اعتماداً على دراسة “مياه أحفورية ورأسمالية متجددة” للباحثين يوسف رامز وعمرو خيري، حول استخدام الطاقة الشمسية في الزراعة في واحة سيوة، وبحوث الباحث مصطفى محيي حول مشاريع وخطط إنتاج الهيدروجين الأخضر في مناطق جنوب المغرب، ناقش سيمنار سيداج بالعربية في القاهرة يوم 11 مايو 2026 أوجه ارتباط انتشار الطاقة البديلة في شمال أفريقيا بالزمن وبالمستقبل: كيف يتأثر مستقبل الناس ومستقبل بيئاتهم المحلية بانتشار الطاقة النظيفة، وما تصوّراتهم عن ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم في ظل هذه التغيّرات.
انطلق النقاش بمداخلة لعمرو خيري حول طبيعة النقاش السائد حول الانتقالي الطاقي؛ فبعض المراقبين للانتقال نحو مصادر الطاقة المتجددة كبدائل للوقود الأحفوري يصوّرون هذا التوسع في الطاقة المتجددة كأنه انتقال طاقي منّبت الصلة عن أسئلة السياسة والاقتصاد والمجتمع، يعتمد بالأساس على التطور التكنولوجي وتقبّل الأسواق تدريجياً لمصادر الطاقة النظيفة. وهناك أصوات ناقدة تبحث في علاقة الطاقة بحركة المجتمع والتاريخ ترى في توسّع دول الجنوب العالمي في إنتاج الطاقة المتجددة للتصدير إلى الشمال ارتباطًا وثيقًا باختلال الموازين السياسية والاقتصادية العالمية وتحميل لدول الجنوب أعباءً جديدةً تعيد إنتاج اللامساواة والاستغلال.
وفي مداخلته أوضح يوسف رامز كيف أدت إتاحة الطاقة الشمسية في واحة سيوة إلى التوسّع في استصلاح الأراضي الصحراوية. لكن سرعان ما برز تناقض لافت: الطاقة الشمسية النظيفة لم تسهم في حماية البيئة المحلّية، وإن أسهمت في استصلاح زراعي لا يعتمد على الانبعاثات الكربونية للوقود الأحفوري. بمجرد إنفاق التكلفة المبدئية لإنشاء وحدة الطاقة الشمسية لتشغيل محرّكات الريّ، يصبح استهلاك مياه الري شبه مجاني. بالاعتماد على الشمس، يستمر تدفق المياه، في ظل غياب تكاليف يومية لتشغيل محركات الري، مع محدودية تكاليف الصيانة، واختفاء التكاليف الأساسية التي كانت مرتبطة سابقًا بتوليد الكهرباء عبر الجاز أو البنزين.
لقد أدى الريّ بالاعتماد على الطاقة النظيفة إلى نتائج بيئية معاكسة؛ إذ غرقت مساحات في بعض المزارع بسبب مياه الصرف الزراعي الناتجة عن استخراج كميات تفوق كثيرًا ما تحتاجه المزارع من المياه الجوفية. كما ارتفع منسوب البحيرات التي تتوسط الواحة على نحو أدّى لارتفاع معدلات ملوحة التربة وتدهور جودتها، وأغرق بعض المزارع الصغيرة التقليدية القريبة من قلب الواحة، حيث تتجمع مياه الصرف الزراعي. وفي الوقت نفسه، بدأ كثير من الفلاحين في سيوة يعانون من توقف التدفق الذاتي للمياه من آبارهم التقليدية (المياه الفوّارة)، خصوصًا في ساعات النهار، حيث تستهلك محركات الريّ الضخمة المدعومة بالطاقة الشمسية معظم المياه التي كانت قبل سنوات قليلة تتدفق بشكل طبيعي إلى حقولهم. وهكذا، هددت الطاقة الشمسية – مع إخضاعها لمنطق رأسمالي يسعى إلى تعظيم الإنتاج بأي ثمن – نظامًا بيئيًا وثقافيًا واجتماعيًا ظل مستقرًا ومنتجًا لقرون.
وكشف رامز عن كيف تغيّرت تصوّرات أهالي الواحة عن الماضي والزمن تأثراً بتسارع عجلة استغلال الأراضي الصحراوية المحيطة بالواحة منذ أواخر التسعينيات وخصيصًا منذ مطلع العقد الثاني من الألفية، وهي لحظة انتشار الطاقة الشمسية في الواحة، حيث أصبحت عجلة تغيّر البيئة المحلية في الواحة والظروف الاقتصادية والاجتماعية متسارعة لدرجة هائلة لدرجة أن الماضي القريب أصبح وكأنه تاريخ بعيد.
وقال مصطفى محيي إن في جنوب المغرب، يدور الحديث عن تطوير ثمانية مشروعات لإنتاج الهيدروجين الأخضر، وما زالت جميعها في طور الدراسة. وتطرح الحكومة المغربية استراتيجية تصديرية بالأساس لهذه الطاقة النظيفة، نحو الاتحاد الأوروبي. وتسير الأمور دون نقاش عام حول أولويات إدارة الموارد، أو التكلفة البيئية والاقتصادية لمثل هذه المشروعات. ويرتبط إنتاج الهيدروجين الأخضر المزمع في المستقبل بمعضلات متعلقة باستخدام مساحات شاسعة من الأراضي تزيد عن المليون هكتار، بالإضافة إلى ضرورة تحلية كميات كبيرة من مياه المحيط، مما سوف ينعكس سلبًا على البيئة البحرية المحلية، فضلًا عن تكلفة إنشاء البنية التحتية اللازمة لمثل هذه المشروعات التي ستتحملها الموازنة العامة.
إذن يطرح الاهتمام بالهيدروجين الأخضر أسئلة خضوع استراتيجيات الحياد الكربوني لتصورات طوباية تكنولوجية متفائلة، ترى في تطور تكنولوجيا الطاقة ما يكفي لإنقاذ الحياة على الكوكب دون تغيير في أنماط الإنتاج والاستهلاك الرأسمالية، ودون مساءلة لاستغلال دول الشمال لدول الجنوب العالمي في استهلاكها للموارد. ويثير النقاش حول الهيدروجين الأخضر أسئلة عن المشروعات مستقبلية التوجه، التي تحاول إما حل أزمات اقتصادية في المستقبل، أو تلبية طلب متزايد على الطاقة في المستقبل، مع التضحية بالحاضر، بحيث يصبح تأجيل الحاضر ممكنًا عبر التضحية بفئات اجتماعية أو نطاقات جغرافية.
وشدد المشاركون في النقاش على نمطين إشكاليين يظهران من انتشار الطاقة الشمسية في واحة سيوة والتخطيط للهيدروجين الأخضر على نطاق الدولة في المغرب. النمط الأول هو “التوسّع” في إنتاج الطاقة وليس “الانتقال” من طاقة أحفورية إلى متجددة، من أجل تلبية احتياجات إنتاجية وتصديرية غير موجهة لخدمة احتياجات المجتمعات المحلية بشكل مباشر ولا هي تراعي أولويات الناس؛ ففي سيوة تُستخدم الطاقة الشمسية التي تضر بالتوازن الإيكولوجي للواحة في إنتاج محاصيل ذات أهمية تجارية على المستويين المحلي والدولي، وفي المغرب يُخطط لإنتاج الهيدروجين الأخضر “النظيف” لتصديره كسلعة إلى أوروبا دون التفات لاحتياجات الأرض والموارد المائية الخاصة بالمجتمعات المحلية التي ستُقام على أراضيها هذه المشروعات، فيصبح إنتاج الطاقة النظيفة إنتاجاً سلعياً تصديرياً يسير على نفس النهج الاستخراجي المعهود في مشاريع وخطط الإنتاج الزراعي والتعدين عبر بلدان شمال أفريقيا.
أما النمط الثاني فهو “إدماج” الطاقة المتجددة غير الملوثة للبيئة في خطط توسّعية كبرى تُخصص لها مساحات هائلة من الأرض، تبلغ ملايين الهكتارات والأفدنة في الحالتين، دون نقاش جاد حول أفضل السبل لاستغلال هذه الأراضي بأشكال مفيدة للأهالي.
للاطلاع على دراسة “مياه أحفورية ورأسمالية متجددة”: اضغط\ي هنا

