يقول شاعر تونس الرفيق محمد الصغير أولاد أحمد
"في قابس ما يجعل الكلام شعرا والحياة جديرة بالحياة"
- مـقـدمـة
قابس تلك المنطقة بالجنوب الشرقي للبلاد التونسية، والتي كانت أيقونة مدن المتوسط باعتبارها المدينة الوحيدة التي تمتلك الخصائص الجغرافية الطبيعية الأربعة: البحر-الواحة – الجبال والصحراء. وكانت هذه هي ّالمقوّمات التي مكّنت المدينة من النشأة والتطور والاستدامة[1].
إلا أن هذا الوضع الطبيعي المميز، لم يتواصل بسبب قرار سياسي ذي طابع تنموي منذ 1972، والذي تم على إثره تركيز المجمع الكيميائي التونسي كمؤسسة عمومية، تقوم بتحويل الفسفاط إلى حوامض وأسمدة. دون الأخذ بعين الاعتبار الأضرار البيئية لهذا النشاط الملوث على البحر وعلى نوعية الهواء بالجهة. إضافة إلى استنزافه للموارد المائية الجوفية وخاصة المائدة العميقة “جفارة”.
وبعد خمسين عام من النشاط، تحولت هذه المدينة الجنة طبيعيا وجغرافيا، إلى مدينة ملوثة على كل المستويات والأوجه: بحرا وبرا وجوا، مع تراجع حاد لمخزوناتها المائية الجوفية جراء استنزاف يومي للمياه لضمان تواصل تحويل مادة الفسفاط إلى حوامض وأسمدة.
- بداية مهووسة بالتنمية والتشغيل في إطار تحولات جيوسياسية للرأسمالية العالمية
بداية السبعينات كانت البلاد كلها تقريبا ممحونة بهاجس التشغيل والتنمية، في إطار ما سمي بسياسة الانفتاح، التي أتت على أنقاض تجربة التعاضد (1961-1969)[2]. ففتحت البلاد ذراعيها للاستثمارات الاجنبية التي ركزت صناعات ملوثة ومستهلكة للموارد الطبيعية وخاصة الماء. نظرا لأن دول المركز قررت خلال مؤتمر ستوكهولم 1972 التخلي نهائيا على الصناعات الملوثة والمستهلكة للماء، وتحويلها إلى بلدان الجنوب الطالبة أصلا للتنمية والاستثمارات.
فاستقبلت تونس كبقية بلدان الجنوب الفقيرة أعدادا كبيرة من المشاريع والمصانع الملوثة والمستهلكة للموارد المائية، مما حولها إلى مجرد محاضن لمصانع ملوثة لإنتاج متطلبات سكان الشمال الغنية، مقابل أجور زهيدة للطبقة العاملة الجنوبية. وطبعا بقاء كل التلوث بها.
في هذا الإطار، تأسس المجمع الكيميائي التونسي بقابس سنة 1972، مدعوما بفكرة الرفع من القيمة المضافة للثروات الفوسفاطية المحلية. كما وجب التذكير أن نشاط تحويل الفسفاط بتونس لم يبدأ بقابس سنة 1972، بل أحدث الاستعمار الفرنسي أول وحدة لتحويل الفسفاط بصفاقس سنة 1947، ثم أول وحدة لإنتاج الحامض الكبريتي سنة 1952، وسميت منذ ذلك التاريخ شركة SIAPE.
كما لا يمكننا تجاهل مدى تلوث هذه الصناعة، باعتبار أن نشاط السياب كان يفرز مادة الفوسفوجيبس وهو مكدّس إلى اليوم بجانب المصنع المغلق، إضافة إلى الانبعاثات الغازية السامة. ولكن سنة 1972 لم يكن البعد البيئي وإشكالات التلوث لها الأولوية أو الوعي اللازم سواء لدى السياسات العمومية أو السكان. إذ كان الهاجس لدى الجميع إحداث مواطن الشغل وتنافس الجهات على ذلك لتصبح أقطابا صناعية.
وانطلق تحويل الفسفاط بقابس عبر تركيز الوحدات الأولى لإنتاج الحامض الكبريتي اللازم لإنتاج الحامض الفوسفوري. هذا الأخير الذي سيقع إما تصديره أو استعماله لإنتاج الأسمدة الفسفاطية. وكان تأسيس المجمع الكيميائي سنة 1972 طبقا لقانون أفريل 72، أي مؤسسة مصدرة كليا. كما تم تركيز الوحدات بميناء قابس التجاري لتسهيل عمليات التصدير الكلي للمنتجات الفسفاطية، إضافة إلى استقباله لمادة الكبريت الضرورية لإنتاج الحامض الكبريتي.
وأمام هذا الوضع، لم يكن أمام المجمع الكيميائي من فضاء سهل وقريب من وحدات التصنيع لتصريف مادة الفوسفوجيبس الملوثة إلا البحر. وتواصل سكب ملايين الأطنان من هذه المادة المصنفة دوليا خطرة طيلة الخمسين سنة الماضية دون توقف. مما صحّر خليج قابس، وحوّله من خليج يزخر بأجود أنواع الاسماك والكروفات الملكية، إلى مصب مائي للنفايات الخطرة. فتراجعت أهمية الخليج على مستوى إنتاج الثروة السمكية، وبالتالي حرمت قابس من بحرها وثماره طيلة الخمسين سنة الأخيرة.
كما تواصلت الانبعاثات الغازية الملوثة وخاصة ” غاز الامونياك” وثاني أكسيد النترات وثاني أكسيد الكبريت والغازات الفليورية، مما جعل نوعية الهواء بمدينة قابس والمناطق المجاورة لها وبحكم عامل التراكم الكمي والزمني، تصل إلى مستويات مُضرّة. مما تسبب حتميا في انتشار الأمراض التنفسية والسرطانية وهشاشة العظام بالمنطقة.
- الموارد المائية: الجانب الغائب في الحراك الاجتماعي:
الماء والواحة وجهان لعملة واحدة، فلا يمكن الحديث عن واحة دون وجود مستدام للماء. قابس منطقة تتميز بواحاتها الساحلية التي بقيت طيلة أكثر من 3000 سنة محافظة على استدامتها وتنوعها وثرائها. وذلك بسبب توفر الماء وبمواقع متعددة، وبنوعيات ومصادر متنوعة.
لكن هل واقع الواحات اليوم في قابس مؤمّن مائيا أم أن التحولات الهيكلية التي طرأت على صبغة الجهة قد حولت وجهة الموارد المائية إلى قطاعات أخرى، يمكن أن تكون أكثر مردودية مالية، ولكنها حتما أكثر تهديدا للحياة وإطار عيش السكّان ولاستدامة المنظومة الواحية بجهة قابس؟
إلى غاية نهاية الستينات، وبداية السبعينات. كانت عيون الماء وينابيعه منتشرة بكامل أرجاء الواحات بالجهة. وكانت الأودية ذات السيلان الدائم تؤمن لكل واحة حصتها من الماء. لكن مع بداية السبعينات وخاصة بداية من 1972 تاريخ انطلاق نشاط المجمع الكيميائي التونسي، ومع تطور تقنيات الحفر العميق للمياه. بدأت العيون الطبيعية وينابيع المياه تنضب، وبالتالي بدأت الأودية تفقد مصادر سيلانها، وتغيرت طرق تزويد الواحات بالماء للري.
من خلال المعاينات الميدانية، وشهادات من واكبوا مراحل السبعينات وما بعدها من الفلاحين بجهة قابس، “يتبين أن الموارد المائية بالجهة ككل عرفت تراجعا حادّا منذ 1972. إذ كانت قوة ضخّ المياه سنة 1970 بواحة شنني تقدر بحوالي 715 ل/ث، لتصبح حاليا 150ل/ث من خلال استغلال 4 آبار عميقة، أي بنقص صاف بحوالي 600ل/ث”[3]. وهو تراجع يدل على أن الموارد المائية بجهة قابس قد جرى تحويل وجهتها من القطاع الفلاحي إلى القطاع الصناعي وقطاع الخدمات.
يستهلك القطاع الصناعي بقابس حوالي 10% من الموارد المائية الإجمالية المتاحة بالولاية. ويتفرد المجمع الكيميائي التونسي بنصيب الأسد بحوالي 80% من كمية المياه الصناعية. ذلك أن تحويل طن واحد من الفسفاط التجاري إلى حامض فسفوري يتطلب 10م3 من المياه، كما يقوم المجمع الكيميائي التونسي بضخ كميات كبيرة من مياه البحر لتصريف آلاف الأطنان من مادة الفوسفوجيبس يوميا بالبحر.
وبعد أكثر من 50 سنة من استنزاف النشاط الصناعي للموارد المائية بالجهة، وما نتج عنه من تراجع مخزونات المياه الجوفية، إضافة إلى تلوث هذه المياه، فإنه بات من الضروري وضع حد لهذا الاستنزاف المتواصل للموارد المائية ومصادر تلوثها. لكن رغم هذا الوضع المائي المتدهور، إلا أن الحراك الاجتماعي المطالب بالحدّ من التلوث، لم تكن له مقاربة شاملة تدمج الأضرار التي لحقت بالموارد المائية جرّاء نشاط تحويل الفسفاط بجهة قابس.
- بداية الوعي البيئي بالجهة وتعدد القرارات السياسية المؤجلة التنفيذ
منتصف الثمانينات، بدأت التأثيرات البيئية لنشاط المجمع الكيميائي التونسي بقابس تخرج من منطقة الإحساس العادي إلى الوعي الكامل من طرف أغلب سكان قابس والمناطق المجاورة لها. كما بدأ البحارة يسافرون خارج مياه بحر قابس ليصلوا إلى بوغرارة وجربة والبيبان للصيد جرّاء تدهور الوضع البيئي لخليج قابس بشكل جدّي.
كما تغيرت نوعية الهواء بالمدينة كليا إلى درجة أنها لم تعد تطاق من الجميع: سكان وفلاحين وبحارة وزوار وعاملين أصلا بالمنطقة الصناعية غنوش التي تتركز بها وحدات تحويل الفسفاط التي تصل حاليا إلى 13 وحدة. كما فقدت قابس خلال هذه الفترة كل مميزاتها السياحية، وتراجعت مردودية الفلاحة بواحاتها نظرا لتحويل جزء من مواردها المائية للنشاط الصناعي التحويلي. فنضبت عيون واحات شنني ووذرف والمطوية والحامة ومارث، أمام ارتفاع عدد الآبار العميقة التي حفرت لتلبية طلبات الماء المتزايدة للمنطقة الصناعية.
وأمام ارتفاع عدد الأصوات المطالبة بالحد من التلوث وإنقاذ ما تبقى من خليج قابس، قررت سلطة بن علي سنة 1992، الشروع في إزالة التلوث بقابس وصفاقس (مشروع تبارورة وغلق NPK)، وخاصة إيجاد حلول لمادة الفوسفوجيبس بهدف إيقاف تصريفه في البحر.
فأُغلق مصنع NPK، وانطلقت الدراسات المتعلقة بتهيئة السواحل الشمالية لمدينة صفاقس، المعروف بمشروع تبارورة. وتم تعبئة الموارد المالية اللازمة لإنجازه، وأنجزت مكونات المشروع الأساسية المرتبطة بإزالة التلوث وعزل أكوام الفوسفوجيبس وتهيئة شاطئ تبارورة برمال البحر المتأتية من جهر قنال قرقنة، أما بقية مكونات المشروع المرتبطة بالتهيئة العمرانية والسياحية، فإنها لازالت تراوح مكانها منذ 13 سنة.
كما تم إصدار قرار بالغلق الوقتي لشركة SIAPE بصفاقس من طرف يوسف الشاهد سنة 2019 في إطار حملة انتخابية رئاسية. لكن بقي التلوث والوحدات الملوثة وأكوام الفوسفوجيبس بصفاقس الجنوبية جاثم على سكانها، نتيجة التوظيف السياسي لقضايا البيئة والتلوث من طرف حكام هذه البلاد منذ 33 سنة كاملة.
أما في قابس، ومنذ 1992 تاريخ قرار إزالة التلوث الناجم عن تحويل الفسفاط، لم تفعل مصالح وزارة الصناعة سوى تركيز بعض التجهيزات التي قلصت من انبعاثات غاز الامونياك عبر وحدة الامتصاص المضاعف، إضافة الى تعهد وتغيير بعض الفلاتر للتقليل نسبيا من انبعاثات بقية الغازات. أما بالنسبة لمادة الفوسفوجيبس، فإن المجمع الكيميائي التونسي لم ينجز سوى الدراسات المتعلقة باختيار المواقع، والتعمق في الفرضية التقنية لنقل وتركيز مصب أرضي للفوسفوجيبس، وذلك منذ 1998 إلى حدود 2012[4]. ولكن كان كل اختيار موقع يقابل بالرفض من طرف المنطقة القريبة. وأمام غياب القرار السياسي الحاسم في الموضوع، والارتفاع الكبير لكلفة هذا المصب بعد كل هذه السنوات من التأخير، ارتفعت فيها كلفة المشروع من 550 مليون دينار سنة 2001 إلى حوالي 2 مليار دينار سنة 2012. كما وجب التأكيد في هذا المجال على أن كل الدراسات السابقة لم تطرح أبدا تفكيك الوحدات أو نقلها أو جزء منها. وأول قرار تعرض لتفكيك الوحدات كان سنة 2017، في إطار صفقة انتخابية بين حركة النهضة والشاهد في إطار الصراع على ولاية قابس المعروفة بهواها الانتخابي النهضاوي. بقي هذا القرار حبرا على ورق إلى اليوم باعتباره قرار مزايدة انتخابية لم يبنى على دراسة معمقة واستراتيجية لقطاع الفسفاط في تونس. ذلك أن المجمع الكيميائي التونسي ليس حلقة معلقة في النسيج الصناعي الوطني بل هو حلقة من جملة الحلقات المترابطة بالقطاع الاستخراجي للفسفاط.
لكن الهبّة القابسية الأخيرة، وخاصة الإضراب العام الجهوي الذي دعا إليه الاتحاد الجهوي للشغل بقابس بدعم من المركزية النقابية يوم 21 أكتوبر 2025 والمسيرة الضخمة التي أقيمت خلاله، والتي مثلت المسيرة الأضخم في تاريخ البلاد من أجل قضية بيئية، إن لم نقل إنها الأضخم عالميا في مجال المطالب البيئة. هذا المد الجماهيري المطالب بتفكيك الوحدات بقابس امتدت آثاره إلى كل جهات البلاد تضامنا ومساندة لا مشروطة مع حق أهالينا في قابس في حياة كريمة وآمنة وهواء نقي قد أربكت السلطة السياسية القائمة.
هذه السلطة التي أقرت يوم 5 مارس 2025 في إطار مجلس وزاري مضيق، استثمارات جديدة في مجال صناعة تحويل الفسفاط بقابس وتأهيل وحداتها الحالية للرفع من مردوديتها الإنتاجية. إضافة إلى برمجة وحدة لإنتاج الأمونيا الخضراء ووحدة لإنتاج الهيدروجين الأخضر لصالح بعض الدول الأوروبية. أما إزالة التلوث فلم يكن مدرجا ببرنامج الحكومة أصلا، ولا بالمخطط التنموي 2026-2030.
وأمام تسارع الأحداث بقابس، وإصرار أهالي الجهة على تفكيك الوحدات الملوثة وتمسكهم بهذا الشعار المركزي لتحركاتهم، والذي رفّع سقف المطالب التي وضعت أجهزة السلطة في مأزق كبير، خرج علينا ممثل لها في البرلمان وأرجع مسالة التلوث الهوائي ومعالجته في Joint مطاطي قيمته 15 ألف دينار. كما بررت السلطة التلوث بالتباطؤ في تنفيذ الميزانية المرصودة للغرض بسبب المتآمرين.
فهل قضية التلوث بقابس قضية تقنية مرتبطة بلجنة، أم أن القضية أبعد من هذا بكثير؟
- القضية استراتيجية والقرار سياسي وليس فني- تقني
التلوث بقابس ليست قضية محلية تدار في إطار إداري بيروقراطي منعزل عن الإطار الاقتصاد الكلي للبلاد. كما أن تحويل الفسفاط بقابس أو بالصخيرة او بالمظيلة وبصفاقس سابقا ليس مسألة صناعية معزولة عن منظومة الفسفاط بالبلاد من الاستخراج والتثرية بالحوض المنجمي مرورا بالنقل بواسطة السكك الحديدية، وصولا إلى التحويل والتصدير. فالمسألة معقدة ومتشابكة ومترابطة بحلقات اقتصادية مكمّلة لبعضها البعض.
كما أنه وجب طرح سؤال محوري في هذا الإطار مرتبط بشعار تفكيك الوحدات الإنتاجية بقابس والذي يتمسك به أهالي الجهة ومجتمعها المدني المناضل بشكل خاص. ماذا بعد تفكيك الوحدات؟؟
لكن وجب طرح سؤال يتعلق بما بعد التفكيك، وسؤال آخر لا يقل أهمية عن السؤال الأول: هل تفكيك الوحدات الإنتاجية وغلق المجمع الكيميائي سيكون له تداعيات اقتصادية واجتماعية كبيرة وغير رجعية للمنطقة؟
بالنسبة للسؤال الأول المتعلق بالتفكيك، سنعود له لاحقا. أما عن تأثيرات غلق المجمع الكيميائي التونسي على جهة قابس، فإنه يمكننا القول إن قابس سابقة للمجمع الكيميائي، وإن قابس هي من احتضنت منذ 1972 نشاط تحويل الفسفاط واكتوت بتلوثه، وليس نشاط الفسفاط من أوجد قابس. لذلك القول بأن غلق المجمع الكيميائي التونسي سيكون مدمرا اقتصاديا واجتماعيا لجهة قابس رأي غير صائب تماما. بل يمكن القول إن ما تملكه جهة قابس من إمكانات طبيعية وموارد ومقدرات فلاحية وسياحية وجبلية، قادرة على جعلها أكثر اشعاعا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.
لذلك، ومن أجل وضع حد للتلوث بقابس وبكل وحدات تحويل الفسفاط بتونس، وجب وضع الموضوع في إطاره الصحيح من خلال اعتبار الفسفاط وتحويله والقيمة المضافة المترتبة على هذا التحويل مسألة استراتيجية تتطلب تفكيرا استراتيجيا وتخطيطا بعيد المدى. وليس مجرد ملف تقني يعهد للجنة لاقتراح حلول فنية ترقيعية، لنعيد إنتاج نفس التلوث بعد سنوات مثلما فعلنا بعد سنة 1992.
ومن هذا المنطلق، وجب تحديد الرؤية الاستراتيجية من الصناعات الاستخراجية، عبر تقييم موضوعي وعلمي لتجربة تجاوزت 130 عام. كما أن التقييم الاستراتيجي وجب أن يأخذ بالاعتبار الصراع الدولي المحموم على مادة الفسفاط، خاصة وأن عمالقة اليوم مثل روسيا وأمريكا سيغادرون السباق في أفق 2035 لنفاذ المدخرات. وهنالك لاعبون جدد مثل مصر والجزائر والأردن يدخلون المنافسة والتي حتما ستكون شرسة حول مادة ضرورية للإنتاج الزراعي المكثف أفق 2050، إذ سيزداد سكان العالم بحوالي 2 مليار نسمة وما تتطلبه هذه الزيادة من ضغط على إنتاج الغذاء بطرق أكثر تكثيفا، وبالتالي أكثر استعمالا للأسمدة الفسفاطية.
من هذه الرؤية، يمكننا رسم الاستراتيجية الوطنية في مجال الصناعات الاستخراجية المرتبطة بالفسفاط، وبالتالي تحديد الخطط والبرامج بعيدة المدى التي تأخذ بعين الاعتبار الجدوى الاقتصادية والإمكانات التقنية والموارد المائية المتاحة، ومتطلبات حماية البيئة والمحيط في تناغم واستدامة تامة. كما أنه يمكن أن نحدد رؤية مخالفة للتمشي التقليدي باتخاذ قرار استراتيجي يتعلق بتعليق استخراج الفسفاط طيلة المرحلة القادمة والتعويل على موارد وإمكانيات متاحة أخرى على المستوى الوطني. أي أن كل الخيارات ممكنة.
وفي هذا الإطار، تصبح دراسة تفكيك الوحدات الإنتاجية بقابس، وإمكانية نقلها إلى مناطق أخرى بعيدة عن العمران والأنشطة الفلاحية، إضافة إلى توفير مصادر طاقية مائية مستقلة عن المياه التقليدية التي جرى استنزافها في السابق، قاعدة صلبة لاتخاذ القرارات الصائبة والمستدامة. إذ أن قرارات من هذا النوع وبهذا الحجم، ليست موكولة للجنة فنية أو لهيكل إداري بيروقراطي، بل هو قرار سياسي سيادي يرتكز على رؤية واضحة واستراتيجيات مدروسة سلفا، من خلال حوار مجتمعي شامل يشارك فيه كل المعنيين بالملف من سلطة ومنظمات وطنية ومجتمع مدني وأحزاب سياسية وخبرات وطنية لها الكفاءة اللازمة.
كما أن تفكيك وحدات الإنتاج الحالية بقابس يأخذ مشروعيته من تقادم وتهالك والمعدات الحالية والتي تجاوزت عمرها الافتراضي بسنوات عدة. وبالتالي وحتى طبقا للمنطق الاقتصادي الضيق، فإن تجديد الترسانة الصناعية لتحويل الفسفاط بتقنيات وتجهيزات جديدة ومن الجيل الثالث الأكثر احتراما للبيئة يُعدّ أكثر مردودية من تعهد وصيانة وترقيع التجهيزات التي تجاوز عمرها نصف قرن.
كما وجب دراسة فرضية تركيز مصب أرضي لمادة الفوسفوجيبس ومدى مردوديته وكلفته، مع المحافظة على الإنتاج بالمنطقة الحالية بغنوش. مع الوضع بعين الاعتبار الكمية الكبيرة المنتجة سنويا والتي تتجاوز 11 مليون طنا. والذين يحاولون إيهامنا بأنه يمكن تثمين هذه المادة وبهذه الكميات المنتجة سنويا، نقول لهم كفانا بيعا للوهم. لأن الصين التي تعتبر أكبر منتج مادة الفوسفوجيبس في العالم لا تثمن إلا 3 بالمائة مما تنتجه رغم أن الصين شبه قارة واحتياجاتها كبيرة جدا.
كما أن تجميع كل الوحدات الإنتاجية بمنطقة تتوفر فيها كل شروط السلامة والبيئة والنقل واللوجستيك الصناعي، يمثل فرضية اقتصادية جديرة بالطرح والنقاش والدراسة المعمقة.
مع العلم أن المجمع الكيميائي التونسي يتوفر على كل الدراسات التي جرى التعرض إليها والتي يمكن تحيينها بدراسة فرضيات أخرى، تكون في نفس الاتجاه العام للرؤية الوطنية التي يجب تحديدها مسبقا.
فالمسألة مرتبطة بالخيارات الكبرى للثروات الوطنية وبتحديد صارم للرؤى الوطنية والاستراتيجيات المدروسة. فالتلوث بقابس ليس مجرد قضية تقنية تدرس بمخابر الكليات، بل هي حلقة من جملة حلقات أكثر تشابكا وتعقيدا.
فقابس لم تعد تحتمل تلوثا أكثر وموت بطيء جرّاء الغازات السامة من ناحية، واستنزاف للموارد المائية من ناحية أخرى.
حسين الرحيلي – تونس
- هذا المقال مأخوذ من العدد الأول لمجلة المرصد التونسي للمياه. للاطلاع على العدد: اضغط\ي هنا
[1] : كتاب: تأثير التحولات المناخية على الواحات التونسية-حسين الرحيلي – 2022
[2] : كتاب: التنمية في تونس – محمود مطير وحسين الرحيلي-2015
[3] : كتاب: تأثير التحولات المناخية على الواحات التونسية-حسين الرحيلي – 2022
[4] : دراسة إزالة التلوث بقابس – مكتب دراسات اس. ان س لفلان-1998

