ساهمت التعاونيات النسائية في ترسيخ السمعة العالمية لزيت الأركان المغربي، غير أن النساء العاملات فيها أصبحن اليوم يشكلن أقلية داخل سوقهن، في وقت تستحوذ فيه الشركات متعددة الجنسيات، في نهاية سلسلة الإنتاج، على النصيب الأكبر من الأرباح. وفي صميم هذا النظام تبرز الأجور الزهيدة التي تتقاضاها النساء العاملات.
يضم اتحاد تعاونيات النساء للأركان [UFCA] ثماني عشرة تعاونية، يتراوح عدد النساء في كل واحدة منها بين 12 و87 امرأة. وقد اضطرت تسع تعاونيات إلى التوقف عن النشاط بسبب ندرة المواد الخام. وفي ظل هذه الظروف، لا تملك فرصة الاستمرار سوى التعاونيات المنضوية ضمن شبكات منظمة. وفي هذا السياق، صرّحت جميلة إيدبوروس، رئيسة الاتحاد، سنة 2024: «تمكّنا من الحفاظ على عميل واحد فقط من أصل ثلاثة[i]“. تهدد الأزمة الناتجة عن سنوات متتالية من الجفاف بتعميق المنحى الذي برز بين عامي 2008 و2013، حين انقلبت موازين السوق بين القطاع التعاوني، الذي كان يستحوذ على 80% سنة 2008، والقطاع الخاص الذي لم يكن يتجاوز 20%. والأخطر من ذلك أن الارتفاع الكبير في أسعار الثمار أدى إلى إغلاق عدد كبير من التعاونيات.
ساهم دخول الشركة الفرنسية متعددة الجنسيات Olvea، بالتوازي مع ارتفاع حجم الإنتاج، في تسريع خصخصة القطاع[ii]. ففي عام 2007، أنشأت الشركة، التي تبلغ معاملاتها نحو 200 مليون يورو، وحدة لاستخراج زيت الأركان داخل موقع مصنعها المخصص لزيت السمك بمدينة أكادير.
بحوالي 300 طن من أصل 1202 طنًا صدّرها المغرب، استحوذت Olvea سنة 2021 على حصة سوقية بلغت 25% رغم الأزمة. وظلت الشركة في صدارة السوق، متقدمة على شركة Aaz Argan التابعة لمحمد لشرام، الذي يملك عدة شركات، وعلى شركة Lachgar co، إذ كانت حصة كل واحدة منهما تقارب 8% من السوق. وجاء اتحاد التعاونيات GIE Targanine في المرتبة الرابعة، متقدّمًا على تعاونية Afoulki. غير أن السنوات اللاحقة شهدت تفاقم الأزمة، ما أدى إلى إعادة خلط الأوراق من جديد؛ إذ تراجعت الصادرات إلى نحو 650 طنًا سنة 2024، وأغلقت شركة Aaz Argan أبوابها، بينما قلّصت تعاونية Afoulki نشاطها بشكل كبير.
بعدما أنهكتها الزيادات الكبيرة في أسعار الثمار والمنافسة المتصاعدة، لم تعد التعاونيات قادرة على توفير رأس المال الضروري لمواجهة ارتفاع كلفة الثمار الجافة، التي تشكل المادة الخام الأساسية. ومع عجزها عن اقتناء الثمار، اضطرت العديد منها إلى العمل كمقاولات من الباطن لصالح الشركات الكبرى. وفي هذا السياق تقول فاطمة*، رئيسة تعاونية صغيرة بمنطقة أكادير، بنبرة تجمع بين الأسف والاستسلام: «أصبحنا مجرد تعاونيات خدمات؛ هم يأتوننا بالثمار ونحن لا نقوم سوى بعملية التكسير“.
أجور تقل بثلاث مرات عن الحد الأدنى القانوني
يشكل الوضع الخاص للتعاونيات فرصة مواتية للشركات. فالنساء العاملات داخلها لا يُعتبرن موظفات بل عضوات يتمتعن، نظرياً، بحقوق متساوية ويتقاسمن الأرباح، عندما تكون هناك أرباح أصلاً. وبهذا الشكل، ومن دون حد أدنى للأجور، أو تغطية اجتماعية، أو تعويضات عن الفصل، تستطيع التعاونيات تقديم كلفة إنتاج لا يمكن للشركات الخاصة، الملزمة بتشغيل عاملات بأجور قانونية، منافستها.
ووفقاً لتحقيقنا، تتقاضى النساء في التعاونيات أجوراً حسب الإنتاج، تتراوح بين 25 درهماً (حوالي 2 يورو) مقابل كل كيلوغرام من اللوز[iii] المنتج في التعاونيات الأكثر هشاشة، و50 درهماً (حوالي 5 يورو) في أفضل الحالات. ويتطلب إنتاج كيلوغرام واحد من اللوز، في المتوسط، يوماً كاملاً من العمل، بينما يتجاوز الحد الأدنى القانوني للأجور في القطاع الزراعي بالمغرب 97 درهماً (حوالي 9 يورو) يومياً.
وهكذا تستفيد الشركات من مرونة كبيرة وتكاليف منخفضة، مع بقائها ضمن الإطار القانوني. والأكثر من ذلك أنها تواصل الاستفادة من الصورة الإيجابية المرتبطة بـ«التجارة العادلة» التي ما تزال التعاونيات تحظى بها. وبصورة غير مباشرة، تجني هذه الشركات أيضاً فوائد مختلف أشكال الدعم الموجهة للتعاونيات، باسم دورها الاجتماعي، سواء من خلال المساعدات الدولية للتنمية أو عبر الدولة المغربية[iv].
“لدينا شراكة مع تعاونية في القرية تستفيد من دعم الدولة. وهي تعاونية مستقلة تضم 26 امرأة»، تقول مريم بنانا، مديرة شركة »المؤسسة النسائية الريفية للاقتصاد الاجتماعي» EFAS الواقعة جنوب أكادير، رغم أن جميع المؤشرات تُظهر أن هذه التعاونية توجد داخل مقر الشركة نفسها. وتضيف: «أسسنا الشركة بهدف دعم المرأة القروية، ولدينا برنامج للمساعدة، وقد انتهينا من بناء مدرسة لفائدة تعاونية في منطقة جبلية” .
يتكرر هذا الخطاب لدى معظم الشركات والتعاونيات التي التقينا بها، حيث يجري التركيز على الأنشطة الاجتماعية وإبرازها، مقابل تجنب الحديث عن أجور العاملات أو أوضاعهن وحقوقهن.
“إنهن نساء اعتدن على العمل بشكل مستقل، وعلى جني المال فقط مقابل ما ينجزنه من عمل. وعندما فكرتُ، عند إطلاق نشاطي، في منحهن رواتب ثابتة، اعتبرنني مجنوناً. كنّ يقلن:” السويسري مجنون”»، هكذا يروي أوليس مولر Ulysse Müller ، المدير التنفيذي لشركة سيدي ياسين Sidi Yassine، المزوّد السابق لمجموعة L’Occitane، والتي أغلقت أبوابها في خريف 2025 بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الثمار وتكاليف النقل.
من بين جميع الشركات التي التقينا بها، كانت شركة واحدة فقط تؤكد أنها تدفع أجوراً للنساء العاملات في عملية التكسير. «نشتري الجوز مباشرة، ثم نكلّف 30 امرأة من عاملاتنا بعملية التكسير. اليوم ننتج طناً كل ثلاثة أسابيع»، تشرح سارة، المسؤولة التجارية في شركة Zineglobe، الواقعة جنوب أكادير.
وبالنظر إلى متوسط الإنتاج اليومي، حيث تنتج كل امرأة ما يقارب كيلوغراماً واحداً من اللوز، وإلى أن إنتاج لتر واحد من زيت الأركان يتطلب بين 1,7 و2,2 كيلوغرام من اللوز، فإن إنتاج 17 طناً سنوياً التي تعلنها الشركة يستلزم ما بين 80 و104 سنوات عمل جماعي لـ30 امرأة فقط.
لذلك، من المرجح جداً أن تعتمد Zineglobe، مثل غيرها من شركات القطاع، على تعاونيات متعاقدة من الباطن أو على نساء يعملن بشكل فردي في قراهن.
“هنا، بجانب المنزل، تقول عائشة، ربة منزل في قرية أزرو الصغيرة قرب الصويرة ، يمر تاجر جملة كل أسبوعين منذ عامين بشاحنته الصغيرة محمّلاً بنحو ستين كيساً، يزن كل منها 80 كيلوغراماً من ثمار الأركان الجافة. تحصل كل امرأة في القرية على كيس واحد أو أكثر إذا استطاعت، ثم تتقاضى بعد الطحن ما بين 70 و80 درهماً (6 إلى 7 يورو) عن كل كيس، على أن تعيد اللب وقشور النوى”.
تضم القرية عدداً كبيراً من النساء في وضع هش، رغم وجود طريق ترابي واسع وجيد الحالة، ما يشكل مزيجاً مثالياً لتجار الجملة والشركات التي تتعامل معهم. فهذه المناطق معزولة بما يكفي لغياب أي بدائل أمام النساء، ما يدفعهن لقبول أسعار منخفضة جداً، وفي الوقت نفسه تبقى سهلة الوصول لتقليل تكاليف النقل.
وتُعد هذه الممارسة، الخارجة عن أي إطار قانوني، شائعة جداً، إذ تتيح خفض كلفة التكسير إلى حوالي 20 درهماً (نحو 2 يورو) للكيلوغرام أو أقل.
وبهذا الشكل تحصل غالبية الشركات على اللوز. «نؤمّن إمداداتنا حصرياً من سبع تعاونيات عضوية مستقلة، وتُباع لنا بأسعار عادلة يجري التفاوض عليها بشكل مشترك»، يؤكد إيمانويل بيتيو Emmanuel Petiot ، المدير العام لشركة Olvea Vegetables Oil بحماس.
غير أن عدة شهادات صادرة عن تجار جملة ووسطاء تشير إلى أن جميع النساء العاملات في التكسير لصالح Olvea لا ينتمين فعلياً إلى تعاونيات. كما تشتري شركات محمد لاشرام «اللوز مباشرة من الوسطاء الذين يوزعون أكياس الثمار على النساء في القرى بشكل غير رسمي»، وفق ما تؤكده تاعرابت راشمين، رئيسة تعاونية تامونت الواقعة بين أكادير والصويرة.
وعند الاتصال به، رفض المعني الرد على Orient XXI، معتبراً أنه «لا يستفيد شيئاً من ذلك»، على حد تعبيره.
“كانوا يضغطون علينا كما يفعلون مع أي مورد آخر“
مع ذلك، ورغم استغلال الشركات الكبرى المصدّرة للتعاونيات والنساء، فإن أعلى هوامش الربح لا تعود لهذه الشركات نفسها، بل لعملائها من كبريات شركات تجارة المواد الخام الطبيعية ومختبرات مستحضرات التجميل. فشركة Olvea Maroc تبيع منتجاتها إلى الشركة الأم. كما أن Naturex Maroc هي فرع تابع لشركة Naturex في فرنسا، التي حققت مبيعات بلغت 404 ملايين يورو قبل أن تستحوذ عليها مجموعة Givaudan في عام 2018، والتي تتجاوز مبيعاتها 7 مليارات يورو. أما شركة Henri Lamotte Oils الألمانية فتسجل بدورها مبيعات بعشرات ملايين اليورو.وتقوم كل هذه الشركات بتزويد كبرى العلامات العالمية في قطاع مستحضرات التجميل.
كما تحصل بعض المجموعات الكبرى لمستحضرات التجميل على إمداداتها مباشرة من المغرب دون المرور عبر الوسطاء، مثل مختبرات Pierre Fabre Laboratories وL’Occitane، اللتين تتزودان بشكل خاص من اتحاد التعاونيات النسائية للأركان بالمغرب(UCFA). أما L’Oréal فتتزوّد أساساً من الاتحاد الاقتصادي المشترك GIE Targanine. وتبلغ أرقام معاملاتها على التوالي 3.1 مليار يورو و2.8 مليار يورو و44 مليار يورو.
روبرت*، وهو متقاعد وأحد قدامى الفاعلين في هذا القطاع، كان يملك خلال العقد الأول من الألفية شركة خاصة لإنتاج وتصدير زيت الأركان، وهي اليوم متوقفة عن النشاط. سنويا كان عليه التفاوض مع هؤلاء الزبائن: «كنت أتعامل مع خريجي كليات إدارة الأعمال، أنيقين في مظهرهم، يقدمون لنا القهوة، وكانوا مسؤولين عن قطاع كامل ويتفاوضون على أسعار جميع المواد الخام. كانوا يقولون لنا إنهم يحبوننا، لكن “ماذا تريدون، الأوقات صعبة”، وفي النهاية كانوا يضغطون علينا كما يفعلون مع أي مورد آخر« .
كان روبرت يشغّل النساء عبر وسطاء، خارج إطار التعاونيات، حيث كنّ يتقاضين ما بين 900 و1000 درهم شهرياً (حوالي 83 إلى 92 يورو). ويقول: «كنا نحاول رفع أجورهن، لكن على الطرف الآخر من السلسلة كان الضغط عنيفاً للغاية« .
ويضيف: «لم أعد أحقق سوى هامش ربح لا يتجاوز 20%، ومع ذلك كان زبائني يطالبونني بخفض السعر من 21 إلى 19 يورو. كانوا يضيفون كلمة “أركان” إلى منتجاتهم، فيتمكنون من رفع هامش أرباحهم الإجمالي بنسبة تصل إلى 30« %.
ويؤكد أن الضغط الذي يمارسه العملاء، بحكم حجمهم، هائل. ويتذكر أوليس مولر من شركة Sidi Yassine قائلاً: «أرادت شركة L’Occitane أن ترافقني موظفة من طرفها لمدة ثلاثة أشهر هنا في المغرب لتتعرف على طريقة عملي، لكنني رفضت. كان الهدف فهم السوق وتقنيات الإنتاج من أجل استبدالنا لاحقاً. وأعلم أن الأمر نفسه حدث في بوركينا فاسو مع زبدة الشيا«.
كان زيت الأركان يُصدَّر في الخريف الماضي بسعر 45 يورو للتر لفائدة الشركات الأكثر قدرة على المنافسة، بينما يصل إلى 72 يورو لدى التعاونيات الأصغر. في المقابل، يُباع للمستهلك النهائي بسعر 120 يورو لدى Aromazone، و1130 يورو لدى Moroccanoil، الراعي الوحيد لمسابقة Eurovision Song Contest منذ عام 2020، أو 400 يورو لعلامة Melvita التابعة لمجموعة L’Occitane . هكذا يتراوح سعر المادة الخام، التي لا تخضع إلا لعملية التعبئة دون أي تحويل إضافي، بين 3.9% و60% من سعر البيع النهائي للمستهلك.
هل أصبح منتجاً «باهظ الثمن»؟
»اليوم يعتبر عملاؤنا زيت الأركان مكلفاً. فبدلاً من إضافة 0.5% منه إلى منتجاتهم، يفضلون الاكتفاء بـ0.2%، وأحياناً يحذفونه تماماً من التركيبة»، يوضح إيمانويل بيتيو. وهو ما تؤكده أيضاً مديرة شركة EFAS، قائلة: «لدينا عميلان متماثلان في أوروبا قاما بإزالته من منتجاتهما. تتغير مواقع المنتجات؛ هناك تراجع في مبيعات زيت الأركان النقي مقابل ارتفاع المنتجات التي تحتوي عليه« .
ومنذ ذلك الحين، لم تعد العلامات التجارية الأجنبية تركز على عمل التعاونيات أو النساء أو أصل الزيت، بل تكتفي بإبراز طابعه الطبيعي.
على سبيل المثال، تستغل L’Oréal سمعة زيت الأركان كأداة تسويقية، رغم أن نسبته في منتجاتها تبقى محدودة جداً. ويبدو أن العلامة سحبت الزيت حتى من منظف الشعر الشهير «Elseve Liss Intense Shampoing Disciplinant enrichi en huile d’Argan». فعلى الرغم من أن اسم INCI «Argania Spinosa Kernel Oil» لا يزال يظهر على بعض العبوات المعروضة عبر الإنترنت، إلا أنه اختفى من موقعها الرسمي.
ومع مرور الوقت، يجري تهميش دور النساء والتعاونيات تدريجياً. «من الآن فصاعداً، لم تعد العلامات التجارية الأجنبية تتحدث عن عمل التعاونيات أو النساء أو عن أصل الزيت، بل تكتفي بالتركيز على طابعه الطبيعي. سنعيش ما حدث مع الكاكاو في الشوكولاتة البلجيكية أو السويسرية»، تقول ماليكا مويلك Malika Mouilek ، المديرة التنفيذية لاتحاد Fifargane، بحسرة.
ويبقى السؤال مطروحاً: هل ستختفي النساء تماماً قريباً من سلسلة إنتاج زيت الأركان؟ فآلات التكسير ما تزال في مرحلة التجريب، لكنها موجودة بالفعل.
جولي شودييه – جولييت فيرغسون – أليس فاتشيني
ترجمة: وحيد عسري
- تُرجم هذا المقال عن الفرنسية. للرجوع إلى المقال الأصلي: اضغط\ ي هنا
جرى تغيير الإسم
[i] جولي شودييه، « النساء المغربيات المحرومات من سوق زيت الأرغان على يد شركة فرنسية متعددة الجنسيات »، Reporterre، 3 يونيو 2024.
[ii] لوسي بولين، « استدامة قطاع الأرغان: ما هي أدوات التأثير المتاحة لشركات مستحضرات التجميل في الشمال ؟ “، تقرير مهمة مهنية، SupAgro Montpellier، 2018.
[iii] ملاحظة المحرر: بذرة صلبة تقع داخل نواة بعض الثمار.
[iv] يُعدّ مشروع الأركان (2003-2009) من أبرز البرامج الحكومية، إذ مثّل شراكة بين الدولة والاتحاد الأوروبي، مع تعبئة تمويل بلغ 12 مليون يورو. تلاه مشروع REFAM (2018-2023)، الناتج عن تعاون مغربي-كندي، بميزانية قدرها 11.5 مليون دولار كندي (7.2 مليون يورو). كما يمكن ذكر خطة تطوير القطاع في أفق 2030، التي تشرف عليها وزارة الفلاحة، والتي رُصد لها غلاف مالي يناهز 3.64 مليار درهم (حوالي 330 مليون يورو).

