بدأت تجربة واحات جمنة في الجنوب التونسي بعد ثورة 14 جانفي 2011، حين قرّر أهالي المنطقة استعادة وإدارة أراضٍ كانوا يعتبرونها أرض أجدادهم، بدل أن تُستغل على حسابهم من قبل الدولة أو المستثمرين. قبل الثورة، كانت هذه الأراضي تُؤجر بمبالغ رمزية (بين 8 آلاف و16 ألف دينار سنويًا)، بينما كانت العائدات الأكبر تذهب للمستثمرين المقربين من النظام القديم دون إعادة فائدتها للمجتمع المحلي
في ديسمبر 2010، نظم السكان أنفسهم عبر جمعية حماية واحات جمنة، وبدأوا في إدارة الأرض جماعيًا، بطريقة تشاركية ومجتمعية. في موسم الحصاد الأول، جمع المجتمع أكثر من 34 ألف دينار من الاشتراكات والعائدات، ثم توسّعت المبادرة تدريجيًا ليعمل فيها أكثر من 50 عاملًا دائمًا و160 موسميًا. بحلول 2014، بلغت الإيرادات 1.8 مليون دينار من بيع محصول التمور، ما مكّن من تمويل تطوير البنية المحلية: سوق، ملعب، قاعة تدريب، منح دراسية، ودعم جمعيات إسعاف.
الاقتصاد الجماعي كعلاقة اجتماعية متماسكة
لم يكن المشروع مجرد زراعة، بل شبكة اجتماعية كاملة: عمل جماعي، وثقة متبادلة،و قرار مشترك، ومسؤولية موزّعة. لم تُهرّب العائدات ولم تُختزل في أرقام، بل دارت داخل المجتمع نفسه، بدون وساطة المستثمرين أو الاعتماد على السوق المركزي. هذه العلاقة أعادت بناء ثقة متبادلة، وخلقت وظائف حقيقية في جهة تعاني من بطالة وهجرة، وأثبتت أن نموذجًا تنمويًا قائمًا على الإدارة الشعبية للموارد ممكن وفعال.
من نجاح شعبي إلى خطر سياسي
رغم النجاح الملموس، اعتبرت الدولة التجربة تهديدًا سياسيًا. الأراضي ما زالت وفق السجلات الرسمية ملكًا للدولة، وأي تصرف فيها يُعد غير قانوني. في 2016، لجأت الدولة إلى القضاء لإيقاف بيع محصول التمور، وأكدت محكمة الاستئناف بقبس بطلان العملية باعتبارها تتعلق بأراضٍ دولية.
أظهر هذا الحكم أن الدولة لم تعتبر نجاح الإدارة الشعبية نموذجًا يُستكمل أو يُقنن، بل خللًا في منظومة السلطة، إذ أن إدارة الأرض مركزيًا كانت على الدوام أولوية، وأي تجربة تُظهر قدرة المجتمع على إدارة موارده تُعد تهديدًا يستوجب تفكيكها وإعادتها لمنطق السلطة المركزية.
الأرض والقانون: صراع السيادة
يُستخدم القانون كأداة لإعادة نزع الأرض من المجتمع وإفراغها من بعدها الاجتماعي، وليس كإطار حماية لتجارب المشاركة الشعبية. لا توفر الدولة إطارًا قانونيًا لتقنين إدارة المجتمع المحلي للأرض على نحو عادل أو مستدام في الوقت نفسه، تُظهر التحليلات أن استغلال الأراضي الدولية بشكل تشاركي يمكن أن يوفر حوالي 200 ألف موطن شغل ويسهم في التنمية المحلية، بدل تركها تحت هيمنة القرار المركزي أو المستثمرين.
تفكيك النسيج الاجتماعي
لم يكن التدخل القانوني والسياسي ضد جمنة مجرد سحب ملكية الأرض، بل تفكيك تنظيم اجتماعي أثبت فعاليته في إدارة الموارد لخدمة المجتمع. إعادة الأفراد إلى حالة العزلة أمام الإدارة أو السوق يعيد إنتاج نمط الهيمنة الذي يبعد المجتمع عن القرار المباشر.
الخاتمة
تتجاوز قضية جمنة إدارة الأرض لتصبح درسًا في السيادة الغذائية والممارسة الشعبية. يعكس النجاح الذي حققه المجتمع في تنظيم الأراضي قدرته على إدارة موارده ذاتيًا بكفاءة وفعالية، وأن أي تدخل سياسي أو قانوني لإجهاض هذه التجربة يهدف إلى إعادة إنتاج سلطة مركزية وتقويض التنظيم الجماعي. إن الدفاع عن جمنة ليس فقط دفاعًا عن الأرض، بل عن نموذج تنموي بديل يربط الإنتاج بحاجات المجتمع، ويكشف أن الخطر الحقيقي ليس المجتمع، بل الدولة حين تعجز عن فهمه واحترام قدرته على التنظيم الذاتي.
- هشام بريني – تونس
مراجع مختارة
أكاديمية وعلمية:
- Borras, S. M. et al. (2012). Global land grabbing. Journal of Peasant Studies.
- Brown, W. (2015). Undoing the Demos. Zone Books.
- Elloumi, M. (2016). Les politiques agricoles en Tunisie. IRMC.
- Harvey, D. (2005). A Brief History of Neoliberalism. Oxford University Press.
- Nyéléni Declaration. (2007).
- Ostrom, E. (1990). Governing the Commons. Cambridge University Press.
- Patel, R. (2009). Food sovereignty. Journal of Peasant Studies.
- Van der Ploeg, J. D. (2010). The New Peasantries. Earthscan.
مصادر وتقارير إعلامية:
- تقارير عن تجربة واحات جمنة (aajeg.com)
- الجدل القانوني والمواجهات القضائية (tuniscope.com)
- تحليلات الإمكانات الاقتصادية للأراضي الدولية (ar.webmanagercenter.com)

