بين الحين والآخر تطلق الحكومات المصرية المتعاقبة مشروعات قومية كبرى لاستصلاح الأراضي الصحراوية لأهداف عدة منها زيادة الرقعة الزراعية ومواجهة البطالة بخلق فرص عمل جديدة حيث يفترض بالمشروعات الزراعية ان تكون كثيفة العمالة، وكذلك تدعيم الأمن الغذائي وتنمية الثروة الحيوانية توفير المنتجات الزراعية الأساسية من حبوب ولحوم وألبان وفواكه، وإنشاء مجتمعات عمرانية جديدة.
“من لا يملك قوته لا يملك حريته” بهذه العبارة الشهيرة لمبارك مصحوبة بصورته كانت تفتتح يوميا ولسنوات الفقرة الزراعية من البرنامج الصباحي “صباح الخير يا مصر” لمقدمها عيد حواش، لكن بعد قرابة 23 عاما على افتتاح المشروع الزراعي الأكبر في عهده لا يبدو أن المصريين يملكون معظم ما ينتجه من قوت ولا حتى أرضه، ففي التاسع من مارس عام 1997 وفي زيارة مبارك لمشروع توشكى صرح أحد المسئولين عن المشروع بأن الهدف من المشروع إنشاء مجتمع عمراني جديد بحجم الدلتا يقطنه قرابة سبعة ملايين مصري.[1] لكن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق وآلت الغالبية العظمى من أرضه لصالح الاستحواذات الإماراتية السعودية.
وإذا كان تشجيع الاستثمار الأجنبي في الزراعة هدفا جيدا إلا أن نمط الاستحواذات الكبيرة على الأراضي يشكل خطرا بيئيا واجتماعيا وربما أمنيا، فقد حذرت منظمة الأغذية والزراعة من عمليات الاستحواذ على الأراضي فبالرغم من أن التدفق المتزايد من الأموال الدولية الموجهة نحو حيازة الأراضي على نطاق واسع من جانب الشركات الخاصة، وصناديق الاستثمار، وصناديق الثروة السيادية، قد حظي باهتمام كبير. كما أن النطاق المحدود لهذه الوسائل الاستثمارية يعني أنه من المرجح أن تترتب عليها تأثيرات هامشية فقط من ناحية الإنتاج الزراعي العالمي. ومع ذلك، فإن التأثير المحتمل على المستوى المحلى وكذلك إمكانات النمو المستقبلي قد أدت إلى وجود هواجس بشأن حدوث تأثيرات بيئية واجتماعية سلبية محتملة، ولاسيما في البلدان ذات الدخل المنخفض، والتي غالباً ما تكون لديها قدرة أقل على وضع وتنفيذ إطار تنظيمي لتناول هذه القضايا
ويمكن للاستثمار الواسع النطاق أن يقدم فرصاً لزيادة الإنتاج والمكاسب التي يحصل عليها المصدرون، وتوفير فرص عمالة، وتشجيع نقل التكنولوجيا، ولكن ذلك يمكن أن ينطوي على مخاطر من حيث الافتئات على حقوق مستعملي الأرض الحاليين، وتوليد تأثيرات بيئية سلبية، ومن التحديات الواضحة تحسين قدرة الحكومات والمجتمعات المحلية على التفاوض بشأن عقود تحترم حقوق المجتمعات المحلية وقدرتها أيضاً على متابعة هذه العقود وإنفاذها. إن صكوكاً مثل مبادئ الاستثمار الزراعي المسؤول والمبادئ التوجيهية الطوعية للحوكمة المسؤولة لحيازة الأرض، ومصايد الأسماك والغابات في إطار الأمن الغذائي الوطني تُ ِوفر إطاراً لهذا الغرض. وينبغي كذلك تشجيع وضع نماذج بديلة وأكثر شمولا للمستثمرين الواسعي النطاق، تتيح الفرص لمزيد من المشاركة من جانب المزارعين المحليين في سلاسل القيمة الزراعية.[2]
وقد أطلق الرئيس مرسي مشروعا قوميا لزراعة مليون فدان ثم ما لبث أن أطلق السيسي مشروع المليون ونصف المليون فدان ضمن خطة طموحة لاستصلاح 4 ملايين فدان خلال 4 سنوات. تبحث هذه الورقة حول من يستحوذ على أراضي المشروعات الزراعية العملاقة التي تطلقها حكوماتنا منذ عقود؟ بغية معرفة حدود هذه الاستحواذات والتعريف بخطورتها على الأمن والسيادة الغذائية للمصريين، وللوقوف على جدواها ومدى مقاومة المجتمع المصري لها.
- عمر سمير – مصر
نُشرت هذه الدراسة في المعهد المصري للدراسات، بتاريخ 20 مارس 2020. للاطلاع والتحميل: اضغط\ي هنا
[1] يمكن مشاهدة الفيديو الخاص بالزيارة على موقع اليوتيوب، بعنوان “زيارة الرئيس مبارك إلى مشروع توشكى 9-3-1997، https://www.youtube.com/watch?v=HALzqk2U554
[2] الفاو، تقرير حالة الأغذية والزراعة 2012، ص116 http://www.fao.org/3/a-i3028a.pdf

