تقديم السلسلة
في كل بيت تونسيّ، هناك حكاية مع الخبز مع الزيت مع الماء. لكن ما لم نكن نراه، هو أن هذا الخبز الذي نأكله صار يحمل في طياته طعم التبعية. نأكل قمحًا لا نزرعه، ونطهو بزيت لا ننتجه، ونروي أرضنا بمياه يستنزفها المصانع أكثر مما تسقيها السماء. لقد تغيّر معنى الزراعة، كما تغيّرت علاقة الإنسان بالأرض.
منذ عقود، ومع موجات “الإصلاحات الاقتصادية” التي وُعدنا بها بالازدهار، انزلقت تونس شيئًا فشيئًا من بلد يزرع لأجل قوته إلى بلد يستورد لأجل بقائه. كانت البداية بخطط تموّلها المؤسسات المالية العالمية تحت شعارات “التنمية” والاندماج في السوق العالمية”. لكن ما حصل في العمق هو تفكيك المنظومة الفلاحية الأصيلة وتحويل الفلاح الصغير إلى مجرّد عامل على هامش السوق.
تحوّلت الحقول إلى فضاءات إنتاج تُدار بالأرقام لا بالقلوب. تُزرع البذور المعدّلة، ويُستورد السماد الكيميائي، ويُسقى الزرع من مياه كانت يومًا عذبة، ثم صارت مالحة أو مسمومة. وأصبحت الدولة، شيئًا فشيئًا، تفقد سيطرتها على ما هو أساسي: غذاؤها.
حين نتحدث عن أزمة الغذاء، لا نعني فقط ارتفاع الأسعار في الأسواق، بل نتحدث عن انقطاع الصلة بين الإنسان وأرضه. عن فقدان المعنى. فلاح اليوم يزرع ما يُطلب منه، لا ما يحتاجه وطنه. والمزارع الصغير صار يعيش على حافة الانقراض، يطارده الجفاف، وتطوّقه المديونية، ويغيب عن كل السياسات الزراعية الرسمية التي تركّز على الإنتاج لا على الحياة.
إنّ تبعية تونس الغذائية ليست مسألة اقتصادية فقط، بل مسألة سيادية بامتياز. منذ أن ارتبطنا بأسواق الخارج لتأمين القمح والزيت والسكر، أصبح قرارنا الغذائي مرتهنا لأسعار البورصة، ولم تعد السيادة تعني الحرية السياسية فحسب، بل أيضًا القدرة على الأكل ممّا نزرع.
كلّ أزمة قمح في أوكرانيا، وكلّ ارتفاع في أسعار النفط أو النقل، يُترجم مباشرة في المائدة التونسية. لقد تحوّل الغذاء إلى سلاح صامت، وإلى وسيلة لإخضاع الشعوب عبر حاجاتها اليومية. وفي مواجهة هذا الواقع ، يصبح الفلاح الصغير هو الخط الدفاعي الأخير. هو آخر من يحافظ على البذور الأصلية، وعلى علاقة الروح بالأرض، وعلى مفهوم العمل كقيمة، لا كعبء. الفلاح الصغير لا يعيش في رفاهية، لكنه يعيش في تماس مباشر مع أصل الحياة. هو يعرف طعم المطر، ويراقب الملوحة في الأرض كما يراقب الطبيب نبض المريض. إنه الإنسان الذي يذكرنا أنّ الزراعة ليست مجرد اقتصاد، بل نظام حياة كامل.
في زمن تتهاوى فيه المنظومات الغذائية بفعل الحروب والاحتكار، وتغيّر المناخ، وشح المياه، تصبح السيادة الغذائية ضرورة وجودية وليست خيارًا سياسيا. فحين تكون البذور مستوردة، والماء خاضعًا للخصخصة، والتربة ملوّثة أو مستنزفة، لا تعود الأرض ملكا للفلاح، بل تتحوّل إلى مساحة إنتاج تخدم مصالح السوق.
إن السيادة الغذائية لا تعني الحق في الأكل، بل تعني الحق في أن نختار كيف نزرع؟ ماذا نزرع؟ لماذا نزرع؟
هي القدرة على التحكم في كامل السلسلة الغذائية، من البذرة إلى المائدة دون الخضوع لسلطة رأس المال أو قرارات المانحين. هذه المفاهيم، التي قد تبدو نظرية أو معقدة في تقارير المنظمات الدولية، تجد معناها الحقيقي في قصص الأفراد، في معركة البقاء اليومية التي يخوضها الفلاح الصغير في الهامش بعيدًا عن الأضواء.
هذه السلسلة عبارة عن مجموعة حكايات حول المعارك اليومية التي يخوضها الفلاحون في تونس من أجل السيادة الغذائية، ونبدأها من الجنوب مع عم الهادي.
- هشام بريني
لقراءة الحكاية الأولى: “عم الهادي مستصلح السباخ في قابس”، اضغط\ي هنا

