(مياه أحفورية و”رأسمالية متجددة”: الأرض والمياه الجوفية والطاقة الشمسية في واحة سيوة، مصر)
الـمـقـدمـة
واحة سيوة واحدة من أكثر المجتمعات الزراعية عُزلة في مصر، إذ أن بينها وأقرب مدينة إليها صحراء قاحلة ممتدة لمسافة تناهز الثلاثمائة كيلومتر، وهناك طريق سريع يربط بلدة سيوة ومجموعة القُرى المحيطة بها – وتعداد الواحة بالكامل يبلغ نحو 34 ألف نسمة – بمرسى مطروح على الساحل الشمالي.[1] لكن الطريق لا يمتد مصحوبًا بكثافة حركة تُذكر في أي اتجاه آخر انطلاقًا من هذا المجتمع الزراعي الواقع في قلب الصحراء القاحلة، ما يمنح زوّار الواحة الانطباع بأنها مستقر نهائي، وكأنها “أخر العالم” في هذا الكوكب الآخذ في الاحترار.
وعلى مسافة كيلومترات قليلة جنوبيّ سيوة، تقع مزرعة من مزارع عديدة ظهرت خلال العقود الخمسة الأخيرة حول الواحة لتُدخل إليها نموذج الزراعة المكثفة المخصصة للتصدير، الآخذ في الانتشار. المزرعة مساحتها من 200 إلى 300 فدان (80-120 هكتارًا). فيها أشجار النخيل والزيتون، ويُزرع فيها البرسيم كعلف حيواني، ومياه الري تأتي من المياه الجوفية الوافرة (من الخزان النوبي العظيم)، التي تُضخ في أرجاء المزرعة بواسطة طلمبات مياه تدور بمحركات تعتمد على الطاقة الشمسية، ترفعها من عُمق يصل إلى أكثر من مائة متر. تمتد المزرعة على أرض غير منبسطة، ترتفع وتنخفض هنا وهناك، وفيها كثيب رملي ينهض عاليًا عند أحد أطرافها، يربو ارتفاعه على الثلاثين مترًا، في الطرف الأبعد عن الطريق الترابي الممتد جنوبًا حتى الأطراف الشمالية لبحر الرمال الأعظم. عند ذلك الطرف المرتفع، تحت الكثب مباشرة، تقع بركة مياه رائقة هادئة. البركة جديدة، تشكلت على مدار السنوات الأخيرة واتسعت وتمددت، فاستولت على مساحات أكبر وأكبر من الأرض، وهي بركة تغذيها مياه صرف الري المتسربة من المزرعة، فهذه المياه تمضي بلا توقف نحو أكثر نقطة واطئة طبوغرافيًا، وهي منبت ذلك الكثب المرتفع. في الآونة الأخيرة، تمددت تلك البركة لدرجة أن مياهها بلغت حجرات العمال الذين يعملون في المزرعة. أفاقوا من النوم ذات صباح فوجدوا الماء يحيط بأسرّتهم. ومياه البركة المالحة ضربت جذور وجذوع النخل ودمرت حقل البرسيم. وكلما زاد الماء في البركة، تكونت طحالب خضراء أكثر في قاعها، فيصعب على الماء أكثر أن يخترق الرمل ويجد طريقه إلى جوف الأرض. هذه العملية التي وصفناها تُغرِق هذه المزرعة المعتمدة على خلايا الطاقة الشمسية في استخراج المياه الجوفية لأغراض الري.

تسعى هذه الدراسة إلى استكشاف وفهم سيناريو تشهده الواحة ليست هذه المزرعة إلا مثال مصغّر عليه. سيوة – التي تعد موطنًا لمجتمع فِلاحي قديم يعيش فيها منذ مئات وربما آلاف السنين، وموطنًا لأجناس وأصناف نباتية وحيوانية لا توجد في أي مكان آخر (أصناف محلية من الزيتون والبلح والعنب والرمان والنباتات والحيوانات البرّية من الصحراء) – تواجه خطر الغرق الوشيك تحت تأثير البحيرات الآخذة في التمدد بلا هوادة بمناطق قلب الواحة، وهذه البحيرات تتمدد بسبب تزايد كميات مياه صرف الري، الواردة من المزارع الجديدة في مناطق أراضي الاستصلاح الصحراوية المحيطة بالواحة، وتمدّها بالطاقة خلايا الطاقة الشمسية.
مياه الصرف الزراعي تُغرِق واحة سيوة التي منحتها المياه الجوفية – تاريخيًا – حياة لمجتمع فِلاحي حي في قلب الصحراء. المياه الجوفية قريبة من مُنخفض طبوغرافي في قلب الواحة، ما يُقصّر المسافة الرأسية بين الخزان النوبي العظيم الذي يغذّي الواحة بالمياه الجوفية، وأراضي الواحة الصالحة للزراعة. وعلى مدار آلاف السنين، كانت هذه المياه الجوفية تصعد إلى السطح تحت تأثير ضغط المياه الطبيعي وتخصّب الأرض. وتقع الأراضي الصحراوية المستصلحة في مناطق محيطة بالواحة، أعلى من مستوى سطح البحر، وتستعين بالطاقة الشمسية في رفع مياه الخزان النوبي العظيم إليها، لكن ذلك الارتفاع يعني أيضًا أن مياه الري الزائدة التي لا تحتاجها المحاصيل ترجع بفعل الجاذبية إلى البحيرات القريبة من منتصف الواحة؛ فتتمدد وتُغرِق أراضٍ جديدة يومًا بعد يوم.
إن تكنولوجيا خلايا الطاقة الشمسية الخضراء تمكّن من هذه الثورة في استصلاح أراضٍ جديدة داخل الواحة وحولها. لكن هذا التغيير يتحقق مصحوبًا بتعرض مُزارعي الواحة لتحديات متزايدة في الوصول إلى المياه والأرض. وبسبب تزايد هيمنة النموذج الزراعي الكثيف المستهدف التصدير في سيوة على مدار السنوات الخمسين الأخيرة (وتسارعت عجلة انتشار هذا النموذج منذ عقد الألفية الجديدة) – الذي يركز على زراعة أصناف محدودة من النخيل والزيتون المستورد – تواجه عدة فصائل سيوية من النخل والزيتون خطر الانقراض.
نموذج الزراعة الأحادية الكثيفة للتصدير، القادم من عالم الأغري-بيزنس، ينتشر في الأراضي المرتفعة المحيطة بالواحة ويحل محل منظومة المعرفة الفِلاحية العضوية التقليدية، ومعه تنتشر ممارسات الزراعة المعتمدة على الأسمدة الكيماوية والمبيدات. وفي خضم هذه التغيّرات الدراماتيكية في ممارسات الزراعة، يفقد صغار المزارعين السيويين استقلالهم الاقتصادي الذي كان متحقق بشكل نسبي (إذ كانوا يزرعون بعض طعامهم الذي يستهلكوه ويبيعون البلح والزيتون الذي يزرعوه) مع تدهور جودة وخصوبة قطع الأرض الصغيرة التي يزرعوها، وبالتالي أصبحوا أكثر اعتمادًا – اقتصاديًا – على نموذج الأغري-بيزنس الذي ينتشر بوتيرة متسارعة فيهيمن على الأرض من حولهم، مع انتشار سوق عمل هشّة في تلك المزارع الأكبر حجمًا والأشد كثافة في استثمار رأس المال. تأخذ خلايا الطاقة الشمسية المياه الجوفية من تحت أقدام مزارعي الواحة، ما يضّطرهم إلى الإقدام على استثمارات باهظة في شراء وتشغيل خلايا طاقة شمسية إضافية في مزارعهم حتى يستمر تدفق مياه الري في أراضيهم التي كانت من قبل تصعد إليهم دون الحاجة إلى الاستثمار في طاقة تولدّها المحركات لرفع المياه. نتيجة لهذا، أصبح نموذجهم الفلاحي الاقتصادي مهددًا، في حين زادت التطورات الأخيرة المذكورة من ملوحة الأرض فانخفضت إنتاجية الزيتون والنخيل.
في هذه الدراسة، نسأل كيف وجد أهل الواحة أنفسهم في هذا الموقف، حيث الطاقة المتجددة تسرّع من عجلة الانهيار الاجتماعي-البيئي، في تناقض مع دور الطاقة الشمسية المتجددة المعروف عنها كونها – حسب الافتراض – تخدم الاستدامة في المستقبل الذي نأمل أن يخلو من الوقود الأحفوري. القسم الثاني من الدراسة يستعرض السياق الحيوي-الجيولوجي حول هذه الأزمة البيئية التي حلّت بواحة سيوة، فنفهم كيف أدى اضطراب النظام الدقيق لاستخدام مياه الخزان النوبي العظيم في الري بواحة سيوة – مع مراعاة حدود ذلك النظام البيئي – إلى تغيرات راديكالية شهدتها البيئة الطبيعية للواحة على مدار السنوات الخمسين الأخيرة. لقد أدت التغيرات في أنماط استخدام المياه الجوفية إلى ما يمكن وصفه بـ “الإزاحة في المكان”، حيث التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية تسحب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي كانت مستقرة نوعًا في سيوة، من تحت أقدام سكانها، فتحوّل عملية “الإزاحة في المكان” هذه صغار المزارعين إلى عمال مأجورين بدون أرض.
لتبسيط هذا التاريخ المعقد، نقسّمه (في القسم الثالث) إلى ثلاث موجات، قامت خلالها الرأسمالية الزراعية بتكثيف النمط الاستخراجي في ما يتعلق بالعمل والطبيعة، في حين اخترقت ديناميات السوق العالمية الواحة أكثر، فاستعانت بالطاقة الشمسية لاستخلاص الثروة من الزراعات الأحادية، وباستغلال أغلب أهالي الواحة. في القسم الرابع نحلل كيف تدفع طلمبات المياه التي تديرها محركات تعمل بالطاقة الشمسية نحو تزايد خطر غرق سيوة، مع تمكينها من تكثيف الممارسات الزراعية الرأسمالية، من تسليع وإعادة توزيع للأرض على المستثمرين الزراعيين المتوسطين والكبار.
وفي البداية، نود عرض افتراضاتنا حول ماهية الرأسمالية، وكيف أصبحت نمط الإنتاج المهيمن في سيوة. رأس المال هي كلمة تصف محددات “خلق القيمة من خلال استهلاك قوة العمل”، حيث قوة العمل متواجدة كسلعة قابلة للشراء. الرأسمالية هي الكلمة الواصفة لرأس المال: “تكوين اجتماعي متحقق” فيه يدفع رأس المال باتخاذ كل الموجودات صورة “القيمة”.[2] وبكلمات أبسط، رأس المال هو الإنتاج المُعمّم للسلعة من أجل قيمتها التبادلية، من خلال عامل يبيع قوة عمله كسلعة.[3] وعلى صلة برأس المال، فالرأسمالية ما هي إلا “حُكم رأس المال” المتسلط على العمل والطبيعة.[4]
كيف ومتى هيمنت الرأسمالية على سيوة؟ ليست لدينا إجابة على هذا السؤال (وإن كنا نظن أن هذه العملية ما زالت آخذة في التطور)، لكن تسعى هذه الورقة للإسهام في الإجابة على السؤال، عن طريق تتبع مسار وسائل الإنتاج الزراعية على مدار السنوات الخمسين الأخيرة، لا سيما تاريخ تكنولوجيا استخراج المياه الجوفية، التي تمكّن تطوراتها من تكثيف الإنتاج في أراضي الواحة والأراضي المحيطة بها. بموجب هذه الأجندة، نرى في البحث حول تاريخ التكنولوجيا الزراعية في سيوة مدخلًا لفحص تسارع انتشار الزراعة الرأسمالية في الواحة، لأنه بالاقتران بهذا التاريخ لتطور تكنولوجيات استخراج المياه الجوفية، سوف نرى كيف تشتد هيمنة الأغري-بيزنس على سيوة – بصفته شكل من أشكال “الإنتاج المعمم للسلعة، أي الرأسمالية” (بما أن الأغري-بيزنس يكثف من إنتاج المحاصيل الأحادية لصالح الأسواق الخارجية، وتشمل أسواق التصدير) – وكيف تأتي هذه الظاهرة مصحوبة بتزايد استغلال العمال والطبيعة. هذا يعني أننا غير مهتمين بمسارات الانتقال نحو الرأسمالية في الواحة. وبدلًا من أن نتعثر في هذه الدراسة في تعريف ما هو رأسمالي وما ليس كذلك في هذه العملية التي نصفها، نفترض أن ما يحدث في سيوة – صعود حكم رأس المال تدريجيًا – هو “نطاق معقد من العلاقات الحية والطفرات المؤسسية التي تدمج معًا جوانب مختلفة للتكوين الاجتماعي الكلي، بأشكال جديدة وديناميكية وغير قابلة للتنبؤ بمساراتها”.[5]
إن تحليل السبل المعقدة التي من خلالها تطورت تكنولوجيا استخراج المياه الجوفية في الواحة (لتصل إلى أحدث تجلياتها، في صورة الطاقة الشمسية) يُظهر جوانب معينة تضررت عبرها الواحة وأهلها من تطور الرأسمالية الزراعية (التي نستخدمها بالترادف مع “الأغري-بيزنس”). هذه العملية تحرم أغلب سكان الواحة من مائهم (الذي كانوا يديرونه كمشاع) وتجعل وسائل إنتاجهم عقيمة في السياق الجديد، بما أنه قد أصبح من الضروري – وبشكل مطرد – أن يستثمر جميع المزارعين رأس المال للوصول إلى المياه الجوفية اللازمة للري. هذا يعني ربط قدرتهم على الوصول للمياه والأرض بالاستثمار الرأسمالي المكثف، ومن ثم جعل نموذجهم الفِلاحي التقليدي مستحيل التحقق. يشمل هذا حرمانهم من أدوات الإنتاج – من معارف وممارسات فِلاحية تقليدية تندثر – إضافة إلى حرمانهم من أصناف نباتية محلية وبذور محلية كانت تساعد أهل الواحة على البقاء على مدار قرون. إضافة إلى تحويل بعض المزارعين إلى عمالة زراعية بدون أرض، فالرأسمالية في سيوة – التي تمكّن منها التكنولوجيا الخضراء منذ عام 2015 أو نحوه وحتى الحاضر – تستخلص الثروة من المياه الجوفية غير المتجددة، وتؤدي في الوقت نفسه إلى إغراق قلب الواحة، ما يعني خطر تدمير الحياة البشرية والطبيعة معًا.
يوسف رامز بقطر وعمرو خيري – مصر
للاطلاع على الدراسة وتحميلها: اضغط\ي هنا
المراجع
[1] بيانات تعداد سكان 2022، 34 ألف نسمة بزيادة 30% مقارنة بعام 2011. عزة محمود عبد القادر غزالة (2024)، “الجدوى الاقتصادية لبعض المشروعات الصغيرة الخاصة بالمرأة في واحة سيوة”، دورية الاقتصاد الزراعي والعلوم الاجتماعية، 15 (3)، 36.
[2] انظر/ي:
Versieren, J. and De Smet, B. (2022) ‘Lost in Transitions? Feudalism, Colonialism, and Egypt’s Blocked Road to Capitalism (1800–1920)’ Journal of Historical Sociology, 35(2): 200-221.
[3] انظر/ي:
Krätke, M. R. (2020) ‘Capitalism.’ In The Marx Revival: Key Concepts and New Interpretations, edited by Marcello Musto. Cambridge: Cambridge University Press, 6-8.
[4] السابق.
[5] انظر/ي:
Capps, G. (2016) “Tribal-Landed Property: The Value of the Chieftancy in Contemporary Africa”, Journal of Agrarian Change, 16(3): 452-477, 458.

