الثورة الزراعية في العصر الحجري الحديث – فصل مترجم



تتسم اللغة السنسكريتية sanskrite، على الرغم من قِدم عهدها، ببنية مدهشة؛ فهي أكثر اكتمالًا من اليونانية، وأغنى من اللاتينية، وأرقى منهما معًا. ومع ذلك، تكشف عن صلات وثيقة بهاتين اللغتين، سواء في جذور الأفعال أو في البنى النحوية، وهو تقارب يصعب عزوه إلى مجرد المصادفة. إذْ يبلغُ هذا التشابه حدًّا من القوّة لا يسمح لأي لغوي بدراسة اللغات الثلاث دون أن يترسخ لديه الاعتقاد بأنها تنحدر من أصل واحد مشترك، ربما اندثر ولم يعد قائمًا اليوم. وعلى نحو مماثل، وإن كان بدرجة أقل إقناعًا، يمكن الافتراض أن اللغتين القوطية gothique  والكلتية celtique، على الرغم من امتزاجهما بلغة مغايرة تمامًا، تعودان هما أيضًا إلى الأصل نفسه الذي تنتمي إليه السنسكريتية. كما يمكن إدراج اللغة الفارسية القديمة ضمن نفسِ العائلة اللغوية، إذا سمحَ السياق بالخوض في مسائل تتعلق بآثار فارس.

— السير ويليام جونز، عن الهندوس

مع نهاية العصر الحجري القديم، قبل نحو 12 ألف سنة، وبعد مئات الآلاف من السنين من التطور البيولوجي والثقافي، بلغت المجتمعات البشرية مستوى مكّنها من ابتكار أدوات متعددة ومتقدمة ومتزايدة التخصص، الأمر الذي أتاح لها اعتماد أساليب متنوعة للحصول على الغذاء، كالصيد وجمع الثمار، بما يتلاءم مع البيئات المختلفة[1]. وقد تعزز هذا التخصص خلال العصر الحجري الحديث، إذ شهدت هذه المرحلة الأخيرة من عصور ما قبل التاريخ، قبل أقل من عشرة آلاف عام، تحول عدد من أكثر المجتمعات البشرية تقدّمًا آنذاك من نمط الاعتماد على الصيد إلى ممارسة الزراعة.

في مستهل هذا التحول، بدأت أولى محاولات الزراعة وتدجين الحيوانات، والتي يمكن وصفها بالزراعة البدائية وتربية الماشية البدائية، حيث طُبّقت على نباتات وحيوانات لم تكن قد فقدت بعد سماتها البرية. غير أنّ هذه الممارسات أدّت، مع مرور الوقت، إلى اكتساب تلك الكائنات خصائص جديدة مميّزة للأنواع المستأنسة، وهي الخصائص التي شكّلت الأساس لمعظم النباتات المزروعة والحيوانات المدجّنة المعروفة اليوم.

مناطق انتشار الثورة الزرراعية
أصل الزراعة النيوليتية

 تحوّلت بعض مناطق العالم، التي كانت تقطنها جماعات بشرية تعتمد حصريًا على افتراس الأنواع البرية، إلى مجتمعات يقوم عيشها أساسًا على استغلال الأنواع المدجّنة. غير أنّ هذه المناطق لم تكن في النهاية كثيرة العدد، ولا واسعة المساحة، كما كانت تفصل بينها مسافات شاسعة. وهي تمثّل ما يُعرف بمراكز نشأة الثورة الزراعية في العصر النيوليتي، مع التأكيد على أن مصطلح «مركز» يدلّ على إقليم جغرافي لا على نقطة محددة للانطلاق. ومن عدد من هذه المراكز، التي يُطلق عليها مراكز التوسّع، انتشرت الزراعة إلى معظم مناطق العالم الأخرى. ولكل مركز توسّع نطاق جغرافي خاص يشمل جميع المناطق التي وصلت إليها الزراعة المنبثقة عنه. ورغم ذلك، لم تُفضِ بعض هذه المراكز إلى مناطق توسّع ذات شأن، إذ ظلّ تطوّرها محدودًا أو معدومًا، قبل أن تُدمج لاحقًا ضمن إحدى مناطق التوسّع الكبرى المشار إليها سابقًا.

 شهدت مناطق التوسّع هذه تدجين أنواع إضافية من النباتات والحيوانات، وقد أسهمت بعض الأقاليم بعدد وافر من هذه الأنواع المستأنسة، لتغدو، إلى جانب مراكز النشأة، مناطق ثانوية حقيقية لعملية التدجين. كما عملت مجتمعات المزارعين ومربّي الماشية المنحدرة من مراكز المنشأ على نشر نمط عيشها الجديد عبر التوسع التدريجي واستيطان مختلف مناطق الاستغلال الصالحة على سطح الكوكب. وخلال هذا الامتداد، اصطدمت هذه المجتمعات بأخرى كانت قائمة سلفًا من الصيادين وجامعي الثمار، ومتفاوتة في درجات تطورها، وكان بعضها يمارس أشكالًا من الزراعة البدائية. وأسفر هذا الاحتكاك عن دفع بعض تلك المجتمعات إلى تبنّي الزراعة والانخراط فيها.

سواء في مراكز المنشأ أو في مناطق التوسّع، واجهت المجتمعات الزراعية الأولى أساسًا نمطين رئيسيين من النظم البيئية الأصلية: نظمًا حرجية شبه مغلقة، اعتمدت فيها على أشكال متعددة من زراعة القطع والحرق، مع ممارسة تربية الماشية على نحو محدود؛ ونظمًا عشبية مفتوحة، طوّرت فيها أساسًا أنماطًا مختلفة من الرعي وتربية الماشية الرعوية، وكانت تُقرن أحيانًا بالزراعة. كما اصطدمت هذه المجتمعات ببيئات أخرى غير ملائمة للزراعة أو لتربية الماشية، فظلّت على حالها دون استغلال زراعي، أو استمرّ في شغلها صيادو وجامعو الثمار.

أين ومتى وبأيّ كيفية نشأت الزراعة النيوليتية؟ وكيف عمّت مختلف أرجاء العالم؟ وما الآليات التي حكمت عملية التدجين؟ تلك، بإيجاز، هي القضايا التي يسعى هذا الفصل إلى تناولها والإجابة عنها.

وفقًا لما توصّلت إليه الأبحاث الحالية، يُشار عادةً إلى ستة مراكز نشأة مؤكَّدة، بدرجات متفاوتة، للثورة الزراعية النيوليتية، دخل أربعة منها مرحلة التوسّع. وهذه المراكز، التي سنعود إلى دراستها بمزيد من التفصيل لاحقًا، هي الآتية:

  1. مركز الشرق الأدنى، الذي تبلور في منطقة سوريا–فلسطين، وربما على امتداد أوسع شمل كامل الهلال الخصيب، وذلك ما بين 10,000 و9,000 سنة قبل الميلاد.
  2. مركز أمريكا الوسطى، الذي نشأ في جنوب المكسيك خلال الفترة الممتدة بين 9,000 و4,000 سنة قبل الميلاد.
  3. المركز الصيني، الذي بدأ تشكّله في شمال الصين قبل نحو 8,500 سنة على هضاب اللِّس (loess) في المجرى الأوسط للنهر الأصفر، ثم اكتمل تطوره عبر الامتداد نحو الشمال الشرقي والجنوب الشرقي ما بين 8,000 و6,000 سنة قبل الميلاد.
  4. مركز غينيا الجديدة، الذي يُرجَّح أنه ظهر في وسط بابوا غينيا الجديدة منذ قرابة 10,000 سنة.

وخلال الفترة نفسها، تبلور مركزان آخران للأصل، غير أنّ نطاق توسعهما كان محدودًا أو شبه منعدم:


5. المركز الأمريكي الجنوبي، الذي تطوّر في منطقة جبال الأنديز، في بيرو أو الإكوادور، قبل أكثر من 6,000 عام.
6. المركز الأمريكي الشمالي، الذي ظهر في حوض المجرى الأوسط لنهر المسيسيبي بين 4,000 و1,800 عام قبل الميلاد.

على مدى زمن طويل، جرى تبسيط نشأة الزراعة في العصر الحجري الحديث بوصفها مجرّد اختراع سريع وانتشار واسع لتقنية إنتاجية جديدة فُرضت بسبب تراجع الموارد البرية. ووفقًا لهذا التصور، عُزي هذا النقص إمّا إلى ازدياد الجفاف المناخي (كما في نظرية الواحة)، أو إلى تقلّص أعداد الحيوانات البرية الكبيرة نتيجة الاستغلال المفرط من قِبل جماعات بشرية تضخّم عددها. غير أنّ الأبحاث الأثرية الأحدث، التي تناولت مختلف مراكز نشأة الزراعة النيوليتية، أظهرت أن هذه الفرضيات تفتقر إلى أسس علمية متينة. وتشير هذه الدراسات إلى أنّ انتقال مجتمع يعتمد على الصيد والجمع البسيط، ويستند إلى أدوات وتنظيم اجتماعي ومهارات محدودة، نحو مجتمع يقوم أساسًا على الزراعة وتربية الماشية، ويستخدم موارد مادية وتنظيمًا اجتماعيًا ومهارات أكثر تعقيدًا، لم يكن حدثًا فجائيًا، بل مسارًا طويلًا ومعقّدًا من التحولات المادية والاجتماعية والثقافية المتداخلة، امتد على مدى قرون عديدة.

لنبدأ باستكشاف الظروف التي نشأت فيها المراكز الأربعة الكبرى المعروفة للتوسّع، وهي مراكز الشرق الأدنى وأمريكا الوسطى والصين وغينيا الجديدة.

مركز الشرق الأدنى

في الشرق الأدنى، أحد أقدم وأشهر مراكز نشأة الزراعة النيوليتية، استغرق الانتقال البطيء من الصيد إلى الزراعة أكثر من ألف عام، محققًا ثورة في جميع الجوانب التقنية والاقتصادية والثقافية لنمط الحياة البشرية[2]. قبل نحو 12,000 عام، أدى الاحترار المناخي بعد العصر الجليدي إلى تحول تدريجي من نظام بيئي من السهوب الباردة، التي كانت تهيمن عليها نباتات الأرطماسيا، إلى نظام بيئي يشبه السافانا، تسود فيه أشجار البلوط والفستق، الغنية بالحبوب البرية مثل الشعير والحنطة والقمح النشوي، إلى جانب موارد نباتية قابلة للاستغلال مثل العدس والبازلاء والفول وغيرها من البقوليات، إضافةً إلى حيوانات برية متنوعة تشمل الخنازير والغزلان والظباء والأروخ والأغنام والماعز البري، فضلا عن  الأرانب والطيور، وفي بعض المناطق الأسماك.

وفرة الموارد واستقرار السكان. بدأ سكان الكهوف يتخلون عن صيد الرنة وغيرها من الحيوانات البرية التي انتقلت شمالًا بفعل الاحترار المناخي، واتجهوا تدريجيًا إلى أنظمة صيد جديدة تعتمد أساسًا على الحبوب البرية الوفيرة القادرة على تلبية الجزء الأكبر من احتياجاتهم من السعرات الحرارية. وقد استمدوا البروتين في وجباتهم الغذائية من الصيد البريّ وصيد الأسماك وجمع البقوليات. وبفضل هذا النظام الغذائي النباتي الذي اعتمد على موارد أكثر وفرة من أي وقت مضى، أصبح بإمكان عدد كبير من السكان المستقرين البقاء على قيد الحياة. نما عدد السكان، وابتعدوا عن الكهوف، وبدأوا يعيشون في مساكن من صنع الإنسان، مجتمعة في قرى صغيرة بمساحة تتراوح بين 0.2 و0.3 هكتار، تتألف من بيوت مستديرة منفصلة، مزودة بهياكل علوية خشبية، بُنيت فوق حفر مدعومة بجدران حجرية منخفضة. ومع مرور الوقت، انتشر السكان تدريجيًا لتغطية كامل هذا النظام البيئي المميز.

تخصص الأدوات والاستغلال المكثف للبيئة. ارتبط تطور هذا النمط الجديد من الحياة المستقرة بسلسلة من الابتكارات التي مكّنت البشر من استغلال الموارد الجديدة بشكل أوسع بكثير. فقد سمحت المناجل المصنوعة من شفرات حجرية منحوتة، والتي يُظهر لمعانها أنها كانت تُستخدم كسكاكين للحصاد، وكذلك المناجل التي تضم أسنانًا صغيرة مدمجة في دعامة خشبية منحنية، بحصاد كميات كافية من الحبوب البرية في ساعات قليلة لإطعام أسرة كاملة[3]. كما اُستُخدِمت الرحى، المحفورة في الصخر أو المصنوعة من حجر كبير، لطحن الحبوب باستخدام أسطوانة حجرية مسطحة، لإنتاج الدقيق الذي كان يُعالج لصنع عجائن وكعكات مستديرة ومسطحة تُطهى تحت الرماد أو على أحجار ساخنة في أفران كبيرة.

الأدوات الزراعية في العصر الحجري الحديث

كانت هناك أدوات أخرى مخصّصة لطحن الحبوب مثل المدقات والمطارق، كما تم العثور على صوامع لتخزين الحبوب التي حُصِدت في الصيف استعدادًا لفصل الشتاء. أما المواقد المبنية في حفر مغطاة بالطين، أدّت عرضًا لاختراع الخزف، في حين ارتبط ظهور الحجر المصقول باستخدام المطاحن والأسطوانات. علاوة على ذلك، لم تكن الأجسام الأولى المُشكلّة من الطين مثل التماثيل الصغيرة والأواني الصغيرة جدًا، أو المصنوعة من الحجر المصقول مثل القلائد والعصي، ذات فائدة عملية كبيرة. ومع ذلك، تطورت لاحقًا أواني فخارية كبيرة مقاومة للماء والنار، سمحت بطهي عصيدة الحبوب وحساء البازلاء والعدس. بالمثل، لعبت فؤوس ومناجل الحجر المصقول دورًا مهمًا في قطع وتشذيب الخشب لبناء المنازل، ثم في إزالة الأشجار لتوسيع الأراضي الزراعية.

باختصار، جميع هذه الأدوات- المناجل، المطاحن، الأسطوانات، الملاط، المطارق، والفؤوس- التي شكّلت معدات المزارعين في العصر الحجري الحديث على مدى آلاف السنين، كانت موجودة في معظمها قبل ظهور الزراعة. وقد تطورت تدريجيًا على مدى قرون في ظل ظروف الحياة المستقرة والاستغلال المتزايد للموارد الجديدة، لا سيما الحبوب البرية.

الزراعة البدائية والتدجين. في الشرق الأدنى، تعود أول علامات التدجين الكامل للشعير (Triticum monococcum) والقمح النشوي (Triticum dicoccum) إلى نحو 9,500 سنة قبل عصرنا. ويبدو أن الشعير والبازلاء والعدس والحمص ونوعين من الفول والكتان قد دُجّنت حوالي 9,000 سنة قبل عصرنا. أما الحيوانات، فيعود تدجين الكلاب إلى نحو 16,000 سنة قبل عصرنا، والماعز إلى 9,500 سنة، والخنزير إلى 9,200 سنة، والخروف إلى 9,000 سنة، والبقر إلى 8,400 سنة، والحمار[4] إلى 5,500 سنة قبل عصرنا. ولتحقيق تدجين هذه النباتات والحيوانات في تلك الفترات، لا بد أن مراحل الزراعة البدائية وتربية الحيوانات الأولية قد بدأت قبل ذلك بعشرات، وربما بمئات السنين.

يُعتقد عمومًا أن أولى محاولات زراعة البذور نشأت عرَضًا بالقرب من المساكن، حيث كانت تُقشَّر فيها الحبوب البرية وتُطهى. ومن هنا تطورت الزراعة البدائية على هذه الأراضي نفسها، التي جرى تنظيفها وتخصيبها بالفضلات المنزلية، وعلى التربة الطمية التي ترسبت بفعل فيضانات الأنهار، والتي لم تتطلب أي تنظيف أو تجهيز إضافي.

ومع ذلك، كانت هذه الأراضي محدودة، مما استلزم توسيع الزراعة إلى الأراضي الحرجية، حيث مكّنت الفؤوس المصقولة من الحجر من فتح الغابات بسهولة عن طريق قطع الأشجار ثم حرقها قبل الزراعة. وقد مارست الزراعة بالحرق في وقت مبكر في وسط الشرق الأدنى، ووسط أمريكا الشمالية، وربما أيضًا في وسط الصين[5]. في هذا السياق، كان لصقل الحجارة دور بالغ الأهمية في التقدم الذي أحرزته الزراعة المبكرة. فقد كانت الفؤوس الحجرية المنحوتة هشة وسريعة التلف وصعبة الصنع، مما صعّب قطع الأشجار بشكل مكثف، مقابل الفؤوس المصقولة التي كانت أقل قابلية للكسر، ويمكن تصنيعها من مختلف أنواع الأحجار الصلبة، حتى تلك التي لا يمكن نحتها بسهولة، كما يمكن شحذها وتشكيلها حسب الحاجة.

تغييرات أخرى في نمط الحياة. بين 9,500 و9,000 سنة قبل الميلاد، لوحظ الانتقال من القرى الصغيرة، التي كانت بمساحة 0.2 إلى 0.3 هكتار وتضم منازل دائرية، إلى قرى أكبر تمتد على 2 إلى 3 هكتارات وتحتوي غالبًا على منازل مربعة متصلة ببعضها البعض. وتعكس هذه التغيرات نموًا سكانيًا في القرى وتحولًا في التنظيم الاجتماعي. كما تزامن هذا العصر مع ظهور الفخار الصناعي المطبوخ، والانتشار السريع للفؤوس والأزاميل المصقولة، وظهور التماثيل الصغيرة والتماثيل الأنثوية التي ترمز على الأرجح للخصوبة، بالإضافة إلى حفظ الجماجم المغطاة بالطين والمشكلة على شكل وجوه.

من الصعب إثبات علاقات سببية دقيقة بين جميع هذه العناصر الجديدة، إذ لا تظهر دائمًا بترتيب زمني ثابت في المواقع الأثرية المختلفة. ومع ذلك، من الواضح أنها كانت موجودة في الوقت نفسه في جميع أنحاء الشرق الأدنى قبل نحو 9,000 سنة، عندما وفرت النباتات والحيوانات المستأنسة الجزء الأكبر من الغذاء البشري. علاوة على ذلك، تشير الأدلة إلى أن هذه التحولات في نمط الحياة لم تكن نتيجة تطور خطي لقرية واحدة أو عدة قرى مترابطة، بل ثمرة تفاعل داخل فضاء اجتماعي واسع، تتطابق في الشرق الأوسط مع منطقة انتشار الحبوب البرية، وخصوصًا الشعير. وقد امتد النظام الاقتصادي الجديد، بعد أن تبلورت ملامحه، إلى منطقة أوسع تتميز بخصائص مشتركة كافية، وفي الوقت نفسه بتنوع واختلافات تسمح بتبادل الخبرات المتعددة على نحو مثرٍ.

واجهت المجتمعات الزراعية الأولى نمطين رئيسيين من النظم البيئية الأصلية: نظمًا حرجية شبه مغلقة، اعتمدت فيها على أشكال متعددة من زراعة القطع والحرق، مع ممارسة تربية الماشية على نحو محدود؛ ونظمًا عشبية مفتوحة، طوّرت فيها أنماطًا مختلفة من الرعي وتربية الماشية الرعوية، وكانت تُقرن أحيانًا بالزراعة.

زيادة الوقت اللازم للصيد والانتقال إلى الزراعة. على الرغم من أن الظروف التي مهدت لظهور الزراعة النيوليتية في الشرق الأدنى باتت مفهومة بشكل أفضل، يبقى السؤال حول سبب انتقال قرى الصيادين-الجامعين المستقرين في منتصف الألفية العاشرة قبل عصرنا قائما. والذين كانوا يمارسون أحيانًا الزراعة البدائية وتربية الماشية الأولية، من اقتصاد يعتمد أساسًا على الصيد إلى اقتصاد زراعي ورعوي متميّز ومستدام، أتاح في النهاية تدجين مجموعة كاملة من الأنواع النباتية والحيوانية.

للإجابة على هذا السؤال، تجدر الإشارة أولاً إلى أنه في نهاية الألفية العاشرة، كانت قرى المزارعين والرعاة في هذه المنطقة أكبر بحوالي عشرة أضعاف من قرى الصيادين-الجامعين في نفس الفترة، مع تراجع أهمية منتجات الجمع والصيد في هذه القرى الأكبر. ومن هنا، يبدو من المنطقي افتراض أنه نظرًا لمحدودية الموارد الطبيعية المتاحة للصيد البسيط في أراضي كل قرية، اضطر السكان المتزايد عددهم إلى الاعتماد بشكل متزايد على الزراعة وتربية الماشية، عندما لم تعد منتجات الصيد تكفي لإطعامهم. ومع ذلك، يشير ج. كوفان إلى أنه لا يوجد دليل على وجود أزمة صيد في تلك الفترة[6]. كما يرى بعض الباحثين أن مجتمعات الصيادين-الجامعين لم تعانِ أبدًا من نقص الغذاء، وكانت عادةً تقضي وقتًا أقل للحصول على غذائها مقارنة بالمزارعين[7].

ومع ذلك، يمكن الاعتراض على هؤلاء المؤلفين بأن ما ذكروه ينطبق على مجموعات الصيادين-الجامعين الصغيرة والمتحركة التي تجوب مساحات واسعة، لكنه قد لا ينطبق على الصيادين-الجامعين المستقرين في قرى كبيرة، حيث تستغل كل قرية منطقة محددة، سواء أراضي القرى المجاورة أو نطاق الحركة الأقصى لأفرادها. ومن المؤكد، كما يشير هؤلاء المؤلفون، أن الفرد الواحد يستطيع جمع ما يكفي من الحبوب البرية لأسرة خلال بضع ساعات يوميًا. غير أن هذا الفرد سيحتاج إلى وقت أطول بكثير إذا كان عليه جمع الموارد في منطقة قروية محدودة مع مئات الآخرين، ولن يكون قادرًا ببساطة على “ملء سلة” وسط هذا التنافس. ويختبر جامعو الفطر هذه القاعدة الصارمة في علم البيئة كل يوم أحد.

 يظلُّ دور الكثافة السكانية في الانتقال من الصيد إلى الزراعة مسألة مثيرة للجدل، سنحاول هُنا توضيحها بدقة أكبر؛ من الواضح أن كمية الغذاء التي يمكن الحصول عليها على المدى الطويل من منطقة قروية محددة عبر الصيد البسيط محدودة بطبيعتها. بمعنى آخر، لكل منطقةقدرة محدودة على الاستغلال بالافتراس البسيط، مما يضع سقفًا للكثافة السكانية التي يمكن أن تتحملها من صيادي-جامعيها. في هذه الظروف، ومع زيادة عدد سكان قرية الصيادين-الجامعين المستقرين، تقل الموارد المتاحة لكل صياد أو جامع على حدة. إذ يؤدي استحواذ بعض الأفراد على الموارد بالضرورة إلى تقليل ما يتبقى للآخرين. ومع استمرار ارتفاع عدد الصيادين المتنافسين، سيصل الأمر حتمًا إلى مرحلة يزداد فيها الوقت اللازم لكل فرد للحصول على الغذاء الكافي له ولمن يعولهم. وأخيرًا، عندما يقترب عدد السكان من الحد الأقصى الذي يتوافق مع الاستغلال عن طريق الصيد البسيط في المنطقة، يرتفع الوقت اللازم للصيد لكل صياد أو جامع بشكل كبير.

وبعد الوصول إلى هذا المستوى، يبدأ الاستغلال المفرط للبيئة، مما يقلل من قدرتها الإنتاجية ويؤدي مباشرة إلى المجاعة بين سكان القرية. ولن يتجنب السكان هذه النتيجة إلا إذا وجدوا وسيلة لكبح نموهم السكاني (مثل تحديد المواليد) أو طريقة للحصول على موارد جديدة، سواء من خلال نقل جميع القرويين أو جزء منهم إلى أراضٍ غير مأهولة أو غير مستغلة بالكامل، أو عن طريق غزو واستيطان مناطق مأهولة بالفعل، أو من خلال تطوير أسلوب جديد للاستغلال البيئي يكون أكثر إنتاجية من مجرد الصيد.

وهكذا، مع تزايد عدد سكان قُرى الصيادين-الجامعين المستقرين، يزداد الوقت اللازم للصيد، حتى يصبح بعد تجاوز حد معين أطول من الوقت المطلوب للعمل لتلبية احتياجات السكان عبر الزراعة وتربية الماشية. ومع ذلك، فإن هذه الظاهرة وحدها لا تكفي لتحويل مجتمع الصيادين-الجامعين إلى مجتمع زراعي، إذ لا بد من توفر شروط بيئية واجتماعية أخرى أيضًا.

في الشرق الأدنى، واجه سكان القرى التي تضاعف عدد سكانها عشر مرات خلال الألفية العاشرة قبل عصرنا بلا شك موقفًا مماثلًا في نهاية تلك الفترة. وبما أنهم كانوا يمتلكون بالفعل جميع الأدوات اللازمة ويمارسون أحيانًا الزراعة البدائية وتربية الماشية البدائية، فقد تمكنوا من تطوير هذه الممارسات بمجرد أن أصبحت أكثر نفعًا من الصيد. وبما أن الظروف التقنية (الأدوات والمهارات) كانت متوفرة منذ زمن طويل، فعندما استدعت الظروف الديموغرافية (ارتفاع الكثافة السكانية) والاقتصادية (وقت العمل) إجراء تغيير، تم الانتقال من الصيد إلى الزراعة بسرعة كبيرة. ومن وجهة نظرنا، يفسر ذلك عدم حدوث أزمة صيد واضحة[8] في هذا المكان خلال تلك الفترة.
ومع ذلك، من المؤكد أن تحوّلًا تقنيًا واقتصاديًا بهذا الحجم لا يمكن أن يتم دون تحولات اجتماعية وثقافية عميقة.

الظروف الاجتماعية والثقافية: ليس صعبًا على مجتمع أن يزرع الحبوب التي يختارها في تربة معدة مسبقًا، أو أن يصطاد ويروّض ويربي الحيوانات التي يسهل السيطرة عليها. حتى الصيادين وجامعي الثمار يعرفون كيفية القيام بذلك. الصعب هو إنشاء تنظيم اجتماعي وقواعد تسمح للوحدات أو المجموعات من المنتجين والمستهلكين بالامتناع عن استهلاك جزء كبير من المحصول السنوي فورًا، والاحتفاظ به كمخزون للبذور. كما يكون صعبًا استثناء عدد كافٍ من الحيوانات التناسلية والصغار من الذبح لضمان تكاثر القطيع. وكذلك، من الصعب حماية الحقول التي تزرعها جماعة ما من حق الجماعات الأخرى في “القطف”، وحماية الحيوانات التي يتم تربيتها من حق هذه المجموعات في “اصطيادها”. وأخيرًا، من الصعب ضمان توزيع ثمار العمل الزراعي بين المنتجين والمستهلكين داخل كل مجموعة، ليس فقط يوميًا، بل خصوصا عند موت كبار السن واتسّاع حجم الجماعة، إلى حدٍّ يفرض تقسيمها إلى عدة جماعات أصغر.

تشير التغيرات في السكن (من حيث الأبعاد والتقسيمات والتخطيط)، والأثاث، والدفن، والفن إلى أهمية التحولات التي طرأت على التنظيم الاجتماعي والثقافي لهذه المجتمعات خلال فترة الانتقال من الصيد إلى الزراعة. تُشيرُ كل الأدلة على تشكيل مجموعات منزلية للإنتاج والاستهلاك، قادرة على إدارة النشاط الزراعي والحفاظ عليه وإعادة توزيع منتجاته. امتلكت كل مجموعة عائلية منزلاً وموقدًا وصومعة، ووفقًا للموسم، بذورًا مخزنة أو مزروعة، وحقولًا تحتوي على محاصيل غير ناضجة أو قائمة، بالإضافة إلى حيوانات.

في هذه الوحدات العائلية الكبيرة نسبيًا، قُسّمت الأعمال والمسؤوليات حسب الجنس والعمر، وخضع توزيع المنتجات، وتحديد مصير الشباب والشابات وبعض الممتلكات عند الزواج، وكذلك انتقال المسؤوليات والممتلكات عند وفاة كبار السن أو عند تقسيم الجماعة، بالضرورة لحد أدنى من القواعد الاجتماعية التي تضمن التكاثر المتوازن لا فقط للجماعة بل للنباتات المزروعة والحيوانات الأليفة الضرورية لبقائها. لا يعني ذلك أن المحظورات والأعراف والالتزامات التي تفرضها السلطة الأسرية أو القروية كانت مقتصرة على التنظيم الاقتصادي، ولم تكن هذه القواعد جامدة تمامًا أو خالية من التناقضات أو الاستثناءات. بل يعني ببساطة أنه من بين جميع القواعد التي تحكم حياة الجماعة، وُجدت مجموعة كافية منها لضمان استمرارها وتجديد وسائل عيشها الجديدة. وعلاوة على ذلك، يمكن الافتراض أن الدين الناشئ لعب دورًا في وضع هذه القواعد الجديدة للحياة.[9]

اللغات الأم في العصر الحجري الحديث: أخيرًا، لا بد من التأكيد على أن أي جانب من جوانب الحياة الجديد ما كان ليفهم أو يُنقل من فرد إلى آخر، أو الحفاظ عليه عبر الأجيال، أو تطويره، دون دعم اللغة. كان لا بد للغة أن تكون قادرة على التعبير عن الظروف المادية الجديدة، والممارسات الإنتاجية الحديثة، وأنماط التنظيم الجديدة، والقواعد الاجتماعية المتجددة، إلى جانب الأفكار والمعتقدات والتصورات المصاحبة. ومع ظهور نمط الحياة الجديد، أصبح وجود الكلمة، أي لغة جديدة،ضرورة لا غنى عنها.

تكوّنت اللغات الأولى في العصر الحجري القديم ضمن سياق الصيد المنظّم للحيوانات الضخمة[10]. ويرى بعض اللغويين أن لغات العالم جميعها قد تعود في أصلها إلى لغة واحدة مشتركة قديمة. غير أنّ اللغات المتداولة اليوم تُشتق في الغالب من عدد من اللغات الأم الأحدث زمنًا. وتزداد المصداقية العلمية للفرضية التي تفترض أن هذه اللغات الأم نشأت في مراكز ظهور الثورة الزراعية خلال العصر الحجري الحديث، وانتشرت عبر التمايز اللغوي بالتوازي مع انتشار المجتمعات الزراعية الأولى.[11]

وفقًا لهذه الفرضية، نشأت الزراعة واللغة الأصلية في كل مركز من مراكز التوسع في الفترة نفسها، ثم انتشرتا معًا عبر القارات، مُكوّنتين مجالات زراعية ولغوية واسعة، من بينها المجال الهندي-الأفريقي-الآسيوي المنحدر من الشرق الأدنى، والمجال الأمريكي الذي يعود أصله إلى أمريكا الوسطى، والمجال الآسيوي المنبثق من الصين، إلى جانب مجالات أصغر محتملة في أمريكا الجنوبية وأمريكا الشمالية.


وهذا التصور هو ذاته الذي يستند إليه الباحثون عند دراسة أصل اللغات الهندو-أوروبية[12]. كما تُعتبر اللغات العربية والعبرية واللغات النيلية قريبة من الأسرة الهندو-أوروبية، على غرار لغات المزارعين في إفريقيا[13]. وبحسب هذه الرؤية، ترتبط لغات الشعوب الزراعية في الأمريكتين بإحدى اللغات الأم التي نشأت في أمريكا الوسطى أو الأنديز أو أمريكا الشمالية، تمامًا كما ترتبط لغات المجتمعات الزراعية في الشرق الأقصى فيما بينها.

تكوّنت اللغات الأولى في العصر الحجري القديم ضمن سياق الصيد المنظّم للحيوانات الضخمة. ويرى بعض اللغويين أن لغات العالم جميعها قد تعود في أصلها إلى لغة واحدة مشتركة قديمة. غير أنّ اللغات المتداولة اليوم تُشتق في الغالب من عدد من اللغات الأم الأحدث زمنًا.

إذا ثبت أن لغات الصيادين-الجامعين تختلف في بنيتها عن لغات المجتمعات الزراعية، فقد يُطرح التساؤل حول ما إذا كانت بعض اللغات المعزولة تعود إلى جماعات من الصيادين-الجامعين الذين تبنّوا الزراعة بفعل موجات الاستيطان الزراعي، من دون أن يندمجوا اندماجًا لغويًا كاملًا.
وخلاصة القول إن الثورة الزراعية في العصر الحجري الحديث، شأنها شأن الثورات الزراعية الأخرى عبر التاريخ، لم تكن مجرد تحول اقتصادي واسع النطاق مدفوع بتغيرات تقنية متتالية، بل ارتبطت حتمًا بتحول اجتماعي وثقافي عميق.

المركز الصيني
تعود أقدم مواقع القرى الزراعية المستقرة في الصين خلال العصر الحجري الحديث إلى حضارة يانغ شاو، المعروفة بفخارها الملوّن. وقد أُقيمت هذه المواقع في صميم المجال الميزوليتي الصيني، على المصاطب العليا من التربة الطميية ضعيفة الري الممتدة بمحاذاة المجرى الأوسط للنهر الأصفر (Huanghe)).

يؤرخ أقدم هذه المواقع بنحو 8500 سنة قبل عصرنا، ويقع في إقليم هينان، الذي يُحتمل أنه شكّل مركز الانطلاق لشمال الصين. ومن هناك توسّع هذا المركز نحو الشمال الشرقي إلى شانشي، حيث تعود مواقع يانغ شاو إلى نحو 7000 سنة قبل عصرنا، وإلى الغرب باتجاه قانسو حوالي 6500 سنة قبل عصرنا، ثم إلى الجنوب الشرقي وصولًا إلى هيبي قرابة 6000 سنة قبل عصرنا[14]. وقد أسهمت زراعة الدخن وبعض البقوليات مثل الملفوف واللفت، إلى جانب نبات الرامي المستخدم في صناعة الألياف النسيجية، وشجر التوت المرتبط بتربية دودة القز، في دعم ثقافة زراعية ما تزال محدودة نسبيًا في هذه المناطق الأولى. كما يدل وجود عظام حيوانات أليفة في المواقع النيوليتية الصينية القديمة على تطور مبكر لتربية الحيوان. ومع ذلك، فإذا كان من الممكن افتراض تدجين بعض الأنواع مثل الدجاج والخنازير والماشية في وسط الصين، فإن هذا الاحتمال يبدو أقل ترجيحًا فيما يخص الأغنام والخيول.[15]

ومع توسّع هذه الثقافة شرقًا نحو المناطق الأوفر مياهًا، ولا سيما السهول المنخفضة لواديي النهر الأصفر ونهر اليانغتسي (Yangzi)، ازدادت غناها بفضل إدخال محصولين زراعيين بالغَي الأهمية: فول الصويا القادم من الشمال الشرقي، والأرز الوافد من الجنوب الشرقي. وفي هذا الامتداد الجنوبي الشرقي برزت ثقافة لونغ شان خلال الألفية السابعة قبل عصرنا، وتميّزت بفخارها الأسود وبالانتشار الواسع لزراعة الأرز. ومع ذلك، ينبغي التنبيه إلى أن عددًا كبيرًا من الباحثين يؤيدون فرضية تدجين الأرز بشكل مستقل في عدة مناطق من جنوب شرق آسيا.[16]

وسط أمريكا الوسطى
تكوّن أول مركز لنشأة الزراعة النيوليتية في الأمريكتين بصورة تدريجية في جنوب المكسيك ما بين 9000 و4000 سنة قبل عصرنا. ووفقًا لـج. ر. هارلان J. R. Harlan ، شرعت في بدايات هذه المرحلة مجموعات صغيرة من الصيادين-الجامعين الرحّل في التجمع خلال موسم الأمطار لممارسة أنشطة الجمع، وربما قامت بشكل عرضي بزراعة الفلفل الحار والأفوكادو. وبعد زمن طويل، أي قبل نحو 7000 سنة، غدت هذه القرى الموسمية للمزارعين أكثر اتساعًا، وبدأت زراعة الذرة واليقطين والكوسة خلال فصلي الربيع والصيف. ثم، حوالي 5000 سنة قبل عصرنا، أُدخلت زراعة الفاصوليا. ومع ذلك، واصل السكان تنقلهم في موسم الجفاف، وظل الصيد والجمع يمدّانهم بجزء كبير من غذائهم. ومنذ قرابة 3000 سنة، ظهرت زراعة القطن، إلى جانب زراعة ثانوية لبعض النباتات مثل السابوتيل sapodilla والقطيفة.

ومنذ ذلك الحين امتلك المزارعون في الأمريكتين محاصيل حبوبية مثل الذرة، وبقوليات غذائية كالفاصوليا، الأمر الذي أتاح لهم تلبية حاجاتهم من الطاقة والبروتينات، إضافة إلى نباتات ليفية كالقطن. وعند هذه المرحلة غدت الزراعة النمط الأساسي، وربما الوحيد، لاستغلال البيئة، واستقر السكان في قرى دائمة بوادي تهواكان وفي مواقع أخرى مثل Tamaulipas, Oaxaca, وغيرها. ويُذكر أن الحيوانات الداجنة الوحيدة في المكسيك كانت الديك الرومي وبطّ المسك، وأن تدجينهما تم في فترة متأخرة نسبيًا، قبل نحو 2000 عام فقط.

ويجدر التنبيه كذلك إلى أنّ كلًا من المراكز الثلاثة الكبرى التي شهدت توسعًا متزايدًا، وهي الشرق الأدنى والصين وأمريكا الوسطى، عرفت تدجين مجموعة من النباتات القادرة على تلبية الحاجات الأساسية للسكان وقابلة للتكيف مع مساحات واسعة من الأراضي. وفي جميع هذه الحالات، تكوّن هذا النسق الثقافي من محاصيل حبوبية تمد بالكربوهيدرات، وبقوليات تؤمّن البروتينات، ونباتات تُوفّر الألياف النسيجية.

مركز غينيا الجديدة
يُرجّح أن زراعة القلقاس ونباتات أخرى من جنوب شرق آسيا وأوقيانوسيا قد بدأت في جبال بابوا غينيا الجديدة منذ نحو 10000 عام. إلا أن هذا التاريخ يظل تقريبيًا جدًا، إذ أن هذه النباتات تركت آثارًا أثرية قليلة جدًا. في البداية، يبدو أن هذه النباتات كانت محمية وربما مزروعة بالقرب من مواقع نموها الطبيعية في هذه المنطقة الغنية بالغابات.

ثم، قبل نحو 9000 عام، تم تحويل هذه الأراضي المزروعة إلى حدائق منظمة، أُزيلت منها الأشجار وجرى تحصينها بسياج، ربما كما يزعم البعض لحمايتها من الخنازير المحلية، لكن الأرجح كان حمايتها من الخنازير البرية التي كانت تتجه مباشرة نحو حقول الدرنات دون حاجة للترويض. الخنزير الداجن القادم من آسيا لم يصل إلى غينيا الجديدة إلا منذ حوالي 5000 عام، ثم تم تهجينه مع الخنازير البرية أو تلك التي كانت في طور الترويض[17]. ومنذ نحو 7000 عام، تم توسيع حدائق القلقاس لتشمل أراضي المستنقعات، مع إنشاء أحواض تم تنظيفها وتجفيفها مسبقًا.[18]


المركز الجنوب أمريكي

في أمريكا الجنوبية، لم تتمكن الدراسات الأثرية من تحديد موقع مركز الزراعة الأصلي بدقة. ومع ذلك، يعود تدجين الفاصوليا الليماوية، والفول السوداني، والبطاطس، والأوكا (درن صغير)، والكينوا (نوع من نباتات السرمقيات)، والحرمل، بالإضافة إلى الخنازير الهندية واللاما والألبكة، إلى حوالي 6000 سنة في شمال جبال الأنديز. من الواضح أن الترويض بدأ في هذه المناطق قبل وصول الزراعة القادمة من أمريكا الوسطى، ما يعني أنه بدأ بالتأكيد بشكل مستقل. ومن المحتمل أن الزراعة في أمريكا الجنوبية كانت قد انتشرت في جزء كبير من الأنديز قبل نحو 4500 عام، عندما اجتاحتها موجة الزراعة المعتمدة على الذرة القادمة من وسط أمريكا الوسطى.

مركز أمريكا الشمالية
في أمريكا الشمالية، أظهرت الأبحاث الحديثة وجود مركز أصلي يقع بين جبال الأبلاش والسهول الداخلية الكبرى[19]. بين 4000 و3000 سنة قبل عصرنا، تم زراعة أشجار الألن، واليقطين، والحميمية، والجنوبود (نوع من البوتينتيل أو الفراولة الزائفة) في هذه المنطقة. ومع ذلك، في تلك الفترة، كانت هذه المحاصيل الموسمية، التي تُزرع على ضفاف البحيرات والأنهار المعرضة للفيضانات الربيعية المنتظمة، تلعب دورًا ثانويًا فقط للسكان، الذين اعتمدوا في المقام الأول على الموارد المائية واستمروا في نمط حياتهم البدوي القائم على الصيد وجمع الثمار طوال بقية العام.

تحولت هذه المجتمعات، التي كانت لا تزال تعتمد على الصيد وتمارس الزراعة بشكل ثانوي، إلى مجتمعات زراعية مستقرة في فترة متأخرة جدًا، بين 250 قبل الميلاد و200 بعد الميلاد، مع تدجين ثلاثة حبوب أساسية قادرة على تأمين الاحتياجات الغذائية: أعشاب، والشعير الصغير، ونوع من الدخن. بعد هذه المرحلة الانتقالية الطويلة، أصبحت الزراعة في أمريكا الشمالية تعتمد على سبعة أنواع من النباتات المزروعة، التي كانت توفر نحو ثلثي غذاء المزارعين المستقرين، الذين استخدموا الفؤوس والمعاول وطواحين الحبوب والفخار والصوامع. ولاحقًا، وصل الذرة من وسط أمريكا الوسطى إلى هذه المنطقة، وبعد عدة قرون أصبحت المحصول الرئيسي بين النباتات المزروعة في أمريكا الشمالية.

مركز تايلاندي محتمل لكنه غير مؤكد
في تايلاند، وُجدت أدلة أقل وضوحًا على زراعة الحرق تعود إلى الألفية السابعة قبل عصرنا. لذلك، يرى بعض الباحثين في هذه المنطقة مركزًا محتملًا لأصل الزراعة في العصر الحجري الحديث. ومع ذلك، تبدو أول آثار الزراعة التي لا جدال فيها- مثل الأرز، والخنازير، والماشية، والدواجن- في المنطقة أقل من 5000 سنة قبل عصرنا، وهي على الأرجح نتيجة انتشار الزراعة من شمال ووسط الصين عبر شرق آسيا خلال تلك الفترة[20].

ومع ذلك، إذا وُجدت بعض الادعاءات غير المؤكدة حول اكتشاف مراكز جديدة لأصل الزراعة في العصر الحجري الحديث، فيجب التأكيد على أن بعض المراكز المثبتة اليوم تم تحديدها فقط من خلال أبحاث حديثة للغاية. فعلى سبيل المثال، كان المركز الأمريكي الشمالي لا يزال مجهولًا قبل اثني عشر عامًا فقط. لذلك، ليس من المستبعد أن يتم اكتشاف مركز أصلي آخر في غرب إفريقيا أو جنوب شرق آسيا في المستقبل. والأرجح أن المناطق التي بدأت فيها مجموعات بشرية بممارسة الزراعة البدائية خلال العصر النيوليتي كانت أكثر عددًا مما يظهر اليوم. ومع ذلك، يمكن افتراض أن بدايات مثل هذه الثورات النيوليتية، التي غمرتها وسرعتها موجة الزراعة القادمة من أحد المراكز الكبرى المنتشرة، لم تتح لها الفرصة للنجاح.

في هذه المرحلة، يبدو أن المناطق التي اعتمدت فيها مجموعات بشرية أسلوب المعيشة الجديد بصورة مستقلة ودون تأثير خارجي كانت محدودة النطاق وغير واسعة الانتشار.


في مراكز الاستقرار الأولى، وخارج الحدائق والمناطق المعرضة للفيضانات التي كانت بلا شك أولى الأراضي المزروعة، انتشرت الزراعة النيوليتية المعتمدة على الحرق إلى المناطق الغابية. ورغم أن إزالة الغابات الناتجة عن ذلك أسهمت أحيانًا في تنمية تربية الحيوانات العاشبة، التي وجدت في الأرياف بيئة أكثر ملاءمة، فإنها على ما يبدو أدت، في المقابل، إلى تراجع ملحوظ في المساحات الصالحة للزراعة، إلى حدّ دفع سكان تلك المناطق إلى توسيع نطاق قطع الغابات نحو مساحات أبعد[21].

خارج مراكز المنشأ، واجه المزارعون المهاجرون نمطين أساسيين من الأغطية النباتية شبه الطبيعية: أولهما تشكيلات عشبية تتخللها أحيانًا أشجار أو شجيرات، لكنها تظل في مجملها مفتوحة، وتشمل من الشمال إلى الجنوب: التندرا، والسهوب المرتفعة، والمروج القارية، والسهول الجافة، والسافانا الاستوائية. أما النمط الثاني فيتمثل في تشكيلات غابية تتفاوت في كثافتها ودرجة انغلاقها، وتمتد بدورها من الشمال إلى الجنوب لتشمل: التايغا، والغابات المختلطة من الصنوبريات والأشجار متساقطة الأوراق، والغابات المعتدلة والمتوسطية المتساقطة الأوراق، والغابات الاستوائية التي تفقد أوراقها في موسم الجفاف، ثم الغابات الاستوائية دائمة الخضرة.

مسلّحين بفؤوسهم المصنوعة من الحجر المصقول، استطاع المزارعون توسيع أسلوب الزراعة بالحرق الذي كانوا يعرفونه مسبقًا ليشمل الغابات الأسهل قطعًا والأكثر خصوبة. غير أنّ هذه البيئات، لبقائها كثيفة الأشجار ومغلقة، لم تسمح بتربية الماشية إلا في نطاق ضيق. لذلك، انتشرت نظم الزراعة بالحرق، التي سيتناولها الفصل التالي، أساسًا في الغابات المعتدلة والاستوائية، في حين استُبعدت التايغا الأقل خصوبة نسبيًا والغابات الاستوائية الكثيفة جدًا، التي كان إزالة غطائها النباتي أمرًا بالغ الصعوبة بالإمكانات المتاحة آنذاك.

في المقابل، وفّرت التكوينات العشبية المفتوحة، السهلة الاختراق والقابلة للاستغلال الفوري من قبل الحيوانات العاشبة المستأنسة، ظروفًا ملائمة لتطور تربية الماشية الرعوية المتنقلة أو شبه المتنقلة. وبما أن مزارعي العصر الحجري الحديث كانوا يفتقرون إلى الأدوات اللازمة لحرث التربة أو لإزالة الغطاء النباتي الكثيف في المروج والسافانا، فضلًا عن محدودية خصوبة السهول الوعرة، فقد بقيت الزراعة فيها ذات دور ثانوي. وهكذا ظهرت مجتمعات رعوية متخصصة، مثل مجتمعات تربية الأبقار في السافانا قبل تصحرها، وتربية الياك في الهضاب المرتفعة بآسيا الوسطى، وتربية الخيول في المروج والسهول الأوراسية، وتربية الرنة في التندرا، وتربية الماعز والأغنام في الحقول والتكوينات العشبية والشجرية بالهضاب المتوسطية والشرق الأدنى، إضافة إلى مجتمعات تربية اللاما والألبكة في جبال الأنديز، وغيرها.

منذ العصر الحجري الحديث برز أول تمايز جغرافي واسع بين مجتمعات الزراع ومجتمعات الرعاة، غير أنّ هذا التمايز لم يبلغ حد القطيعة التامة بين الزراعة وتربية الماشية. فقد كانت الأنظمة الزراعية التي تكاد تخلو من تربية الحيوانات، وكذلك المجتمعات الرعوية التي لا تمارس أي شكل من أشكال الزراعة، حالات نادرة. بل إنّ الأنظمة الزراعية اللاحقة، كما سنلاحظ، اتجهت في الغالب إلى تعزيز الترابط بين هذين النشاطين.


على مدى عدة آلاف من السنين، تشكّلت أربعة مجالات كبرى لتوسع الزراعة النيوليتية انطلاقًا من أربعة مراكز انتشار أساسية. فقد انطلقت الزراعة النيوليتية من وسط الشرق الأدنى،نحو 9000 سنة قبل الميلاد، واتسع نطاقها تدريجيًا في مختلف الاتجاهات. وخلال الألفية الثامنة قبل الميلاد، عمّت معظم أرجاء الشرق الأدنى وسواحل شرق البحر الأبيض المتوسط. ثم في الألفيتين السادسة والخامسة قبل الميلاد، امتد انتشارها إلى السواحل الغربية للبحر الأبيض المتوسط، مرورًا بوادي الدانوب نحو أوروبا الوسطى، ثم إلى شمال غرب القارة. وفي الفترة نفسها، تقدمت شرقًا حتى الهند وجنوبًا إلى وسط أفريقيا، متجاوزة الغابة الاستوائية الكبرى. وخلال الألفيتين الرابعة والثالثة قبل الميلاد، واصلت توسعها شرقًا بمحاذاة الحزام الواسع من الغابات متساقطة الأوراق التي تحد جنوب التايغا، إلى أن بلغت الشرق الأقصى حيث التقت بالزراعة الصينية المحلية. أما في أفريقيا، فقد استمر هذا التوسع نحو الجنوب إلى زمن قريب نسبيًا.

في الألفية التاسعة قبل الميلاد، كانت الزراعة الصينية المحلية القائمة على الدخن محصورة في وادي النهر الأصفر الأوسط والأدنى. ومع حلول الألفية الثامنة، وبعد إدخال زراعة الأرز، اتسع نطاقها ليشمل وادي نهر اليانغتسي. وقبل نحو 6000 سنة، كانت هذه الزراعة قد انتشرت إلى منشوريا وكوريا واليابان وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا، حيث تفاعلت واندمجت مع الزراعة ذات الأصل النيوغيني.كما وصلت إلى جنوب آسيا، ولاسيما الهند، حيث التقت بالزراعة القادمة من الشرق الأدنى.[22]

أما الزراعة التي نشأت في أمريكا الوسطى، والقائمة على الذرة، فلم تبدأ بالخروج من موطنها الأصلي إلا خلال الألفية السادسة قبل الميلاد، لتنتشر لاحقًا في كل من أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية. وقد توسعت جنوبًا، حتّى بلغت جبال الأنديز والساحل البيروفي منذ نحو 3500 عام، ثم وصلت إلى تشيلي قبل نحو2000 عام، حيث اندمجت في أثناء ذلك مع الزراعة التي تطورت في وسط أمريكا الجنوبية. واستمر انتشار الزراعة الأمريكية النيوليتية حتى القرون الأولى للميلاد، متجها شرقًا وجنوبًا شرقيًا، وعابرا الغابة الأمازونية الواسعة من دون أن يصل إلى أقصى جنوب القارة. ومع تقدمه شمالًا، بلغ جنوب كاليفورنيا ووسط وادي الميسيسيبي مع بدايات العصر الميلادي، وامتزج بالزراعة القادمة من وسط أمريكا الشمالية. ومن هناك، واصل امتداده نحو الشمال عبر وادي نهر أوهايو، إلى أن وصل حوالي سنة 1000 إلى ضفاف البحيرات الكبرى ونهر سانت لورانس، متجاوزًا السهول الكبرى في الوسط والغرب، وكذلك جبال الروكي والمناطق الشمالية البعيدة.

منذ العصر الحجري الحديث برز أول تمايز جغرافي واسع بين مجتمعات الزراع ومجتمعات الرعاة، غير أنّ هذا التمايز لم يبلغ حد القطيعة التامة. فقد كانت الأنظمة الزراعية التي تكاد تخلو من تربية الحيوانات، وكذلك المجتمعات الرعوية التي لا تمارس أي شكل من أشكال الزراعة، حالات نادرة. بل إنّ الأنظمة الزراعية اللاحقة، اتجهت في الغالب إلى تعزيز الترابط بين هذين النشاطين.

أما الزراعة التي ظهرت في غينيا الجديدة، والمعتمدة أساسًا على القلقاس، فقد اتسع نطاقها تدريجيًا ليشمل جزر إندونيسيا وأقاليم واسعة من المحيط الهادئ حتى بدايات عصرنا. وخلال هذا الانتشار، اغتنت بتنوع المحاصيل مثل الدخن والبطاطا والموز، إضافة إلى حيوانات مستأنسة ذات أصل آسيوي. وفي مرحلة لاحقة، حلّت البطاطا الحلوة، القادمة من أمريكا الجنوبية، محل القلقاس والبطاطا إلى حدّ كبير في معظم تلك الجزر.[23]

ويبدو أن توسع الزراعة النيوليتية خارج مواطن نشأتها كان عملية بطيئة امتدت عبر آلاف السنين. فقد احتاجت الزراعة المنحدرة من الشرق الأدنى نحو 4000 سنة لتبلغ أنهار المحيط الأطلسي وبحر البلطيق، وأكثر من 6000 سنة لتصل إلى أقصى الشرق وإلى جنوب أفريقيا. وقد تم هذا الانتشار بوتيرة متوسطة قُدّرت بنحو كيلومتر واحد في السنة.

ومع ذلك، ظلّت مساحات واسعة من العالم بمنأى عن هذه الموجة الأولى من انتشار الزراعة. ففي القرن الخامس عشر، إبّان عصر الكشوف الجغرافية الكبرى، شملت هذه المناطق أستراليا، وجنوب أفريقيا، وأمريكا الجنوبية، وشمال غرب أمريكا الشمالية، وأقصى شمال أمريكا وأوروبا. كما بقيت الغابات الشاسعة في الأمازون ووسط أفريقيا وآسيا الاستوائية، إلى جانب المروج الكبرى في القارتين الأمريكيتين، خارج هذا الامتداد الواسع. ولاحقًا، استولت المستعمرات الأوروبية واقتصاديات الزراعة واسعة النطاق على أجزاء كبيرة من هذه الأراضي التي كانت شبه بكر.

ومع ذلك، لا تزال الزراعة حتى اليوم غير منتشرة في جميع أنحاء العالم. فالصحارى الجافة، والمناطق القطبية أو الجبلية الوعرة أو ضعيفة الخصوبة، وكذلك التايغا وأجزاء من الغابات الاستوائية، ما تزال غير مزروعة، بل تُستغل أحيانًا من قبل جماعات الصيد والجمع، مثل البوشمن في كالاهاري، والإسكيمو في غرينلاند، والأقزام في غابات وسط أفريقيا، والنيغريتو في غابات جنوب شرق آسيا، وسكان الأمازون الأصليين، وغيرهم.

يمكن تمييز نمطين رئيسيين لانتشار الزراعة النيوليتية. ففي النمط الأول، قامت جماعات زراعية بالتوسع التدريجي من مراكزها الأصلية، واستقرت في أراضٍ كانت سابقًا غير مأهولة أو يقطنها صيادون-جامعون. أما النمط الثاني، فتمثل في انتقال بطيء للأدوات والمحاصيل المستأنسة والمعارف والتقنيات الزراعية إلى مجتمعات الصيد والجمع القائمة، التي تحوّلت لاحقًا إلى نمط عيش زراعي.

وتشير أغلب المعطيات الأثرية إلى أن مناطق التوسع كانت تُستعمر في الغالب على مراحل من قبل مجتمعات زراعية قائمة بالفعل. فعلى سبيل المثال، انتشر المزارعون المعروفون بالدانوبيين في أوروبا من الشرق إلى الغرب، متتبعين المجاري المائية الكبرى، ولا سيما نهر الدانوب وروافده. وقد مكّنهم امتلاك أدوات حجرية مصقولة ومحاصيل وحيوانات مستأنسة ذات أصل شرق أوسطي من الاستقرار أولًا على ضفاف الأنهار، قبل أن يتوجهوا لاحقًا إلى السهول والهضاب الأقل سهولة في الوصول. وفي هذه المناطق، كما في معظم مناطق التوسع، لا تظهر دلائل أثرية على تحوّل تدريجي لمجتمعات الصيد والجمع السابقة؛ إذ غالبًا ما تتراكب آثار مجتمعات زراعية نيوليتية مكتملة التطور مباشرة فوق بقايا تعود إلى العصرين الحجري القديم والوسيط دون مراحل انتقالية واضحة.

ويعزز هذا التفسير الاستيطاني ملاحظة أن الأقزام، رغم تعايشهم مع المزارعين ومربي الماشية لآلاف السنين، لم يعتمدوا الزراعة ما دامت لديهم مساحات كافية لممارسة الصيد وجمع الثمار. غير أنّ تقلص أراضيهم نتيجة إزالة الغابات وتقدم الاستيطان الزراعي دفعهم تدريجيًا إلى تبني نمط الحياة الزراعية. ففي رواندا وبوروندي، على سبيل المثال، اتجه أقزام الباتوا إلى الزراعة والحِرَف اليدوية عندما لم تعد الأراضي المتاحة كافية لاستمرار نشاطهم التقليدي في الصيد.

في الواقع، لا يتعارض الاستيطان الزراعي مع تبنّي الزراعة عبر الاحتكاك والاتصال. فخلال قرون، لم يشغل المزارعون المهاجرون جميع الأراضي التي وصلوا إليها، ما أتاح لهم التعايش مع جماعات الصيد وجمع الثمار، وهو تعايش نشأت في إطاره بالضرورة تبادلات تقنية وثقافية. وبحسب الظروف، جرى استيعاب الصيادين-الجامعين الأقل عددًا على المستويين البيولوجي والثقافي، أو تحوّلوا تدريجيًا إلى ممارسة الزراعة.

وقد يفسّر هذا التفاعل، جزئيًا، التحولات التي طرأت على الأدوات وأنماط السكن والفخار مع تقدم الزراعة في أقاليم جديدة.[24] ومع ذلك، تظل عملية التحول التدريجي عبر الاتصال صعبة التتبّع من الناحية الأثرية. غير أنّ حالة اليابان تقدّم مثالًا لافتًا، إذ يبدو أن مجتمعات الصيد والجمع هناك بدأت بزراعة نباتات دُجّنت في مناطق أخرى. فقد عاش شعب الجومون على الساحل الغربي لليابان منذ نحو 12 ألف عام، وكانوا يمتلكون مجموعة متطورة من الأدوات والفخار النيوليتي، كما اعتمد على استغلال واسع للموارد الغابية والبحرية من خلال الصيد.[25] وقبل حوالي 5500 سنة، شرع في زراعة أنواع متعددة من الحبوب مثل الدخن والكينوا، إضافة إلى القرعيات والبقول المستأنسة ذات الأصل الصيني. ولم يحدث الاستيطان الزراعي المنظم القادم من الصين، المصحوب بانتشار زراعة الأرز، إلا بعد ذلك بزمن طويل، أي منذ نحو 2500 عام.

غير أنّ الحالة اليابانية تبدو على الأرجح استثناءً؛ فوجود مجتمع نيوليتي متقدم للغاية سهّل تبنّي الزراعة في وقت مبكر. كما أن الموقع الجزري لليابان يرجّح أنه أبطأ وصول الاستيطان الزراعي الصيني، ما منح السكان المحليين فرصة كافية لاعتماد الأنواع المستأنسة القادمة من القارة قبل ذلك.

كما تبيّن، اصطدمت موجات التوسع الزراعي القادمة من المراكز الكبرى المتنامية بمراكز أخرى خلال انتشارها، فعملت على دمجها أو طمسها. ولا تزال المعارف محدودة بشأن الكيفية التي أُدمجت بها مراكز غينيا الجديدة وأمريكا الجنوبية ضمن مجالات توسع الزراعة النيوليتية الصينية وزراعة أمريكا الوسطى. في المقابل، توضح الدراسات الحديثة بشكل أفضل آليات استيعاب المركز الزراعي في أمريكا الشمالية من قبل المركز القائم على الذرة الذي نشأ في أمريكا الوسطى.

فحوالي عام 200 للميلاد، أُدخل إلى منطقة وسط وادي المسيسيبي صنف من الذرة ذات اثني عشر صفًا، يعود أصله إلى أمريكا الوسطى، في منطقة كانت تُزرع فيها آنذاك سبعة أنواع من النباتات المستأنسة محليًا. ورغم التطور المتسارع لزراعة هذه الأنواع المحلية، ظل انتشار هذا الصنف من الذرة محدودًا حتى نحو عام 800، لعدم ملاءمته للظروف البيئية المحلية. بعد ذلك التاريخ، ظهر صنف جديد من الذرة ذات ثمانية صفوف، يتميز بدورة نمو قصيرة وتكيّف أفضل مع المناخ الأكثر برودة. وسرعان ما انتشرت زراعته، ممتدة شمالًا حتى إقليم البحيرات الكبرى.

وبحلول عام 1000، أصبحت هذه الذرة الأكثر إنتاجية وقدرة على التكيّف تحل محل معظم الأنواع المستأنسة الأخرى في أمريكا الشمالية.[26] وعندما وصل الأوروبيون في القرن السادس عشر، كانت المحاصيل ذات الأصل الأمريكي الوسطي، مثل الذرة والتبغ والفاصوليا واليقطين، تُزرع بالفعل حتى ضفاف نهر سانت لورانس.

أثناء توسعها، واجهت مجتمعات العصر الحجري الحديث أنواعًا جديدة من النباتات البرية القابلة للاستغلال، والتي كان بالإمكان تدجينها لاحقًا. ففي حين أن بعض مناطق العالم وفّرت القليل من المحاصيل المستأنسة—كما في أوروبا، حيث اقتصر التدجين على الجاودار والشوفان—قدمت مناطق أخرى تنوعًا واسعًا من النباتات، لدرجة أنها شكّلت، بعد مراكز النشأة الأصلية، مناطق ثانوية حقيقية للتدجين.

ومن أبرز هذه المناطق:

  • شمال وغرب أمريكا الجنوبية: حيث تم تدجين الفول السوداني، والمانيهو، والقطن طويل الألياف (Gossypium barbadense), والفلفل الحار، وفول ليما، والبطاطا الحلوة، والأناناس، وغيرها.
  • أفريقيا الاستوائية شمال خط الاستواء: حيث ظهر تدجين الذرة الرفيعة، والدخن الصغير، والأرز الأفريقي، والفواندزو (بازلاء بامبارا)، وزيت النخيل، والغومبو، والبطاطا الأفريقية، وغيرها.
  • جنوب شرق آسيا: حيث نشأت زراعة الفول، والقلقاس، والبطاطا الصينية، واللفت، والليتشي، والموز، وقصب السكر، والبرتقال الياباني، وغير ذلك من المحاصيل[27].

أما فيما يتعلق بالحيوانات، فقد تم تدجين العديد منها في وقت مبكر نسبيًا ضمن مراكز النشأة: فالبقر والأغنام والماعز والخنازير والحمام في الشرق الأدنى؛ والدجاج والخنازير والبقر وربما الكلاب في الصين؛ والديك الرومي والبط المسك في أمريكا الوسطى؛ واللاما والألبكة والخنزير الهندي في أمريكا الجنوبية.

إلا أن العديد من الأنواع الأخرى جرى تدجينها لاحقًا في مناطق التوسع، مثل: الزبو في بلوشستان قبل نحو 8000 عام؛ الحصان في السهول القارية الواسعة بأوروبا الشرقية، والحمار في مصر قبل حوالي 5500 عام؛ الجمل في شبه الجزيرة العربية قبل 5000 عام، وفي إيران قبل 4500 عام؛ الجاموس المائي في الهند قبل نحو 2750 سنة؛ الدجاج البري في حوض البحر الأبيض المتوسط قبل 2500 عام؛ الياك في التبت؛ الغور في الهند الصينية، والرنة في سيبيريا قبل حوالي 2000 عام. أما الأرنب، فقد تم تدجينه في أوروبا الغربية خلال العصور الوسطى.[28]

لطالما شكل أصل الزراعة، ولا سيّما أصل النباتات والحيوانات المستأنسة، إحدى الظواهر الغامضة التي تتجاوز الفهم البشري المباشر. لذلك، لجأت التفسيرات التقليدية غالبًا إلى “أسباب” متعالية، ذات طابع سحري أو خارق أو إلهي، كما يظهر جليًا في الأساطير التأسيسية للمجتمعات الزراعية والرعوية، ولا تزال بعض آثار هذه التفسيرات حاضرة في الفكر العلمي الحديث[29]. توضح الأبحاث الأثرية والبيولوجية الحديثة أن التدجين عملية تحول بيولوجي، ونتيجة شبه تلقائية للزراعة البدائية وتربية الماشية الأولية عندما تُطبّق على أنواع برية معينة، ويمكن تفسير هذا التحول من خلال آليات جينية مفهومة جيدًا.

ويصعب ملاحظة بدايات الزراعة وتربية الحيوانات وتفسيرها، لأن النباتات التي يزرعها البشر والحيوانات التي يربونها تحتاج إلى فترة زمنية لتفقد خصائصها البرية الأصلية وتكتسب صفات داجنة واضحة. ولتحديد بدايات زراعة نوع نباتي بري، يعتمد الباحثون على مؤشرات مثل زيادة عدد بذوره في المساكن، وتركيز حبوب اللقاح في مناطق معينة، والتي تشير إلى وقت الزراعة، أو حتى وجود بذوره أو لقاحه خارج منطقة منشأه.[30]

أما بالنسبة للحيوانات، فيمكن قياس التدجين عن طريق زيادة بقايا العظام قرب أماكن السكن، رغم أن هذه الزيادة قد تنجم أيضًا عن تكثيف الصيد. ويُعدّ توزيع العظام بحسب العمر والجنس بما يتوافق مع استغلال قطيع للتربية لإنتاج اللحوم أكثر دلالة، رغم أنه قد يعكس أيضًا صيدًا انتقائيًا. وتشمل المؤشرات الأخرى للتدجين التغيرات المورفولوجية، مثل انخفاض الحجم وزيادة التباين، وبعض العلامات المرضية كالكسور والشذوذ في الأسنان، ووجود هياكل عظمية كاملة للحيوانات (في حين تكون هياكل الحيوانات المصطادة غالبًا غير مكتملة بسبب قطع الأجزاء غير الضرورية عند الذبح).

وأخيرًا، تعد الأدلة القاطعة على التدجين وجود أدوات لتقييد الحيوانات أو آثار الحظائر، وحيوانات خارج منطقة منشأها، وأشكال مروضة بوضوح (مثل صغر الحجم أو تشوهات العظام)، خاصة عندما تتواجد هذه المؤشرات مجتمعة.[31]

لفهم كيفية تكوين الأنواع المستأنسة، يجدر تبيان أن الإنسان البدائي، على مدى ملايين السنين، اكتفى باستغلال النباتات والحيوانات البرية عن طريق الصيد، مختارًا من بينها ما كان مفيدًا وسهل الاستغلال. أما في العصر الحجري الحديث، فقد بدأت المجتمعات المستقرة في تعديل هذا النمط؛ إذ عينات مـُعينة (من النباتات والحيوانات) وأخضعتهم لظروف نمو وتكاثر جديدة، نتجت عن ممارسات الزراعة البدائية.

منذ اللحظة التي تمت فيها زراعتها أو تربيتها، عاشت الحيوانات المختارة وأحفادها حياة منفصلة ومختلفة عن حياة أقرانهم البرية. وبعد عدة أجيال، فقدت ذرية بعض الأنواع النباتية الخاضعة للزراعة البدائية بعض خصائصها الجينية والمورفولوجية والسلوكية الأصلية، غير المتوافقة مع نمط حياتها الجديد، في حين حافظت على خصائص أخرى قابلة للتوريث ومفيدة.

وبذلك، وعلى الرغم من استمرار تشابه هذه الأشكال “المستأنسة” مع أسلافها البرية في العديد من الجوانب، تميزت بمجموعة محدودة من الخصائص الجديدة، مُشَكِّلةً ما يمكن تسميته بمتلازمة الاستئناس. وسنستعرض الآن بشكل أكثر دقة الآليات التي مكّنت من حدوث هذا التحول.

تتميّز جميع مجموعات الحبوب البرية بعدم التجانس. فبعض البذور تنبت في أول موسم دافئ ورطب، بينما قد تتأخر بذور أخرى في الإنبات موسمين أو ثلاثة بسبب حالة السكون الناتجة عن مواد مثبطة للإنبات توجد عادة في البراقيع الصغيرة أو القشور التي تغلف الحبوب. طالما بقيت النباتات تتكاثر بشكل عفوي، تساعد هذه الاختلافات في توزيع إنبات البذور على عدة مواسم متتالية، مما يزيد فرص التكاثر والنمو.

لكن عند الزراعة، حيث تُبذر جميع البذور معًا في موسم الأمطار الأول وتُحصد معًا لاحقًا، فإن الحصاد يقتصر على البذور النابتة غير الساكنة فقط، مما يقضي تدريجيًا على نسل البذور الساكنة المغطاة بقشور سميكة.

إضافة إلى ذلك، تتفوق الشتلات التي تنبت أولًا وتصبح أقوى في المنافسة مع النباتات الأخرى المزروعة على نفس الأرض، فتنتج نسلًا أكثر. وغالبًا ما تكون هذه الشتلات الناتجة من البذور الأكبر حجمًا، إذ يكون الألبومين الغني بالسكريات، التي يمكن تفعيلها بسرعة، أكثر نمواً نسبياً من الجنين، الأكثر غنىً بالبروتينات والأحماض الدهنية. وبهذا، يؤدي البذر والحصاد المشترك إلى اختيار السلالات سريعة الإنبات، ذات البذور الكبيرة، والغنية بالسكريات، والفقيرة نسبيًا بالبروتينات والدهون.

ولكن عند الحصاد مرة واحدة فقط، في الوقت الذي تنضج فيه أكبر كمية من الحبوب، تُستبعد الحبوب التي تنضج لاحقًا، إذ تكون الحبوب التي يُحصد منها مبكرًا عادة عقيمة. وبذلك، تُستبعد الأشكال التي تحتوي على أزهار تنضج بشكل متدرج. كما أن البذر الجماعي يميل إلى استبعاد النباتات التي تحمل سنابل صغيرة أو سيقان ضعيفة، والتي تتساقط حبوبها المبكرة قبل الحصاد.

وبالتالي، تصبح مجموعة من الخصائص التي تعزز التكاثر والانتشار التلقائي للنباتات البرية—مثل السبات، الأغلفة السميكة، الحبوب الصغيرة، الأزهار الكثيرة الصغيرة، السيقان والأغصان الضعيفة، والحبوب سهلة التقشير—غير ملائمة في ظل ممارسات الزراعة البشرية، فتُستبعد تدريجيًا. في المقابل، الخصائص المعاكسة—مثل غياب السكون، القشور الرقيقة، الحبوب الكبيرة الغنية بالسكريات والفقيرة بالبروتينات والدهون، سنابل أو أزهار أقل عددًا وأكبر حجمًا، السيقان والأغصان القوية، والحبوب صعبة التقشير—تزيد من فرص نجاح السلالات المزروعة، التي يتم حصادها عند النضج وتكاثرها عبر البذر.

كل هذه الخصائص الجينية والمورفولوجية والسلوكية المفيدة، التي تشكل متلازمة التدجين النموذجية لمعظم الحبوب المزروعة، هي نتيجة آلية شبه تلقائية للاختيار تم تطبيقها على سلالات الحبوب على مدى عدة أجيال متعاقبة منذ بداية الزراعة.


تعتمد القدرة الطبيعية للحبوب على التدجين، أو ما يُعرف بقابلية التدجين، على ميول وراثية وتكاثرية محددة.[32] بالنسبة للذرة والدخن، فإن الجينات المسؤولة عن متلازمة التدجين قليلة العدد ومجمعة على نفس الكروموسوم، مما يجعل انتقالها من الشكل البري إلى الشكل المدجن أسهل. علاوة على ذلك، بما أن الذرة والدخن والدخن الصغير والقمح والشوفان والأرز تتكاثر غالبًا عن طريق التلقيح الذاتي (أي تخصيب النبات بواسطة حبوب اللقاح الخاصة به)، فإن مخاطر التهجين مع النباتات البرية تقل، ويسهل عزل واحتفاظ الخصائص المستأنسة المكتسبة.

ومع ذلك، حتى إذا كان اختيار الخصائص المستأنسة يتم بشكل شبه تلقائي، فإن ملاحظة المزارع واختياره الواعي وعمله المنهجي يمكن أن يسهم بشكل كبير في الحفاظ على المزايا المكتسبة ونشرها. فعندما تؤدي مجموعة نباتية تحت الزراعة الأولية إلى ظهور متلازمة التدجين بعد عدة أجيال، يستطيع المزارع اختيار السلالات الأكثر فائدة لإعادة زراعتها بشكل تفضيلي، مع التخلص من الأفراد البرية والهجينة من نفس النوع. أما إذا كانت متلازمة التدجين تظهر دون قصد، فإن عملية اختيار وحفظ الأنواع والسلالات الأكثر نفعًا تصبح أكثر صعوبة.

حتى اليوم، في المناطق الساحلية التي يُزرع فيها الدخن ويختلط المزروع بالبرّي، يواصل المزارعون البحث عن النباتات الهجينة الصغيرة. ومن المثير للاهتمام أن بعض المهندسين الزراعيين في مركز أبحاث هندي المكلف بـ”حفظ الموارد الجينية” للدخن المزروع، تجاهلوا إزالة الهجينة من مجموعاتهم، فشهدت تدهورها بسرعة[33]. من هذا يمكن الاستنتاج أن التدجين لم يكن ليحدث لولا اعتماد معظم البذور المزروعة على القطف. فحتى تتحقق عملية الترويض، يجب أن تصبح البذور الناتجة عن الزراعة البدائية هي السائدة، وأن تُزرع على مدى عدة أجيال متتالية. ولهذا السبب، من غير المرجح أن يكون الترويض قد حصل في مراكز المنشأ، طالما كانت الحبوب البرية الوفيرة سهلة الجمع متاحة بكميات تفوق احتياجات السكان.

بالنسبة للنباتات البذرية غير الحبوب، فإن وتيرة الترويض تكون مشابهة إلى حد كبير. فمثلاً، تميل مجموعات البقوليات البرية إلى امتلاك قرون تفتح بسهولة عند النضج، مما يسهل انتشار البذور، بالإضافة إلى وجود بذور نائمة تنبت في أوقات متفاوتة. أما في المجموعات التي خضعت للتدجين، فتفقد هذه الخصائص، ويظهر اتجاه لإنتاج أزهار أقل عددًا وأكبر حجمًا، تحتوي على بذور كثيرة ومتجانسة النضج.

من بين النباتات التي تتكاثر خضريًا، والتي يزرعها المزارعون عبر أخذ عقل من ساق (مثل المنيهوت)، أو دفن درنة أو جزء منها (مثل البطاطس واليام)، أو زراعة برعم (مثل الموز)، يرث كل نبات مزروع خصائص وراثية مشابهة للنبات الأم. وبناءً على الرأي السائد، فإن الصفات المميزة للنبات الأم البري، الذي يُختار لإنتاج أفضل الدرنات أو الثمار أو الجذور، ينتقل بالكامل إلى نسله المزروع.

لكن الواقع أعقد من ذلك: بعض النباتات تعطي محصولًا جيدًا بسبب خصائصها الجينية الموروثة، في حين أن نباتات أخرى قد تنتج محاصيل جيدة أحيانًا فقط نتيجة ظروف نمو مواتية محلية، مثل التربة المناسبة، التعرض لأشعة الشمس، الرطوبة أو غياب المنافسة. وعلى العكس، قد لا تظهر النباتات المفيدة وراثيًا قدراتها الحقيقية إذا نمت في ظروف غير ملائمة. لذا، يتطلب الأمر وقتًا وملاحظة دقيقة لتمييز النباتات المفيدة وراثيًا عن تلك التي تحقق نتائج جيدة فقط بسبب البيئة المحيطة بها.

 يمكن أحيانًا تفضيل نوع معين دون زراعته فعليًا. فبعض الأنواع المفيدة تُحفظ ببساطة من أجل الاستفادة منها. على سبيل المثال، تُحافظ على شجرة النخيل الزيتية التي تنمو عفويًا على أطراف الغابات الاستوائية أثناء عمليات إزالة الأشجار، وكذلك على شجرة الباوباب التي تُستفاد من ثمارها وأوراقها ولحاءها، وشجرة الشيا التي توفر ثمارها لإنتاج الزبدة المعروفة باسمها. وهناك أنواع أخرى، مثل الأكاسيا البيضاء، شجرة علفية خارج الموسم تساهم في إعادة خصوبة الأراضي الزراعية في منطقة الساحل، لا تُحفظ فحسب، بل تنتشر أيضًا خارج نطاقها الطبيعي. ومع ذلك، ليس كل نوع يفضله الإنسان يكتسب خصائص منزلية بالضرورة.

تقوم عملية تدجين الحيوانات على نقل مجموعة من الحيوانات البرية من بيئتها الطبيعية لحمايتها وتشجيع تكاثرها، بهدف تسهيل استغلالها بشكل أكبر وأكثر كثافة.

مع مرور الأجيال، تتعرض هذه الحيوانات لظروف معيشية وتكاثرية مختلفة عن تلك التي تعيشها المجموعات البرية المتبقية، ما يؤدي إلى فقدان بعض الخصائص الجينية والسلوكية والمورفولوجية، واختيار خصائص أخرى، سواء كانت موجودة مسبقًا أو ظهرت نتيجة الطفرات أثناء عملية الترويض.

الآليات التي تحكم هذه التغيرات مشابهة لتلك التي تحدث عند النباتات، مع اختلاف أن الحيوانات لا تمتلك مجموعة جينات مترابطة تحدد “متلازمة التدجين”، إلا أن هناك مجموعة من الصفات النموذجية التي تميز معظم الحيوانات المستأنسة عن نظيراتها البرية.

في سياق تربية الحيوانات البدائية، لا تنجح الحيوانات الخجولة التي ترفض الأكل أو التكاثر في الأسر. أما الحيوانات العدوانية أو العنيفة أو الخطرة، فيتم عادة إزالتها، ويفضل المربون ذبح الحيوانات ذات الحجم المناسب للاستهلاك. إدارة القطعان الكبيرة تتيح للحيوانات الأضعف، والتي تحظى بالحماية الأكبر، البقاء على قيد الحياة، في حين كانت ستُقضى عليها في القطعان الصغيرة البرية. من خلال إخصاء بعض الذكور أو إبعادها عن الإناث خلال موسم التزاوج، يُتاح للحيوانات الأقل قوة وجرأة المشاركة في التكاثر.

غالبًا ما تتعرض الحيوانات المتكاثرة لنقص التغذية، وهو ما تتحمله الحيوانات الأصغر حجمًا أفضل من الأكبر حجمًا. مع مرور الأجيال، تميل تربية الحيوانات البدائية عمومًا إلى اختيار الحيوانات الأقل حساسية، والأقل عصبية، والأضعف جسديًا والأصغر حجمًا، وهي جميعها صفات نموذجية للأنواع الحيوانية الأليفة البدائية.[34]

بينما تبدو النباتات المستأنسة في البداية “محسنة” مقارنة بأسلافها البرية (بذور أكبر وأغزر، إلخ)، تبدو الحيوانات المستأنسة البدائية، على العكس، “متدهورة”. ومع ذلك، سواء بدت محسنة أو متدهورة، فإن الأنواع المستأنسة أكثر تكيفًا مع ظروف معيشتها الجديدة وأكثر فائدة للمزارع والمربي. وبالرغم من هذه المزايا، فإنها غالبًا ما تكون نتاجًا غير مقصود. فالأنواع المستأنسة تمثل النتيجة النهائية المجهولة وغير المتوقعة لعملية انتقاء مستمرة تحكمها سلسلة من أنشطة الزراعة وتربية الحيوانات، كل منها يؤدي على المدى القصير إلى نتائج مختلفة تمامًا عن النتيجة النهائية، غير المتوقعة وبعيدة المنال.

وقد تمت زراعة بعض النباتات دون أن يتم تدجينها، كما أن العديد من الحيوانات تم صيدها وإخضاعها لممارسات تربية مختلفة دون أن تتأثر بالتدجين. هذه الممارسات تركت أثرًا ضئيلًا للغاية، مقتصرًا على فترة قصيرة. ففي مصر القديمة، على سبيل المثال، تم تسمين البجع والبلشون لفترات طويلة، وتربية الضباع والغزلان والمها (نوع من الظباء) في الأسر، دون أن يؤدي ذلك إلى تدجينها. وتجدر الإشارة إلى أن ليس كل الأنواع الحيوانية قابلة للترويض؛ فالحيوانات التي لا تتكاثر في الأسر، أو تحتاج صغارها لسنوات طويلة من الرعاية، أو التي تكون هشة أو متقلبة أو عنيفة، يصعب ترويضها. كما أن الأنواع غير الاجتماعية جدًا، والتي تعيش في مجموعات صغيرة وتحدد أراضيها، ليست سهلة التدجين أيضًا.

كما كتب ج. ر. هارلان: “لم يتم اكتشاف الزراعة أو اختراعها”. وفق المعرفة الحالية، تبدو الزراعة نتيجة عملية تطورية طويلة أثرت على العديد من مجتمعات الإنسان العاقل في نهاية العصر الحجري، خلال العصر النيوليتي. كانت المجتمعات التي انتقلت من الصيد إلى الزراعة من بين الأكثر تقدمًا في ذلك العصر، إذ استخدمت أدوات حجرية متطورة، واستغلت موارد نباتية وفيرة تمكنها من العيش في قرى مستقرة، وكان من المرجح أن يمارسوا عادات الأجداد. وأخيرًا، إذا أخذنا برأي ج. كوفان في كتابه ولادة الآلهة وأصول الزراعة، فإن هذه المجتمعات كانت بالفعل تعبّد عدة آلهة.

لم تتوفر الظروف التقنية والبيئية والثقافية الخاصة التي نشأت فيها المجتمعات الزراعية الأولى إلا مؤخرًا وفي بعض المناطق المتميزة من العالم. ومن هنا يمكن تفسير سبب عدم حدوث الثورة الزراعية في العصر الحجري الحديث لدى الإنسان المنتصب أو أوائل الإنسان العاقل، وعدم ظهورها في كل مناطق العالم في وقت واحد. بعد ذلك، انتشرت الزراعة النيوليتية في عالم غير متساوٍ في مستويات التطور، غالبًا عبر الاستيطان الزراعي المباشر، أو من خلال التحول التدريجي لمجتمعات الصيادين-الجامعين التي كانت متقدمة بما يكفي في بعض الجوانب الأخرى.

لقد أدى هذا التوسع الزراعي في العصر الحجري الحديث بلا شك إلى زيادة كبيرة في عدد سكان العالم، لكنه لم يكن، عاما، رد فعل مباشر على الأزمات التي كانت تواجهها مجتمعات الصيادين-الجامعين الرحل السابقة. من ناحية أخرى، في مراكز نشوء الزراعة النيوليتية، من المرجح أن السكان المستقرين في قرى متزايدة الحجم، يستغل كل منها منطقة محددة، واجهوا في مرحلة ما حدود القدرة على استغلال الموارد عن طريق الصيد البسيط. منذ ذلك الحين، أصبح الوقت اللازم لجمع وصيد الأنواع البرية المستغلة بشكل مفرط أكثر أهمية من الوقت المطلوب لزراعتها وتربيتها. وبما أن الظروف التقنية (الأدوات) والسلوكية (الحياة المستقرة) كانت متاحة بالفعل، أصبحت الزراعة البدائية وتربية الحيوانات أكثر جدوى في تلك المناطق مقارنة بالصيد وحده. ومع ذلك، كان على هذه المجتمعات بعد ذلك تحقيق الشرط الأخير والأكثر تعقيدًا لتطور الزراعة، وهو ثورة اجتماعية وثقافية حقيقية. وعلى الرغم من أن هذه الثورة تبدو لنا ضرورية بعد مرور الوقت، إلا أنها لم تكن حتمية في البداية.

انتشرت الزراعة النيوليتية في عالم غير متساوٍ في مستويات التطور، غالبًا عبر الاستيطان الزراعي المباشر، أو من خلال التحول التدريجي لمجتمعات الصيادين-الجامعين التي كانت متقدمة بما يكفي في بعض الجوانب الأخرى.

من غير المؤكد أن المزارعين الأوائل كانوا قادرين على ملاحظة وحماية نسل النباتات والحيوانات التي قدمت لهم فوائد واضحة. ومع ذلك، يبدو أن التدجين كان في الأساس نتيجة نهائية غير متوقعة وغير متصورة مسبقًا، تنشأ عن ممارسات الزراعة البدائية وتربية الماشية البدائية التي طُبّقت على مجموعات من الأنواع البرية المستغلة بشكل خاص، والتي ثبت تدريجيًا أن بعض عناصرها كانت “قابلة للتدجين”.

لقد سعينا إلى تقديم صورة شاملة للثورة الزراعية في العصر الحجري الحديث، بما في ذلك مراكز نشأتها، ومناطق انتشارها، والمناطق الثانوية للتدجين، وآليات تدجين النباتات والحيوانات، استنادًا إلى المعرفة الحالية، الغنية من حيث الكم والنوع، لكنها مع ذلك غير مكتملة ومربكة وأحيانًا متناقضة. وهكذا، تبدو هذه المغامرة الإنسانية الضخمة منذ بدايتها كنتيجة لتاريخ تقني وثقافي وصل إلى مستوى معين واستمر بوسائل جديدة ضمن ظروف جغرافية وبيئية محددة، وليس نتيجة لإلهام مفاجئ أو صدفة سعيدة أو إرادة حرة للبشر تعمل خارج هذه الظروف والإمكانيات المتشكلة تاريخيًا والجغرافيا.

يعتمد إعادة بناء الثورة الزراعية النيوليتية على آثار الأنشطة البشرية التي جمعها العلماء ونظموها وفسّروها بصبر. تكشف هذه الآثار أساسًا عن التغيرات التي طرأت على الحياة المادية للبشر في كل فترة. وبغياب المصادر المكتوبة، يصبح من الصعب جدًا الوصول إلى أفكار هؤلاء الأشخاص. ومع ذلك، لا ريب أن هذه التغيرات كانت مصحوبة، بالنسبة لمن عاشوها، بانقلاب في علاقتهم بالعالم وبأنفسهم. ورغم استحالة فهم ووصف الثورة الزراعية في العصر الحجري الحديث بشكل كامل، فمن المؤكد أنها استلزمت من الذين قاموا بها عددًا لا يُحصى من الاختراعات والخيارات والمبادرات والتفكير في جميع جوانب الحياة المادية والاجتماعية، وكذلك في ميادين الفكر والمعتقدات والأخلاق واللغة ووسائل التعبير المختلفة.

ترجمة : وحيد عسري

مراجعة : مروة الشريف

  • النص أعلاه هو الفصل الثاني مترجم من اللغة الانجليزية إلى العربية من كتاب: A History of World Agriculture: From the Neolithic Age to the Current Crisis, Marcel Mazoyer and Laurence Roudart, Earthscan, 2006

[1]  J. R. Harlan, Les Plantes cultivées et l’Homme (1987).

[2]   Jacques Cauvin, The Birth of the Gods and the Origins of Agriculture, trans. Trevor Watkins (New York: Cambridge University Press, 2000).

[3]  Harlan, Les Plantes cultivées et l’Homme.

[4]  Achilles Gautier, La Domestication et l’homme créa ses animaux (Paris: Errance, 1990).

[5]  O. Rollefson, Le Néolithique de la vallée du Jourdain, 1994; North American center, D. H. Thomas, Agriculteurs due Nouveau Monde (1994); Chinese center, Harlan, Les Plantes cultivées et l’Homme.

[6]  Cauvin, Birth of the Gods and the Origins of Agriculture.

[7]  Marshall Sahlins, Stone Age Economics (Chicago: Aldine–Atherton, 1972);and following him Cauvin, Birth of the Gods and the Origins of Agriculture, and Harlan, Les Plantes cultivées et l’Homme.

[8]  Cauvin, Birth of the Gods and the Origins of Agriculture.

[9]  المرجع نفسه.

[10]     Payot, 1977) Gerald Mendel, La Chasse structurale: une interprétation du devenir humain (Paris: 

[11]    1994), pp. 138–39.P. Bellwood, “Les origines des familles de langues,” in L’Âge de pierre (Paris: Bordas,

[12]  . Renfrew, L’Énigme indo-européene.

[13]  Arab, Hebrew, and Nilotic languages: Louis Hjelmslev, Language: An Introduction, trans. Francis J. Whitfield (Madison: University of Wisconsin Press, 1970); languages of African farmers: Cheikh Anta Diop, Nations nègres et Culture, 3rd ed. (Paris: Présence africaine, 1979).

[14]  Harlan, Les Plantes cultivées et l’Homme.

[15]  Gautier, La Domestication.

[16]  Harlan, Les Plantes cultivées et l’Homme.

[17]  Gautier, La Domestication.

[18]  J. P. White, “Peuples du Pacifique,” in L’Âge de pierre (Paris: Bordas, 1994), pp. 145–61.

[19]  D. H. Thomas, Agriculteurs du Nouveau monde (1994).

[20]  P. Bellwood and G. Barnes, “Les agriculteurs d’Asie du Sud et de l’Est,” in L’Âge de pierre (Paris: Bordas, 1994), pp. 123–43.

[21]  G. O. Rollefson, Le Néolithique de la vallée du Jourdain (1994).

[22]  Re the Blue River: Bellwood, “Les Origines des familles de langues.”

[23]  J. Barrau, “Histoire et préhistoire horticoles de l’Océanie tropicale,” Journal de la Société des océanistes (1965): 55–78.

[24]  P. Rolley-Conwy, “Chasseurs-Cueilleurs at Agriculteurs de l’âge de pierre en Europe,” 1994.

[25]  G. Barnes and P. Bellwood, Les Agriculteur d’Asie du Sud et de l’Est (1994).

[26]  D. H. Thomas, “Agriculteurs du nouveau Monde,” in L’Âge de pierre (Paris: Bordas,1994), pp. 163–85.

[27]  Jack R. Harlan, “Les origines de l’agriculture,” La Recherche 3, no. 29 (1972): 1035–43.

[28]  Gautier, La Domestication.

[29]  Cauvin, Birth of the Gods and the Origins of Agriculture.

[30]  Jack R. Harlan, Crops and Man, 2nd ed. (Madison: American Society of Agronomy: Crop Science Society of America, 1992).

[31]  Gautier, La Domestication.

[32]  J. Pernès, “La gégétique de la domestication des céréales,” La Recherche 14, no. 146 (1983): 910–19.

[33]  المرجع نفسه.

[34]  Gautier, La Domestication.

وحيد عسريمؤلف

باحث ومترجم من المغرب.