نحو نموذج صناعي سيادي وبيئي وعادل في المغرب



يدور نقاش عالمي حالي حول “عودة” للسياسات الصناعية في سياق مواجهة تغير المناخ، حيث أسفر الإجماع الجديد بشأن العمل المناخي عن تطوير حزم سياسات صناعية (قوامها في معظمه إعانات وحوافز) لتحفيز التطوّر التكنولوجي والإنتاج اللازمين لإزالة الكربون من الاقتصاد.

تبحث النخب الحاكمة في المغرب عن موقع لها تحت شمس هذه التحولات، وتسعى إلى تكييف سياساتها الاقتصادية، علّها تستفيد من هذا النقاش العالمي حول التحول نحو سياسات صناعية خضراء.

لكن يظل السياق العالمي ذاته أكبر المعيقات في وجه سياسات صناعية خضراء. فهيكل الاقتصاد العالمي حيث تهيمن القوى الكبرى (الغرب والصين)، يجعل هامش التحرك نحو التصنيع الأخضر ضيقًا جدًا في وجه دول الجنوب العالمي، وضمنها المغرب.

كما يتطلب انتقال بلدان الجنوب العالمي من وضع التخلف الاقتصادي والتبعية والتردي الاجتماعي والخراب البيئي الدفاع عن منظور للسياسات الصناعية يجعلها سيادية وعادلة وخضراء. ويقدم المقال محاور دقيقة وتوصيات ملموسة لبناء جسر يربط بين الحاجيات اليومية للناس وبين منظور تحول اقتصادي وانتقال بيئي عادلين.

. الحديث عن “العودة إلى السياسات الصناعية” أمر نسبي، فهذه كانت دومًا موجودة في البلدان المتقدمة، بينما جرى القضاء عليها في دول الجنوب بعد الهجمة النيوليبرالية المضادة منذ نهاية سبعينيات القرن العشرين. حسب إرنست ماندل (1960):

“… إن البرجوازية، عندما تكون ضعيفة، تبحث دومًا عن خلاصها في حماية الدولة، أي الأمل بالاستفادة، بوساطة السلطات العامة، من إعادة توزيع للدخل القومي تقلص من مجازفات منشآتها وتزيد من أرباحها. وإنما عندما تكون البرجوازية قوية، وتكون واثقة بقواها وبقدرتها على تحطيم العقبات بفعل تفوقها الاقتصادي وحده، تلجأ إلى فضح كل تدخل عام وتسعى إلى تقليص موارد الدولة المالية إلى أقصى المستطاع”.[1]

تلخص هذه الفقرة كل التاريخ الاقتصادي للرأسمالية من القرنين السابع عشر والتاسع عشر (صعود بريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا واليابان) حتى القرن العشرين والعقود الأولى من القرن الحادي والعشرين: من الكساد العالمي الكبير (1929- والثلاثينيات) وما بعد الحرب العالمية الثانية وخطة مارشال، وبناء اقتصادات مستقلة في بلدان العالم الثالث، ثم الهجمة النيوليبرالية من نهاية سبعينيات القرن العشرين، انتهاء بالأزمات البنيوية منذ 2008 حتى أزمة كوفيد-19 سنة 2020.

2. بعد ثلاثة عقود من تطبيق حَرفي للعقيدة النيوليبرالية الأرثوذكسية والهجوم الشرس على كل تدخل حكومي، فتحت أزمة 2008- 2009 نافذة للحديث عن دور الدولة من جديد. احتد النقاش بعد بروز الأزمة المناخية والحاجة إلى انتقال إلى اقتصاد أخضر. وظهر مرة أخرى أن الرأسمال لا يريد المجازفة بالاستثمار في قطاعات جديدة غير مضمونة ولا التخلي عن استثماراته القديمة القائمة على الوقود الأحفوري. لذلك جاءت الحاجة إلى تدخل الدولة لتنهض بالمهمة بدلًا منه، وهو ما أسماه أمير البديوي:

“يتمثل دور الدولة في الغالب في ‘مرافقة’ رأس المال الخاص نحو الاستثمارات الخضراء”.[2]

نفس الشيء ينطبق على حاجة البرجوازية إلى حمايةٍ من دولتها من المنافسات والنزاعات في السوق العالمية، وقد ظهر هذا بجلاء في الصراع بين الولايات المتحدة والصين، فالأولى تريد استعادة قاعدتها الصناعية مستاءةً من الدعم الحكومي الكبير التي تسنه الصين، لذلك انخرطت في حرب تجارية لحماية صناعتها ومحاولة إعادة توطينها من جديد.

3. في المغرب كان للدولة دور كبير في إرساء بنية تحتية وصناعية أولية بعد “الاستقلال” السياسي، نيابة عن قطاع خاص مغربي متهرِّب من القيام باستثمارات بعيدة المدى ومفضِّلا الاستثمار في المضاربة العقارية والقطاعات ذات الربح السريع والمضمون، لذلك أعلن ميشيل روسيه أن الدولة المغربية في العقود الثلاثة بعد “الاستقلال” “تقمصت شخصية رجل الصناعة والتاجر والفلاح”.[3] وبعد أن تقوى عود البرجوازية المحلية، قبلت بانسحاب الدولة من القطاعات الإنتاجية (برنامج التقويم الهيكلي) واستولت مع الرأسمال الأجنبي على جزء من البنية الصناعية التي بنتها الدولة عبر المالية العمومية. ومع الاستراتيجيات القطاعية الجديدة (ابتداءً من سنة 2005)، تستفيد أيضًا من البنية التحتية التي تنشئها الدولة من المالية العمومية، مثل الطرق والسكك الحديدية والموانئ والمطارات والسدود وأنظمة الري… كل هذه البنى التحتية مصممة لخدمة الشركات الكبرى. يؤكد هذا ما ذهب إليه إرنست ماندل من أن

“الدولة وتدخُّل الدولة في هذه البلدان [المتخلفة] بعيد كل البعد من أن يكون مناوئا للرأسمالية، ويشكلان بؤرًا حقيقية لظهور البرجوازية ولتكوين المنشآت الرأسمالية، إن لم نقل العائلات البرجوازية”.[4]

لقد أدت الدولة (عبر القطاع العام) في المغرب دور مولِّدة لبرجوازية محلية، لكن في احترام تام لحصتها من قسمة العمل الدولية، وجاءت تطورات ثمانينيات القرن العشرين، لتفتح في وجه تلك البرجوازية الوليدة (أو بالأحرى قسمها الكبير) فرصة الاستحواذ على الغنيمة العمومية تلك.

4. بعد عقدين من تطبيق برنامج التقويم الهيكلي والانفتاح شبه الشامل على الاقتصاد العالمي والتحرير التجاري، أظهرت أقسام مهمة من البرجوازية المغربية (باستثناء الرأسمال الكبير المستفيد من التحرير الاقتصادي) عجزًا عن مواكبة متطلبات المنافسة والصمود في وجه العولمة وتراجع التصنيع. لذلك انتقلت الدولة إلى استعادة تدخلها عبر “السياسات الصناعية الجديدة” الرامية إلى دعم القطاع الخاص المغربي ومحاولة بعث قاعدة التصنيع اعتمادًا على استقطاب الرأسمال الأجنبي (المهن العالمية: السيارات والطيران والإلكترونيك). وقد شهدنا كيف فشل ذلك فشلًا ذريًعا، باعتراف الوثائق الرسمية ذاتها. إن صورة المغرب المتقدم، التي يجري ترويجها إعلاميًا، وتنال إعجاب السياح، لا تتعدى واجهة بنية تحتية جبارة. وركيزة الصورة المتقدِّمة هذه هي سهولة الولوج إلى سوق التمويل الدُّولية، ولكن عندما يصل الأمر مداه ستنفجر فقاعة المديونية عاصفة بتلك الصورة وبما يُعتبَر إنجازات اقتصادية.

5. تبنت الدولة شعارات الانتقال الأخضر والاقتصاد منخفض الكربون، رغم مساهمة المغرب الضعيفة جدًا في الانبعاثات العالمية، لأنه متضرر جدًا من التغيرات المناخية العالمية (دورات الجفاف الشديد، والفيضانات) وتأثيرها على أداء الاقتصاد الوطني وضُعف مصادر الطاقة. تبنت الدولة في البداية استراتيجية طاقة مستدامة (2009)، ثم بعد ذلك أدمجت اللون الأخضر في استراتيجياتها القطاعية. وكان هذا مدفوعًا بالدرجة الأولى بالمعايير البيئية المتخذة في الاتحاد الأوروبي، وكان الهدف هو الحفاظ على الحصة التصديرية للمغرب في السوق الأوروبية. ولأن القطاع الخاص عاجز عن تطبيق هذه الاستراتيجيات، فإن الدولة هي التي تقدمت للتصدي لهذه المهمة.

6. تعترف كل وثائق الدولة أن الاستثمار العمومي هو الغالب. ورغم ذلك فإن كل سياسة الدولة قائمة على تسخير ذلك الاستثمار العمومي لحفز القطاع الخاص المحلي وإغراء الأجنبي للقدوم للاستثمار في المغرب. لذلك تركز الاستثمارات العمومية على توفير بنية تحتية هائلة، مموَّلة من الديون الخارجية، متفادية كل استثمار في القطاعات الإنتاجية، تفاديًا لمنافسة القطاع الخاص.

7. هذه السياسة مملاة من المؤسسات المالية الدولية ومن الاتحاد الأوروبي. لذلك، رغم تضمين الدولة وثائقَها مفهوم “السيادة الاقتصادية”، فإن القرار يظل في يد المانحين الدوليين الكبار. وكل ما تقوم به الدولة (ووراءها الرأسمال المحلي الكبير)، هو ركوب أمواج التغيرات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، ومحاولة الاستفادة من النزاعات القائمة بين أقطابه الكبرى (الغرب والصين)، ومن هنا ما يجري الحديث عنه حاليًا بكثرة حول “اغتنام الفرص”، و”تنويع الشركاء الاستراتيجيين”.

8. أحد العوائق الكبرى في وجه تصنيع البلد هو: التبعية للمراكز الرأسمالية الكبرى. وهذه الأخيرة ليس في صالحها تصنيع للبلد يتيح له الانعتاق من ربقة قسمة العمل الدولية، التي تحكم على المغرب بأن يكون مَصدَرا للمواد الخام واليد العاملة الرخيصة والمؤهلة، وفي أحسن الأحوال متعاقد من باطن لاستقبال أنشطة صناعية (مثل تركيب السيارات).

9. العائق الثاني سياسي/اجتماعي. أدت سنوات التحرير الاقتصادي/التجاري، إلى تدمير قسم من النسيج الإنتاجي المغربي (صناعة النسيج) الذي كان أكبر مشغِّل بالبلد، وشبه انقراض للفلاحة الصغيرة المنتجة للغذاء وتشجيع الزراعات الكبرى والصناعات الغذائية الموجَّهة للتصدير. نتج عن سياسة التحرير الاقتصادي/التجاري تلك تقوية شريحة من الرأسماليين يفضلون أن يكونوا وسطاء بين الشركات العالمية والسوق الداخلية، شريحة من المورِّدين[5] (انظر نجيب أقصبي أعلاه) تفضل اقتضاء عمولات من تسويق منتجات مستورَدة على أن تقوم بتصنيع محلي. فضلًا عن رأسمال كبير مملوك للعائلة المالكة (المدى) وحاشيتها، ومقاولات عمومية، مثل المجمَّع الشريف للفوسفاط، تتصرف فيه المَلكية الحاكمة كمِلكية خاصة.

10. يثير هذا استياء مثقفين وأحزاب ليبرالية تعبر عن مصالح أقسام من الرأسماليين مقصيين من فرص الاغتناء الاقتصادي الكبرى، التي تستأثر بها المَلكية والرأسمال الكبير الملتف حولها. ليست المؤسسة المَلكية في المغرب مجرد حاكمٍ للبلد، بل أكبر مستثمر رأسمالي، عبر شركتها العملاقة “المدى”، التي تسيطر على قطاعات حيوية من اقتصاد البلد: ثلثي القطاع المصرفي من خلال التجاري وفا- بنك، كما أنها موجودة في القطاع المالي في العديد من البلدان الأفريقية. وفي قطاع المعادن، هناك شركة “مناجم” وهي فرع من شركة المدى، وهي التي تحتكر إنتاج وتسويق الكوبالت، وفي قطاع الطاقة هناك شركة ناريفا. وهناك أيضا “المجمَّع الشريف للفوسفاط”، وهي مقاولة عمومية، ولكن تتصرف فيها المؤسسة المَلكية كمِلكية خاصة. وتدخل هذه المقاولات المَلكية في شراكات مع الرأسمال الأجنبي، ضامنة حصتها في الاستثمارات، فضلًا عن احتكارها الاقتصادي المسنود سياسيًا.

11. حسب المثقفين الاقتصاديين الليبراليين، تشكل المَلكية عائقًا كبيرًا في وجه التطور الاقتصادي للبلد وتصنيعه. لكن هذه المعارضة تطرح نفس المطالب القديمة للمعارضة للبرجوازية القديمة (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية)، التي استسلمت بشكل مخزٍ أمام الحسن الثاني في نهاية التسعينيات، وهذه المطالب هي: إصلاح سياسي يشكل شرطًا لأي إصلاح اقتصادي يسفِر عن نوع من اقتصاد سوق يحترم القانون والتنافس الشريف. تتقاطع هذه المطالب مع انتقادات المؤسسات المالية الدولية، من أن الاحتكارات الاقتصادية الكبرى محمية من المنافسة مُقصية بذلك أقسامًا أخرى من الرأسماليين.

12. تصطدم هذه المعارضة التي يقودها مثقفون وخبراء اقتصاد ليبراليون، بعجز أقسام الطبقة البرجوازية التي يحملون مطامحها عن مواجهة فعلية لعائق المَلكية وأقسام رأس المال الكبير التي تمثلها تلك المَلكية. وهو ما أكده نجيب أقصبي:

“إن هذه ‘البرجوازية’ سوف تتأقلم مع الوضع وتجد ‘الترتيبات المؤسساتية القادرة على السماح لها بالاستمرار في الازدهار في ظل النظام القائم'”، متبنية الشعار الذي فرضه عليها الحسن الثاني من ستينيات القرن العشرين، وقد صاغه أقصبي صياغة رائعة: “الحد الأقصى من الامتيازات والحد الأدنى من المخاطر… أجل، متفقون أننا لن نمارس السياسة، لكننا سنمارس المال والأعمال!”.[6]

ليست الطبقة البرجوازية أبدا حليفا للديمقراطية، فهذه الأخيرة تعني تحكم الناس في شروط إعادة إنتاج الحياة بكل أوجهها، وفي هذا تناقض مع السعي الدائم للتراكم لدى الرأسماليين، هذا السعي الذي يدفعهم إلى أقصى استغلال للبشر واستنزاف للطبيعة. وفي دولة مستبدة مثل المغرب لا يشكل المَلك السياسي سوى الرأس المتوَّج للملوك الاجتماعيين، أي الرأسماليين داخل مِلكياتهم الخاصة، حيث “يتضافر إلزام القوى الاقتصادية البليد” الخاص بالرأسماليين (حسب تعبير ماركس) مع الإلزام السافر للدولة ورجل السلطة، من أجل ترويض الشعب، ودوما تحتاج “اليد الخفية للسوق” إلى “العقب الحديدية” لدولة البرجوازية، كي تشتغل آلية التراكم الرأسمالية بسلام.[7]

13. هذا هو العجز البنيوي لطبقة رأسمالية مغربية عن قيادة تصنيع فعلي للبلد: عجز عن الاستثمار في قطاعات تحرمها منها حصتها من قسمة العمل الدولية، وبالتالي التهرب من كل منافسة للرأسمال الأجنبي؛ ورعب مزدوج: الأول من مواجهة النظام السياسي/المَلكية؛ والثاني من الطبقة العاملة وحلفائها، وهو ما يجعلها ترتمي في أحضان الملكية لحماية مصالحها باستعمال جهاز الدولة للقمع المباشر لنضالات الطبقة العاملة، وسن قوانين تشدد الاستغلال في القطاعين الخاص (مدونة شغل لتعميم المرونة) والعام (ضرب مكاسب الوظيفة العمومية بالنسبة للأجراء)، وتحد من مقاومتها (الفصل 288 من القانوني الجنائي وقانون الاضراب).. وطبعا تحاول هذه البورجوازية استجداء الملكية (عبر نقاباتها وبعض أحزابها السياسية) لتقديم تنازلات لتنمية أرباحها والاستفادة من حصتها من الثروة المنتجة.

14. تبدأ كل الأدبيات الرسمية حول السياسات الخضراء والتصنيع بعبارة “تحت الرعاية السامية لجلالة الملك”، وكأن مجرد الإرادة السياسية لرأس الدولة كافية لتحقيق أهداف تلك السياسات. لكن التصنيع، وبالأحرى التصنيع الأخضر، لا يستدعي مجرد إرادوية الحاكمين، بل تتحكم فيه عناصر مستقلة تمامًا عن تلك الإرادة: حجم الفائض الاقتصادي، القاعدة الصناعية الموروثة، المديونية الخارجية، التبعية، وزن الرأسمال الأجنبي، حجم السوق الداخلية، المستوى التكنولوجي… إلخ. وهذه أمور لا يمكن لأقوى إرادة مَلكية أن تغيرها، بكل بساطة لأن المَلكية وأقسام الرأسمال الكبير التي تحكم باسمها مستفيدة من هذا الوضع، الذي يستدعي قوة طبقية مغايرة هي وحدها القادرة على ذلك، وهو ما يجب إنماءه. بالعكس يبدو أن تصنيع البلد يأتي في المرتبة الثانية من اهتمامات المَلكية المغربية، إن لم نقل بأن العائق الأكبر أمام التطور الاقتصادي للبلد هي تلك الملكية ذاتها، وهو ما أسماه نجيب أقصبي:

“النظام السياسي في قلب التنمية المتعثرة للبلاد… نظام سياسي يعيق موضوعيا التنمية الاقتصادية”.[8]

 تهتم المَلكية أساسا بإرساء موقعها كحليف استراتيجي للقوى الغربية (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) وإسرائيل، لذلك تبحث عن ما يمثل ريعًا استراتيجيًا، أكثر من تطوير بنية صناعية للبلد.

15. في ما يخص موضوع الورقة، أي السياسات الصناعية الجديدة، يبدو أن قدرة التنفيذ تصطدم، أولًا وقبل كل شيء بعائق التنمية التقليدي، المتمثل في التبعية للمراكز الإمبريالية، أو كما قال ليون تروتسكي: “المتحضرون يغلقون الطريق أمام الذين يريدون أن يتحضروا”، وعبَّر عنه إلياس علامي تعبيرا موفقا، باستعمال مفاهيم المؤسسات المالية الدولية ذاتها:

“على مدى العقود الأربعة الماضية، تم تقييد قدرة هذه البلدان على تطبيق السياسات الصناعية بشكل مستقل بشكل كبير، في عملية وصفها ها جون تشانغ بأنها ‘ركلُ سلم ‘اللحاق بالرَّكب”.[9]

كان هذا موضوع ورقة كتبها إلياس علامي، تحت عنوان “السياسة الصناعية وإعادة تنظيم الإمبراطورية”. أشار إلياس إلى أن التطبيق العملي لتلك السياسات يتشكل:

“بشكل كبير من خلال التسلسل الهرمي المالي والنقدي العالمي، والاندماج في سلاسل التوريد العالمية، والموقع الجيوسياسي… مما يعكس تفاوتاً في القدرات على تجريب السياسات الصناعية. وتعكس هذه الاختلافاتُ الاختلالاتِ الهيكلية في قدرة الدولة على التأثير في الاقتصاد العالمي: فالاقتصادات المتقدمة تعمل بقيود قليلة، والاقتصادات الناشئة ذات الأهمية الجغرافية الاستراتيجية تتمتع بمرونة انتقائية، بينما تواجه البلدان المنخفضة الدخل تهميشاً مستمراً”.[10]

وهذا هو وضع المغرب، خصوصًا مع نقص أدوات تنفيذ تلك السياسات مثل التمويل والتكنولوجيا المشار إليها أعلاه.

16. نفس الشيء ينطبق على السياسات الصناعية الخضراء ونوايا الانتقال إلى اقتصاد أخضر واقتصاد خفيض الكربون. وكعادتها تعول الدولة المغربية (ومن وراءها الرأسمال المغربي) على التمويل الأجنبي (التمويل المناخي) وقدوم الاستثمارات الأجنبية لإرساء بنية صناعية ونقل التكنولوجيا. ولكن لهذه الأحلام حدودها: فالتطورات على المستوى العالمي تجعل من ذلك مجرد سراب، خصوصًا مع صعود اليمين المتطرف والفاشية الجديدة الناكرة لتغير المناخ، التي يرمز إليها دونالد ترامب بشعاره “احفر يا عزيزي، احفر!”، والذي يَعتبر الاحتباس الحراري مجرد خدعة، وأعلن انسحابه من اتفاقية باريس.

17. بدون تغيير سياسي/اجتماعي يستحيل كسر الحلقة المفرغة التي يدور فيها الاقتصاد المغربي منذ خروج الاستعمار والاستقلال السياسي (1956). يثير الخبراء الاقتصاديون الليبراليون المعارضون الوزن السياسي للملَكية كعائق أمام التنمية (وضمنها التصنيع). وفي حالة جد متطرفة، أعلن أحد أعضاء العائلة المَلكية المغضوب عليه، وهو الأمير هشام (ابن عم الملك)، عدم تحبيذه للنظام الجمهوري وإن اضطر إلى العيش في ظله يومًا ما، وأعلن تمسَّكه بمَلكية تعيد هيكلة نفسها على أسس جديدة أهمها “فك الارتباط بين المَلكية والاقتصاد”.[11] لكن مسألة البناء الاجتماعي والسياسي لم تعد مطروحة على نخب اقتصادية/ برجوازية راضية بما يتركه لها من فتات الرأسمال الأجنبي والرأسمال المحلي الكبير بقيادة المَلكية. المهمة مطروحة على طبقات أخرى من “معذبي الأرض” بالتعبير الفانوني، وهي الطبقة العاملة وحلفائها من صغار المنتجين- ات بالقرى والمدن. ولن تكتفي الطبقة العاملة بطرح سؤال التصنيع، بل بسؤال في إطار أي نظام اجتماعي يجب أن يجري ذلك التصنيع. قد يبدو هذا بعيد المنال في سياق أزمة الحركة العمالية وتشظي اليسار وتفكك الحركة النقابية، لكن كل المشاريع التاريخية الكبرى كانت تبدو كذلك في سياقات أزمة. وقد أشار نيلسون مانديلا، معترفًا بأن الحركة المناهضة للفصل العنصري كانت تدعو إلى تغيير اعتبرته النخب السياسية في ذلك الوقت غير واقعي، إلى أن :

“الأمر يبدو دائمًا مستحيلًا إلى أن يتم”.[12]

18. لا يكفي الطعن في النظام النيوليبرالي، ولا إعادة الاعتبار لدور الدولة. فالأزمة تمد جذورها عميقًا في نمط الإنتاج الرأسمالي ذاته، ولن يتمكن طلاء الرأسمالية باللون الأخضر من وقف الدينامية المدمِّرة للتراكم الرأسمالي. فبعد مُضي ثلاثةٍ وثلاثين عامًا على مؤتمر الأرض في ريو (1992)، لا يزال الوقود الأحفوري يهيمن بالكامل في مزيج الطاقة في العالم (%64 في العام 2025).[13] يركز أغلب التوصيات الصادرة عن المؤسسات الدولية على “تعافي الاقتصاد العالمي” (البنك الدولي/ صندوق النقد الدولي”، والالتحاق بالركب” (الأونكتاد)، وتترجمها الأدبيات المحلية إلى اللغة العربية. في حين أن نموذج التراكم الرأسمالي هو جذر مشكلة الاحترار العالمي والأزمة البيئية. ولا يمكن الحلم بانتقال أخضر في إطار نفس نموذج التراكم. وهكذا، حسب جوستين هاوج و جايسون هيكيل، يتم التحكّم في التمويل بواسطة رأس المال، ويُستثمَر رأس المال في إنتاج ما هو أكثر ربحية وليس ما هو أكثر ضرورة. ولهذا السبب نحصل على استثمارات كبيرة في الوقود الأحفوري، وسيارات الدفع الرباعي، والموضة السريعة؛ وهي أشياء مربحة للغاية، في مقابل استثمارات غير كافية في الطاقة المتجددة، وخدمات النقل العام، وعزل المباني.[14]

19. في المقابل طورت الحركة العمالية (النقابية واليسار) مفاهيم الاشتراكية الإيكولوجية[15] وخفض النمو Décroissance العادل دون التضحية بالفقراء،[16] حيث يجب خفض استهلاك الطاقة العالمي النهائي بنحو جذري، ما يعني إنتاجًا أقل ونقلًا أقل على نطاق عالمي، مع زيادة استهلاك الطاقة في أفقر البلدان من أجل تلبية الحاجات الاجتماعية. ويستدعي هذا التخطيط الإيكولوجي الديمقراطي الذي يُمكِّن الناسَ من إعادة تكييف الخيارات الاجتماعية الرئيسية المتعلقة بالإنتاج، ليقرروا، كمواطنين وكمستهلكين، ما الذي يجب إنتاجه وكيفية إنتاجه، والخدمات التي يجب توفيرها، وكذلك الحدود المقبولة لاستخدام الموارد المادية مثل المياه والطاقة والنقل والأراضي وما إلى ذلك.

20. يفترض هذا قطيعة مع نموذج الإنتاج والاستهلاك القائم، وليس مجرد إصلاحه أو إضفاء الطابع الأخضر عليه. وهي قطيعة توجد في صميم مقترحات المجتمع المدني المغربي، كما وردت في “الكتاب الأبيض” الصادر عن الائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة: “تحقيق هدف 1.5 درجة مئوية سيتطلب تحولات هيكلية “سريعة” و”غير مسبوقة” في اقتصادات البلدان وأنماط الإنتاج والاستهلاك البشرية”، وأدبيات جمعية أطاك المغرب.

هناك نزوع لتفضيل التوصيات الملموسة، بمبرر أن السرديات الكبرى لم تعد قادرةً على تعبئة الناس وغير قادرة على إقناع صناع السياسات. وينسحب هذا على جزء من المجتمع المدني المغربي، الذي وضع لنفسه مهمة وضع المقترحات “في متناول صناع القرار السياسي على المستوى المركزي والمحلي”، كما ورد في “الكتاب الأبيض” الصادر عن الائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة، في حين تنخرط جمعية أطاك المغرب في سبيل مناقض: تثقيف شعبي متجه نحو الفعل لبناء مغرب آخر ممكن في إطار حركة عالمية شعارها بناء عالم آخر ممكن.

يتناسى هذا المنطق الذي يركز على التوصيات الملموسة الموجَّهة إلى صناع السياسات، أن الأيديولوجية النيوليبرالية هي ذاتها “سردية كبرى” جرى فرضها بقرارات سياسية واعية من طرف القوى الاقتصادية الكبرى ومؤسساتها المالية، وتبنتها النخب الاقتصادية في بلدان الجنوب العالمي، لأنها تستفيد منها. كتب فواز طرابلسي مساجلًا القائلين بـ “نهاية زمن الأيديولوجيات”:

إن النيوليبرالية “أيديولوجيا متكاملة تشتمل على نظرة شاملة للحياة والكون وتقدّم نفسَها على أنها مذهب طبيعي جبري لا بديل عنه، حسب عبارة مارغريت ثاتشر الشهيرة، بل هي عقيدة إيمانية لا تخلو من السحر إذ تبشّر بـ’اليد الخفية’ التي تحرّك السوق”.[17]

كما يتغافل منطق التوصيات الملموسة التي لا تتحدى “السردية السائدة” عن أن الإنجازات الكبرى في بلدان الجنوب العالمي تمت في إطار تلك السرديات الكبرى (الدول الإنمائية)، فضلا عن “الاشتراكية”.

منظور الاقتصار على توصيات ملموسة موجَّهة لصناع القرار ذاته نتاج للهجمة النيوليبرالية، التي فككت مراكز التفكير المضادة التقليدية، وأحلت محلها الخبراء ومكاتب الدراسات المؤداة. عن ذلك كتب عيسى ج. شيفجي:

“اتسمت فترة التسعينيات والألفينيات بفترة انتقالية نيوليبرالية فاترة فكريًا في النقاشات والخطابات الراديكالية في الجامعة وأماكن أخرى. ومع نضوب موارد الجامعة، غادر أعضاء هيئة التدريس بأعداد كبيرة بحثًا عن فرص أفضل، بينما تولى آخرون مناصب استشارية في مجال البحوث السياساتية بتمويل من الجهات المانحة، وخلع آخرون بذلاتهم الأكاديمية وذهبوا إلى المدن لإنشاء أو الانضمام إلى منظمات غير حكومية ومراكز أبحاث ممولة من الجهات المانحة. وتعرضت الأبحاث الأساسية للتقويض مع تراجع قيمة النقاشات النظرية […] وأفسحت المواقف الثورية والمنظورات الطبقية المجال لنشاط انتقائي مع انضمام الراديكاليين إلى أجندات وضعتها الوكالات المانحة”.[18]

لكن رفضنا لهذا المنظور لا يعني الاقتصار على الشعارات العامة فقط، بل يفرض علينا ضرورة تقديم مقترحات ملموسة تجعل تلك الشعارات العامة ملموسة بدورها في وعي من نعتبرهم الأقدر على فرض انتقال أخضر عادل: الشعب العامل. ومقاربتنا ليست السعي لإقناع “أصحاب المصلحة”، من رأسماليين وحملة الأسهم والسياسيين المعبِّرين عن مصالحهم، فهؤلاء مقتنعون تمامًا بأن لا حل خارج الرأسمالية، ومصلحتهم المادية أقوى من أي حجة عقلانية، والتنافس بين الرأسماليين العالميين ودولهم هو بوصلتهم، وهي أقوى من أي تَرافُع. فضلًا عن ذلك، فإن هامش تحرك “السياسيين والبرلمانيين” في المغرب منعدم. السلطة كلها محصورة في يد جهة واحدة، وهي المؤسسة الملكية، ولا دور للبرلمان سوى كونه “غرفة تسجيل” ما تقرره الملكية وحلفائها الدوليين. وهو ما جرى إقراره دستوريًا منذ سنة 2011، حيث القرار الاقتصادي كله ممركز في يد المَلك الذي يحتكر صلاحيات تحديد قائمة الشركات والمؤسسات “الاستراتيجية” وتعيين مديريها ويتمتع مجلس الوزراء الذي يترأسه الملك بصلاحية تقرير “التوجهات الاستراتيجية لسياسات الدولة”، بينما قَنَعَ مجلس الحكومة بالجانب التدبيري والإجرائي. ولخطابات الملك قوة تشريعية مُلزِمة، هي قوة لا يتمتع بها البرنامج الحكومي الذي تصرح به الحكومة عند تنصيبها أمام البرلمان.[19] إلا أن هذا لا يعني انعدام استعمال منبر البرلمان، خصوصا حيث يتواجد نواب يساريون في مجلس النواب (من الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي)، أو في مجلس المستشارين (ممثلون للعمال- ات)، من أجل الترافع على توصيات حول القضية وتسهيل مأمورية مخاطبة من هم في أسفل الهرم الاجتماعي.

إننا نتوجه إلى من هم في أسفل (العمال- ات، الشعوب، الفلاحين- ات وصغار منتجي- ات الغذاء، والنساء، وضحايا البطالة… إلخ)، والحركات المنبعثة من أسفل والمعبرة عن مصالح هؤلاء، دون نفي قدرة هذه الأخيرة، إذا انتظمت وتقوت، على التأثير على “أصحاب المصلحة” والسياسيين، كما حدث في النصف الثاني من القرن العشرين.

لذلك فغاية هذه المقترحات هي توحيدُ أوسع الجماهير الشعبية في النضال حول مطالب ملموسة تتناقض موضوعياً مع قواعد النظام الرأسمالي. ضمن هذه المقاربة، يكون للدفاع عن عمل نقابي إيكولوجي، قائم على منظور طبقي، ومناهض للإنتاجوية، دورٌ أساسي؛ إذ يستند إلى اهتمامات الشغيلة الملموسة بالحفاظ على صحتهم وسلامتهم في العمل، وكذلك إلى دورهم كمُطْلِقي صفارات الإنذار بشأن الأضرار التي تلحق بالنظم البيئية أو خطورة ما يجري إنتاجه، وهم مَن في أفضل موقع لأداء هذا الدور.

نأت هذه الدراسة عن تقديم تعريف للسياسات التصنيعية الخضراء، لأن غايتها بدايةً هي استقراء الأدبيات حول هذه السياسات، لذلك أُجِّل هذا التعريف إلى الخاتمة. نقتبس تعريف ندونغو سامبا سيلا، الذي يتلاقى في بعض نقاطه مع تعريف منظمة الأونكتاد:[20]

“وضعُ سياسة صناعية تركز على الرفاهية والبيئة والسيادة: لا ينبغي أن يكون الهدف الأساسي للتنمية هو زيادة الناتج المحلي الإجمالي بحد ذاته (أيْ أيُّ شكل من أشكال الإنتاج). بل ينبغي أن يكون الهدف هو زيادة أشكال الإنتاج المحددة الضرورية لتحسين رفاهية الإنسان، وتحقيق الأهداف البيئية، وتحقيق التنمية الوطنية. لذلك، من الضروري وضع سياسة صناعية لتحديد الصناعات الجديدة التي يجب البدء فيها، والصناعات القائمة التي تحتاج إلى النمو، والصناعات غير الضرورية التي يجب تقليصها حتى يمكن تحويل القدرات إلى مجالات أخرى”.[21]

سبق لكارل ماركس أن أكد أن مَصْدَرَيْ الثروة الوحيدين هما الأرض والبشر. وقد عمدت الرأسمالية، طيلة قرون مضت، إلى تحويلهما إلى مجرد عامِلَين للإنتاج: موارد بشرية (رأسمال بشري) وموارد طبيعية (رأس مال طبيعي)، ممعنة في استغلالهما واستنزافهما، ولم يكن يحد من تعدياتها سوى مقاومة البشر، وحاليًا انضاف إلى ذلك حدود الطبيعة والكوكب. تعمل الرأسمالية حاليا على قمع البشر عبر صعود متنام لليمين المتطرف، كما تحاول التكيف مع الأزمة البيئية التي سببتها، لكن بنفس آليات السوق ورسملة ما تعتبره حلولًا للأزمة البيئية، في وقت تتنامى فيها النزاعات العسكرية والسباق نحو التسلح وعسكرة العالم.

في هذا السياق يبرز من جديد نقاش السياسات الصناعية الخضراء، والبحث عن حلول لمعضلات قديمة، خصوصًا في بلدان الجنوب العالمي. ما السبيل إلى تصنيع ينقل هذه البلدان من وضع التخلف الاقتصادي والتبعية والتردي الاجتماعي والخراب البيئي، إلى وضع يضمن للبشر عيشًا كريمًا ويحافظ على “أمنا الأرض”.

يأتي مفهوم “السياسة” في صلب هذا النقاش. فقد أدت عقود من تطبيق العقيدة النيوليبرالية وإجراءاتها إلى تواري مفهوم “السياسة”، وأُخليَ الساسة والحزبيون والمنظمات الاجتماعية من الساحة التي احتلها الخبراء ومكاتب الدراسات المؤدَّاة عنها والمؤسسات المالية الدولية. بيد أن أي تصنيع للبلد، وبالأحرى تصنيع أخضر، يستدعي بالضرورة إعادة الاعتبار لـ “السياسة”، والانتقال من اقتصاد يخدم مصالح قلة من المستفيدين من الوضع القائم، إلى اقتصاد يخدم الناس ويحافظ على البيئة للأجيال القادمة.

يُقصد بالسياسة الصناعية كل تدخُّل للدولة في العمليات الاقتصادية قصد توجيهها من أجل إحداث تحوُّل هيكلي في الاقتصاد، مثلًا الانتقال من اقتصاد معتمد على القطاع الفلاحي والمواد الأولية إلى اقتصاد معتمِد على التصنيع والخدمات. ومؤخرًا ظهر مفهوم “السياسة الصناعية الخضراء”، إشارة إلى إدماج البعد البيئي في السياسات الصناعية.

عند الحديث عن “السياسة الصناعية”، فإن المقصود هنا هو “تدخُّل الدولة” في الاقتصاد. لذلك فإن العمليات الجزيئية لرأس المال لا تكون موضع نقاش. فعندما ينخرط الرأسماليون الأفراد في استثمارات، فهم لا يستحضرون في أذهانهم بشكل مسبق “إحداث تحوُّل هيكلي في الاقتصاد” أو “تنمية البلد” أو “التنمية المستدامة”. ما يهم الرأسمالي الفرد هو حجم مردود استثماره؛ أي أقلُّ مجازفةٍ ممكنة مع أعلى ربح مضمون وسريع ممكن.

لذلك فإن “التحوُّل الهيكلي” و”تنمية البلد” و”التنمية المستدامة” أمور تحدث في مستوى آخر، خارج العمليات الجزيئية لرأس المال، أي تحدث على مستوى “السياسة” و”الدولة”، التي تتدخل من أجل ضبط العمليات الجزيئية الاقتصادية والتحكم فيها وتوجيهها في إطار خطة عامة (مخطط) ذات أهداف تتعدى الحسابات الفردية للرأسماليين الأفراد… هذا هو ما حدث طيلة التاريخ في تجارب تصنيع ناجحة.

إن الرهان الكبير حول دور القطاع الخاص في تنمية بلداننا، كما رسخَّت ذلك الأيديولوجيةُ النيوليبرالية طيلة عقود، إنما يعاكس تلك التجربة التاريخية، بما فيها التي عرفتها البلدان المتقدمة نفسها، إذ كان للدولة وسياساتها (مثل الحمائية) دور كبير في إنماء الطاقة الإنتاجية وإحداث التحول الهيكلي في اقتصاداتها.

طبعًا لا يجب تصنيم الدولة والإيمان بقدرتها الخرافية على إحداث هذا التحول الهيكلي. يحتاج الأمر إلى تعبئة سياسية واجتماعية يكون عمادها الشعب العامل: الطبقة العاملة وصغار منتجي- ات الغذاء وضحايا البطالة والنساء والأقليات المضهَدة. وتقدم لنا تجارب أمريكا اللاتينية منظورًا واسعًا لهكذا تدخل شعبي.

يدفعنا هذا إلى الدفاع عن منظور للسياسات الصناعية يجعلها سيادية وعادلة وخضراء.

سيادية: بمعنى أن الخيارات الاقتصادية يجب أن تكون قرارًا سياديًا وطنيًا وفي نفس الوقت شعبيًا. يجب أن تنبع كل القرارات الاقتصادية من إرادة الشعوب، بشكل يحقق قطيعة مع آليات التبعية القديمة والجديدة. ليس المؤسسات المالية الدولية ولا الاتحاد الأوروبي من سيحدد لنا ما ننتجه، بل نحن.

عادلة: سياسات تصنيعية تضمن الحياة الكريمة لجميع شرائح الشعب العامل، وتأخذ بعين الاعتبار التضحيات الاجتماعية التي يمكن أن تحدث في حالة قرارٍ بالتخلي عن صناعات بعينها والاستثمار في أخرى. عادلة بمعنى أخذ مصالح المجتمعات المحلية بعين الاعتبار في أي صوغٍ للسياسات التصنيعية.

بيئية: ليس فقط بنزع الكربون وخفض الانبعاثات، بل بالقطع مع كل أشكال تدمير الكوكب، حتى وإن لم تكن تنفث انبعاثات، مثل الاستخراجية التعدينية… إلخ.

نبدأ أُولى التوصيات بالسياسة الصناعية للدولة؛ فهذه الأخيرة رغم ادّعائها تبنّي برامج “نمو أخضر”، لا تزال على نفس الطريق المسلوك: سياسة صناعيّة مبنيّة على حاجيات السوق العالمية وليس حاجيات السوق الداخلية واحتياجات السكان. فسياسة “الاستثمار الأخضر” المتبنّاة من طرف المجمع الشريف للفوسفاط، على سبيل المثال، تُخفي وراءها أعظم استخراجوية في البلد؛ إذ تستهدف المؤسسة غزو الأسواق العالمية عبر تصدير منتوجات الفوسفاط، أو توفير أسمدة لفلاحة رأسمالية تصديرية. 

تقوم السياسة الصناعية للدولة، بما فيها الموصوفة خضراءً، على نفس المنطق القديم: حفز القطاع الخاص/ الرأسمال الخاص وتسخير المالية العمومية لإقلاعه. يجب إعادة الاعتبار لبرامج صناعية عمومية تكون ركيزة التحول الأخضر، ولا تتحمّل المجتمعات المحلّية والشغّيلة كلفته، وتكون تحت رقابة مواطنية (عُمّالية وشعبية)، مموَّلة بآليات لا تزيد تبعية البلد للمراكز الإمبريالية: إلغاء الديون الخارجية وتعويض الديْن التاريخي (الاستعماري والمناخي) المسؤولةِ عنه دولُ المركز الإمبريالي، مع فرض ضرائب تصاعدية على الثروة.

ثانيًا، سياسة صناعية محترِمة فعلا للبيئة، تعتمد تطوير تكنولوجيات صديقة للبيئة. يفترض هذا بدوره قطعًا مع المنطق القائم على استراتيجية النموّ القائم على الصادرات، الذي يفرضُ تكيّفًا مع السياسة البيئية للاتحاد الأوروبي (CBAM) للحفاظ على موقع المُصَدّرين المغاربة إلى السوق الأوروبية، وليس اهتمامًا فعليًا بالحفاظ على البيئة.

ثالثًا، سياسة تصنيع ساعية لتزويد البلد ببُنية صناعية تَفُكُّ تبعيته للمراكز الرأسمالية الكبرى. منذ أزمة 2008-2009، تتالت الدعوات إلى تعويض استراتيجية النمو القائم على الصادرات باستراتيجية نموّ موجّه إلى الطلب المحلي، وتوجد في تقرير الأونكتاد لسنة 2013[22] مرافعَة قيِّمة حول الأمر. ليس هذا دعوة لانغلاق قومويّ، فالتعاون بين الشعوب مطمحُنا، لكنه لا يعني أن تتحمّل شعوب الضفة الجنوبية للبحر المتوسط الكلفة المالية والبيئية والاجتماعية لاستدامة ضفته الشمالية، فتاريخُ القرون السابقة كلّه قائم على هذا التحميل. كما أنّ حلّ القضايا الكبرى الحاكمة في أيّة سياسة صناعية (تغيّر المناخ، المديونية، قواعد التجارة العالمية… إلخ) توجد في المضمار العالمي وليس المحلّي، والحلقة الوسطى بينهما هي الإطار المغاربي (أنظر التوصية العاشرة). وفي الأخير، لا نتصور اشتراكية إيكولوجية في بلد واحد، فالأرضية القومية مجرّد منطلق للنضال، بينما المنظور الأممي موجِّه وغاية. وعلى نقيض الرأسمالية التي تقتصر على التلوِّن بالأخضر مع الإبقاء على نفس الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والترتيبات السياسية المسؤولة على أزمة الكوكب، ليست الاشتراكية الإيكولوجية اشتراكية ذات صبغة خضراء، بل هي اقتراح لتحويل عميق لعلاقاتنا، سواء في ما بيننا أو مع الطبيعة. إنها طريقة مغايرة لممارسة السياسة، قادرة على بناء عالم جديد، كريم وجميل للعيش فيه، للبشر وجميع الكائنات الحية الأخرى.[23]

خامسًا؛ على السياسة الطاقية للبلد أن تضع على رأس أولوياتها تزويد السوق الداخلية بطاقة نظيفة، خاصّة وأنّ المغرب ما يزال يعتمد على الوقود الأحفوري المستورَد من أجل احتياجاته الطاقية والكهربائية، في الوقت الذي تضع المشاريع الكبرى للطاقات المتجدّدة الأسواقَ الأوروبية نصب أعينها. منذ سنوات جرى تحرير قطاع الطاقة وأُطلِقت يد المستورِدين الخواص لتوريد الغاز والبترول، وفُتح المجال واسعًا أمام الشركات الخاصة لإنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة وتوزيعها. سيتيح الاحتكار العمومي لقطاع الطاقة وتأميمه إمكانَ سن سياسة طاقية خضراء ومساهِمة في تصنيع البلد وفك تبعيته الطاقية.

سادسًا؛ تتعلق بالسياسة الحضرية وتهيئة المدن. يستثمر قسم كبير من الرأسمال المغربي في توسيع جبارٍ للمدن، بخلفيةٍ تستحضر تأمين الأرباح للمجموعات العقارية الكبرى. ويؤدي الأمر إلى تضخم المدن وتوسّع هوامشها، ما فرض توسّعًا مهولًا في استعمال السيارات الخاصة (في المغرب 4.5 مليون عربة %68 منها عربات خاصة)،[24] بالموازاة مع خوصصة الدولة لخطوط النقل الحضري. ولن تستقيم سياسة تصنيعٍ أخضر دون توسيع فعّال للنقل العمومي المُستخدِم للطاقات النظيفة، وسنّ سياسة جبائية ثقيلة تجاه السيارات الخاصة وفوائد مرتفعة على القروض الخاصة بشرائها. لا تنقُص المقترحات هنا، فتقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (سنة 2021) يتضمّن بعضًا منها يخصّ النقل الجماعي العمومي:

“تشجيع الحلول المستدامة البديلة للسيارة الشخصية والمحرّك الحراري: الحافلات الحضرية/ الحافلات ذات خدمة عالية الجودة، والحافلات الصغيرة، والحافلات الرابطة بين المدن، وخط الترامواي (صغير وخفيف وسريع)، مع المزيد من الوسائل المتعدّدة وذات الربط المتنوع، توفير المحطات الطرقية ومحطات سيارات النقل المشتركة…”.[25]

إلا أن ثقل مصالح شركات السيارات والبنوك المموِّلة لقروض شرائها يقف عائقًا أمام ذلك.

سابعًا؛ سيادة غذائية فعلية، وليس تلك الموجودة في وثائق الدولة، وهي إلباسُ نفس المنظور الرأسمالي التصديري الكبير جُبَّةَ “السيادة الغذائية”. تُعتبر الفلاحة الرأسمالية التصديرية أكبر نافث للغازات الدفيئة وفي نفس الوقت أول مستنزف للمياه والتربة بالبلد. إنّ قَطعًا مع هذا المنظور وتوجيه الفلاحة لتلبية حاجيات السوق الداخلية أساسًا، سيكون إسهامًا كبيرًا في تخضير الاقتصاد، بشكل تتكامل فيه مجهودات تخضير القطاع الصناعي مع مقابلها في القطاع الفلاحي (الصناعة الغذائية). تقع المسألة الزراعية في صلب أي تصنيع، فَلِكَيْ تتوسع الصناعة فإنها تحتاج إلى زيادة أكبر بكثير في إنتاج الأغذية والمواد الأولية الزراعية بشكل متناسق: الأغذية لضمان غذاء سكان المدن الذين ترتفع أعدادهم، والمواد الأولية من أجل المصانع. هذه الفلاحة بحاجة إلى معدات (جرارات وحصادات ودارسات) وأسمدة… إلخ. هذا ما يجب أن تتوجه إليه أي خطة تصنيع بدل فتح البلد أمام شركات السيارات التي تبحث عن كلفة أرخص (يد عاملة وبنية تحتية) لتجميع مُركباتها ثم تصديرها، ومع مكاسبها المالية، إلى مواطن تلك الشركات.

ثامنًا؛ القطع مع السياسة المالية القائمة على تفضيل المقترِضين الكبار، وفي نفس الوقت تفادي أيّ سياسة اقتراض خارجي مرتبطة بمشروطيات الديون. وهذا يستدعي جعل القطاع البنكي والمالي قطاعًا عموميًا تحت إشراف مؤسسات تخضع لرقابة شعبية ومواطنية، عكس القائم حاليًا؛ حيث البنك المركزي مستقلّ ولا يخضع حتى لرقابة برلمانية. ويطرح هذا سياسة التمويل عبر القروض وأيضًا ما يُسمّى “المساعدة الإنمائية الرسمية”، وكلاهما تتضمّنان مشروطيات توضع في وجه بلدان الجنوب لولوج سوق التمويل الدولية. وبدلًا من ذلك نطرح التعويض عن الديْن الاستعماري والإيكولوجي، الذي من شأنه استرداد ما نهبه الاستعماريون القدامى وينهبه الجُدد. هذه مقترحات تحتاج إلى ميزان قوى يفوق المتاح حاليًا، ما يستدعي مقترحات يمكن تعبئة الناس حولها، بعضُها أوردها إيريك توسان في كتابه “البنك العالمي، تاريخ نقدي”، تحت عنوان “اللجوء إلى قروض مشروعة وتمويل الدولة بضرائب عادلة اجتماعيا”، مدافعًا عن:

* إن الديون العمومية ليست شيئًا سيئًا في حد ذاتها إذا تم تصميمها بطريقة مختلفة جذريًا عن النظام الحالي. يُعتبر الإقراض العام مشروعًا تمامًا إذا كان يخدم أغراضًا مشروعة، وإذا كان أولئك الذين يساهمون في الاقتراض يفعلون ذلك بشكل مشروع. يمكن استخدام الديون العمومية لتمويل برامج تحول بيئي طموحة بدلًا من فرض سياسات معادية للمجتمع واستخراجية وإنتاجية تعزز المنافسة بين الأمم؛

* لن تتردد حكومة شعبية في إجبار الشركات (الوطنية أو الأجنبية أو متعددة الجنسيات) وكذلك الأسر الغنية على الإسهام في الإقراض دون تحقيق أي ربح، أي بدون فائدة وبدون تعويض في حالة التضخم؛

* دعوة أسر الطبقات الشعبية الحائزة على مدخرات من أجل توكيلها إلى السلطات العمومية لتمويل المشاريع المشروعة… سوف يجازى هذا التمويل الطوعي من قبل الطبقات الشعبية بمعدل إيجابي حقيقي، على سبيل المثال %4. وهذا يعني أنه إذا بلغ التضخم السنوي %3 فإن السلطات العمومية ستدفع سعر فائدة إسمي بمقدار %7 لضمان معدل حقيقي يبلغ %4.

* الاقتراض بمعدل الصفر من البنك المركزي، وإرساء ضريبة على الثروات الكبيرة والدخول المرتفعة جدًا، وغَرامات ضريبية على الشركات المسؤولة عن التهرب الضريبي الكبير، وخفض الإنفاق العسكري جذريًا، وإنهاء الإعانات المقدمة للبنوك والشركات الكبيرة، وزيادة الضرائب على الشركات الأجنبية، لا سيما في قطاع المواد الأولية… إلخ.[26]

هذا فضلا عن سياسة ضريبية تُحمِّل للأغنياء مسؤولية الأزمة المركَّبة (اقتصادية واجتماعية وبيئية) التي تسببوا فيها: ضريبية تصاعدية، مع تخفيض جذري، بل وإلغاء ضريبة القيمة المضافة على مجموعة من الخدمات الأساسية – بدءاً بالمياه والكهرباء – وزيادة جذرية في الضرائب على دخل وأموال الأغنياء.

تاسعًا؛ سياسة تشغيل قارّ تأخذ بعين الاعتبار من سيكونون ضحايا الانتقال الأخضر؛ فقسمٌ كبير من الطبقة العاملة يتخوّف من فقدان مناصب شغله إن تخلّت الدولة عن السياسات المدمّرة للطبيعة والملوثة. لن يستحضر القطاع الخاص الرأسمالي هذا المُتَطلَّب، لذلك لا بدّ من سياسة تشغيل عمومي تضع نصب أعينها سياسة تصنيع اجتماعية وخضراء. ومن شأن التعاون مع النقابات العمالية أن يفتح منظورها على المسائل البيئية، وهو ما نفتقده حاليًا في المغرب، للدفاع عن خلق مناصب شغل جيدة، مفيدة اجتماعياً وأفضل أجراً بكثير من تلك الحالية، مع ظروف عمل أفضل. يجب الخفض من ساعات العمل بشكل جذري، مع تعويضات عن التوظيف وزيادة الدخل الحقيقي.

عاشرًا؛ يجب أن تستحضر هذه المقترحات والتوصيات الأفقَ المغاربي للانتقال الأخضر؛ فالسوق المغاربية المجَزَّأة تشجّع أكثر على ارتهان بلدانها للمراكز الرأسمالية التقليدية (الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة) والحديثة (الصين)، وفي نفس الوقت يمنع ذلك التجزؤُ تلك البلدان من الاستفادة من تكامل مواردها الطبيعية وإمكاناتها الاقتصادية.

يستحيل على الأسواق الصغيرة ضمان تحوّل أخضر بِناءً على إمكاناتها الذاتية. تجيب المَلكية والرأسمال المغربي الكبير على هذا المأزق بمسعى إيجاد موطئ قدم في الأسواق الأوروبية (الأقرب جغرافيًا) والأمريكية، وهذا يصدم مطامح تصنيع المغرب بعوائق هيكلية تاريخية، تخصّ أساسًا التبعية وهيمنة تلك المراكز على آليات التصنيع والتصنيع الأخضر(التكنولوجيا والتمويل). هذا ما يجعل الأفق المغاربي للتحوّل الأخضر رهانًا ذا راهنية كبيرة. رهانٌ أكّد عليه أمير البديوي بقوله: “أمّا في الاقتصادات الأصغر حجمًا حيث لا يكون الطلب في السوق المحلّية في كثير من الأحيان كبيرًا بما يكفي لتحقيق وُفورات الحجم، فإن التحول الاقتصادي الأخضر يتطلب الوصول إلى طلَب السوق الأكبر في بلد آخر، ولكن أيضًا التنسيق المتعدّد الأطراف نحو التنمية الإقليمية”.[27]

بدلاً من التنافس على استقطاب الاستثمارات الأجنبية في “سباق مدمِّر نحو القاع، يمكن لدول المنطقة أن تسعى إلى التعاون مع بلدان الجنوب كاستراتيجية للتخلص من التبعية. في شمال أفريقيا، على سبيل المثال، يمكن للتكامل أن يستفيد من نقاط القوة التكاميلية: فالجزائر وليبيا ومصر تمتلك موارد طاقة كبيرة، بينما المغرب وتونس لديهما احتياطيات من الفوسفات وقدرات زراعية. يمكن إعادة توجيه عائدات النفط الجزائرية نحو الاستثمار الإقليمي لتمويل مشاريع إنتاجية في تونس والمغرب بدلاً من بدلا من القروض الأجنبية. في المقابل، يمكن للمغرب وتونس تزويد الجزائر بالغذاء والتكنولوجيات المتجددة بدلاً من اعتماد الجزائر على الواردات المكلفة من أوروبا أو روسيا. يمكن للمغرب، بصفته منتجاً للطاقة الشمسية، استيراد الألواح الشمسية من تونس، بصفتها منتجة لها. لن يؤدي هذا التعاون إلى بناء القدرات الإنتاجية وتعزيز السيادة الغذائية فحسب، بل سيشكل أيضاً تحدياً لتبعية المنطقة لرأس المال الأجنبي. يتطلب كسر حلقة التبعية إعادة توجيه الاقتصادات بعيداً عن خدمة احتياجات الدول المتقدمة نحو تجارة أكثر إنصافاً وتكنولوجيات مشتركة عبر الجنوب العالمي.

أخيرًا: الديمقراطية أولًا وأخيرًا. هذه التوصيات ومنظورها الأوسع المعادي للرأسمالية لا يمكن تطبيقها من طرف نخب اقتصادية تستفيد من الوضع القائم الذي تحميه سلطة مستبدة سياسية مستفيدة بدورها من هذا الوضع. تنير لنا الطريق تجارب اختراق انتخابي في أمريكا اللاتينية حيث تمكنت حكومات مدعومة من طرف حركات شعبية (عمالية وفلاحية) من تطبيق برامج اجتماعية واقتصادية، بغض النظر عن حدودها وعدم إصرارها على إحداث القطيعة الفعلية مع المراكز التي تحكم على بلداننا وشعوبنا بالفقر والبطالة والبؤس والدمار البيئي.

تحتاج هذه التوصيات إلى حوامل اجتماعية، تتمثل بالدرجة الأولى في الحركة العمالية، والنضالات الاجتماعية التي تخترق كل ربوع المغرب، وبلدان المنطقة، منذ أكثر من ثلاثة عقود. وغاية الدراسة هي الإسهام في هذه النضالات بطرح منظورات للكفاح من أجل انتقال عادل بيئي واقتصادي واجتماعي.

وخير ما ننهي به الكلام نصيحة الرفيق اللبناني كميل قيصر داغر: “ينبغي أن نحلم”[28].

  • علي أموزاي – المغرب

المقال أعلاه هو القسم الرابع من دراسة: “التصنيع الأخضر في المغرب مطامح كبيرة وعوائق أعظم” وعنوانه الأصلي: “ملاحظات ختامية وتوصيات”. للاطلاع على الدراسة كاملة: اضغط\ي هنا


[1]– إرنست ماندل (1972)، “النظرية الاقتصادية الماركسية”، الجزء الثاني، ترجمة جورج طرابيشي، دار الحقيقة للطباعة والنشر، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى، ص 199.

[2]– Amir Lebdioui (May 2024), “SURVIVAL OF THE GREENEST, Economic Transformation in a Climate-conscious World”, Cambridge University, https://www.cambridge.org/gb/universitypress/subjects/economics/economic-development-and-growth/survival-greenest-economic-transformation-climate-conscious-world.

[3]– ميشيل روسي (1991)، “المؤسسات الإدارية المغربية”، تعريب إبراهيم زياني بالتعاون مع المصطفى أجدبا ونور الدين الرواي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء- المغرب، 1993، ص 79.

[4]– إرنست ماندل (1972)، “النظرية الاقتصادية الماركسية”، الجزء الثاني، ترجمة جورج طرابيشي، دار الحقيقة للطباعة والنشر، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى، ص 200.

[5]– لأغراض محض تحليلية ركزنا على “الموردين الكبار”، لكن هذا لا يعني أنهم من يحكم المغرب. للاطلاع أكثر على مكونات الطبقة السائدة في المغرب، أنظر- ي كتاب عبد القادر برادة ومحمد سعيد السعدي “الرأسمال الكبير الخاص المغرب”:

 Abdelkader BERRADA et Mohamed SAÏD SAADI (1992), «LE GRAND CAPITAL PRIVÉ MAROCAIN», LE MAROC ACTUEL, Editions du CNRS, Paris, Numerisé par : almounadil-a, https://www.almounadila.info/archives/523 .

[6]– نجيب أقصبي (أبريل 2024)، “الاقتصاد المغربي تحت سقف من زجاج، من البدايات إلى أزمة كوفيد- 19″، ترجمة نور الدين سعودي، المجلة المغربية للعلوم السياسية والاجتماعية- عدد 36، سلا- المغرب، ص 255.

[7]– نجيب أقصبي (أبريل 2024)، “الاقتصاد المغربي تحت سقف من زجاج، من البدايات إلى أزمة كوليد- 19″، ترجمة نور الدين سعودي، المجلة المغربية للعلوم السياسية والاجتماعية- عدد 36، سلا- المغرب، ص 268.

[8]– المرجع نفسه، ص 265.

[9]– Ilias Alami , Tom Chodor, Jack Taggart (June 14, 2025), “Industrial Policy and Imperial Realignment”, https://www.phenomenalworld.org/analysis/industrial-policy-and-imperial-realignment/.

[10]-IBID.

[11]– مولاي هشام العلوي (2015)، “سيرة أمير مبعد، المغرب لناظره قريب”، ترجمة أحمد بن الصديق، دار الجديد، الطبعة الأولى، دار الحديد، لبنان.

[12]– Nelson Mandela, quoted in Jostein Hauge & Jason Hickel (05‑06‑2025), “A Progressive Framework for Green Industrial Policy”, Review of International Political Economy, Volume 32, Issue 4, Pages 880–897,https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/13563467.2025.2506655#d1e213.

[13]– 01-11-2025, «Les combustibles fossiles domineraient encore le mix énergétique mondial en 2050, selon McKinsey», https://prix-carburant.eu/article/fossil-fuels-dominent-energie-mondiale-2050-mckinsey.

[14]– Jostein Hauge & Jason Hickel (05‑06‑2025), “A Progressive Framework for Green Industrial Policy”, Review of International Political Economy, Volume 32, Issue 4, Pages 880–897,https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/13563467.2025.2506655#d1e213.

[15]– Quatrième internationale, 18e Congrès Mondial – 2025, “Manifeste pour une révolution écosocialiste – Rompre avec la croissance capitaliste”, https://fourth.international/fr/congres-mondiaux/874/699.

[16]– Romain Mamert (23-08-2023), “Une décroissance qui ne sacrifierait pas les pauvres ? Redécouvrir André Gorz”, https://lvsl.fr/une-decroissance-qui-ne-nuirait-pas-aux-pauvres/?utm_source=sendinblue&utm_campaign=Newsletter_Derniers_Articles&utm_medium=email.

[17]– فواز طرابلسي (2021)، “ما هي النيوليبرالية؟”، مجلة بدايات، العدد 20، https://bidayatmag.com/node/1283.

[18]– Issa G. Shivji (2017), “The Concept of ‘Working People’”, Agrarian South: Journal of Political Economy, https://journals.sagepub.com/doi/abs/10.1177/2277976017721318.

[19]– علي أموزاي (27-02-2022)، “حركة 20 فبراير المغربية: جذور الفشل ودروسٌ للمستقبل”، https://www.almounadila.info/archives/10717.

[20] – ندونغو سامبا سيلا خبير اقتصادي سنغالي متخصص في التنمية.

[21]– Ndongo Samba Sylla (1 May 2024), “Proposals for unilateral decolonization and economic sovereignty”, https://www.tni.org/en/article/proposals-for-unilateral-decolonization-and-economic-sovereignty.

[22]– أمانة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية/ الأونكتاد (2013)، “تقرير التجارة والتنمية، 2013″، نيويورك وجنيف، https://unctad.org/system/files/official-document/tdr2013_ar.pdf.

[23]– بيان قوي من أجل تغيير جذري صودق عليه في الملتقى الاشتراكي الإيكولوجي الثاني، في بيليم، البرازيل، (نوفمبر 2025)، https://www.almounadila.info/archives/26512.

[24]– المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. (2021) التنقل المستدام: نحو وسائل نقل مستدامة ومتاحة، https://www.cese.ma/ar/docs/la-mobilite-durable-vers-des-moyens-de-transport-durables-et-accessible-2/.

[25] – المرجع السابق.

[26] – إريك توسان (2022)، “البنك العالمي، تاريخ نقدي”، ترجمة أطاك المغرب، ص 25- 26.

[27]– Amir Lebdioui (May 2024), “SURVIVAL OF THE GREENEST, Economic Transformation in a Climate-conscious World”, Cambridge University, https://www.cambridge.org/gb/universitypress/subjects/economics/economic-development-and-growth/survival-greenest-economic-transformation-climate-conscious-world.

  • [28]كميل قيصر داغر (28-01-2010)، “ينبغي أن نحلم ؛ نصوص في سياسة هذا العالم”، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى.