يتغير مع ملوحة الماء، فان م. ع. ص. اعتمدت دراسة تصنف مقبولية الطعم كالاتي:
- الملوحة < 0,3 غ/لتر: طعم ممتاز
- 0,3 < الملوحة < 0,6 غ/ل: طعم جيد
- 0,6 < الملوحة < 0,9 غ/ل: طعم مقبول
- 0,9 < الملوحة < 1,2 غ/ل: طعم رديء
- الملوحة > 1,2 غ/ل: طعم غير مقبول
واعتمادا على هذا التصنيف يمكن اعتبار أن أغلب مياه الحنفية في تونس ذات طعم رديء أو غير مقبول.
ورغم أن المواصفات التونسية الخاصة بالتركيبة الكيميائية للماء لا تضمن مياه ذات طعم مقبول، فإن حوالي 50% من العينات التي تم أخذها وتحليلها (382) من طرف الهيئة الوطنية للسلامة الصحية والمنتوجات الغذائية (ه.و.س.ص. م.غ.) غير مطابقة للمواصفات التونسية، من الناحية الفيزيا-كيميائية، حسب التقرير الوطني للمياه لسنة 2024 [3]. ونسب عدم مطابقة بعض العناصر توزع كالأتي:
- الكبريتات (SO42-): 36,6%
- البقايا الجافة (الملوحة): 33,1%
- الكلوريدات (Cl–): 23,1 %
- الصلابة (Ca2++ Mg2+): 23,1 %
- العكارة (عكس الصفاء): 19,3%
وهذا يعني أن أكثر من ثلث المياه تحتوي على أكثر من 0,5 غ/ل من الكبريتات وأن ثلث المياه تحتوي على أكثر من 2 غ/ل من الأملاح وأن قرابة 20% منها غير صافية. غير أن التقرير، وللأسف، لم يوضح نسب مطابقة المياه المُحلّاة وخاصة مياه البحر، لمواصفات التركيبة الكيميائية لمياه الشرب.
ورغم ان ش.و.ا.ت.م. توجهت منذ 30 سنة نحو تحلية المياه وحيث تمثل المياه المُحلّاة حوالي 10% من مياه الشرب المنتجة، إلا أن ملوحة ثلث مياه الشرب الموزعة تتجاوز 2 غ/ل وهي غير صالحة للشرب. وبذلك فإن برنامج تحلية مياه الشرب لم يُلبّ إلا جزءا صغيرا من حاجيات المواطنين للمياه العذبة.
ويشير التقرير لسنة 2024 أن 50 عينة من مياه الشرب الموزعة عبر أنابيب الرصاص التابعة لشبكة الصوناد، كانت مطابقة للمعايير المعتمدة. كما أظهرت نتائج تحاليل رصد التلوث الإشعاعي تخص 21 عينة من شبكات مياه الشرب في ولايات قفصة والكاف وزغوان وقابس، مطابقتها للمعايير المعتمدة.
1.2 مطابقة مياه الشرب للمعايير الميكروبيولوجية
فيما يخص المعايير الميكروبيولوجية فالمواصفات التونسية والدولية تقتضي غيابا كليا لكل أنواع البكتيريا في المياه الصالحة للشرب.
وحسب التقرير الوطني للمياه لسنة 2024 [3] فان معدل عدم مطابقة المواصفات الميكروبيولوجية لمياه الشرب الموزعة من طرف الشركة الوطنية (ش.و.إ.ت.م.)، في المناطق المعرضة للخطر، ارتفعت في سنة واحدة من 13 الى 25,5 %، وهو رقم مفزع وخطير لم تشهده تونس من قبل. هذا وقد تجاوزت نسبة عدم مطابقة المواصفات الميكروبيولوجية سنة 2004، 30 % في بعض الجهات على غرار ولاية المهدية (41%) وتطاوين وسيدي بوزيد (36%) وصفاقس (29%)، علما ان المنظمة العالمية للصحة تعتبر الحد الأقصى المقبول في عدم مطابقة المواصفات هو 5%. وما يلفت النظر أن هذه النسبة التي كانت في حدود 6 % سنة 2015 في ارتفاع متواصل طيلة العشر سنوات كما يوضحه الشكل رقم 2.
في المقابل فإن أرقام الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه والتي تقوم بتحليل أكثر من 50 ألف عينة مستقرة بين 1,5 و3 % في عدم مطابقة المواصفات الميكروبيولوجية (شكل رقم 1) وهي تعتبر ذلك ضمن المواصفات الدولية.

أما فيما يخص مياه الشرب في المناطق الريفية التي تشرف عليها الجمعيات المائية، وهي تمثل حوالي 45 % من الاستهلاك الريفي، فان معدل عدم مطابقة المواصفات الميكروبيولوجية يتراوح في العشر سنوات الأخيرة بين 14 %، سنة 2015، و40 % سنة 2024. وهذه النسب المرتفعة مرتبطة في أغلب الحالات بعدم نجاعة عملية تعقيم المياه بالكلور (ماء الجفال) أو بغيابه كليا كما يوضحه الشكل رقم 3.

وقد تجاوز معدل عدم المطابقة للمواصفات الميكروبيولوجية، سنة 2024، 50% في بعض المناطق الريفية على غرار ولاية جندوبة (75%) وسليانة (63%) والكاف (55%).
بينما الكارثة الكبرى تخص النقاط العمومية المهيأة (آبار وصهاريج وينابيع) والتي تخض حوالي 1,5% من المواطنين أي ما يقارب 180 ألف مواطن. فنسب عدم مطابقة المواصفات الميكروبيولوجية في هذه النقاط تصل في عديد المرات الى 100 % كما هو واضخ في الشكل رقم 4 ويتراوح المعدل الوطني بين 27 و48,5 % طيلة العشر سنوات الفارطة.
وهذا يؤكد مرة أخرى أن عديد المناطق الريفية محرومة من أبسط الحقوق في العيش الكريم بما في ذلك الماء الصالح للشرب.

3.1-تعقيم المياه بالكلور (مياه الجفال)
إن نسبة الكلور الحر في ماء الشرب يجب أن تتراوح بين 0,2 و0,6 ملغ/ل حسب المواصفات التونسية. وعندما تقل النسبة عن الحد الأدنى تصبح نجاعة تعقيم الماء غير مجدية وترتفع خطورة التلوث الميكروبيولوجي. أما إذا زادت النسبة عن الحد الأقصى تفاعل الكلور مع المواد العضوية الموجودة في الماء لإنتاج مواد ثانوية خطيرة مضرة بصحة الإنسان. وللأسف فإن المعطيات المتعلقة بتركيز الكلور في مياه الشرب تفتقر الى الدقة في التقارير الوطنية للمياه، إذ يقتصر تسجيلها على حالات غياب الكلور دون توثيق الحالات التي يكون فيها تركيزه أقل من الحد الأدنى أو أكثر من الحد الأعلى.
وفي دراسة أجريت في مركز بحوث وتكنولوجيات المياه في أواخر سنة 2021 [4]، حول تركيز الكلور في مياه الحنفية، بينت نتائج التحاليل أن من جملة أكثر 40 عيّنة جُمعت من مناطق مختلفة بين رادس وسليمان، لم تكن سوى 9 مطابقة لمعايير الكلور في مياه الشرب. كما أظهرت متابعة تركيز الكلور في حنفية المخبر خلال الفترة الممتدة بين شهري سبتمبر ونوفمبر 2021، أن 3 عينات فقط من أصل 16 كانت مطابقة للمواصفات المعتمدة، في حين سجل في 4 حالات تجاوز الحد الأقصى المسموح به (0,6 ملغ/ل) وبمستويات تراوحت بين 5 و15 مرة. وقد أعيدت التجارب بالمخبر في الربع الثاني من سنة 2025 ولم نلاحظ تجاوزا كبيرا للحد الأقصى، إذ اقتصر في أقصى الحالات على ما يقارب ثلاث مرات.

الفترة: سبتمبر -أكتوبر2021
فزيادة على التأثيرات قصيرة المدى، عند ارتفاع تركيز مادة الكلور، مثل تهيّج العينين والجلد والأغشية المخاطية واضطرابات في الجهاز الهضمي، فإن الكلور يتفاعل مع المواد العضوية الموجودة في الماء لإنتاج ما يعرف باسم المركبات الثانوية الناتجة عن كلورة المياه. وأهم هذه المركبات هي ثلاثي الهالوميثانات (THMs) والتي تُعدّ من الملوثات ذات المخاطر الصحية المحتملة. حيث تشير بعض الدراسات العلمية [5] إلى ارتباط التعرّض طويل الأمد لتركيزات منخفضة من هذه النواتج الثانوية بزيادة مخاطر بعض الأمراض مثل سرطان المثانة والقولون واضطرابات في الكبد والكلى تأثيرات محتملة على الجهاز التناسلي والنمو الجنيني.
وقد تناول التقرير السنوي للمياه، ولأول مرة، موضوع النواتج الثانوية للكلورةTHMs)) في نسخة 2023، غير أن هذا الموضوع يستدعى دراسة معمّقة، نظرا لارتفاع نسبة عدم مطابقة مواصفات الكربون العضوي الكلي، الذي يُعد مؤشرا على المواد العضوية في مياه الحنفية، والتي تراوحت بين 15 و24٪ في السنتين الأخيرتين. ويضاف الى ذلك غياب المعطيات المتعلقة بتجاوزات النسب الفائضة للكلور الحر والكلور المدمج في مياه الحنفية.
يظلّ الكلور (ماء الجفال) العنصر الأساسي لتعقيم مياه الشرب وحماية الصحة العامة، وتفوق فوائده مخاطره عند الالتزام بالمواصفات المعتمدة. غير أنّ المراقبة المنتظمة لتركيز الكلور ونواتج كلورته تبقى ضرورية للحد من آثاره الصحية المحتملة على المدى الطويل. ويُشترط تقنيًا ربط منظومة حقن الكلور بمنظومة ضخ المياه لضمان التحكم المستمر في جرعات الكلور المضافة واحترام الحدود القصوى والدنيا المنصوص عليها في المواصفات المعتمدة.
2- مياه الشرب المُحلّاة
لتجنب الخلط بين المصطلحين “مياه التناضح العكسي” و”المياه المُحلّاة” يُستحسن تعريف كل منهما في بداية الفقرة:
مياه التناضح العكسي: هي مياه شبه منزوعة الاملاح تُنتَج عبر أغشية التناضح العكسي دون إخضاعها لمعالجة بعدية.
المياه المُحلّاة: هي مياه تُنتَج بتقنية التناضح العكسي مع إخضاعها لمعالجةبعدية بهدف تعديل محتواها المعدني.
مياه الشرب المُحلّاة هي مياه ذات مصادر متعدّدة (مياه البحر، المياه الجوفية، مياه الحنفية …) تتميّز بملوحة مرتفعة تجعلها غير صالحة أو غير مقبولة للشرب، ويتم إخضاعها لعمليات معالجة تهدف إلى خفض تركيز الأملاح إلى المستويات المطابقة لمواصفات مياه الشرب مما يؤدي إلى تعديل تركيبتها الكيميائية. وتعتمد هذه العمليات على عدة تقنيات، أبرزها إزالة الأملاح باستخدام تقنية التناضح العكسي التي تُعدّ الأكثر انتشارًا على الصعيد العالمي. وتسبق هذه التقنية معالجة أولية للمياه الخام، تليها معالجة لاحقة لمياه التناضح العكسي، وذلك لضمان ملاءمة المياه المنتَجة للمعايير الصحية والفنية المعتمدة.
أ- المياه المُحلّاة من طرف ش.و.إ.ت.م. (صوناد)
وهي نوعان، مياه جوفية ومياه بحر بقدرة إنتاجية حالية بحوالي 110 ألاف و200 ألف م3/يوم على التوالي [6]. علما أن القدرة الإنتاجية المبرمجة بين 2030 و2035 تصل الى 850 ألف م3/يوم وهو ما يعادل 365 مليون م3/سنة وسوف تمثل قرابة 40 % من مياه الشرب المنتجة.
والسؤال المطروح: هل هذه المياه ذات الكلفة العالية (بين 0,5 و3 د./م3 دون احتساب كلفة التوزيع) تعتبر جيدة أو مقبولة للشرب؟
وجواب أغلب المواطنين المستهلكين لهذه المياه، كان بعدم مقبوليتها للشرب. أما من الناحية التقنية-العلمية، فيُعزى ذلك أساسا الى قيمة مجموع الأملاح المرتفعة في المياه المُحلّاة من طرف شركة الصوناد. فبهدف تقليص كلفة إنتاج المياه المُحلّاة اتجهت الشركة الوطنية منذ المراحل الأولى الى إنتاج مياه مُحلّاة ذات ملوحة في حدود 1,5 غ/ل، وذلك من خلال خلط مياه التناضح العكسي مع مياه جوفية ذات ملوحة مرتفعة نسبيا.
ويشار إلى أنه خلال أشهر الصيف، ومع تجاوز الطلب للعرض، يرتفع مجموع الأملاح في المياه المنتجة ليقارب 2 غ/ل، وهي قيمة تبقى ضمن الحدود المنصوص عليها في المواصفات التونسية. غير أن هذه التوجه المعتمد (مجموع الأملاح ≥ 1,5 غ/ل) يجعل مياه الشرب المُحلّاة غير مقبولة من حيث الطعم وذلك وفقا للدراسة المشار اليها أعلاه في الفقرة الأولى.
وفيما يخص تركيبة مياه الشرب المنتجة من مياه البحر، فإن الوصول إلى مياه مُحلّاة مماثلة لمياه الشرب العادية متطابقة مع المواصفات التونسية يبقى أمرًا صعبًا عند الاعتماد فقط على خلط المياه لتعديل نسبة الأملاح. ويعود ذلك إلى أن مياه البحر تحتوي أساسا على ملح الطعام أي الصوديوم والكلوريد بنسبة تتجاوز 85 % من مجموع أملاح مياه البحر (حوالي 40 غ/لتر).
وعند استعمال تقنية التناضح العكسي، يتم التخلص من معظم الأملاح، غير أن الجزء المتبقي منها يكون مكوّنا أساسا من الصوديوم والكلوريد بنسبة تتجاوز 95 % من مجموع الأملاح الذي يقارب 0,6 غ/لتر. ويرجع ذلك الى أن الأغشية المستعملة تزيل بعض الأملاح، مثل الكالسيوم والمغنيسيوم (أيونات ثنائية التكافؤ) بشكل أفضل من ملح الطعام (أيونات أحادية التكافؤ). ولهذه الأسباب، يصعب تعديل تركيبة هذه المياه لتصبح مماثلة لمياه الشرب الطبيعية دون اللجوء إلى معالجات إضافية غير عملية الخلط.
فعلى سبيل المثال في محطة تحلية مياه البحر بجزيرة جربة يتم إنتاج المياه المُحلّاة عبر خلط مياه التناضح العكسي بالمياه الجوفية المحلية التي تقارب ملوحتها 5,5 غ/ل، وتشكل نسبة الصوديوم والكلوريد فيها حوالي 60 % من مجموع الأملاح. ونتيجة لذلك، يصبح تركيز أيوني الصوديوم Na⁺) ) والكلوريد (Cl⁻) في المياه المُحلّاة الموزعة يتجاوز الحدود القصوى المسموح بها لمياه الشرب وهي 200 و500 ملغ/لتر على التوالي.
أما فيما يخص محطة تحلية مياه البحر بقابس فيتم خلط مياه التناضح العكسي بالمياه الجيوحرارية من منطقة شط الفجيج -الحامة، التي تشكل نسبة الصوديوم والكلوريد فيها حوالي 40 % من مجموع الأملاح والتي يبلغ تركيزها حوالي 3 غ/ل. وفي هذه الحالة، يكون تركيز أيون الصوديوم في المياه المُحلّاة أعلى بحوالي 10% عن الحد الأقصى لمواصفات مياه الشرب وهو 200 ملغ/لتر.
ولتكون التركيبة الكيميائية لمياه الشرب المنتجة من مياه البحر مطابقة للمواصفات التونسية، يجب خفض مجموع الأملاح الى أقل من 1 غ/ل بالنسبة لمحطة تحلية مياه البحر بقابس. أما في جزيرة جربة فعملية الخلط بالمياه الجوفية للجزيرة لا تعد مجدية لضبط التركيبة الكيميائية ويفترض استبدالها بإضافة الأملاح اللازمة مثل الكلسيوم والمغنيسيوم كما يمارس في اسبانيا وفي بعض البلدان المتقدمة لضمان جودة المياه وطعمها المناسب للشرب.
ب- المياه المُحلّاة المعلبة او مياه المائدة
يضمّ قطاع المياه المعلّبة في تونس ثلاث علامات تجارية من مياه المائدة المصنّفة وفقًا للمواصفات (2007) 09.83 NT وتعود هذه المياه الى أصل جوفي لكنها تخضع لعمليات معالجة تؤدي إلى تعديل تركيبتها الكيميائية بخلاف المياه المعدنية ومياه المنبع الطبيعي. وفي الواقع يتم إنتاج هذه المياه عبر تقنية التناضح العكسي، ثم تُضبط تراكيز الأملاح للحصول على مياه متوازنة من حيث الطعم والجودة.
وبما ان النص المنظم لم يحدّد حدًّا أدنى أو أقصى لمجموع الاملاح، فأن عنصر “طعم الماء” يُعدّ العامل الرئيسي في تحديد هذا المجموع، والذي يتراوح عادة بين 0,3 و0,4 غ/ل. وقد ساهم ذلك في الإقبال على هذا النوع من المياه، لما يتميّز به من طعم مستساغ، مقارنة ببعض المياه المعدنية التي تفوق ملوحتها 0,6 غ/ل.
ت- المخاطر الصحية لاستهلاك المياه المُحلّاة منخفضة المحتوى المعدني
أظهرت عدة دراسات علمية [7] أن استهلاكمياه الشرب المُحلّاة ذات الملوحة المنخفضة والمحتوى المعدني الضعيف قد يؤدي إلى نقص في بعض العناصر الأساسية مثل الكالسيوم والمغنيسيوم، وهما عنصران ضروريان لصحة العظام ووظائف العضلات وانتظام عمل القلب. كما تشير هذه الدراسات الى أن هذا النوع من المياه قد يؤثر على التوازن الأسموزي لسوائل الجسم، وهو عامل أساسي في تنظيم توزيع الماء داخل الخلايا وخارجها.
ويمكن أن يؤدي اختلال هذا التوازن، خاصة عند الاستهلاك المطوّل، إلى اضطرابات في الوظائف العصبية والعضلية، وقد ينعكس سلبا، في بعض الحالات على شكل تشنجات عضلية أو اضطرابات في نظم القلب أو ظهور وذمات (تورّمًا غير طبيعي) ناتجة عن تجمع السوائل في الأنسجة، خاصة في الأطراف مثل الساقين والقدمين، وأحيانًا في الوجه أو اليدين.
وفي هذا السياق تشير دراسة أُنجزت بجامعة الطب العسكري، تشونغتشينغ -الصين [8] الى أن الاستهلاك المستمر للمياه منخفضة الأملاح قد يرتبط بتثبيط نشاط الخلايا البانية للعظم، وتنشيط آليات ارتشاف العظام وانخفاض كثافة المعادن فيها، مما يؤثر سلبا على نمو الطول لدى الأطفال. لذا، ينبغي مراعاة المخاطر الصحية لاستهلاك المياهالمُحلّاة منزوعة المعادن.
وبناء عليه، تبرز أهمية الانتباه إلى المخاطر الصحية المحتملة المرتبطة باستهلاك المياه المُحلّاة فقيرة المعادن، خاصة في ظل انتشار هذا النوع من المياه، خارج منظومة تؤطر وتراقب هذا النشاط، وغياب الوعي لدى المستهلكين.
3- مياه الشرب المحمولة في الصهاريج أو مياه العيون
بدأت ظاهرة تجارة مياه العيون عبر الصهاريج المتنقلة منذ حوالي ثلاثة عقود في جهة الوطن القبلي وذلك باستغلال المياه الجوفية العذبة في محيط معتمدية الهوارية ومع تردي جودة المياه الصالحة للشرب وارتفاع ثمن المياه المعلبة انتشرت هذه الظاهرة في أغلب المناطق التونسية. ففي البداية كانت تنقل المياه في صهاريج بلاستيكية التي تغير مجملها الى خزانات من الفولاذ المقاوم للصدأ. تُعدّ هذه المياه التي تباع بشكل صبه، بمعدل حوالي 0,8 دينارا لكل 10 لترات، غير معقمة كما أنها عرضة للتلوث الميكروبيولوجي أثناء شحنها في الصهاريج ونقلها وتوزيعها. كما تبقى عملية غسل وتعقيم هذه الصهاريج بصفة دورية أمر مجهول في ظلغياب معايير واضحة لعمليات غسل وتعقيم الصهاريج بصفة دوريةفضلًا عن انعدام الرقابة والتكوين المهني للعاملين في هذا النشاط.
يلاحظ أن هذه المياه تخزن لدى المستهلكين في عبوات بلاستيكية لعدة أيام تصل الى أسبوع. وخلال فصل الصيف، ومع ارتفاع الطلب، تتجاوز درجات حرارة هذه المياه25 °م،اثناء تخزينها خارج أجهزة التبريدمما يوفّر ظروف ملائمةلتكاثر البكتبريا، خاصة في ظل غياب وعي المستهلكين بعملية تعقيم مياه الشرب. وقد أفادبعض المستهلكين بملاحظة تغير في طعم المياه وظهور مؤشراتتعفن بعد نحو ثلاثة أيام من التخزين. ويشار الى أن إضافة قطرات من ماء الجافيل للماء عند اقتناء الماء قد تساهم في تعقيمه وتجنب تعفنه.
تبقى مصادر هذه المياه مجهولة في مجملها بالنسبة للمستهلكين، حيث يصر معظمالموزعين على أنها مياه عيون طبيعية، بينما أظهرتالعديد من التحاليل الفيزيائية-كيميائية التي أجريت في مركز بحوث وتكنولوجيات المياه، في إطار مشروع ختم الدروس، أن هذه المياه هي مياه مُحلّاةوليس مياه طبيعية [9].
وتشير المعطيات الى أن بعض آبار المياه المستغلة، في هذه النشاط غير المنظم، منذ أكثر من عقدين قد سجلت ارتفاعًا في ملوحتها، وهو ما انعكس على خصائصها الحسية، خاصة المذاق،الأمر الذي دفع أصحابها إلى اقتناء وحدات تحلية بتقنية التناضح العكسي وتسويق المياه المحلاة المنتجة، من طرف أصحاب الصهاريج، باعتبارها مياها طبيعية عذبة.
ومع رداءة المياه الصالحة للشراب، كما توضحه الأرقام في التقرير السنوي للمياه لسنة 2024 وغلاء المياه المعلبة،تصبح تجارة المياه عبر الصهاريج لشريحة كبيرة من العائلات التونسية، خاصة التي يقل دخلها الشهري عن ضعفي الحد الأدنى للأجر المضمون، أمر ضروري لا بديل عنه في الظروف الحالية خاصة في الأرياف والمناطق المهمشة. ولحماية هذه الشرائح المجتمعية يفترض تنظيم قطاع بيع المياه ” صبّة” بكراس شروط ومراقبته مع تشجيع أصحاب الشهائد وفرض دورات تكوينية وتحاليل دورية للمياه الموزعة.
4- مياه الماجل
تتمتع تونس بتقاليد عريقة في تجميع مياه المطر في خزانات تحت الأرض، المعروفة باسم “الماجل” وتنتشر هذه الممارسة في عديد المدن مثل القيروان، والمهدية، وصفاقس، وجربة وبشكل خاص في جنوب تونس.
مازالت بعض المناطق في تونس خاصة في الجنوب التونسي مثل جزيرة جربة ومدينة صفاقس وضواحيها، تستعمل مياه الماجل للشرب، كما أن الدولة بادرت بوضع تشريعات تحفز على إقامة ” المواجل” في المنازل والبنايات الكبرى منذ 2016. ومع ذلك لا توجد دراسات رسمية أو بيانات معتمدة من هيئات رسمية حول هذه المنظومة.
قبل جمعها في المواجل، تمر الأمطار عبر الهواء الملوث والأسطح بمختلف أنواعها وقد تحمل ملوثات بيئية وميكروبية. فهذه المياه تعتبر غير معالجة وربما غير آمنة للشرب إن لم يتم أخذ الإجراءات الضرورية من الصيانة الدورية للماجل والأسطح وترشيح مياه الأمطار قبل دخولها للماجل باستخدام مرشحات دقيقة (ميكروفلتر) وتعقيمها بمادة الكلور أو بحجر الجير. ويفضل استخدام الجير النقي، لأنه زيادة على تعقيم المياه لفترات طويلة، يعدل حموضة الماء ويضيف بعض المعادن المفيدة لصحة الإنسان مثل الكالسيوم.
وتُعدّ من الدراسات القليلة التي تناولت جودة مياه المواجل، دراسة أنجزت بقرية دخيلة-توجان البربرية التابعة لمعتدية مارث من ولاية قابس، حيث تم سنة 2021 إجراء مسح شامل لخصائص الخزانات الترابية واستخداماتها. وشملت الدراسة تحليل 120 عينة مياه الأمطار المجمعة [10].وقد أظهرت النتائجتطابق الخصائص الفيزيائية والكيميائية لهذه العينات مع معايير منظمة الصحة العالمية لعام 2017. في المقابل كشفت التحاليل الميكروبيولوجية أن 91 % من العينات ملوثة ببكتيريا الإشريكية القولونية ولا تستجيب للمعايير المعتمدة لمياه الشرب، وهو ما اعتبرته الدراسة مصدر قلق صحي بالغ الخطورة على سكان هذه المناطق نظرًا لاستخدامهم اليومي لهذه المياه. وللحد من هذه المخاطر الصحية، توصي الدراسة بضرورة تعزيز وعي السكان بأهمية تطهير هذه المياه وذلك من خلال غليها لمدة 5 دقائق على الأقل قبل استهلاكها.
5- المياه المعلبة
تعتبر تونس من أكثر البلدان في العالم استهلاكا للمياه المعلبة، فمرتبتها تتراوح بين الثانية والرابعة عالميا في السنوات الأخيرة، من حيث الاستهلاك الفردي الذي وصل سنة 2022 الى حدود 275 ل/فرد/سنة. ويعود ذلك أساسا الى هجرة المواطن لمياه الحنفية جراء عدم مقبوليتها للشرب [11]. وقد تجاوز عدد أنواع المياه المعلبة في تونس 30 نوعا، 3 منها مياه مائدة (مياه وقع تغيير تركيبتها الكيميائية ويمكن أن تباع في احجام تزيد عن لترين) وحوالي 10 مياه منبع طبيعي -مياه طبيعية يمكن معالجتها دون تغيير تركيبتها الكيميائية التي يمكن أن تكون غير مستقرة -وأكثر من نصفها مياه معدنية طبيعية وهي مياه ذات تركيبة كيميائية مستقرة وتمنع معالجتها.
قطاع المياه المعلبة هو قطاع خاص يخضع الى رقابة مؤسسات الدولة مثل الهيئة الوطنية للسلامة الصحية والمنتجات الغذائية والديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه (د.و.م.م.إ.م.). ورغم ذلك، فما زالت الرقابة دون المأمول سواء في مراقبة المعطيات المنشورة على ملصقات القوارير أو في طعم بعض المياه المعدنية الذي يتغير في بعض الفصول. فالأمر المنظم للمياه المعدنية الطبيعية (2007) 09.33 NT يفرض التنصيص الواضح للمستهلك عند تجاوز تركيز الفليوريد 1 ملغ/ل بعبارة “هذا الماء يحتوي على مادة الفليوريد”، غير أن هذا المقتضى القانوني لا يُحترم في نوعين من المياه التي تتجاوز فيها نسبة الفليوريد هذا الحد، والذي كان متجاهلا كليا الى حد سنة 2024. كما أن الخطأ في التوازن الأيوني (cations / anions) للتركيبة الكيميائية للمياه الموجودة على ملصقات القوارير لعديد العلامات التجارية يتجاوز الحد المسموح به 5 % ليفوق 10 % لبعض المنتجات. وفيما يخص المعطيات حول المياه المعلبة في الموقع الالكتروني للديوان الوطني -د.و.م.م.إ.م.-فهي شحيحة وليست محدثة ولا يوجد فيها أية معلومات حول المياه الجديدة التي دخلت لسوق المياه المعلبة.
وأخطر ما يمكن أن تتعرض إليه المياه المعلبة هو تلوثها بالجسيمات البلاستيكية (microplatiques) خصوصا إذا تعرضت لأشعة الشمس والحرارة أثناء نقلها أو خزنها أو بيعها وهي ظاهرة تفاقمت في السنوات الأخيرة دون رقيب أو حسيب. وفي أوت 2025 أصدرت الهيئة الوطنية -ه.و.س.ص.م.غ.-بلاغا يمنع تعريض المياه المعلبة لأشعة الشمس، توبع بحملة وطنية وجهوية وحجز أكثر من 100 ألف قارورة ماء، لكن الظاهرة وإن تقلصت مازالت منتشرة.
وقد أثبتت عديد الدراسات في الدول الأوروبية أن كل المياه المعلبة تحتوي على جسيمات بلاستيكية مع اختلاف تركيزاتها، إذ تكون أعلى في القوارير البلاستيكية. كما أنها موجودة أيضا في القوارير الزجاجية بسبب طلاء الأغطية. وتُشير الأبحاث الحديثة [12] إلى أن أغلب الجسيمات صغيرة جدًا وأقل من حدود الكشف في الاتحاد الأوروبي، المحدد ب 20 ميكرومترا، مما يُثير دعوات لتحديث المعايير في هذا المجال الذي مازال غائبا كليا في تونس.
الـخـاتـمـة
يُركز هذا المقال على أزمة مياه الشرب في تونس التي تتجاوز مسألة الندرة والانقطاعات لتصبح أزمة جودة وثقة وعدالة. فارتفاع نسب عدم مطابقة المياه للمواصفات التونسية وللمعايير الصحية، وتفاوت مستوى السلامة بين الجهات، وانتشار حلول بديلة غير منظمة، تمثل مؤشرات على وجود خلل عميق في التعامل مع منظومة مياه الشرب باعتبارها حقًا أساسيًا وليس كمجرّد خدمات تقنية.
كما يبيّن التحليل أن بعض التوجهات المعتمدة، مثل التوسّع في تحلية المياه دون التقيد بكل المواصفات الكيميائية أو الاكتفاء بالتعقيم بالكلور دون تطوير آليات حقن الكلور ورقابة دقيقة، قد تؤدي إلى مخاطر صحية على المدى القريب والبعيد إذا لم تُصاحبها مراقبة صارمة وشفافية في المعطيات، وتواصل واضح مع المواطن. وفي المقابل، فإن لجوء شرائح واسعة من التونسيين إلى المياه المعلبة أو السائبة يعكس ضعف المنظومة في توفير بديل عمومي موثوق ومقبول.
إن ضمان الحق في مياه شرب آمنة ومقبولة يتطلّب اليوم مقاربة جديدة تقوم على أولوية الجودة، والإنصاف الجهوي، ودعم البحث العلمي، وتنظيم المبادرات الخاصة بدل تركها خارج أي رقابة. فالماء ليس مسألة تقنية فحسب، بل هو خيار صحي واجتماعي وسياسي يعبّر عن طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن
- د\ حمزة الفيل – تونس
هذا المقال مأخوذ من العدد الأول لمجلة المرصد التونسي للمياه. للاطلاع على العدد: اضغط\ي هنا
المراجع
- التقرير الوطني للمياه لسنوات 2015-2024، مكتب التخطيط والتوازنات المائية -وزارة الــفــلاحــة والموارد المائية والصيد البحري
- WHO. Guidelines for Drinking-Water Quality, 4th edition. World Health Organization, Geneva, Switzerland, 2017.
- التقرير الوطني للمياه لسنة 2024 مكتب التخطيط والتوازنات المائية -وزارة الــفــلاحــة والموارد المائية والصيد البحري. http://www.onagri.nat.tn/uploads/RNE-2024.pdf
- E. Melliti, N. Kalboussi, A. Mejri, H. Elfil (2024) Monitoring, evaluation and improvement of Tap water quality. AGIC 5 ; CERTE; 8-10 Nov. 2024 – Hammamet
- Shi J, Zhang K, Xiao T, Yang J, Sun Y, Yang C, Dai H, Yang W. Exposure to disinfection by-products and risk of cancer: A systematic review and dose-response meta-analysis. Ecotoxicol Environ Saf. 2024 Jan 15;270:115925. doi: 10.1016/j.ecoenv.2023.115925.
- Elfil H., Hamed A. Hannachi A. (2007), Technical evaluation of small-scale RO desalination for domestic water, Desalination, 203319-326;
- J. Nriagu, F. Darroudi, B. Shomar (2016) Health effects of desalinated water: Role of electrolyte disturbance in cancer development. Environmental Research, 150, p.191-204.
H. YUJING, M. XIANGYU, T.YAO, W. JIA, L. LAN, Q. ZHIQUN, L. JIAOHUA, Z. HUI, S. WEIUN (2019) CONSUMPTION OF VERY LOW MINERAL WATER IS ASSOCIATED WITH LOWER BONE MINERAL CONTENT IN CHILDREN. THE JOURNAL OF NUTRITIO– المياهالمُحلّاةالمُنتجةوالمسوّقةعبرمحلاتتجاريةبنظامالبيعصَبّة
منذ مطلع الألفية الثالثة، شهدت تونس بروز ظاهرة تحلية مياه الحنفية نتيجة تدهور جودة مياه الشرب وارتفاع ملوحتها في عدد من المناطق. وقد ساهم في انتشار هذه الظاهرة دخول وحدات تحلية صغيرة الحجم إلى السوق التونسية بطاقة انتاج تقارب 10 لتر في الساعة، وتعتمد على تقنية التناضح العكسي. وتسوق هذه الوحدات، بسعر في حدود 400 د.، وتمكن من انتاج ماء عذب يكاد يكون منزوع المعادن، حيث لا يتجاوز مجموع الاملاح 0,1 غ/ل. كما تُقدَّر كلفة إنتاج اللتر الواحد بنحو 30 مليم [6]. وهو ما يفسّر الإقبال المتزايد على هذا الحل لدى الأسر، رغم ما يطرحه من تساؤلات صحية وتقنية. وفي هذا الإطار يُنصَح باقتناء وحدات تحلية تحتوي على نظام خلط مع مياه الحنفية عبر مرورها عبر المرشحات الثلاثة التي تزيل المواد العالقة والكلور دون التأثير على الاملاح، كما يمكن تجهيز الوحدات القديمة بمنظومة خلط إضافية وذلك بكلفة إضافية لا تتجاوز 50 دينارا.
ومع تفاقم تراجع جودة مياه الشرب، انتقلت هذه الظاهرة من الاستعمال المنزلي الى المجال التجاري، خاصة في المناطق التي لا تصلها مياه العيون المنقولة عبر الصهاريج. وقد أصبحت تجارة المياه المُحلّاة اليومنشاطًا واسع الانتشارفي مختلف الجهات التونسية ولا سيما في الجنوب، حيث تمثل خيارا بديلا لشريحة واسعة من المواطنين غير القادرين على اقتناء المياه المعلبة. ويعود ذلك أساسا الى انخفاض كلفتها إذ لا يتجاوز سعر 10 لترات منها دينارا واحدا، أي أقل بنحو ست مرات من متوسط معدل سعر المياه المعلبة.
غير أن اعتماد أصحاب هذه المحلات على وحدات تحلية جاهزة للتشغيل بنظام “تسليم المفتاح”، الى جانب افتقار أغلب العاملين في هذا القطاع الى التكوين الأساسي في مجال تحلية المياه وجودة مياه الشرب، يجعل من الصعب ضمانإنتاج مياه مطابقة للمواصفات الصحية، خاصة فيما يتعلق بمجموع الأملاح ودرجة الحموضة وعمليات التعقيم.
8- n ; 149/11, p. 1994-2000
9- Ouled Tayeb N., Hidri N. (2025) Contribution à l’évaluation et à l’amélioration de la qualité de différentes sources d’eau ; PFE ISET Kélibia – CERTE
10- F .Mansouri, I. Gasmi, M .Moussa, M. Ksibi (2021) Rainwater harvesting potentials for drought mitigation in Tunisia: Water quality monitoring. E3S Web of Conferences 265, 05004.
11- وائل ونيفي، أرباح طائلة واحتكار للسوق: الوجه الآخر لاستنزاف الموارد المائيّة من قبل شركات تعليب المياه في تونس. الكتيبة، 7 ديسمبر 2023.
L. Chadwick Scientists find most microplastics in drinking water are smaller than EU detection limits. Euronews – 17/01/2025.12-

