أين أسماؤهنّ؟
انقلاب شاحنة في سيدي بوزيد يسفر عن وفاة عاملةٍ فلاحيّة وإصابة حوالي 30 أخريات بجروح متفاوتة الخطورة[1]… مجزرةٌ أخرى تذهب ضحيّتها أكثر من 15 عاملةٍ فلاحيّة في معتمدية السّبّالة[2]… توفّيت 3 عاملات فلاحيّات وأصيبت أكثر من 20 في منطقة دار السّلام[3]… وفاة امرأةٍ وإصابة 10 أخريات في باجة في حادث انقلاب سيّارة استُعملت لنقل العاملات الفلاحيّات[4]…
لم تُكلّل عمليّة البحث التي قمت بها بإيجاد أسماء العاملات… وكأنهنّ أرقام وحسب. بل إنهنّ لسن حتّى أرقامًا ولا يحتسبن في السّجلّات الرّسميّة للدّولة. هكذا هنّ نساء وُلِدن في الهامش وقَضين في الهامش. نساءٌ ذهبت أرواحهنّ ثمنا لتأمين حياتك عبر تزويدك بالخضراوات التي غالبًا ما ستتركها تتعفّن في ثلّاجتك بسبب نمط حياتك المتسارع وضيق الوقت. نساءٌ مرصوصاتٌ في صندوق “الأيسوزو”[5] المهترئة التي لا تصلح حتّى لنقل البضائع.
“40 مرا فوق بعضنا كالشّياه” هكذا حدّثتني خالتي جميلة العاملة الفلاحيّة بجبنيانة، يتزاحمن فيها بلا أحزمة بلا مقاعد وبلا تأمين. وهو ما أدّى قطعًا إلى تسجيل حوالي 87 حادثًا منذ سنة 2015 مخلّفًا وفاة 65 ضحيّة وإصابة 955 عاملة بجروحٍ متفاوتة[6].
ومع تكرّر مشاهد الجثث الملقاة على قارعة الطّريق بثياب بالية داكنة قديمة، متّسّخة لا أثر فيها للأوشحة الملوّنة التي نراها في التّلفاز عند محاولة مساندتهنّ، تنهال التّعليقات الرّسميّة والإعلاميّة حول “ضرورة تشديد الرّقابة” و”توفير نقل آمن” لكنّ هذه القراءة السّطحيّة تحجب البنية السّوسيو-اقتصاديّة العميقة التي تنتج هذه المأساة. فالموت هنا ليس “حادثًا” بل نتيجة حتميّة لنموذج تنمويّ قائم على استغلال ممنهج لليد العاملة النّسائيّة ليعيد إنتاج أشكال استغلال بدائيّة رأسماليّة طرفيّة تابعة تتغذّى على إفقار الرّيف. ونقصد بالمسار البدائي مجموعة محدودة من الأشخاص يشترون قوة عمل مجموعة أوسع لتحقيق أرباح ويملكون سلطة التّحكّم بكلّ الشّبكة.
تحوّل الفلاحة العائليّة إلى مجرّد وحدة لإعادة إنتاج قوّة العمل
لم تسلم الفلاحة كغيرها من القطاعات من اختراق رأس المال لها، اختراق سيجعل من أشكال الإنتاج والملكيّة القديمة غير قابلة للاستمرار ويخلق ضرورة ولادة أشكال جديدة، وهو لا يعني آليًّا اختفاء صغار الفلّاحين بل تحوّل وضعيّتهم الاجتماعيّة والاقتصاديّة.
إذ يرى كارل كاوتسكي في مؤلّفه الكلاسيكي “المسألة الزراعيّة: دراسة توجهات الفلاحة الحديثة”[7] أن عمليّة فصل الفلّاحين عن وسائل إنتاجهم امتداد طبيعي لما حدث في القطاع الصّناعي خلال مرحلة التّراكم البدائي لرأس المال. يرصد كاوتسكي كيف أن تغلغل العلاقات الرأسماليّة في الرّيف لم يكن عمليّة آنيّة، بل تدريجيّة ومتعدّدة الأبعاد، بدأت مع تطوّر الصّناعة والأسواق الحضريّة التي أحدثت ضغطًا متزايدًا على الاقتصاد الفلاحي التقليدي. فالزّراعة الرأسماليّة الكبيرة، المسلّحة بترسانة الآلات الحديثة والتّقنيات العلميّة والقدرة على استثمار رؤوس أموال ضخمة، دخلت في منافسة غير متكافئة مع الملكيّات الفلاحيّة الصّغيرة التي ظلّت أسيرة أساليب الإنتاج التقليديّة ومحدوديّة الموارد. وتفاقمت هذه المنافسة مع اندماج الأسواق الزراعيّة في الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت أسعار الحبوب والمنتجات الزراعيّة تتحدّد في بورصات بعيدة عن سيطرة الفلّاح الصّغير. ولمواجهة هذا الوضع، اضطرّ الفلّاحون إلى الاقتراض لشراء الآلات والأسمدة الكيميائيّة والبذور المحسّنة، مما أوقعهم في شباك الدّائنين والمرابين والبنوك، فتراكمت عليهم الديون حتّى غدت الأرض نفسها رهينة لدى رأس المال. وعندما عجزوا عن سدادها، فقدوا ملكيّتهم تدريجيًّا، إما بالبيع القسري أو بالمزادات العلنيّة، ليتحوّلوا من مالكين صغار إلى مستأجرين، أو إلى عمال زراعيّين بأجور زهيدة في المزارع الكبيرة التي استحوذت على أراضيهم. وحتّى من احتفظ بملكيّته الصّوريّة للأرض، فإنه يفقد استقلاليّته الفعليّة، إذ يصبح خاضعًا لسلاسل الإمداد الرأسماليّة في شراء مدخلات الإنتاج ولشبكات التّوزيع التجاري في تسويق منتجاته. وهكذا، يخلص كاوتسكي إلى أن مصير صغار الفلّاحين في ظلّ الرأسماليّة محسوم: إمّا أن يتحوّلوا إلى بروليتاريا فلاحيّة مفصولة كلّيًّا عن وسائل الإنتاج لا تملك سوى بيع قوّة عملها، أو يد مأجورة متضخّمة في المدن لتغذية الجيش الصّناعي الاحتياطي. وفي كلتا الحالتين تتركز الملكيّة بين أيدي طبقة رأسماليّة تستثمر الأرض كأي سلعة أخرى، وتدير الإنتاج الفلاحي وفق منطق الربح والتراكم، مكملة بذلك دائرة إخضاع الطبيعة والإنسان لمنطق رأس المال.
هذا التّحول الذي يمثّل قطيعة جوهريّة في علاقات الإنتاج أفضى إلى انسحاب الفلّاح الصّغير من حلبة المنافسة مع المستثمر الكبير، ليجد نفسه في موقع التّبعيّة، حيث بات يوفر له اليد العاملة الرخيصة ويُشكّل سوقًا استهلاكيّة لمنتجاته، وأعاد هيكلة الأسرة الفلاحيّة بأكملها بما فيها دور المرأة التي أجبرت على الانتقال من العمل العائلي حيث كانت تمارس عملًا داخل الوحدة العائليّة الإنتاجيّة، عمل غير مرئي وغير مأجور لكنّه حيويّ لبقاء الأسرة ولاستمرار عمليّة الإنتاج، إلى العمل المأجور في ظروف استغلال رأسمالي صريح. صاحب ذلك انقطاع عن الارتباط بالأرض والدّورة الإنتاجيّة الكاملة لصالح عمل موسميّ يُقلّص المرأة إلى يد عاملة رخيصة قابلة للاستبدال. وبالتّالي، تحوّلت من استقلاليّة نسبيّة إلى تبعيّة مضاعفة للفلّاح الكبير، للوسيط، وأخيرًا لمنطق السّوق العالميّة.
يصل عدد النساء اللّواتي يشتغلن في القطاع الفلاحي في تونس اليوم إلى 83%[8]. وهذا التّأنيث الشّامل للعمل الفلاحي المأجور ليس حكرًا على تونس بل هي ظاهرة ما فتئت تتفاقم في بلدان الجنوب بما أن صغار الفلّاحين لم يعد بإمكانهم تلبية احتياجاتهم باستغلال أراضيهم. وهو ما فرض على المزارعين تقسيمًا جديدًا للعمل داخل العائلة حيث يتوجّب على الرّجال ممارسة عدّة أعمال مأجورة سواء في قطاع الفلاحة أو في قطاعات غير مهيكلة على غرار البناء والطّلاء… والمرأة تعمل كأجيرة إذ تساهم النّساء في الأرياف التّونسيّة بـ57.9% من دخل العائلة[9]. كما أنّ المشغّلين يفضّلون تشغيل النّساء مفترضين أنهنّ أكثر طاعة وبأجور تعتبر “تكميليّة” للأسرة ممّا يبرّر الأجور الأقلّ من الرّجال فالرّجل هو “المعيل الأساسي”.
ما وراء الحادثة: العاملات الفلاحيّات ضحايا قرنان من سياسات التّبعيّة الفلاحيّة
تزداد الأزمة التي تعيشها العاملات الفلاحيّات عمقًا نتيجة مسار طويل من التّحوّلات التي كبّلت القطاع الفلاحي بتبعيّة هي حصيلة قرابة قرنين من السّياسات الرّأسماليّة التي تفقر صغار الفلّاحين. ويمكن تقسيمها إلى ثلاث مراحل: السّياسات الفلاحيّة الاستعماريّة التي أُرسيت عبر مفهوم السّجلّ العقاري منذ سنة 1885 الذي سهّل خصخصة الأراضي الجماعيّة غير القابلة للتّقسيم، أي انتزاع وسائل إنتاج متوسّطي وصغار الفلّاحين مقابل تمكين المستوطنين من الاستحواذ على الأراضي الأكثر إنتاجيّة وتحويلها إلى مستغلّات استعماريّة رأسماليّة شاسعة. وكذلك عبر تطوير المعاملات العقاريّة وآليات الاقتراض. وهكذا أدخل رأس المال الفلاحي تغييرات هيكليّة على ظروف وأشكال الإنتاج بتحوّل النّشاط الزراعي من منظومة محلّيّة تقليديّة تقوم على الملكيّات الجماعيّة والعمل العائلي والاكتفاء الذاتي، إلى مستغلّات فلاحيّة كبيرة وعصريّة وفرض إنتاج محاصيل بعينها بهدف تلبية احتياجات السّوق الفرنسيّة.
كما سرّعت لاحقًا أزمة الثلاثينيّات الاقتصاديّة، التي ضربت قطاعي الفلاحة والمناجم، من وتيرة هذه التحولات. كانت هذه الأزمة امتدادًا للكساد الكبير الذي اجتاح العالم إثر انهيار بورصة وول ستريت عام 1929، وقد تفاقمت حدّتها في تونس بفعل خضوعها للاحتلال الفرنسي الذي ربط اقتصادها ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد الفرنسي والأوروبي المتأزّم. أدى ذلك إلى انهيار حاد في الأسعار وتقلّص ملحوظ في الأسواق، مما عجّل بالمسارات المعقّدة لانتزاع الأراضي لفائدة كبار المستغلّين سواء كانوا أجانب أو تونسيين.
ولم يتحسّن الوضع بعد الاستقلال فقد وجدت البلاد التّونسيّة نفسها سنة 1957 إزاء قطاع فلاحيّ تتوجّه 60% من أنشطته للتّصدير[10].
ورغم ذلك استمرّت الفلاحة الاستعماريّة من خلال السّياسات النّيوكولونياليّة بدءًا بالإصلاح العقاري الفلاحي عبر مسار استرجاع ملكيّات المعمّرين الواسعة وتحويلها إلى أراضٍ بيد الدّولة، بدل إرجاعها إلى أصحابها الأصليين، لتعيد إنتاج علاقات التبعيّة الطبقيّة التي كان يفرضها رأس المال الكولونيالي، لكن في صيغة جديدة قوامها مركزيّة الدولة وسيطرتها البيروقراطيّة على الأرض والعمل والقرار الفلاحي. بالتّوازي مع الثّورة الخضراء حين اعتمدت البلاد تقنيات زراعيّة جديدة تعتمد على المكننة، البذور المحسّنة، الري المكثّف، والأسمدة وهي أداةً لتعزيز سيطرة الرأسماليّة على الأرض والمنتج الفلاحي، إذ تعطي الأولويّة للربح، تكثيف الإنتاج، وتوحيد الملكيّة الزراعيّة على حساب العدالة الاجتماعيّة. ومن ثمّ عبر توسيع مساحة المستغلّات السّقويّة من خلال تعبئة الموارد المائيّة كشرط ضروري لتكثيف الإنتاج لتجاوز قلّة التّساقطات وعدم انتظامها.
ولاحقًا بنموذجين مختلفين لتنظيم أشكال وعلاقات الإنتاج يهدفان إلى تحقيق النّجاعة والرّبحيّة ولا يراعيان خصوصيّات التّنظيم الاجتماعي أوّلاً من خلال تجربة قصيرة نسبيًّا هي تجربة التعاضد[11] المسقطة من 1964 إلى 1969 التي أفضت بدورها إلى انتزاع عدد كبير من الأراضي والضّيعات الفلاحيّة بما أن امتصاص طبقة صغار الفلّاحين كان شرطًا أساسيًّا لما كان يكتنفها من “تخلّف” و”عدم مواكبة للأهداف الوطنيّة”.
وعندما أُجبر أصحاب المساحات الصّغيرة على الانخراط في التعاضديات قاموا ببيع وسائل الإنتاج التي يملكونها من حيوانات وآلات… وعند فشل تجربة التعاضد واسترداد أراضيهم اضطر أغلبهم للاستدانة لشراء وسائل إنتاج جديدة وهكذا فُتح طريق سلب الأراضي على مصراعيه. فبحكم تراكم ديونهم لدى كبار مالكي الأراضي وجدوا أنفسهم مضطرّين للتّفريط فيها لهم والعمل فيها “كخمّاسة” أو “كبروليتاريا فلاحيّة” في حقولهم.
وصولاً إلى التّوجّه النيوليبرالي للسّياسات وربط فلاحتنا بالسّوق العالميّة ونظام الغذاء العالمي. وهذا التّغيير سيترجم عبر الانتقال من مفهوم الاكتفاء الذّاتي الغذائي إلى مفهوم الأمن الغذائي المنصوص عليه في الوثائق الحكوميّة الرّسميّة وبشكل أخصّ في المخطّطات الخماسيّة ابتداء من أواخر سنوات 1970[12].حيث بدأت الدّولة تتخلّى عن مفهوم السّيادة لصالح التكلفة، فمثلاً أصبحت تعتبر أن استيراد الحبوب (أساسًا القمح اللين) والسكر وعدة مواد أخرى يكلف أقل من إنتاجها في تونس. ثمّ المصادقة على برامج الإصلاح الهيكلي سنة 1986.
واليوم عبر انتصار فلاحة الأعمال[13] التي تتمظهر من خلال تنامي الفلاحة المكثّفة الموجّهة للتّصدير التي يتحكّم فيها عدد محدود من كبار المالكين والمستثمرين الذين ينتجون بهدف تنمية أرباحهم ومراكمة رأس المال. فلا يتجاوز عدد المستغلّين الذين يملكون أكثر من 20 هكتارًا 10.9% من مجمل المستغلّين لكنّهم يمتلكون 56.6% من جملة مساحة الأراضي الفلاحيّة[14] .
الطّريق إلى العمل تمرّ عبر الوسيط
يفرز كلّ تحوّل في نمط الإنتاج فئات اجتماعيّة جديدة تستحوذ على جزء من فائض القيمة[15]، وفي الحالة التونسيّة، برز الوسيط كفاعل لا غنى عنه في سلسلة الاستغلال الجديدة.
“الوسيط يصب الزّيت في الكميونة باش إحنا ما نقعدوش وتهزّ أكثر، ومانوصلوا للخدمة كان ما فمّا بلايص زرق في بدوناتنا من الدّزّان”[16] هكذا واصلت خالتي جميلة الحديث.
هذا الفاعل، المعروف في الأرياف بـ”مولا الكميونة”، لا يقتصر دوره على نقل العاملات الفلاحيات، بل يشكّل حلقة محوريّة في علاقات الإنتاج الرأسمالي الفلاحي، حيث يربط بين أصحاب الضيعات والعاملات في نظام يقوم على الاستغلال والوساطة غير المنظّمة.
إذ إنّ وظيفته متعدّدة الأبعاد فهو أوّلاً يورّد اليد العاملة الرّخيصة من خلال تأمين الفلّاح احتياجاته من العمالة وتوزيع النّساء على الحقول وهو ما يعفي الفلّاح من تحمّل أيّ مسؤوليّة قانونيّة أو اجتماعيّة مباشرة تجاههنّ. ثانيًا، يتوسّط في عمليّة دفع الأجور وفق آليّة تعزّز سلطته: بعد أن يسلّمه الفلّاح أجرة العمل في أرضه يقتطع منها ثمن النّقل الذي يرتضيه ويسلّم الباقي للنّساء فيما لا يعلمن تحديدًا كم ناوله الفلاّح. مما ينشئ علاقة دين وتبعيّة مع العاملات.
والأهمّ من ذلك أنّه يحتكر المعلومة والشبكة فهو وحده يعرف مواقع العمل ويملك العلاقات مع أصحاب الضّيعات، مما يعمّق اختلال ميزان القوّة لصالحه. فالمعادلة بسيطة: من يملك المعلومة يملك السّلطة. وينتج عن هذه البنية استغلالًا مضاعفًا: فبينما يستغلّ الفلّاح عمل النساء يستغل الوسيط وضعيّتهنّ الهشّة ليدير بذلك منظومة هشاشة متكاملة، مستفيدًا من عدم وجود بدائل أمام النساء لا أراضٍ لا نقل عمومي لا فرص محلّيّة مقابل أفواه فارغة في البيت تنتظر إطعامها.
ولهذا السّبب تحديدًا المشكل أعمق من مجرّد توفير النّقل الآمن فحتّى لو وفّرنا النقل كيف نؤمّن العمل؟ وعليه يصبح واضحًا أن النّقل غير الآمن ليس “مخالفة فرديّة للقانون” يمكن معالجتها بمزيد من الرّقابة، بل هو ضرورة بنيويّة نابعة من أن احترام القانون يعني حتمًا انهيار النّموذج الاقتصادي برمّته. فوسائل نقل “الموت الجماعي” هذه ليست خللًا في النّظام بل هي شرط استمراره، لأن توفير نقل آمن سيرفع التّكلفة بشكل يهدّد هوامش ربح المستثمر والوسيط على حدّ سواء وبالتّالي تصبح أجساد النّساء هي الثّمن المقبول لاستمرار هذا النّظام. فالأرض والإنسان سلع تُطرح في السّوق. وتُفرض هذه السّياسات بالعنف الرّسمي فالجهاز القمعي يتماهى مع الجهاز الإيديولوجي.
الدّولة بين الغياب والحضور الانتقائي
في الحقيقة تغيب الدّولة تمامًا عن أدوارها الحمائيّة فلا ضمان اجتماعي للعاملات الموسميّات ولا تطبيق لقوانين العمل ولا حتّى بنية تحتيّة عموميّة للنّقل الرّيفي تمكّن النّساء من الوصول إلى أماكن عملهنّ بأمان.
وهذا الغياب خيار سياسي اقتصادي يعكس تواطؤ الدّولة مع نموذج الفلاحة التّصديريّة الذي يقوم على تقليص التّكاليف عبر الاستغلال المكثّف لليد العاملة النّسائيّة. لكن هذا الغياب ليس مطلقًا، فنفس هذه الدّولة تحضر بقوّة في بعدها القمعي من خلال تجسّدها في البوليس الذي يستوقف الوسيط ليدعه يمرّ بعد استلام ورقة نقديّة زرقاء رغم أن هذا الأخير ينتقل عبر مسالك فلاحيّة عادة بعيدة عن الدّوريّات الأمنيّة تعزّزها افتقار المناطق الفلاحيّة إلى المسالك المعبّدة ووصول وسائل النّقل إليها. هذه “الرّشوة البنيويّة” مدمجة في التّكلفة فالوسيط يدرجها في حساباته ويخصمها من أجور العاملات. بهذا المعنى يغدو البوليس شريكًا في الاستغلال يقتات من النّظام دون أن يتحمّل مسؤوليّة سلامة العاملات، كاشفًا في الوقت نفسه عن تواطؤ الدّولة في عمليّة تشحيم عجلات التّراكم الرّأسمالي على حساب الفئات الأكثر هشاشة. وعند كلّ حادث تسرع بتقديم التّصريحات الرّسميّة عن التّحقيق والمحاسبة وتشديد الرّقابة على المخالفين ملقيةً باللّوم على الوسيط الفرد، دون المسّ بالبنية.
ثمّ… بصمت منهجيّ، تعود الأمور إلى طبيعتها. وتُستأنف هذه الدّورة التي تُعيد إنتاج الوضع القائم، مانحةً الانطباع بأن الدّولة تتحرّك، بينما هي في الواقع تطبّع الاستغلال وتديره.
أشكال المقاومة: من الصمود اليومي إلى التّنظّم الجماعي
رغم تقاطع أشكال الاضطهاد، ما فتئت العاملات الفلاحيّات يُقاومن بأشكال متعددة يأتي في مقدّمتها الصّمود اليوميّ، إذ يواصلن العمل رغم الظّروف القاسية كشكلٍ من رفض الاستسلام وإصرار على البقاء.
كما تتبدّى المقاومة في تضامن العاملات فيما بينهنّ، فنلاحظ المساعدة المتبادلة، تقاسم الطعام… بل وحتّى الدّعم المالي. “حتّى كان وحدة فينا تستحق تمشي للصّبيطار نلمّو بالخمسلاف بالألفين بينات بعضنا باش تمشي تداوي”[17] هكذا واصلت خالتي جميلة، وقد ارتسمت على وجهها المتعب ابتسامة خفيفة تُخفي وراءها فخرًا عميقًا بهذه الأخوّة التي ولدت من رحم المعاناة.
وتمتدّ المقاومة لتشمل الذّاكرة والرواية عبر تناقل الحكايات عن الاستغلال والحوادث والظّلم، ذاكرة مقاومة تحفظ تاريخ المعاناة وتُشكّل أرضيّة لوعي جماعيّ يغذّي النّضال المستقبليّ.
فضلاً عن ذلك الحركات الاحتجاجيّة التي تعود جذورها إلى تنظّم العاملات الفلاحيّات إثر حادثة “السّبّالة” عام 2019، حين توفي أكثر من 15 عاملاً وعاملة في حادث سيرٍ مروّعٍ، ما أشعل موجة احتجاجات انتهت بتأسيس “أصوات عاملات الفلاحة”، أول حراك نسويّ تقوده العاملات أنفسهن دون وصاية حزبيّة أو نقابيّة[18]. وكان هذا الحادث سببًا في التعجيل بالمصادقة على القانون 51 لسنة 2019 المتعلق باستحداث نوع نقل خاص بعاملات وعمال القطاع الفلاحي ولكنّ الحوادث لم تتوقّف رغم وجوده.
وتنظّمن لاحقًا في احتجاجات محلّيّة قادتها عاملات جبنيانة في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2021[19] إثر رصّ صفوف رفيقاتهنّ في ولايتي القيروان وسيدي بوزيد. تُوِّجت هذه النّضالات عقب ذلك بتأسيس أول نقابة أساسيّة للعاملات الفلاحيّات بسيدي بوزيد في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2021.
في أكتوبر/تشرين الأول 2024، صدر المرسوم عدد 4 لسنة 2024 المتعلّق بنظام الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات. وكان من المفترض أن يُحدث صندوقًا للحماية الاجتماعية، ويُؤطّر النقل الفلاحي الآمن، ويوسّع دائرة المستفيدات من التغطية الاجتماعية. ومع ذلك، لم يتغير شيء على أرض الواقع فهو غير مفعّل بسبب غياب النّصوص التطبيقيّة وانعدام الإرادة السياسيّة. فتواصلت نضالات النساء، حيث شهدت السّنوات الأخيرة نقلة نوعية في أساليب التّنظّم تمثلت في مشاركتهنّ في احتجاجات مركزية في تونس العاصمة، وإطلاق عريضة وطنية من أجل الاعتراف بمهنتهنّ بمساندة من المنظمات النسوية والمدنية وعقد المؤتمرات لتسليط الضّوء على قضيّتهنّ…
لكنّ هذه المقاومات على أهميتها تبقى محدودة التّأثير بسبب كونها فرديّة أو محلّيّة وتفتقر إلى تنظيم جماعي دائم يُمكّنها من مواجهة المنظومة بشكل فعّال. وعليه، فإن ضعف هذه البنية التّنظيميّة يجعلها أكثر عرضة للاستغلال من قبل القوى الاقتصاديّة الكبرى والأنظمة الإقطاعيّة الحديثة.
من تونس إلى الوطن العربي: حقولنا واحدة، نضالنا واحد
معاناة العاملات الفلاحيّات في تونس ليست معزولة بل هي جزء من بنية إقليميّة للاستغلال وتتقاطع مع شبيهاتهنّ في المغرب العربي وفي المشرق باعتبارها كلّها دولٌ تابعةٌ تسهّل الاستغلال ضمن اندماجها في الاقتصاد العالمي.
ويترجم ذلك جليًّا في سلاسل غذائيّة عالميّة تقوم على استخراج القيمة من الجنوب عبر العمالة الرّخيصة واستنزاف أخصب الأراضي والموارد المائيّة لإنتاج محاصيل زراعيّة ذات “ميزات تفاضليّة” في السّوق العالمي بما يخدم تراكم الثّروة في الشّمال نظرًا لأن القيمة الكبرى تتراكم في مراحل التّحويل، التّعليب، التّوزيع والبيع في الأسواق الأوروبيّة حيث تباع نفس الطّماطم بعشرات الأضعاف، في المقابل، تُخلِّف هذه الفلاحة كأثر جانبيّ لها، تدميرًا بيئيًا واجتماعيًا يطال نسيج المجتمعات الريفيّة نفسها، فيفككها ويُفقِرها[20].
والمفارقة أن هؤلاء العاملات الفلاحيّات ينتجن غذاءً لا يأكلنه (موجّه للتّصدير) بينما تستورد بلدانهنّ الغذاء الأساسي (حبوب/زيوت). وتتعمّق هذه المفارقة بالدّيون والاملاءات وسياسات البنك العالمي وصندوق النّقد.
لذلك يصبح فكّ الارتباط بين الإنتاج وسلاسل التّوزيع العالميّة أمرًا حتميًّا ومن هنا يغدو التّشبيك وربط النّضالات ضرورةً ملحّةً لتحقيق هذا الهدف، وذلك من خلال نسج شبكات إقليمية للعاملات الفلاحيّات تتيح تبادل الخبرات في مجالات التّعبئة والاستراتيجيات والمقاومة.
مسارات الاستعادة: التّحوّل البنيوي
إن الحلول الإصلاحيّة التّقليديّة من تشديد الرّقابة، معاقبة الوسطاء أو حتّى توفير نقل آمن هي حلول قاصرة لكونها تعالج الأعراض من دون المسّ بالبنية إذ أنها تحمّل الأفراد المسؤوليّة بينما تبرّئ النّظام الذي خلق هذه الدّورة. المطلوب هو إصلاح فلاحي جذري يبدأ بالتّساؤل عن نمط الإنتاج الذي نريده. هل فلاحة تصديريّة تنتج الفراولة للتّصدير بينما تنتج البؤس والموت لمنتجيها أم نسعى لنموذج بديل بحفظ كرامة الإنسان ويحقّق السّيادة الغذائيّة؟
يبدأ هذا النّموذج البديل بالاعتراف وإدراج المهنة في بطاقة التّعريف الوطنيّة “كيفاه المهنة لا شيء ونحنا كل شي” هكذا تساءلتا عينا خالتي جميلة الخضراوتان اللّتان تحملان في ملامحهما المتعبة سنينًا من الكدح المنسيّ.
ثمّ بتمكين النّساء من حقّهنّ في النّفاذ إلى الأرض ودعم الفلاحة العائليّة التي تسعى إلى تقليل الوسطاء باعتماد مسالك ناجعة للإمداد بالمنتجات الفلاحيّة يتمّ التّفكير فيها بطريقة تحقّق الاستقلال الذّاتي داخل الأقاليم بحيث يتمّ فيها بيع السّلع المنتجة عبر مسالك قصيرة وهو ما يعني الاستدامة وضمان أن هؤلاء النّسوة لسن موسميّات ممّا يوفّر لهنّ دخلًا مستقرًّا نسبيًّا يسمح لهنّ بالتّجذّر في مجالهنّ.
علاوة على ذلك ضرورة تسخير آليّات تتيح للنّساء التّدخّل بشكل رئيسي في عمليّة اتّخاذ القرار والحقّ في تحديد أنماط إنتاجهنّ واستهلاكهنّ للأغذية مع مراعاة التّنوّع الرّيفي والإنتاجي. وتمكينهنّ من أن يكنّ فاعلات في تحديد ما يزرع، كيف يزرع ولمن. وذلك ضمن قرارات تنمويّة تُعدّ محلّيًّا مع مشاركة مجتمعيّة. ويمكن تحقيق ذلك عبر نماذج إنتاجيّة بديلة في شكل تعاونيّات نسائيّة تمكّنهنّ من امتلاك وسائل الإنتاج (الأرض، المعدّات، البذور…) أو شبكات تضامن محلّيّة أو مجامع ليتحوّل إنتاج واستهلاك الغذاء لخدمة الفلّاحين والمستهلكين ومصالحهم الحقيقيّة لا لأرباح المستثمرين بقطاع الزّراعة التّجاريّة.
وأخيرًا تفرض هذه الرّؤية مراجعة خيار الارتباط بالخارج وإهمال الفلاحة الأسريّة المعاشيّة رغم قدرة هذا النّمط من الإنتاج على توفير حاجيات المستهلك المحلّي من مختلف المواد الغذائيّة الفلاحيّة وهو ما جعل من التّبعيّة القدر المحتوم للبلاد التّونسيّة[21].
معركة السّيادة… بِدْها طول نفس
الحادثة ليست النهاية بل نقطة انطلاق لطرح الأسئلة الجذريّة:
من يملك الأرض؟ ومن يجب أن يملكها؟
من يقرّر ماذا نزرع؟ ولصالح من؟
من يستفيد من عمل النّساء؟ ومن يجب أن يستفيد؟
إلى متى سنقبل بنظام ينتج الموت كأثر جانبي و”طبيعي” للتّراكم؟
وأيّ نموذج تنموي نريد؟ واحد ينتج الموت أم واحد ينتج الحياة؟
الجواب لن يأتي من فوق بل من الحقول، من النّساء، من العاملات الفلاحيّات اللّواتي رغم كلّ شيء لا يزلن يزرعن، يعملن… ويحلمن بعالم مختلف. ومهمّتنا أن نسمع، أن نتعلّم وأن نساندهنّ، ليس كمنقذين بل كرفاق نضال في معركة مشتركة ضدّ نفس المنظومة.
معركة من أجل السّيادة على الأرض، على الجسد، على الغذاء وعلى المستقبل…
معركة طويلة لكن ’’بِدْها طول نفس”.
- ندى الهمامي – تونس
المقال أعلاه مأخوذ من مجلة سيادة – العدد السادس: “العمالة الزراعية كفاح من أجل السيادة الغذائية“. للاطلاع على العدد وتحميله: اضغط\ي هنا
المراجع
[1] https://universnews.tn/ar/%D8%B3%D9%8A%D8%AF%D9%8A-%D8%A8%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%AF-%D8%AD%D8%A7%D8%AF%D8%AB-%D9%8A%D8%B3%D9%81%D8%B1-%D8%B9%D9%86-%D9%88%D9%81%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D8%B5%D8%A7/
[2] بيان حول حادث العاملات الفلاحيات من معتمدية السبالة من ولاية سيدي بوزيد، موقع UGTT، 27 أبريل 2019
[3] نقل العاملات الفلاحيات: المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية يدق ناقوس الخطر بعد مأساة جديدة في الكاف، موقع “انكفاضة”، 4 يونيو 2025.
[4] ضحاياها عاملات الفلاحة: أبرز حوادث المرور خلال 4 سنوات، موقع “قناة نسمة”، 16 يونيو 2020
[5] ISUZU هو نوع السّيّارة المستعملة عادة في نقل العاملات الفلاحيّات
[6] بيان من أجل أن تتوافق السّياسات مع التّشريعات: مساندة للعاملات الفلاحيّات في احتجاجاتهنّ ـ المنتدى التّونسي للحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة
[7] Karl Kautsky, La question agraire : Étude sur les tendances de l’agriculture moderne, Paris 1900
[8] أجر زهيد.. نقل لا يحفظ الكرامة. وبلا تغطية اجتماعية. في انتظار تغيير واقع العاملات الفلاحيات/مقال الصباح
[9] تونس: تأنيث الفلاحة وسياسة الاستثمار في الفقر-فؤاد غربالي
[10] حافظ ستهم، الأرض والفلاح والسوق والمجتمع في المغرب العربي (تونس والجزائر والمغرب الأقصى)، مركز النشر الجامعي،
[11] تجربة اشتراكية طموحة أطلقها وزير الاقتصاد أحمد بن صالح بين عامي 1964 و1969، هدفت إلى تجميع الأراضي الزراعية في تعاونيات إنتاجية جماعية على النمط الاشتراكي
[12]،مرصد السّيادة الغذائيّة والبيئيّة 2022 التّبعيّة الغذائيّة في البلاد العربيّة: جذورها وأبعادها تونس والمغرب وفلسطين نموذجا
Agrobusiness
هو نموذج اقتصادي يحوّل الزراعة من نشاط تقليدي قائم على الاكتفاء الذاتي إلى قطاع تجاري وصناعي يهدف إلى الربح. يشمل هذا النظام كل مراحل الإنتاج، من البذور والأسمدة إلى التصنيع الغذائي والتصدير. غير أنه تتحكّم فيه قلّة من كبار الملّاك والمستثمرين الذين لا يمارسون العمل الفلاحي مباشرة، بل ينتجون بغرض المضاربة وتعظيم الأرباح ومراكمة رأس المال.
وبالتالي فهو يعزّز هيمنة الشركات الكبرى ويهمّش المزارعين الصغار، إضافةً إلى استنزاف الموارد الطبيعية وتدهور التربة والمياه.
[14] إحصائيات 2004-2005 نظرًا لغياب التّعدادات الفلاحيّة / أرقام واردة في المصدر السّابق
[15] Karl.Marx (1867). Capital: A Critique of Political Economy,
الفصل السابع حول “إنتاج فائض القيمة”
[16] الوسيط يسكب الزّيت في خلفيّة الشّاحنة ليمنع النّساء من الجلوس و بهذه الطريقة تصبح الشّاحنة قادرة على حمل أكثر عدد ممكن من النّساء، وبما أنها ممتلئة والنّساء متراصّات فوق بعضهنّ البعض لدرجة أنهنّ لا يصلن إلى مكان العمل إلّا وقد ارتسمت على أجسادهنّ كدمات زرقاء جرّاء ذلك
[17] “حتى لو احتاجت إحدانا للذهاب إلى المستشفى، نجمع بيننا بالخمسة آلاف بالألفين لكي تتمكن من العلاج”
[18] جسور بوست – للمطالبة بحقوقهنّ …عاملات الفلاحة في تونس يطلقن احتجاجات غير مسبوقة
[19] العاملات بالقطاع الفلاحي في تونس: صرخات ألم ضدّ سلطات تتركهنّ تحت رحمة الوسيط – أسماء سلايميّة
[20] يمكن مراجعة “الفلاحة التصديريّة تقوّض السيادة الغذائية وتحاصر صغار الفلاحين في تونس والمغرب” لمزيد التّعمّق في هذا الموضوع
[21] دراسة مجموعة العمل: غذاؤنا، فلاحتنا، سيادتنا: تحليل للسّياسات الفلاحيّة التّونسيّة على ضوء مفهوم السّيادة الغذائيّة

