تُصاغ إعادة الإعمار الزراعي في سوريا بعد الحرب من جانب الفاعلين الدوليين، على نحو متزايد، عبر لغة الأمن الغذائي. يهدف ذلك، ضمن منطق أمني أوسع، إلى تحقيق استقرار السكان واستعادة سلاسل الإنتاج وإعادة إرساء الحوكمة. وفي الوقت ذاته، تشير الممارسات الشعبية حول البذور والسياسات النسوية للرعاية التي تطورت خلال سنوات الحرب والثورة في سوريا، نحو منطق بديل للسيادة الغذائية قائم على إعادة الإنتاج والطابع العلائقي (العلاقات المتبادلة) والسيطرة الجماعية على الأرض والعمل والحياة. ومع ذلك، قلما تحضر هذه الممارسات في النقاش الأوسع حول إعادة تشكيل المشهد الزراعي في سوريا.
حياة بلا إعادة إنتاج: الغذاء والأمن وتعطّل الاستقلال الذاتي في جنوب سوريا
في ربيع عام 2026، أُغادر دمشق رفقة اثنين من النشطاء في مجال السيادة الغذائية السوريين، ونمر على حقول الأزهار المتفتحة. في الطريق إلى درعا، أصبح جليًا أننا نمر بمنطقة زراعية، إذ يعمل عشرات السكان، ولاسيما النساء، في الحقول. غير أن المشهد تغيّر بعد عبورنا نقطة التفتيش نحو قرية المزرعة في محافظة السويداء. ما تزال الحقول خضراء لكن لا أحد يعمل بها. بدت البيوت التي نمر بها مُدمرة، فالنوافذ محطمة والأشياء مبعثرة على الطريق، وعلى الجدران عبارة بالجرافيتي تقولي “الحجري صهيوني”.
قرية المزرعة واحدة من بين 35 قرية دُمرت تدميرا عنيفا جراء ما وصفه تقرير للجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، جرائم محتملة ضد الإنسانية[1]. فقد هاجمت قوات تابعة للحكومة مصحوبة بمقاتلين عشائريين محافظة سويداء الواقعة في الجنوب السوري، في يوليو عام 2025. تشهد السويداء حاليا تقسيما واقعيا إلى مناطق تحكمها طوائف محلية من الدروز بالتحالف مع حكمت الهجري وأخرى تحت هيمنة الحكومة الانتقالية الجديدة والقوات الموالية لها، أو ما يسمي بالأمن العام.
عاد نحو الثُلث ممن يعتقد السكان أنهم كانوا 13 ألف أسرة إلى المزرعة التي تبعد 12 كيلو متر شمال غرب مدينة السويداء. في فناء أحد المنازل، شجرة ليمون مثمرة وعربة أطفال بلاستيكية وحظيرة بسيطة للماعز، وغسالة ملابس في الخلف. لم تعد شبكات الكهرباء أو المياه تمتد للقرية، لقد دُمِّر كل شيء أو سُرق. تعتمد القلة ممن عادوا إلى القرية على الكهرباء التي يمدهم بها الأمن العام والتي تكفي – حسب قولهم- لإضاءة المصابيح وشحن الهواتف المحمولة، وكذلك تشغيل الغسالة أو الثلاجة سرًا.
تتسلم الأُسر أيضًا وجبات غذائية يوزعها الأمن العام يوميًا حسب عدد أفراد الأسرة. يتناول سكان القرية وأفراد الأمن العام نفس الغذاء، وتتضمن وجبة اليوم دجاج وأرز. بالإضافة إلى مياه شرب في زجاجات سعة 1.5 لتر. في مدخل القرية، متجر واحد به خضروات طازجة لكنها باهظة الثمن للغاية بالنسبة للكثير من السكان الذين لم يأكل أغلبهم أي شيء طازج منذ شهور. ومع ذلك، فقد قدموا لثلاثتنا القهوة واللحم والشاي واللوز الأخضر الطازج وحتى الفشار فيما بعد. كما أخبرونا أنهم قد نجوا من المذابح وعمليات النهب لأنهم مازلوا يحتفظون بـ المونة، تقليد سوري لإعداد وحفظ الطعام الذي يمكن تخزينه لفترة طويلة، في المنازل.
ليس المُلاحظ اختفاء الغذاء، فقد جرى توزيع الوجبات والماء كما وفّرت الكهرباء. لكن البنية التحتية التي تسمح للناس بإعادة إنتاج الحياة وفق شروطهم الخاصة قد دُمرت أو جُعلت هشة.
لكن القدرة على الزراعة قد دُمرت تقريبا تدميرا كاملا. وللمفارقة، فإن اسم القرية هو “المزرعة” أو الحقل المُعد للزراعة [2]. دار الحديث في البداية حول ممارسات الزراعة الإيكولوجية أثناء سنوات الحرب. وقد حدثتهم عن إحدى مزارع إدلب التي اتجه سكانها إلى إنتاج الأسمدة العضوية والعلاجات الطبيعية للنباتات، والأكثر أهمية، حفظ بذور الأصناف النباتية السورية القديمة. “اه، ها أنا ذا” لقد حظيت الآن باهتمام أحد أعضاء لجنة الزراعة بالقرية الذي ما إن علم بزيارتنا حتى حضر مسرعًا. جلس بجانبي، وفتح هاتفه الخلوي لنشاهد مقطعا مصورا مسجلا في يوليو\تموز 2025. يوثق المقطع نتائج الهجمات على السويداء؛ فقد انتزع نظام الري الذي يجري تحت الأرض وسُرق. روى لنا آخرون كيف عجزوا عن جمع محصول الزيتون، وقال البعض “إنهم” (المليشيات من كلا الجانبين) قد جمعوه بدلا منهم. سُرقت الأدوات والمواد وشبكات الري والمدخرات أو أُحرقت.
ما نلحظه ليس غياب الغذاء، فقد وزِّع الطعام على الناس بالفعل وكذلك الماء، كما وفِّرت الكهرباء. لكن البنية التحتية التي تتيح للناس إعادة إنتاج الحياة وفق شروطهم الخاصة ومن بينها شبكات المياه، وأدوات الزراعة ونُظم الري والمحاصيل والمواصلات والمدارس والعيادات الصحية ووسائل الاتصال، جميعها دُمرت أو أصبحت هشة.
هذا هو الحد الذي يقف عنده الأمن الغذائي بوصفه إطارا، فبوسعه تسجيل حجم الإمدادات، لكنه لا يذكر تدمير الاستقلال الذاتي، كما يمكن من خلاله إحصاء سلال الغذاء التي وزعت لكنه لا يرصد فقدان الشروط التي تسمح للناس بالزراعة والتخزين والطبخ وإصلاح الضرر والتنقل والحفاظ على الحياة بشكل جماعي. في المزرعة، تُرك الناس على قيد الحياة ولكن السبل التي تعيد بها الحياة إنتاج نفسها قد دمرت بعنف.
الأمن الغذائي والسيادة الغذائية – مقاربتان مختلفتان جذريا للحياة
يشير الوضع في المزرعة إلى أن المسألة لا تتعلق ببساطة بما إذا كان الناس يحصلون على الغذاء، بل بالظروف التي تُدار وتُستدام فيها الحياة في سياقات الأزمات وإعادة الإعمار وما يعقبها. وأود هنا أن أناقش نموذجين سائدين لفهم النظم الغذائية المعاصرة: الأمن الغذائي والسيادة الغذائية. وعلى الرغم من أن هذين النموذجين يُفهمان غالبًا بوصفهما مقاربتين تقنيتين، فإنهما يعكسان، بالأحرى، فهمين مختلفين جذريًا للحياة.
ينظر الأمن الغذائي إلى الحياة على أنها شيء يمكن تأمينه عبر إدارة نُظم الإنتاج والتوزيع. ظهر المفهوم في سبعينيات القرن العشرين كاستجابة للتخوفات من نقص الغذاء العالمي، وهو يركز بشكل أساسي على استقرار وتوفير إمدادات الغذاء. خلال العقود اللاحقة، اتسع المفهوم ليتضمن مسائل الوصول إلى الغذاء والتغذية والهشاشة وسلامة الأغذية والتفضيلات الغذائية. في عام 2001، وصفت الفاو الأمن الغذائي بأنه الوضع الذي يتحقق عندما “يتمتع جميع الناس، في جميع الأوقات، بإمكانية الحصول المادي واﻻقتصادي والاجتماعي على أغذية كافية وسليمة ومغذية، تُلبي احتياجاتهم الغذائية وأفضلياتهم من أجل حياة نشطة وصحية”. ومع ذلك، فقد ظل المفهوم، فيما يتوسع، يتعامل مع الجوع على أنه مشكلة إدارية، فانعدام الأمن الغذائي هو بشكل أساسي مشكلة تتعلق بالنفاذ والإمداد واستقرار النظام، بدلا من كونه يتعلق بالهيمنة ونزع الملكية والسيطرة على شروط الإنتاج[3].
في أواخر التسعينيات، ظهر مفهوم آخر صاغه منتجو الغذاء أنفسهم أو بالأحرى صغار الفلاحين، ألا وهو السيادة الغذائية. تعتبر حركة لافيا كامبسينا[4]، أكبر حركة فلاحية دولية في العالم، أن المفهوم لا يُقدم ببساطة سياسة فلاحية بديلة، ولكنه ينطوي على فهم مختلف جذريا للحياة والغذاء والعلاقات الاجتماعية. استُخدم المفهوم للمرة الأولى في قمة الغذاء العالمية عام 1996، وقد أكّد على محورية صغار منتجي الغذاء والمعرفة المتراكمة عبر الأجيال والاستدامة الإيكولوجية وحق الشعوب في تحديد نُظمها الغذائية والزراعية الخاصة. وعلى عكس المقاربات التي تختزل الجوع في مسائل الإمداد والنفاذ، تُسلط السيادة الغذائية الضوء على الشروط السياسية والمادية التي يُنتج بها الغذاء، مثل الأرض والعمل والبذور والعلاقات الإيكولوجية الاستقلال الذاتي الجماعي.
يُقدم انعدام الأمن الغذائي أساسا بوصفه مشكلة تتعلق بالوصول إلى الغذاء والإمداد واستقرار النظام لا بوصفه قضية ترتبط بعلاقات القوة أو نزع الملكية أو السيطرة على شروط الإنتاج.
في حديثي مع الناس، وبخاصة عمال الإغاثة، طوال سنوات الحرب السورية وفترة سوريا ما بعد الأسد، لاحظت أنه غالبا ما يُنظر إلى المقاربتين باعتبارهما مرحلتين متمايزتين للتنمية: فالأمن الغذائي ضرورة طالما يقع القطاع الزراعي تحت ضغط، أما السيادة الغذائية فيمكن تفعيلها ما إن تحدث انفراجه. إلا أن هذا النقاش لا ينم فقط عن فهم مغلوط جذريًا لمفهوم الأمن الغذائي، بل أيضا لقدر الرعاية الذي يتطلبه جعل الزراعة الإيكولوجية كممارسة أساسية من ممارسات السيادة الغذائية ممكنة. يظهر ذلك جليا عندما تُعتمد السيادة الغذائية هدفا للدول، وحين تتحول إلى مسألة وطنية تتعلق بتأمين الموارد للكيان الوطني لا بحكم الشعوب لنفسها.
وبدلا من تهيئة الظروف الملائمة لتحقيق السيادة الغذائية، فإن الطريقة التي يُمارس بها الأمن الغذائي عادة ويُفهم ويُصاغ في الخطاب الدولي المهيمن، غالبا ما تقوضها. وإذ يتحول الأمن الغذائي والسيادة الغذائية إلى ممارستين متناقضتين، يستبعد كل منهما الآخر، تتراجع النظرة إلى الأمن الغذائي باعتباره شرط مُسبق للسيادة الغذائية ويبدو أكثر كقوة تحد منها. وتوفر النظرة إلى الغذاء والزراعة عدسة يمكن من خلالها استكشاف العلاقة بين الأمن والسيادة.
نقد مفهوم الأمن
طوّر مارك نيوكليوس Mark Neocleous (وُلد عام 1964) اطارا نظريا لنقد مفهوم الأمن[5]. بالنسبة لهذا المُنظر النقدي، فإن الأمن ليس شرطا محايدا للحماية، لكنه مشروعا سياسيا ملتزما بحفظ النظام البرجوازي والملكية الخاصة بالإضافة إلى علاقات الهيمنة القائمة. على مر العصور، ظهر الأمن عبر مراقبة وضبط وإدارة المجتمع، ولاسيما عبر تنظيم الفقر والاضطراب وكل من يُنظر إليهم على أنهم تهديد للاستقرار المجتمعي. ويتلخص نقد نيوكليوس في أن إضفاء الطابع الأمني على المجتمع ينزع عن المسائل السياسية في جوهرها سمتها السياسية، إذ يُعيد صياغتها باعتبارها مشاكل تقنية تتعلق بالتنظيم والمخاطرة والضبط وبالتالي يٌضفي الشرعية على توسع سلطة الدولة بينما يجري التعتيم على عدم المساواة البنيوية والعلاقات الطبقية. وبدلا من معالجة انعدام الأمن، يعيد الخطاب الأمني إنتاج النظام الاجتماعي ذاته الذي نتج عنه انعدام الأمن في المقام الأول.
وإذا اعتمدنا على شرح نيوكليوس لمفهوم الأمن، نكتشف أن الأمن الغذائي في سوريا في عهد حافظ الأسد، القائد المطلق للبلاد منذ عام 1970 وحتى عام 2000، لم يكن مجرد مشروعا تنمويا أو إنسانيا ولكن استراتيجية أوسع لحكم المجتمع وحمله على الاستقرار عبر الزراعة. افترض البعض أن الثورة الخضراء المزعومة التي تبناها حافظ الأسد خلال السبعينيات، أدت إلى تحديث النظام الزراعي والفلاحي “المتخلف”. وعبر توفير تقنيات زراعية اقتصادية وتعزيز أجهزة الحكم البيروقراطية ومركزية أنظمة توزيع المدخلات الزراعية وفرض السيطرة السياسية على المجتمعات الريفية، بات الإنتاج الزراعي مقيدًا بمسائل الولاء للنظام الحاكم والنظام الاجتماعي. أُدخِلت البذور الهجينة كثيفة الثمار وعالية المدخلات التي يحتاجها الفلاحون وكذلك برامج التحديث التكنولوجي من خلال مؤسسات مثل المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (ICARDA)، تحت شعار التنمية والأمن الغذائي. إلا أن هذه التدخلات قد أدت، في الوقت ذاته، إلى تهميش الممارسات الفلاحية المحلية وعمقت اعتماد المزارعين على البنية التحتية التي تتحكم بها الدولة والنُظم الزراعية التقنية الخارجية. وهكذا، عمل الأمن الغذائي كآلية لتأمين النظام السياسي وإدارة المجتمعات الزراعية وإعادة إنتاج سيطرة النظام الحاكم على الأرض والعمل والحياة الزراعية.
الأمن ليس شرطا محايدا للحماية، لكنه مشروعا سياسيا ملتزما بحفظ النظام البرجوازي والملكية الخاصة بالإضافة إلى علاقات الهيمنة القائمة. ويهدف إضفاء الطابع الأمني على المجتمع إلى تجريد المسائل السياسية في جوهرها من سمتها السياسية.
مقاربات المؤسسات للزراعة في مرحلة ما بعد الأسد
لا يتخذ الجانب الرسمي للسياسات الزراعية الرسمية في سوريا بعد حافظ الأسد مسارا مختلفا. يصيغ إيكاردا ICARDA (المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة) رؤيته لمستقبل القطاع الزراعي في سوريا في وثيقة أساسية بعنوان “إعادة بناء القطاع الزراعي في سوريا”، صادرة منذ أكتوبر 2025. تتبنى الوثيقة لغة استقرار المجتمعات واستعادة سلاسل الإنتاج وتقليل الاعتماد على المساعدات وإعادة إدماج المقاتلين المُبعدين من الخدمة. وفقًا لهذه الرؤية، لا تنصب إعادة البناء فقط على إطعام الناس ولكن أيضًا على استعادة النظام الاجتماعي والاقتصادي بعد الحرب. وبالنظر عبر نقد نيوكليوس للأمن، لا يمثل الأمن الغذائي هنا وسيلة لحماية الحياة نفسها بقدر ما هو آلية لإدارة السكان وتحقيق الاستقرار، من أعلى لأسفل، من خلال النُظم الزراعية والخبرة التقنية والتنسيق المؤسسي في سياق ما بعد الحرب.
يظهر هذا جليًا في حالة البذور، حيث يوفر مركز إيكاردا بذورا معتمدة ومراكز بذور مركزية وبرامج تهجين وأنظمة مقننة لتداول البذور ترتبط ببُنى بحثية إقليمية في بلدان مثل المغرب ولبنان. وإذ تمثل هذه التدخلات استجابة للدمار الواقعي الملموس الذي سببته الحرب، فإنها تعيد تأسيس الزراعة عبر أنظمة المعايير القياسية والتقنين والسيطرة المركزية. وبهذا تُمثل إعادة بناء أنظمة البذور في نفس الوقت، إعادة بناء لعلاقات القوة. ويُدمج الفلاحون في سلاسل إنتاج خاضعة للإدارة، يعتمد فيها النفاذ إلى البذور والمعرفة وإعادة الإنتاج الزراعي بشكل متزايد على مؤسسات خارجية وأنظمة تقنية. وبدلا من العمل على استعادة الحياة الفلاحية المستقلة، تقودنا هذه المقاربات إلى المخاطرة بتعميق التبعية وإخضاع إعادة الإنتاج الزراعي لرؤى أوسع للاستقرار والحوكمة.
تقف السياسات الشعبية للمجتمعات الفلاحية السورية ضد هذه المقاربات، مُطالبةً بإعادة البناء من القاعدة عبر سياسات الرعاية والروابط المجتمعية. ويُعد الاهتمام المتجدد من جانب النشطاء والفلاحين في كافة أنحاء البلاد بالبذور السورية الموروثة أحد أكثر المظاهر التي تعكس ذلك أهمية. حيث يعري هذا النوع بالضبط من البذور منطق المقاربات المتمحورة حول الأمن ومحدوديتها للزراعة. ففي حين تنزع أُطر الأمن الغذائي إلى التعامل مع الغذاء بوصفه مصدرا يمكن تحقيق استقراره وإدارته وتأمينه، فإن البذور لا يمكن “تأمينها” ببساطة. تتطلب البذور إعادة انتاجها وزراعتها وتبادلها وتكييفها وتخزينها وإعادة إنباتها عبر الأجيال، بشكل مستمر. فبقائها لا يعتمد على إحكام السيطرة عليها فحسب، بل على ممارسات مستمرة من الرعاية.
يشير ذلك إلى منطق سياسي مختلف جذريًا. فحفظ البذور وإعداد السماد العضوي والري وتجهيز الطعام وتبادل الشتلات ونقل المعارف الزراعية ليست أنشطة هامشية أو لا علاقة لها بالسياسة. إنها أشكال من العمل المرتبط بإعادة الإنتاج تستمر من خلالها الحياة الفلاحية. وبالتالي يمكن القول بأن ما يجعل السيادة الغذائية ممكنة هو الممارسات المادية للرعاية التي تجعل تحقيق الاستقلال الجماعي ممكنًا في المقام الأول. وفي مواجهة اختزال الطعام في السعرات الحرارية وسلاسل الإنتاج وإدارة السكان تركز هذه الممارسات على الحفاظ على خصوبة التربة وحفظ التنوع الحيوي واستدامة المجتمعات وإعادة إنتاج الحياة في ظل ظروف التدمير والنزوح.
ما يجعل السيادة الغذائية ممكنة هو الممارسات المادية للرعاية التي تجعل تحقيق الاستقلال الجماعي ممكنًا في المقام الأول.
تكشف البذور هذا التناقض على وجه التحديد بحدة. فقد تحفظ بنوك البذور المركزية المواد الجينية، لكن حفظها وحده لا يحقق استدامة النُظم الزراعية الحية. تعمق البذور الهجينة التبعية للأسواق الخارجية وبالتالي تعرض الفلاحين لهشاشة السوق ودورات إعادة الشراء السنوية، في الوقت الذي تُصعب فيه الحرب والنزوح العلاقات الاجتماعية التي يجرى من خلالها إعادة إنتاج البذور وتبادلها محليًا. وفي حين ينشغل منطق الأمن المهيمن بكيفية تأمين الموارد والسيطرة عليها، تركز الممارسات المبنية على البذور على سؤال كيف يمكن إعادة إنتاج الحياة بشكل جماعي عبر العصور؟ لا تصمد البذور الموروثة (البلدية) من خلال إغلاقها وتقييد إعادة اكثارها، بل عبر ممارسات الزراعة المستمرة والتبادل والرعاية. وبالتالي، لا تتحدى هذه السياسات الناشئة حول البذور في سوريا الزراعة الصناعية فحسب، ولكن أيضا أنطولوجيا الأمن نفسه الكامنة فيها.
سياسات الرعاية
يوزع زاهر شتلات الخضروات في قريته بريف سراقب (محافظة إدلب). كانت قوات إيرانية حليفة لنظام الأسد قد نهبت القرية واحتلتها عام 2019، إلى أن استطاع السكان العودة إليها عقب سقوط النظام. لا يلجأ زاهر لتوزيع الشتلات بهدف تعزيز قدرة العائلات على العيش وتخطي الأوقات الصعبة التي يمرون بها بعد رجوعهم فحسب. بالنسبة له، يساعد ذلك على نسج العلاقات القديمة والجديدة على السواء، فقد قطع نزوح المجتمعات الريفية روابط الثقة بين الناس وباتت بحاجة إلى إعادة بنائها.
يصف سعد، مزارع من قرية السلمية في وسط سوريا، يبلغ من العمر 29 ربيعا، ومعروف بنشاطه في قريته وحبه للتجربة، الزراعة بأنها “رعاية”. والرعاية، حسب وصفه، ليست شأنا غير سياسي ولا يمكن اختزالها في الأعمال الخيرية. إنها تتجلى في تنسيق أوقات الري وإعداد السماد العضوي ومراقبة الآفات والتدريب والشفافية والمتابعة والمسئولية الجماعية تجاه القرية والمجتمع الزراعي. وعلى الرغم من عدم تأثر قرية سعد بالدمار الذي خلفته الحرب، فإن الخوف من نظام الأسد الذي اعتقل أخيه، وأعاق حركته وقيد نشاطاته، لا يزال قائمًا. وهو حاليًا عضو في لجنة الزراعة بالقرية وهي كيان منتخب بشكل ديمقراطي لخدمة المجتمع. وقد تلقى لتوه تدريبا حول كيفية إزالة مخلفات الحرب من الأراضي الزراعية. وهو يحب المشاركة في نشاطات المجتمع المدني مثل الدورات الحوارية التي تُعقد حاليا في بلدته. بالنسبة له، فإن الزراعة ليست قطاع تقني منفصل عن الحياة الاجتماعية، بل منظومة إيكولوجية من الاعتماد المتبادل يتداخل فيها الحفاظ على خصوبة التربة ودعم الفلاحين وصون الثقة وحماية الوجود المشترك، تداخلا عميقًا. وبهذا المعنى تصبح الرعاية نمطًا من أنماط الحوكمة الزراعية من القاعدة، تقوم على العناية والمعرفة العملية وإعادة الإنتاج الجماعي للحياة بدلا من الإدارة الأمنية للسكان.
تتطلب ممارسات الزراعة الإيكولوجية وبخاصة في أوقات إعادة الإعمار عندما يكون من الضروري تجديد الأرض والتربة، الرعاية. إنها تعتمد على عمل مستمر من الملاحظة والتدريب والتجريب علاوة على المسئولية الجماعية. يتعارض ذلك مع المقاربات السائدة تجاه الزراعة والمتمحورة حول الأمن والتي عادة ما تنظر إلى الحياة بشكل أساسي باعتبارها شيء ينبغي ضمان استقراره وإدارته. يُشتق مفهوم الأمن، كما أورد مارك نيوكليوس، من الأصل اللاتيني (sine cura) ويعني “دون رعاية” في إشارة إلى ظرف لا يشوبه عدم اليقين والاضطراب. وعلى الرغم من ذلك، فإن ما يواجهنا من مواقف في أماكن مثل قرية المزرعة أو خلال محادثاتنا مع مزارعين مثل زاهر وسعد يشير إلى أن الحياة الزراعية لا يمكن أن تستمر عبر الاستقرار وحده. فما ينظر إليه بوصفه “أمنًا” لا يعني في كثير من الأحيان ازدهار الحياة بل بقاءها تحت السيطرة.
ما وراء العجز: المزرعة وحدود المقاربات الإنسانية
يتلقى الناس في المزرعة المساعدات الغذائية، لكنهم بمعزل عن البنية التحتية الضرورية اللازمة لإعادة بناء حياة زراعية مستقلة: أنظمة المياه والأسواق العاملة والبذور والكهرباء والأدوات والقدرة على النفاذ إلى الأرض على نحو مستقر. تستمر الحياة ولكن في ظل حالة من الهشاشة والتبعية. إن المجتمع، الذي واجه صدمة عنيفة على إثر المجازر التي شهدها خلال سنوات الحرب والتي أودت بحياة أكثر من 1500 شخص، لفي مسيس الحاجة إلى ممارسات الرعاية. وبينما يدل مفهوم “الأمن” بشكل عام على إدارة الحد الأدنى من البقاء والنظام الاجتماعي، فإنه لا يشير إلى ولا يستهدف استعادة القدرة الجماعية على متابعة الحياة. ومن هذا المنظور، يخاطر الأمن الغذائي بأن يتحول من كونه نقيضًا للعنف إلى مجرد وسيلة لإدارة آثاره وتبعاته.
تكشف قراءة هذه الديناميكيات عبر منظور نيكليوس أيضًا، كيف يمكن استخدام الأمن الغذائي كشكل من أشكال ضبط ومراقبة الحياة. فسلال الغذاء وقوائم المستفيدين وعمليات التوزيع وفقا لحجم العائلة ليست مجرد أدوات إنسانية، لكنها كذلك آليات لمعرفة السكان وتصنيفهم يجري من خلالها اخضاعهم للحكم. ويحل التوزيع المركزي للغذاء من خلال الحكومة في دمشق، في هذه الحالة، محل الإنتاج المحلي، في حين تتحول المجتمعات تدريجيا من منتجين إلى متلقي مساعدات منظمين. وبدلا من تعزيز إعادة الإنتاج الذاتي المستقل للحياة، تُخاطر هذه النُظم بتعميق التبعية على المؤسسات الخارجية، والبُنى التحتية اللوجستية ونماذج السيطرة البيروقراطية. وبالتالي، يُخاطر الأمن الغذائي بتجريد النضالات السياسية في جوهرها حول الأرض والبنية التحتية وإعادة الإنتاج الإيكولوجي من صبغتها السياسية. خلال حديثنا مع سكان المجتمع المحلي في قرية المزرعة، أخبرنا أحد الفلاحين أخيرا أنه يعتزم صنع أدواته بنفسه وحرث التربة بيديه بدلا من البقاء في حالة “عجز” – عدم القدرة على إنتاج غذائه بنفسه.
وفي حين لا يستخدم السكان لغة نسوية صريحة للتعبير عن هذه الممارسات، فإنها على الرغم من ذلك ترتبط بقوة بالاهتمامات النسوية حول الرعاية وإعادة الإنتاج الاجتماعي والاعتماد المتبادل.
تقف الممارسات التي عبر عنها زاهر وسعد وسكان المزرعة ضد هذا المنطق، وتشير إلى فهم مختلف للزراعة: لا بوصفها إدارة البقاء ولكن بوصفها إعادة الإنتاج الجماعي والرعائي للحياة. وفي حين لا يستخدم السكان لغة نسوية صريحة للتعبير عن هذه الممارسات، فإنها على الرغم من ذلك ترتبط بقوة بالاهتمامات النسوية حول الرعاية وإعادة الإنتاج الاجتماعي والاعتماد المتبادل. في السياق السوري، عادة ما تظهر النقاشات حول السيادة الغذائية ليس في الدوائر النسوية الرسمية بشكل أساسي، ولكن في الممارسات اليومية لهؤلاء المنشغلين بالحفاظ على الحياة الزراعية واستمرارها. وقد بدأ بعض الصحفيين والنشطاء، مثل الناشطة النسوية رولا أسعد، في توثيق هذه الخبرات[6] وإثارة الأسئلة حول البذور والرعاية وإعادة الإنتاج الاجتماعي في النقاشات السياسية الأوسع. وفي الوقت ذاته، باتت السيادة الغذائية والزراعة الإيكولوجية بشكل متزايد مساحات يركن إليها الكثير من النشطاء اليساريين والنسويين لبناء أشكال بديلة للتنظّم السياسي. فبدلا من بناء سياسات حول الانتماء الأيديولوجي أو الهياكل الحزبية، تُقام هذه المبادرات من خلال الممارسات المشتركة للزراعة وتبادل المعرفة والدعم المتبادل.
في سياق ناضلت فيه العديد من الكيانات السياسية التقدمية من أجل الإفصاح عن مشاريع تحررية عابرة للطوائف ومتجذرة اجتماعيا، بعد سقوط نظام الأسد، باتت المبادرات الزراعية، على غير المتوقع، مواضع للتقاطع. ولا تكمن أهمية تلك المبادرات في ما إذا كان المشاركون بها يعرفون أنفسهم بوصفهم نشطاء نسويين من عدمه، ولكن في أشكال الحياة الاجتماعية والسياسية التي تعد بها. فعبر علاقات الثقة وكرم الضيافة الزراعي وتبادل المعارف والمسئولية الجماعية تحرث هذه المبادرات أشكالا من الازدهار تقف على النقيض التام من المنطق الإداري الأمني. وبدلا من التركيز على السيطرة والحماية، تضع هذه الممارسات السيادة المحلية وإعادة الإنتاج الجماعي للحياة في المقدمة.
- أنصار جاسم
- ترجمة: هدير أحمد
تُرجم هذا المقال عن الإنجليزية. للرجوع إلى النص الأصلي: اضغط\ي هنا
المراجع
[1] – OHCHR, “UN Syria Commission Releases Report on July Massacres and Other Grave Violations Committed in Suwayda and Calls for Expanded Accountability Measures,” 27 March 2026.
[2]– Hans Wehr, A Dictionary of Modern Written Arabic, ed. J. Milton Cowan, 4th ed. (Ithaca, NY: Spoken Language Services, 1979), 436.
[3]– Edward Clay, “Food Security: Concepts and Measurement,” in Trade Reforms and Food Security: Conceptualising the Linkages (Rome: FAO, 2003).
[4]– La Via Campesina, “Food Sovereignty: A Manifesto for the Future of Our Planet,” 13 October 2021.
[5]– Mark Neocleous, “Against Security,” Radical Philosophy 100 (March/April 2000).
[6]– SyriaUntold, “ذاكرة الأرض والسيادة الغذائية” (“Memory of the Land and Food Sovereignty”), 28 April 2026; Rula Asad, “Syria’s Seeds and the Politics of Care: A Materialist Feminist Perspective”, Arab Reform Initiative, 27 February 2026.

