الفلاح المصري.. ضحية صامتة للسياسات النيوليبرالية والتغيُّر المناخي



في ظل تفاقم آثار التغيرات المناخية، وما يصاحبها من ارتفاع درجات الحرارة واضطراب أنماط الطقس المعتادة، بلغت، بالتوازي معها، السياسات الاقتصادية النيوليبرالية ذروتها في مصر، وذلك مع بداية تنفيذ شروط برامج صندوق النقد الدولي منذ عام 2016 والتي ظهرت نتائجها في بداية عام 2022 على شكل أزمة اقتصادية حادة عصفت بقيمة العملة، ومعها قيمة مدخرات ودخول المواطنين، ولا تزال ممتدة حتى اللحظة. 

ورغم أنّ ضغوط الأزمة الاقتصادية طالت مختلف فئات المجتمع، فإن أثرها كان متفاوتًا، حيث وجدت الطبقتان الوسطى والدنيا نفسيهما في مواجهة مباشرة مع تدهور قوتهما الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة.

غير أنّ الفلاحين وصغار المزارعين شكّلوا الشريحة الأكثر هشاشة وتضررًا، نتيجة موقعهم في “القاع الاجتماعي”، إن جاز التعبير، ليس فقط بسبب طبيعة عملهم الزراعي المعتمد على عوامل مناخية غير مستقرة مؤخرًا، في وقت تخفض فيه الدولة الإنفاق على الإرشاد الزراعي،  بل نتيجةً لتمركزهم كذلك في المحافظات المهمّشة التي تُقصى من خطط التنمية الرسمية، في وقتٍ تُركِّز فيه الدولة على بناء المدن الجديدة والاستثمار في المنتجعات، ومشاريع الاستصلاح الزراعي في الصحراء.

وبينما ترفع الدولة يدها عن دعم الزراعة، وتُحمِّل صغار المزارعين أعباء ارتفاع الأسعار وتحرير سعر الصرف، تتزايد في الوقت نفسه الاضطرابات المناخية، وتقل الموارد المائية، وتتغير أنماط المواسم الزراعية بصورة تهدد أساس رزقهم. وفي غياب شبكات حماية اجتماعية أو سياسات زراعية تُراعي مصالح المنتجين الصغار، يجد الفلاح نفسه مُحاصرًا بين تكاليف إنتاج متصاعدة، ومخاطر بيئية يجهلها ولا يستطيع مجاراتها، وتتجاوز قدرته على التكيُّف.

مع مطلع عام 2022، ومع اشتعال الحرب الروسية – الأوكرانية، وجدت الحكومة المصرية نفسها في مأزق اقتصادي غير مسبوق، إذ خرج نحو 25 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين الحكومية، وهي الأموال التي كانت تمثل ركيزة أساسية تعتمد عليها الدولة في تمويل التزاماتها. هذا الانسحاب كشف هشاشة السياسة الاقتصادية التي بنتها الحكومة على الإفراط في الاقتراض.

أمام تلك الأزمة، لجأت الحكومة إلى فرض قيود مباشرة على الواردات، إلا أن القرار فجَّر سلسلة من التداعيات المتلاحقة ضربت مختلف القطاعات، وعلى رأسها الزراعة. فقد قفزت أسعار مدخلات الإنتاج الزراعي، من البذور والمبيدات، إلى مستويات غير مسبوقة، بالتزامن مع تراجع المعروض، خصوصًا أن مصر تستورد نحو 98٪ من بذور الخضر والفاكهة، وهي سوق تحتكرها وتتحكم في أسعارها حفنة قليلة من الشركات. وهو ما يضعنا أمام ضرورة استعادة السيادة على البذور والتقاوي، عبر توسيع تطوير وإنتاج التقاوي محليا، من خلال خطة وطنية تتضمن تمويل مراكز الأبحاث المتخصصة، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

انعكست الأزمة سريعًا على صغار الفلاحين، خاصة مع استمرار قيود الاستيراد وعجز البنوك عن توفير الدولار اللازم لتغطية مستلزمات الزراعة. وفي عام 2023، برزت أزمة خانقة في نقص الإفراج الجمركي عن بذور محاصيل أساسية مثل البطاطس والبصل والطماطم.

في البطاطس مثلًا، لم تسمح الحكومة باستيراد سوى 110 آلاف طن من التقاوي، مقارنة بالمعدل المعتاد البالغ 160 إلى 170 ألف طن سنويًا. وفي ديسمبر 2023، حذّر نقيب الفلاحين علنًا من أن ارتفاع أسعار التقاوي المستوردة سينعكس مباشرة على المستهلكين، لكن الحكومة لم تتخذ أي إجراءات.

لم تقف الأزمة عند البطاطس، فأسعار تقاوي البصل، على سبيل المثال، قفزت بنسبة 100٪، ومعها وجد الفلاحون أنفسهم أمام خيارين: إما تقليص المساحات المزروعة، أو المخاطرة بالزراعة وسط نقص المعروض وارتفاع تكاليف الإنتاج. وبالفعل، تقلصت المساحات المزروعة في مواسم متتالية، في وقت ظلّت الحكومة والتجار والشركات يفرضون أسعار شراء لا تغطي حتى التكلفة.

النتيجة أن الفجوة بين الإنتاج واحتياجات السوق اتسعت، ليصل الصدى سريعًا إلى المواطنين، الذين شعروا بارتفاع أسعار الخضر الأساسية إلى مستويات جنونية غير مسبوقة، بينما ظل دخلهم على حاله. وذلك بعد أن اعتادوا على شراء غذاء منخفض التكلفة، لكن الوضع اختلف كليًا خلال الأزمة، ولم يعد الغذاء المنتج في مصر رخيصًا.

وفي الوقت الذي يكابد فيه الفلاحون أزمة ارتفاع أسعار التقاوي والمبيدات، وجدوا أنفسهم أيضًا ضحية لأزمة جديدة ليسوا طرفًا فيها. فمنذ اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية، أصبحت الأسمدة المصرية بديلًا عن الأسمدة الروسية في الأسواق الأوروبية. وبالتالي زادت أسعارها في السوق المحلية، حيث استفادت الشركات المصرية من توجيه جزء كبير من إنتاجها نحو التصدير. لكن في الوقت نفسه، واجهت الشركات أزمات متعلقة بقطع الحكومة إمدادات الغاز الطبيعي اللازم للتشغيل عنها، نتيجة تناقص الإنتاج المحلي للغاز وقطع إسرائيل غازها أكثر من مرة خلال تلك الفترة.

وكالعادة، كان صغار الفلاحون والمزارعون هم الطرف الأضعف في هذه المعادلة، حيث اتجهت شركات الأسمدة إلى خفض الحصص الشهرية الموردة إلى وزارة الزراعة بنسبة وصلت إلى 56٪ في يونيو 2024، لتلجأ الحكومة بدورها إلى رفع أسعار الأسمدة المخصصة للفلاحين إلى 6000 جنيه للطن بدلًا من 4500 جنيه. ولم يقتصر الأمر على زيادة سعرها؛ فمنذ ذلك الحين، باتت الجمعيات الزراعية تتأخر في صرف حصص المزارعين من الأسمدة المدعمة، كما قلّصت حجمها، وفق ما أكده مزارعون تحدّثوا إلى شبكة سيادة.

وأمام هذا الوضع، وجد الفلاحون أنفسهم مجبرين على شراء الأسمدة من السوق الحرة بأسعار مرتفعة، قفزت منذ بداية عام 2022 إلى ما يقرب من ثلاثة أضعاف، من 8400 جنيه إلى ما يقرب من 25 ألف جنيه للطن.

هذا الوضع دفع كثيرين إما إلى تحمّل أعباء مالية مُرهِقة، أو إلى ري محاصيلهم دون تسميد كافٍ، وهو ما انعكس سلبًا على الإنتاجية. وهكذا، لم يحصد الفلاحون سوى الخسارة؛ فبينما تحمّلوا آثار الاعتماد الكامل من الدولة على استيراد البذور، لم يستفيدوا من اكتفاء مصر الذاتي في إنتاج الأسمدة. وهو ما يعكس كذلك المنطق قصير النظر في منح الأولوية للعملة الأجنبية على استقرار الإنتاج المحلي من الغذاء، ما يتعارض مع فلسفة السيادة الغذائية التي تعطي الأولوية في الأساس لتأمين الغذاء داخليا.

ولم تتوقف الضغوط عند هذا الحد. فمنذ توقيع الاتفاق الجديد مع صندوق النقد الدولي في ديسمبر 2022، وامتثالًا لشروطه بإلغاء دعم الوقود،زادت الحكومة أسعار الوقود ست مرات متتالية. وكان السولار، الذي يُعد عصب القطاع الزراعي، الأكثر ارتفاعًا من بين أنواع الوقود الأخرى، إذ قفز سعره بنسبة بلغت نحو 130٪، متضاعفًا من 6.75 جنيه في أبريل 2022 إلى 15.50 جنيه للتر حاليًا.

انعكست هذه الزيادة مباشرة على تكاليف الإنتاج الزراعي، حيث تعتمد الآلات الزراعية بشكل أساسي على السولار، فضلًا عن اعتماد وسائل النقل المختلفة عليه. ومع كل زيادة حكومية متكررة في أسعار الوقود، كانت ترتفع معها تكاليف التشغيل.

وبنظرة فاحصة إلى محصول القطن، يتضح كيف اجتمعت فيه كل الآثار والضغوط التي أشرنا إليها سابقًا، ما أدى في النهاية إلى تدمير زراعة أحد أهم المحاصيل المصرية، الذي طالما عُرف عالميًا بجودته واحتل مكانة بارزة طوال القرنين الماضيين.

على سبيل المثال نجد أن محصول القطن العام الماضي كان الأكثر تضررًا من هذه الضغوط، خاصة مع ارتفاع أسعار البذور والمبيدات والأسمدة، وغياب ضمانات حكومية لوضع سعر شراء عادل للفلاحين، إضافة إلى تأخر صرف مستحقاتهم. وكانت النتيجة انهيار المساحات المزروعة من 334 ألف فدان في موسم 2021/2022 إلى 131 ألف فدان فقط في موسم 2025، أي بنسبة تراجع بلغت 60.8٪، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

ولم يتوقف الأمر عند تقلص المساحات المنزرعة، فقد طالت أيضًا الإنتاجية المتوقعة للمساحات الحالية، إذ شكا المزارعون في موسم 2025 من تأخر وصول تقاوي القطن في بعض المحافظات والمراكز، ما تسبب في تأخر موسم الزراعة، إلى جانب زيادة معدلات الآفات والحشرات الزراعية، بسبب الارتفاع غير المعتاد في درجات الحرارة نتيجة التقلبات المناخية، وهو ما انعكس على إنتاجية الفدان.

في مقطع فيديو متداول على فيسبوك، يظهر أحد صغار مزارعي القطن من محافظة كفر الشيخ بجوار محصوله، الذي بدا متضررًا من الحر والتقلبات المناخية، وهو يشتكي بمرارة، قبل أن يختم قائلًا: “أنا مستعد أبيع المحصول بأي سعر تحدده الدولة، بس ادّوني الكيماوي والمبيدات بسعر رخيص.”

تعتمد الحكومة على سياسة التوريد الإجباري لمعظم المحاصيل الأساسية، حيث تُلزم المزارعين بتسليم جزء محدد من إنتاجهم الزراعي للدولة بالسعر الذي تحدده هي، بغضّ النظر عن تكلفة الإنتاج أو أسعار السوق الحر أو الأسعار العالمية. ومن المهم التنويه إلى أن السعر المفروض من الحكومة ينعكس بدوره على أسعار التوريد التي يشتري بها التجار من المزارعين، وهو ما يجعل الفلاح المصري يعيش طوال الموسم في حالة من القلق والترقّب خوفًا من الخسارة، إذ يجد نفسه مضطرًا إلى بيع محصوله بأقل من قيمته الحقيقية، بينما ترتفع في المقابل تكاليف الأسمدة والوقود والعمالة إلى مستويات غير مسبوقة.

تبرّر الدولة هذه السياسة بالسعي إلى الحفاظ على الأمن الغذائي وتوفير احتياجات بطاقات التموين والدعم الغذائي للمواطنين، لكن ذلك يعني عمليًا أن الفلاح، بوصفه الحلقة الأضعف في السياسات القومية، يتحمّل وحده كلفة هذا الدعم. وكأن فقراء الريف كُتب عليهم دائمًا أن يُطعموا سكان المدن!

تشمل العقوبات المُعلَنة على الممتنعين عن الامتثال لسياسات الحكومة وتوريد المحاصيل الحرمان من الزراعة في الموسم التالي، أو دفع غرامات مالية كبيرة عن كل طن غير مُسلَّم، بل وحتى الحبس، إضافة إلى مداهمة مخازن المحاصيل ومصادرتها. هذه السياسة القائمة على التهديد دفعت كثيرًا من المزارعين إلى المقاومة والامتناع عن التوريد، فلجؤوا إلى تخزين محاصيلهم انتظارًا لتحسّن الأسعار.

وتكررت في المواسم الأخيرة حالات تحدّى فيها الفلاحون قرارات الحكومة، من دون أي دعم أو مساندة من المجتمع المدني أو الإعلام، وغالبًا ما تكون النتيجة ندرة في الأسواق وارتفاعًا في الأسعار، ليصبح المواطن العادي هو الضحية النهائية.

والمفارقة أن الحكومة، بينما تُظهر هذا الوجه القاسي في تعاملها مع صغار المزارعين، نجدها في المقابل، عند استيراد المحاصيل الزراعية من الخارج، تمتثل للأسعار العالمية وتدفع بالعملة الصعبة من دون اعتراض، والأمر نفسه يحدث عند التعاقد مع الشركات الاستثمارية الكبرى في قطاع الزراعة.

فعلى سبيل المثال، في الموسم نفسه الذي أجبرت فيه الحكومة مزارعي القمح على التوريد بأسعار منخفضة لا تغطي تكاليف الإنتاج، قدّمت شركة الظاهرة الإماراتية عرضًا لتوريد احتياجات هيئة السلع التموينية من القمح لمدة خمس سنوات، مقابل قرض قدره 500 مليون دولار من مكتب أبو ظبي للصادرات، وهو العرض الذي وافقت عليه الحكومة المصرية. ففي نوفمبر 2023، صدر قرار جمهوري برقم 533 بالموافقة على الاتفاقية، ثم صدّق عليها البرلمان لاحقًا.

في قلب هذه المفارقة تبرز فكرة السيادة الغذائية كبديل سياسي واقتصادي؛ فهي لا تعني مجرد “توفير الغذاء” بأي ثمن كما يفعل منطق الأمن الغذائي التقليدي، بل تعني تمكين الدولة من تأمين احتياجاتها عبر دعم المنتج المحلي وعدالة إدارة الموارد وتقليل الارتهان للتمويل الخارجي. ومن هذا المنظور، تظهر ملاحظتان أساسيتان:

الملاحظة الأولى أن الحكومة تعاقدت على شراء قمح يُزرع على أراضيها نفسها، لكن بالدولار. إذ تمتلك الشركة الإماراتية في مصر نحو 125 ألف فدان حصلت عليها في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك بأسعار زهيدة (50 جنيهًا للفدان). وتشير تقارير صحفية إلى أن الشركة تحصل في مزارعها على كهرباء مدعومة ومياه رخيصة، حيث تستهلك سنويًا مياهًا مصرية تمثل 45٪ من استهلاكها العالمي، وبسعر يقل 21 مرة عن قيمتها السوقية.

أما الملاحظة الثانية، فهي أن الحكومة تموّل شراء هذا القمح عبر قرض بالعملة الصعبة من جهة حكومية إماراتية أخرى، بفائدة قدرها 2.8٪، إضافة إلى عمولات ورسوم، على أن يتم السداد بالدولار، مع غرامات تأخير وشرط تعويض فروق العملة عند الدفع بعملة أخرى.

وتُظهر هاتان الملاحظتان أنها اتفاقية مجحفة، يستفيد منها كيانات تابعة للحكومة الإماراتية، وتزيد من أعباء الديون الخارجية المتفاقمة بالفعل، في حين كان يمكن للحكومة المصرية أن تدعم الفلاحين المحليين عبر شراء محاصيلهم بأسعار عادلة، تعادل أو حتى تفوق الأسعار العالمية، ولكن بالعملة المحلية. 

كان يمكن للحكومة أن تشجّع الفلاحين على الاستمرار في الزراعة بدلًا من دفعهم إلى هجر الأرض، وأن تجعلهم شركاء في صنع السياسة الغذائية. فمن الطبيعي أن الفلاح حين يدرك أن أرضه لا توفر له دخلًا يضمن معيشة أسرته، لن يزرعها بلا مقابل؛ إذ سيتوقف عن زراعتها، أو يتجه كما يحدث بالفعل إلى زراعة السلع التصديرية الأكثر ربحًا. لقد أثبتت التجارب أن الحلول القسرية لا توفّر الغذاء ولا تُخفّض الأسعار، وإنما تزيد التوتر بين الدولة وبين من يُفترض أنهم شركاؤها في تحقيق “الأمن الغذائي”.

تحمّل معظم المواطنين نتائج السياسات النيوليبرالية خلال السنوات الأخيرة، من دون أن يجني ثمارها سوى الأقلية المحظوظة، فقد انحصرت هذه السياسات في الاستدانة لتمويل مشروعات ضخمة وغير واقعية، غالبًا ما تفتقر إلى الدراسات والخطط اللازمة لتحقيق عائدات مستدامة.

وقد أدّى ذلك إلى تفاقم أزمة الديون، وتعرُّض العملة المصرية لسلسلة من التخفيضات المتتالية، ما انعكس مباشرة على ارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية، وتآكل قيمة الأجور والمدخرات، وتراجع القدرة الشرائية لغالبية المصريين، مع تدهور الأوضاع المعيشية للطبقات الفقيرة وعجزها عن تلبية الاحتياجات الأساسية.

الفلاح المصري ليس بعيدًا عن هذه التأثيرات، وإن كان صوته أكثر خفوتًا. وتشيرالبيانات إلى أن معظم فقراء مصر يتركّزون في الريف، فبحسب آخر بحث للدخل والإنفاق نُشر عام 2019–2020 (إذ توقفت الحكومة عن نشر أحدث البيانات في السنوات الأخيرة خشية الكشف عن أرقام الفقر)، بلغ معدل الفقر في الريف نحو 34.78٪، بينما بلغ في الحضر حوالي 22.9٪.

أما على مستوى المحافظات، فقد أظهر بحث الدخل والإنفاق لعام 2018 أن ريف الوجه القبلي يتصدر نسب الفقر، حيث جاءت محافظات الصعيد في مقدمة أفقر مناطق مصر: أسيوط 66.7٪، سوهاج 59.6٪، الأقصر 55.3٪، المنيا 54٪، أسوان 46.2٪، قنا 41٪، بني سويف 34.4٪، والفيوم 26.4٪. ومن المرجّح أن تكون هذه النسب قد ارتفعت مع تداعيات جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية التي تفاقمت منذ عام 2022 وحتى الآن.

تكشف هذه الأرقام بوضوح تحيُّز السياسات التنموية لصالح المدن، على حساب الريف الذي يعاني تأخرًا شديدًا في التنمية. وتشير بيانات اليونيسف لعام 2024 إلى أن نحو 43٪ من سكان ريف صعيد مصر يعيشون في فقر مدقع (غير قادرين على تلبية الاحتياجات الأساسية من طعام وشراب)، وهو ما يعكس الفجوة الاجتماعية المتزايدة بين المركز والهامش.

في هذا السياق، تتجه الدولة إلى تطبيق سياسات صندوق النقد الدولي، عبر إلغاء الدعم الغذائي للمواطنين، وخفض الإنفاق على قطاعي التعليم والصحة، والاتجاه نحو خصخصتهما ومنحهما للقطاع الخاص والمستثمرين الأجانب، وهو ما يضاعف أعباء الفقراء، خصوصًا في الريف.

وبذلك يبدو الفلاح الطرف الأول المُطالَب بالتضحية، من دون مراعاة مسؤولياته الأسرية واحتياجاته المعيشية التي تتفاقم تحت وطأة السياسات نفسها. أضف إلى ذلك أن الدولة تُخفِّض الإنفاق على مؤسسات دعم وإرشاد الفلاحين، التي يُفترض أن تساعدهم في التكيف مع آثار التغير المناخي، تاركةً صغار المزارعين يواجهون مخاطر يعرفون القليل عنها.

وفي الوقت نفسه، تستفيد الدولة من المنح والقروض والسندات الخضراء، ومن مشروعات منخفضة التكلفة تُسوَّق باعتبارها “مشروعات خضراء”، بينما لا يصل إلى الفلاح، وهو المتضرر الأكبر من آثار التغير المناخي، سوى القليل، أو لا شيء في أغلب الأحوال.

خلال السنوات الأخيرة، تصاعدت تأثيرات التغيرات المناخية والضغوط المائية، التي أعادت تشكيل واقع الزراعة في الحقول الصغيرة. فقد أدت موجات الحر الأطول والأشد إلى إجهاد المحاصيل وزيادة الاحتياج إلى مياه الري، وذلك في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من شح الموارد المائية وتدهور جودتها في بعض المناطق، خاصة في دلتا النيل حيث تتزايد مشكلات الملوحة التي تتسبب في تدهور خصوبة الأرض.

وكما هو معروف، تؤدي التقلبات المناخية إلى اختلال مواعيد الزراعة وارتفاع معدلات الآفات والحشرات، ما يضطر صغار الفلاحين إلى تغيير المحصول أو تحمّل كلفة أكبر لتحسين التربة. وتبرز محاصيل غذائية أساسية مثل الطماطم والبصل والقمح والأرز والقصب، سواء بسبب حساسيتها للحرارة أو لاعتمادها الكبير على المياه، لذلك تنخفض إنتاجيتها في بعض العروات. وهو ما يشعر به المستهلك في المدينة عندما يجد سعر بعض السلع يتضاعف خلال بعض المواسم. غير أن الفلاح يشعر بها قبل ذلك، خصوصًا عندما تفرض الحكومة سعر شراء منخفضًا أو سعرًا يقترب من السعر العالمي.

 وبينما يستطيع كبار المنتجين والمستثمرين الذين يعتمدون على التكنولوجيا المتقدمة امتصاص هذه الصدمات، يظل صغار الفلاحين الحلقة الأضعف، إذ يواجهون المخاطر في ظل ضغوط اجتماعية واقتصادية لا ذنب لهم فيها، وبأدوات محدودة ودعم فني ومالي غير كاف. والمحصلة النهائية لهذه السياسات هي إضعاف قدرة الدولة على تحقيق سيادة غذائية مستدامة.

  • محمد عادل – مصر