منذ ربع قرن، بل وأكثر، يُنظر إلى القطاع الزراعي تحت إضاءة خاصة، إضاءة التشكيك في ممارساته في مجال الزراعة وتربية الماشية، التي ساهمت في انبعاثات غازات الدفيئة (GES) والاحتباس الحراري. ولهذا السبب، يمكن العثور على أدبيات كثيرة تدعو إلى تغيير نموذج الإنتاج. وهي أدبيات غير متجانسة، حيث إنها تتضمن، بنحو متعارض أحيانا، نهجًا مؤسسيًّا للتغييرات الواجب إجراؤها في إطار، على سبيل المثال، الإصلاحات المتتالية للسياسة الزراعية المشتركة للاتحاد الأوروبي، وموقفًا علميًّا يركز على الأبحاث الزراعية، أو حتى رؤية نضالية للتحولات التي يجب تحقيقها للتخلص من النموذج الإنتاجي السابق، الموصوف تقليديًا بـ« الإنتاجوي» أو «المكثف».
على الرغم من هذه الانقسامات، فإن المتوقع في نهاية المطاف هو انتقال من عصر إلى آخر في مجال إنتاج المنتجات الزراعية والغذائية وكذلك في استهلاكها. وهو انتقال بعيد كل البعد عن الخطية المتوقعة. ففي الواقع، لا يكفي تقييم العواقب المترتبة على المناخ والتربة والأغذية جراء ستين عامًا من النموذج المكثف، لتغيير كل من الممارسات وشروط تمويل التحولات، لا سيما في غضون فترة زمنية قصيرة، من أجل مواجهة التحديات المناخية. غالبًا ما تعتمد النظرية الاقتصادية، في سياق هذه المسألة المتعلقة بالتحولات الكبرى في نماذج الإنتاج، على فكرة «مسار التبعية» (path dependency) – التي تُستكمل بدورها بإغراء «تأثير الانغلاق» (lock-in effect) – والتي يمكن أن تعيق دينامية التغيير أو تعرقلها أو تبطئها.
إن المنظور الذي فتحته الأزمة المناخية واستنفاد نموذج الزراعة الفوردي، لدفع المزارعين إلى تغيير ممارساتهم، يبدو بطريقة ما وكأنه معرقل، أو مؤجل، بل ومهمش إلى الخلفية منذ الحرب في أوكرانيا، والآن مع الصراع في الشرق الأوسط¹. لقد أعاقت الجغرافيا السياسية، إلى حد ما، الطموح المحدد منذ عام 2019، ألا وهو وضع الزراعة على مسار إزالة الكربون. فالزراعة، بصفتها مكونًا من مكونات نمط الإنتاج الرأسمالي، أصبحت الآن عالقة في زمن الحروب، وذلك من نواحٍ عديدة. والسؤال الذي بات مطروحا الآن هو: كيف يمكن استئناف مشروع «تخضير» الزراعة دون إدراج الجغرافيا السياسية والجغرافيا الاقتصادية في التحليل؟ فالحرب في إيران تُفاقم، إلى حد ما، التوترات التي ظهرت في بداية الصراع الروسي-الأوكراني، على الرغم من اختلاف السياق. إنها مرحلة جديدة من الأزمة الدولية التي تؤثر بشكل مباشر على القطاع الزراعي. سنتناول الأمر هنا عبر دوائر متحدة المركز، انطلاقاً من المستوى الوطني لإظهار أن الحرب في إيران تضخم الأزمة الزراعية، ثم ننتقل إلى المستوى الدولي، ونرى إلى أي مدى ينطوي هذا الصراع على ظروف ضارة بالأمن الغذائي في العالم أم لا، لنصل أخيرًا إلى ربط هذه الحرب بدينامية إعادة تشكيل ميزان القوى الزراعي التي بدأت بوادرها في وقت المواجهة الروسية-الأوكرانية.
الحرب في إيران والأزمة الزراعية الوطنية
على الرغم من الأهمية الكبيرة التي تكتسيها قضية النفط، فإنها لا تلخص بمفردها المخاطر الكامنة في الحرب في أوكرانيا. فالنشاط الزراعي، من خلال استخدامه للأسمدة، هو مصدر عملية تحويل الطاقة. يُستخدم الغاز الطبيعي لإنتاج الأمونيا، التي تُعد المكون الحاسم في تصنيع الأسمدة النيتروجينية. ولهذا السبب، يُربط بين الحرب في إيران – وقبلها في أوكرانيا – والزراعة، ليس فقط من منظور المنتجات الزراعية والغذائية نفسها، بل ومن منظور المدخلات الوسيطة الضرورية لإنتاجها ونقلها إلى الأسواق. كان من النتائج المباشرة للحرب في إيران ارتفاع حاد في أسعار الأسمدة، نتيجة لإغلاق مضيق هرمز الذي يعبره في المتوسط أكثر من 30٪ من هذه الأسمدة النيتروجينية، مع وصول النسبة إلى 40٪ في حالة الفوسفور على سبيل المثال. كما أن أكثر من 5٪ من الحبوب تمر عبر مضيق هرمز هذا، ما يوضح عملية «إضفاء الطابع البحري» على الحبوب، القديمة أصلا، وبالتالي على الأمن الغذائي العالمي.
وقد كشفت الحرب في أوكرانيا وتلك التي تشهدها إيران عن أهمية المضائق في دينامية حركة السفن المحملة بالسلع الزراعية (مضيق هرمز، ومضيق البوسفور الذي يفتح الطريق إلى دول البحر الأبيض المتوسط التي نعرف مدى اعتمادها على الواردات الغذائية، وقناة السويس، ومضيق باب المندب، دون أن ننسى المحطات المرفئية على البحر الأسود)، وقد حدثت مثل هذه الحالة بالفعل في الأشهر الأولى من الحرب في أوكرانيا، نظرًا لأن روسيا دولة كبرى منتجة للغاز ومصدرة للأسمدة. ويكمن الاختلاف بين الفترتين في حقيقة أنه في عام 2022، كانت أسعار الحبوب، والقمح الطري بوجه خاص، مرتفعة للغاية (432 يورو للطن) لدرجة أنها سمحت باستيعاب صدمة ارتفاع أسعار المدخلات. في المقابل، فإن سعر القمح الطري نفسه منخفض جدًّا اليوم (يتراوح سعر القمح الطري بين 180 و200 يورو للطن)، لدرجة أنه غير قادر على تعويض ارتفاع أسعار المدخلات (الطاقة والأسمدة). ففي الواقع، يبلغ سعر أحد الأسمدة الرئيسية المستخدمة، وهو اليوريا، حوالي 822 يورو للطن (كان سعره 410 قبل اندلاع الحرب في إيران، وهو سعر كان يُعتبر مرتفعاً، بسبب الضرائب التي فرضها الاتحاد الأوروبي على الأسمدة المستوردة من روسيا وبيلاروسيا، وتطبيق آلية تعديل الكربون عند الحدود (MAC، أي أنه تضاعف منذ بداية الحرب في إيران. وهذا الوضع يختلف تمامًا عن ذلك الذي تسببت فيه الحرب في أوكرانيا، والتي دفعت سعر اليوريا في البداية إلى ما يزيد عن 1000 يورو للطن. وقد تم تعويض هذه الكلفة الإضافية في ذلك الوقت بارتفاع أسعار الحبوب بشكل حاد. ومع ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي لا يخلو من مفارقات، حيث تظل روسيا، على الرغم من الضرائب المفروضة على أسمدتها، ثاني أكبر مصدر للأسمدة إلى الاتحاد الأوروبي، بعد مصر وقبل الجزائر وهولندا.
ومن هذا السياق الحربي، يبرز الدرس الأول. فبرفع مستوى ترابط الدول بشكل كبير، دفعت العولمة هذه الدول في الواقع إلى التخلي عن بعض الإنتاجات، وإلى الاعتماد على موردين خارجيين، كما هو الحال في قطاعي الطاقة والأسمدة. وتزيد الحرب في إيران من حدة هذا الاعتماد، ما يعيد إحياء الرسالة التي أطلقها جون م. كينز في عام 1933، في نصه حول «الاكتفاء الذاتي الوطني». في هذا النص، يقدم كينز نوعًا من التقييم للعولمة في تلك الحقبة، تلك التي بدأت في أواخر القرن التاسع عشر، وانتهت مع الحرب العالمية الأولى، وبشكل أساسي مع الكساد الكبير. ووفقًا لكينز، فإن التجارة الحرة، بدلاً من أن تنشر السلام والرفاهية، لم تنتج سوى الصراع والفقر. ويرجع السبب في ذلك، حسب رأيه، إلى روح الاستحواذ على الأسواق والموارد، وإلى الرغبة في التدخل والسيطرة على كل أو جزء من الهياكل الاقتصادية لدولة أخرى، وهي العوامل التي تحرك سياسة أي بلد. وكون التجارة الحرة تؤدي إلى عكس الغرض الذي أُنشئت من أجله، ألا وهو السلام، دفع كينز — في مقطع لا يزال مشهورًا ويجب أن نقتبسه بالكامل — إلى أن يوضح لقرائه، بقدر من الدقة البريطانية المعهودة، لماذا يُفضل توجيه السياسة الاقتصادية نحو «الاكتفاء الذاتي الوطني» يقول: «لذلك، فإنني أتعاطف مع أولئك الذين يرغبون في إنقاص ترابط الأمم إلى أدنى حد ممكن، بدلاً من أولئك الذين يرغبون في رفعه إلى أقصى حد. الأفكار، والمعرفة، والفن، والضيافة، والسفر: هذه أمور يجب أن تكون دولية بطبيعتها. لكن لننتج السلع في بلداننا كلما كان ذلك ممكنًا بشكل معقول وعملي؛ وقبل كل شيء، لنجعل الشؤون المالية أولوية وطنية. ومع ذلك، فإن أولئك الذين يريدون تحرير بلدانهم من القيود الدولية التي تكبلها، يجب أن يفعلوا ذلك ببطء وحذر. لا يتعلق الأمر باقتلاع النبتة من جذورها، بل بتعويدها بصبر على النمو في اتجاه آخر (الصفحتان 200-201 من الطبعة الفرنسية)2.
لا تزال رسالة كينز، بعد مضي أكثر من تسعين عامًا على نشرها، تتردد أصداؤها حتى يومنا هذا. فمع الحرب في أوكرانيا ثم في إيران، ألم يبرز مفهوم السيادة الاقتصادية من جديد، وكأن الرأسمالية الفرنسية، من بين غيرها، قد أدركت حجم فشل العولمة، وتستعيد طموحها في إعادة توطين وحدات الإنتاج التي دُمرت في الماضي، لا سيما لتصنيع الأسمدة؟ بل إن هناك حديثًا عن إطلاق خطة تهدف إلى تكوين مخزونات استراتيجية من الأسمدة، على غرار ما هو موجود بالنسبة للمنتجات النفطية.
وهناك درس ثانٍ لا بد من استخلاصه. فالحرب في إيران تطيل أمد الأزمة الزراعية في فرنسا بل وتزيدها حدة، وتستدعي إجراء تحليلات مقارنة لتقييم وضع القطاعات الزراعية الأخرى في الاتحاد الأوروبي بالطبع، ولكن أيضًا في العديد من الدول الأخرى التي تعتمد على الأسمدة الواردة من الشرق الأوسط من أجل الإنتاج — وإن كان ذلك بشكل غير كافٍ — ولكنها تنتج على أي حال. يكمن الأثر الاقتصادي لارتفاع كلفة الأسمدة في تدهور نتائج المزارع، التي لا تملك بدائل تذكر لتحمل هذا الارتفاع في أسعار المدخلات (الأسمدة، والديزل غير المخصص للطرق، والطاقة). وبلغت نسب اليوريا إلى القمح واليوريا إلى الذرة 2,7 و3,6 على التوالي، ما يعني أن سعر اليوريا كان أعلى بـ2,7 مرة من سعر القمح، وأعلى بـ3,6 مرة من سعر الذرة.
وإذا ما استمرت الحرب في إيران لفترة مديدة، مؤدية إلى استمرار دوامة ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية، سوف ترتفع حالات إفلاس المزارع، ما يفضي إلى مرحلة جديدة من انخفاض عدد المزارعين وزيادة تركيز أولئك الذين سيبقون. وبالمناسبة، فإن الدعم المالي الذي تمنحه الدولة، والذي يعتبره المزارعون بوضوح غير كافٍ، مقيد بالضرورة بمستويات العجز في الميزانية والمديونية الفرنسية، لا سيما وأن سعر الفائدة على السندات لأجل 10 سنوات قد دخل مرحلة صعود، في ظل الضغوط التضخمية. ولا يمثل اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في فرنسا فرصة مواتية لتعبئة جديدة للمزارعين، بل إن مثل هذه التعبئة لن تكون سوى تأجيلًا مؤقتًا.
وأخيرًا، وهذا هو الدرس الثالث الذي يجب أخذه في الاعتبار، تلقي الحرب في إيران بآثارها على القطاع الزراعي في الوقت الذي أطلقت فيه المفوضية الأوروبية المفاوضات حول الإطار المالي المتعدد السنوات (CFP) للفترة 2028-2034، الذي يتضمن إصلاحًا للسياسة الزراعية المشتركة (PAC) سمته تجريده من الموارد المالية التي لا غنى عنها للحفاظ على القدرة الإنتاجية للدول الأعضاء، ولا سيما فرنسا³. وفي حين أن الأمر لا يتعلق سوى باستعادة أشكال من الاستقلالية في إمدادات الاتحاد الأوروبي من الأسمدة والطاقة والبروتينات النباتية، فإن طموحات المفوضية في مجال الزراعة تقع في الطرف المقابل لما يجب تحقيقه، أي الحفاظ على ميزانية السياسة الزراعية المشتركة في أوقات الحروب هذه. إن التوترات الملموسة بالفعل داخل الاتحاد الأوروبي حول مسألة الإطار المالي المشترك (CFP) والميزانية المخصصة لسياسة الزراعة المشتركة (PAC) هي، إلى حد ما، انعكاس للتوترات القائمة بين أقسام رأس المال، حيث تخضع الزراعة لهيمنة الأقسام الأخرى التي تروم خفض التمويل المخصص للسياسة الزراعية المشتركة من أجل إعادة توجيهه بشكل أفضل نحو القطاعات الواعدة.
أما الدرس الأخير الذي يُقترح استخلاصه من التوترات الحالية في الشرق الأوسط فيتعلق بإمكانية حصول البلدان النامية على الأسمدة. باكستان، موزمبيق، الهند، إثيوبيا، مصر، بنغلاديش، كينيا… قائمة البلدان التي تعتمد على الأسمدة التي تعبر من مضيق هرمز طويلة بما يكفي لتثير تساؤلات حول قدرتها على إنتاج المحاصيل الزراعية في العام المقبل، مع العلم أن معظمها بعيد عن تحقيق الاكتفاء الغذائي الذاتي. كما أن الدول المطلة على مضيق هرمز (الإمارات العربية المتحدة، عُمان، قطر، البحرين، الكويت…) معرضة هي الأخرى لخطر انعدام الأمن الغذائي، حيث تتراوح وارداتها من المنتجات الزراعية والغذائية (القمح، الذرة، الشعير، السكر، الزيوت النباتية، الأرز) بين 22 و90 في المائة من إجمالي استهلاكها المحلي. وفي إيران، تسبب الصراع في ارتفاع حاد في معدلات التضخم، لا سيما بالنسبة للزيوت النباتية والخبز، وبدرجة أقل بالنسبة للدقيق. ولهذا السبب، نشرت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وصندوق النقد الدولي تقديراً بشأن احتمال تفاقم انعدام الأمن الغذائي في أعقاب الحرب في إيران. وقد يرتفع عدد الأشخاص المتضررين من الجوع بنحو 45 إلى 50 مليون شخص. وكان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، قد أعرب عن مخاوفه من ظهور «عواصف من المجاعات» عند اندلاع الحرب في أوكرانيا. وفي الواقع، لم تتحقق هذه المخاوف، وذلك بفضل وفرة العرض العالمي من الحبوب. فالإمدادات العالمية من الحبوب (الحبوب والزيوت) مرتفعة جدًّا منذ عام 2022، حيث تبلغ حوالي 2.4 مليار طن، منها أكثر من 800 مليون طن من القمح الطري وحده. علاوة على ذلك أصبحت أسعار الحبوب، قياسا بعام 2022، أقل بكثير منذ عام 2025، ما يخفض كلفة الواردات. لذا، من المناسب التطلع إلى عام 2027. ومن شأن نقص الأسمدة أن يؤدي إلى انخفاض الكميات المنتجة بسبب تراجع الغلة، حيث لا يمكن بالطبع تأجيل مواعيد البذر والحصاد4.
نحو اضطراب زراعي عالمي؟
تتمثل أول مميزات الحروب في أوكرانيا وإيران في كونها مدعومة بمعركة للسيطرة على المواد الخام، التي يصفها كثيرون الآن بأنها استراتيجية، سواء كانت متعلقة بالطاقة أو التعدين أو الزراعة. وهذا يدل على الاتجاه الذي اتخذته العولمة، التي كان من المفترض في الأصل أن تقود الدول الصناعية إلى مسار اقتصاد المعرفة، وهو مسار كان مصحوبًا باقتناع بأن الموارد الطبيعية أصبحت أقل أهميةً، حيث كان متوقعا حلول السلع التكنولوجية والمعلوماتية مكان المنتجات الصناعية. بعبارة أخرى، كان الإطار التحليلي الذي سمح بتحديد فوائد العولمة يحمل في طياته تصوراً مثالياً للرأسمالية. وفي ظل الصراعات الجارية وتداعياتها على الاقتصادات، ولا سيما على القطاع الزراعي والأمن الغذائي، يتعين إعادة تبني نهج يراعي اقتصاد الصراع وعلاقات القوة. بالنظر إلى الحروب المتتالية منذ عدة سنوات، التي كانت محلية في البداية ثم اتسع نطاقها لاحقًا، كان هذا الخطاب أقرب إلى الخطابة منه إلى واقع الرأسمالية العالمية⁵. في الواقع، ما تعبر عنه الفترة الحالية هو استحالة مواصلة تراكم رأس المال دون تدفق المواد الخام. وبطريقة ما، فإن الخريطة الحالية للعلاقات الدولية تذكرنا بتلك التي سادت إبان الحرب العالمية الأولى، كما أشار لينين في نصه «الإمبريالية، أعلى مراحل الرأسمالية»، المنشور في عام 1916. وعلى نفس المنوال، كان هيلفردينغ قد أشار إلى أن التحولات التي حدثت في أواخر القرن التاسع عشر أدت، في رأيه، إلى ظهور التنافسات، ثم إلى الصدام بين الدول منذ مطلع القرن التالي، سواء على الصعيد التجاري أو التكنولوجي⁶. ومع الحرب في إيران، جلي أن مرحلة جديدة قد بدأت. وهي تتعلق بدينامية «إضفاء طابع بحري» على تجارة السلع، التي يعرقلها إغلاق مضيق هرمز وبعض الهجمات التي تشنها إيران على السفن أو البنى التحتية النفطية أو وحدات إنتاج الأسمدة. وكنا قد شهدنا لمحة عن هذه العقبات في بداية الحرب في أوكرانيا، مع إغلاق الموانئ الأوكرانية، ولا سيما ميناء أوديسا، ما منع حركة السفن المحملة بالحبوب من التوجه نحو ذلك المضيق الاستراتيجي الآخر، مضيق البوسفور، الذي يفتح الطريق إلى البحر الأبيض المتوسط، حيث تتألف ضفته الجنوبية من دول تعتمد بشكل كبير على الخارج في إمداداتها الغذائية. أما في حالة مضيق هرمز، فإن جزءًا كبيرًا من آسيا يرى إمداداته من المواد الخام معرضة للخطر بسبب السيطرة المزدوجة التي تمارسها الأطراف المتحاربة. وتعتمد الصين في المقام الأول اعتمادًا حاسمًا على مضيق هرمز لتلبية حاجاتها من السلع الأساسية. ولهذا السبب، يكتسي التحالف مع روسيا أهمية حاسمة بالنسبة لبكين، التي جعل هوسُها بالاستقرار السياسي والاجتماعي الداخلي من الزراعة أولوية في أجندة الحزب الشيوعي الصيني.
لم تكتفِ روسيا بنقل مواردها العسكرية إلى أوكرانيا فحسب، بل حشدت أيضًا نفطها وغازها وأسمدتها (خاصة اليوريا التي تعد من أكبر منتجيها) وقطاعها الزراعي، لتدخل في صفوف كبار المصدرين العالميين. وفيما يتعلق بالأسمدة، وضعت روسيا نفسها في موقع المورد الرئيسي لليوريا، كما فعلت مع القمح الطري، ما أتاح لها أداء دور حاسم في الأمن الغذائي العالمي. وهكذا، فإن الحرب في إيران، التي يتمثل أبرز جوانبها في إغلاق مضيق هرمز، توفر للاتحاد الروسي فرصة إضافية لتأكيد وجوده على الساحة الزراعية العالمية.
وإذا ما شهدت مجموعة من البلدان النامية، الأفريقية على سبيل المثال، انكماشاً في إنتاجها بسبب نقص الأسمدة، فسيكون رد فعلها التلقائي هو التوجه إلى موسكو لاستيراد المنتجات الزراعية اللازمة لإعالة السكان المحليين. على النقيض من ذلك، كان من الممكن أن نعتقد أن البرازيل ستستغل الفوضى العالمية السائدة للاستحواذ على حصص سوق جديدة. وبما أن البرازيل تعتمد بشكل كبير على الخارج في توفير الأسمدة، وعلى دول الخليج كأسواق لمنتجاتها الزراعية والغذائية (حيث يتم تصدير الدجاج ولحم البقر والسكر والذرة وفول الصويا إلى المملكة العربية السعودية أو الإمارات العربية المتحدة)، فلا يمكن للبرازيل أن تدعي جني جميع المكاسب الاقتصادية والزراعية من الصراع الدائر في إيران والمناطق المحيطة بها. وفي المقابل، إذا كان بإمكان روسيا الاستفادة من التوتر العسكري والدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران في مجالات الطاقة والزراعة والأسمدة، فإنها غير قادرة على تجنب بعض المخاطر. فهي تظل في الواقع عرضة للمخاطر فيما يتعلق بالبذور (للذرة وعباد الشمس والبنجر السكري، التي تعد روسيا أكبر منتج لها على صعيد العالم)، على الرغم من أنها استثمرت في السنوات القليلة الماضية لتعزيز هذا القطاع وتخفيف القيود على إمداداتها⁷. وبالتالي، فإن الصراع في إيران يختلف اختلافاً جوهرياً عن الصراع في أوكرانيا. فهذا الأخير يضع عملاقين زراعيين في مواجهة بعضهما، في حين أن الحرب في إيران تتعلق بشكل أكبر بمنتجي ومصدري الأسمدة وتؤثر على مستخدمي هذه المدخلات. وبعد انخفاضها في بداية الصراع، اتخذت الصادرات الروسية من الأسمدة مسارات بحرية بديلة – لا سيما عبر الهند – لنقل الأسمدة، ما أدى إلى استعادة مستويات حجم الصادرات في عام 2023⁸. وفي حال امتد الصراع لفترة طويلة نسبيًا – عدة سنوات – فسوف نشهد تجزئة للمسارات اللوجستية حول مضيق هرمز، الأمر الذي سيؤدي، من خلال إعادة هيكلة التدفقات التجارية التي ستنجم عنها، إلى انتشار انعدام الأمن الغذائي على نطاق واسع، وهو ما قد تستفيد منه روسيا بصفتها أكبر مصدر عالمي للقمح الطري. وعلى صعيد التحولات الطاقية والبيئية، ستكون تجزئة المسارات اللوجستية، مقترنةً بمعركة اندلعت على الأسمدة والهيدروكربونات، رافعة قوية لتكثيف عملية إزالة الكربون من الاقتصادات، من خلال الدفع نحو الاستخدام المكثف للمحاصيل (الذرة، واللفت، والبنجر، وحتى القمح) في الإنتاج غير الغذائي، أي في مجال الطاقة على وجه الأولوية. وسيصبح إنتاج الوقود الحيوي هو الغالب في القطاع الزراعي. ومن ثم، فإن إحدى النتائج الحاسمة ستكون ندرة السلع الزراعية والغذائية، ما سيؤدي تدريجيًا إلى ارتفاع حاد في أسعار المنتجات الزراعية والغذائية، الأمر الذي سيضر بالسكان وميزانيات الدول. وبالتالي، يمكن قراءة الحرب في إيران على أنها تأكيد لمنافسة محتملة، ونظام من التنافسات الاستحواذية، من أجل السيطرة على الكتلة الحيوية.
***
إن الصراعين في أوكرانيا وإيران، اللذين سبقتهما الأزمة الاقتصادية والمالية في 2007-2008 التي ارتفعت خلالها أسعار المنتجات الزراعية والغذائية بشكل حاد، وأدت في الوقت نفسه في عام 2011 إلى اندلاع صدمات سياسية في الدول العربية، لهما نتيجة فعلية تتمثل في إعادة تشكيل ميزان القوى على الساحة الزراعية العالمية. إن تتابع النزاعات التجارية — لا سيما تلك المتعلقة بالرسوم الجمركية — والنزاعات العسكرية والتوترات الجيوسياسية، ينطوي على تراكم الاضطرابات في النظم الغذائية في العديد من البلدان، وعلى تهديد بتصاعد انعدام الأمن الغذائي العالمي، الذي قد تنشأ عنه حروب أخرى. الحصول على الغذاء، والتدفئة، والتنقل…، هي شروط مادية للوجود تظل أساسية في الرأسمالية العالمية، لكنها تبدو متضررة بشدة من جراء الصراعات والحروب التي يحملها في طياته ويشعلها.
تييري بوش
ترجمة: موقع شبكة سيادة
- تُرجم هذا المقال عن الفرنسية. للرجوع للنص الأصلي: اضغط\ي هنا
Même dans le cadre de l’UE, le Pacte Vert n’est plus vraiment considéré comme une priorité, en dépit des
propos de la Présidente de la Commission européenne. Voir par exemple J.-M. Aubert (2024), « De la ‘ferme à la
table’ : raisons de l’échec et comment rebondir ? », L’économie politique, numéro 101, février-mars-avril, p. 73
82.
Keynes, John M. (1933), « National Self-Sufficiency », The New Statesman and Nation, in J. M. Keynes, La
pauvreté dans l’abondance, textes réunis et traduits par L. Cordonnier, T. Demals, L. Duchêne, H. Philipon,
N. Postel et F. Van de Velde, Paris, éditions Gallimard, coll. « Tel », p. 197-212.
En l’état actuel des discussions, le budget de la PAC diminuerait d’environ 15 à 20 %, passant de 386 milliards
dans le CFP 2021-2027, à 294 milliards sur la période 2028-2034. Une donnée à prendre avec précaution, dans la
mesure où le processus de réforme de la PAC fera l’objet, comme à chaque fois, d’un processus de trilogue entre
la Commission, le parlement et le Conseil.
Cf. FAO (2026), « Global Agri Food Implications of the 2026 Conflict in the Middle East », FAO, Information
Note, 15 March 2026.
Consulter l’ouvrage, en quelque sorte visionnaire, de Boyer, Robert (1984), Une théorie du capitalisme est-elle
possible ? Paris, éditions Odile Jacob, voir également, du même auteur, « Une grande théorie est-elle encore
possible ? », Revue de philosophie économique, volume 24, numéro 2, 2023, p. 213-236.
6Voir Hilferding, Rudolf (1910), Le capitalisme financier, archives marxistes www.marxists.org (consulté le 15
mai 2026)
Lire Abis, Sébastien et Pouch, Thierry (2023), Géopolitique du sucre, Paris, éditions IRIS.
8Lire Arita, Shawn et Glauber, Joseph (2026), « Will the Iran Crisis Lead to another Round of Food Spikes ? »,
IFPRI Blog Post, April 7th.

