خط الدفاع الأخير ضد تدمير البذور: الفلاحين والفلاحات

البذور


المقال التالي هو مقدمة كتاب “لافيا كامبيسينا: بذورنا، مستقبلنا“، من إنجاز حركة طريق الفلاحين الدولية- لافيا كامبيسينا- وترجمة شبكة سيادة.

أصبحت اليوم البذور الفلاحية مهددة بالانقراض. إذا لم نغير مجرى التاريخ، لن يتمكن أطفالنا من انتاج طعامهم.

تستمر الزراعة الفلاحية، المحلية، والجماعية، والمعاشية أو العائلية، في إنتاج 75% من الغذاء المستهلك في الكوكب، في حين أن 90%  من مزارعي العالم، معدومي الآلات أو المحركات، ينتجون بأنفسهم معظم بذورهم. هذا الواقع لا يُطاق بالنسبة للشركات متعددة الجنسية (STN)  التي قررت وضع حد له. نفذت سابقا هذا البرنامج في الدول الغنية: استبدلت بالفعل بعض الأصناف الصناعية “المحسنة”، كلها تقريباً متطابقة مع بعضها البعض، في الحقول، بالتنوع الهائل في البذور الزراعية. ويطمحون الآن إلى توسيعه ليشمل كل الكوكب عن طريق:

  • أولا، فتح كل الحدود أمام منتجات الزراعة الصناعية المدعومة من البلدان الغنية بهدف تدمير صغار المزارعين/ات الممارسين للزراعة الفلاحية.
  • ثم سرقة الأراضي والماء، اللذان لا غنى عنهما من أجل المحاصيل.
  • والآن بحظر جميع البذور الزراعية من أجل تعويضها بالبذور الصناعية ذات براءة الاختراع.

تُظهر النضالات المنتصرة ضد المواد المعدلة وراثيا أن المزارعين/ات والمواطنين/ات في العالم بإمكانهم رفض هذا البرنامج. يتيح شرط وضع العلامات الرفض في بلدان عديدة. لكن براءات اختراعات جديدة ستتيح لبذور دون علامات المواد معدلة وراثيا قريبا غزو حقولنا. بحيث تستعملها الشركات متعددة الجنسيات من أجل الاستيلاء على جميع البذور. إن من يسيطر على البذور يسيطر على الحق في الغذاء والسيادة الغذائية وسيادة الشعوب السياسية. لهذا فإن لا فيا كامبيسينا أقسمت على عدم ترك أي من البذور في يد حفنة من الشركات متعددة الجنسيات الجشعة.

يجري اختيار وإعادة إنتاج البذور من قبل المزارعين/ات في حقول المحاصيل الزراعية، كما أنها تتكيف تلقائيا مع تنوع وتباين الأراضي والمناخ والممارسات الزراعية وأيضا الحاجات الغذائية والثقافية المحلية. يُشكّل التنوع والتباين، مفتاح هذا التكيف المحلي المتجدد باستمرار. في المقابل، يجري تنميط الأصناف الصناعية “المُحسنة” من أجل التكيف، في كل مكان، مع الحزمة التكنولوجية التي لا تستطيع النمو بدونها: أسمدة ومبيدات كيماوية، آلات كبيرة وأشغال التهيئة الكبيرة المدمرة للأراضي والأشجار ومخزونات الماء المتوفرة. كل هذه الحزمة مصدرها الطاقة النفطية.                                                                    

اليوم، لدينا، من جهة، زراعة صناعية تستهلك طاقة أكبر من الكربون المنتج. بالاعتماد على النفط، فإنها ترفع درجة حرارة الكوكب وتدمر التربة وتلوث الماء والهواء والبيئة. إن استبدال النفط بالوقود الزراعي وتحولات صناعية أخرى للنباتات ستزيد أكثر درجة حرارة الكوكب.

ومن جهة ثانية، لا يطلب ملايين المزارعين بدون أرض والعاطلين غير استبدال الطاقة النفطية من أجل وضع نشاطهم في خدمة زراعية فلاحية وبيولوجية ومغذية وصحية واقتصادية قادرة على خفض حرارة الكوكب. هذه الزراعة الفلاحية تنتج دائما، بوجود مزارعين كُثر، على نفس المساحة غذاء أكثر من الزراعة الصناعية. لكن بانعدام البذور الزراعية، لن تكون هناك زراعة فلاحية.

   يسمح تنوعها الكبير بالتكيف دون عناصر كيماوية مع تنوع بيئات المحاصيل واختلافات المناخ. تريد الصناعة استبدال هذا التنوع ببعض الأصناف “المُحسنة” من أجل التكيف تماما مع نفس الأسمدة والمبيدات الكيماوية ومع نفس الآلات التي تعوض الفلاحين في الحقول. لكنها لن تتمكن من إنتاج هذه البذور المحسنة دون الاعتماد على البذور الفلاحية الموجودة في التراث. في سبيل هذا تعبأت الدول من أجل جمع البذور الفلاحية مع تقدم منعها في الحقول، ثم حجزها في أبناك الجينات الموجودة تحت تصرفها. إنها تعي بأن ملايين صغار المزارعين الذي يزاولون الزراعة المعاشية لا يمتلكون المال لشراء البذور “المحسنة” والحزمة التكنولوجية المرتبطة بها: إلى غاية الآن، لم تفرض قوانين منع البذور الفلاحية حتى تتمكن من تجديد التنوع الجيني الذي تحتاج. لم يعد باستطاعة الفلاحين فاقدي بذورهم المحلية اختيار أخرى جديدة بفعل البذور التجارية الموحدة، “المخدرة” بالأسمدة والمبيدات. لكنهم يستطيعون البحث عن بذور لدى زملائهم الذين يزاولون الزراعة الفلاحية المعاشية. رغم العقبات العديدة، فإن بمقدورهم أيضا استعادة بذور أباءهم المحلية من أبناك التبريد،  لانتقائها وتكييفها مع الزراعة الفلاحية في وقتنا الحالي.

تتلاعب الآن الصناعة بالنباتات بواسطة التقنيات الجديدة للبيولوجيا الجزيئية  بغرض إنتاج المبيدات أو طريقة تحمل المبيدات الحشرية. هذان النوعان من النباتات هما المواد المعدلة وراثيا الأكثر شيوعا. تَعِد الصناعة مستقبلا بصناعة جينات لمقاومة نقص النيتروجين أو الملح أو الماء الزائد أو الجفاف. من ناحية، يرفض المزارعون هذه البذور الخطيرة، لأنها تشكل تهديدا للصحة الإنسانية والبيئة. إنهم يعلمون بأن المواد المعدلة وراثيا ليست صحية، لكن طالما يستطيعون ذلك، فإنهم يغذون مجتمعاتهم ببذورهم الخاصة. من ناحية أخرى، إننا نناضل ضد المواد المعدلة وراثيا لأن براءات الاختراع التي ترافقها تُدمر سيادة الشعوب الغذائية. يتعلق الأمر بالفعل فقط بطريقة لتدمير الاستقلال الزراعي. تلوث المواد المعدلة وراثيا وبراءات الاختراع حقولنا وتقف حاجزا أمام استخدام بذورنا الخاصة.

  مستقبلا، تفكر الشركات متعددة الجنسيات في التخلي عن الحبوب الحية لإنتاج المواد المعدلة وراثيا؛ لم تعد بحاجة إلى الاحتفاظ بقدرة الحبوب على الإنتاج بهدف تنمية النباتات، والاكتفاء بجثثها المجمدة في بنك الجينات الكبير “نهاية العالم” في سفالبارد في النرويج. لهذا السبب قرروا أن يتخلوا عن بنوك الجينات الوطنية التي لا يسيطرون عليها، وفرض قوانين مونسانتو  lois Monsanto الخاصة بهم في كل مكان [انظر الإطار بعنوان: UPOV 91 و”قوانين مونسانتو”]، بدافع القضاء على ملايين البذور الزراعية التي لا تزال حية في حقول الزراعة المعاشية.

لكن الحياة دائمًا ما تكون أقوى من أولئك الذين يسعون إلى خداعها: تتحايل الحشرات والفطريات والميكروبات والأعشاب الضارة على الجينات الجديدة التي تنتجها هذه الصناعة في وقت أقل مما يستغرقه إنتاج بذور جديدة. لا يؤدي السباق للاستحواذ على جميع البذور إلا إلى الموت. وحدهم المزارعون يستطيعون تقديم بديل لهذا الانتحار المبرمج من خلال الاستمرار في حفظ بذورهم المحلية وانتقائها وإعادة إنتاجها وتبادلها وتوزيعها. يجري تطوير هذا العمل الجماعي في جميع أنحاء العالم في “بيوت ومخازن للحبوب أو بذور المزارعين المحليين تديرها المجتمعات المحلية”. إذا اختفت معرفة المزارعين باختيار البذور وحفظها مع كبار السن، فسيصبح أطفالنا تحت رحمة الشركات متعددة الجنسيات. إذا لم يذهب المزارعون، منذ اليوم، للبحث عن بذور آبائهم، التي تعد ضرورية لاختياراتهم الجديدة، في بنوك التبريد التي لا تزال متاحة، فلن يجدوا شيئاً هناك غداً. لهذا السبب تعمل لا فيا كامبيسينا على تطوير حملتها حول محورين:

1) تبادل المعارف من مزارع إلى أخر، وتنظيم أنفسنا بشكل جماعي لإنتاج وحفظ بذورنا محليًا من أجل الزراعة الفلاحية والعضوية.

2) مكافحة “قوانين مونسانتو”، وتكريس الاعتراف بحقوق المزارعين الثابتة في حفظ واستخدام وتبادل وبيع وحماية بذورهم ضمن قوانين كل بلد وعلى المستوى العالمي.

يعرض كتاب: “لافيا كامبيسينا: بذورنا مستقبلنا“، بعض التجارب الإيجابية لمنظمات حركة لا فيا كامبيسينا في مختلف القارات. تُشكل هذه التجارب أساساً للسياسات العامة لحفظ الموارد الوراثية النباتية واستخدامها المستدام، ولتطبيق حقوق المزارعين المحددة في المواد 5 و6 و9 من معاهدة منظمة الأغذية والزراعة بشأن البذور. إذا كانت المعاهدة والمؤسسات الدولية الأخرى غير راغبة في تطبيقها، فإن حركة لا فيا كامبيسينا وشركاءها سيأخذون على عاتقهم تطبيق هذه السياسات في كل بلد على حدة.

لافيا كامبيسينا

ترجمة: وحيد عسري

وحيد عسريمؤلف

باحث ومترجم من المغرب.