نظمت شبكة سيادة والحركة الزراعية في لبنان بالتعاون مع اتحاد بلديات صور – وحدة إدارة الكوارث، النسخة الأولى من مدرسة السيادة الغذائية في لبنان، تحت عنوان: “السيادة الغذائية والتنظيم والمقاومة، على مدار الأيام 28-29-30 سبتمبر 2025. وقد ضمت المدرسة أكثر 30 مشاركة\ك من مزارعين وباحثين ومهندسين زراعيين ونشطاء وباحثين.
تندرج هذه الدورة التكوينية ضمن عمل شبكة سيادة في تنظيم أنشطة وفعاليات لدعم نضالات وقضايا صغار منتجي الغذاء في المنطقة العربية/شمال افريقيا.
اليوم الأول: الحملة الميدانية وزيارات التضامن

بدأ اليوم الأول بحملة ميدانية وزيارات تضامنية إلى عدد من القرى في بلدة صور، حيث شارك المنتسبين للمدرسة والمزارعون في توزيع أشجار مثمرة وأصناف محلية نادرة جرت زراعتها وتكثيرها بالتعاون مع مزارعين محليين ضمن نهج الزراعة الإيكولوجية. شملت هذه الزيارات توزيع أكثر من 1,000 غرسة شجر على قرى الحميري، والكنيسة، وجبال البطم.
أكّد هذا النشاط على أهمية الزراعة التضامنية وربطها بالسيادة على الغذاء، حيث ناقش المشاركون مع المزارعين التحديات التي تواجههم في ظل الظروف الاقتصادية والبيئية الصعبة، والتأكيد على العمل التشاركي لحماية التنوع البيولوجي وتعزيز الإنتاج المحلي المستدام.
اختُتم اليوم بزيارة الأراضي القديمة في جبال البطم حيث شاهد المشاركون زراعة الفستق وأهميته البيئية والاقتصادية كمصدر محلي مقاوم لظروف الجفاف والتصحر.
اليوم الثاني: التحليل والنقد والممارسات الميدانية
بدأ اليوم بجلسة تمهيدية بعنوان “من النقد إلى الفعل” وضِع فيها أسس العمل الجماعي وتحديد أهداف المشاركين وتوقعاتهم.
بعدها، قام المشاركون بزيارة ميدانية إلى واحدة من أكبر المزارع المتخصصة في الزراعة الأحادية للموز في الجنوب. أدار النقاش المهندس علي دبوق ممثل الشركة الزراعية، حيث عرض نموذج الزراعة التصديرية القائمة على الربح والاستخدام المكثف للمبيدات.
شكّلت هذه الزيارة نقطة حوار نقدي حول النموذج الصناعي الزراعي غير العادل الذي يهمّش المزارعين ويضرّ بالبيئة والصحة العامة. وقد أبدى المشاركون – من علماء ومزارعين وباحثين ومهندسين زراعيين – رفضهم لهذا النموذج الأحادي الذي يربط الزراعة بالربح فقط، مؤكدين على ضرورة العودة إلى نظم الزراعة العادلة والمستدامة.


- ورشة حول دور السلطات المحلية في السيادة على الغذاء
بعد الظهر، عُقدت جلسة حوارية مع الأستاذ مرتضى مهنا حول دور البلديات في تعزيز استراتيجيات الاستدامة، وأهمية الدمج بين الحوكمة المحلية والعدالة البيئية والاجتماعية.
وعرض أ. مرتضى تجربة وحدة ادارة الكوارث في اتحاد بلديات قضاء صور خلال الحرب الأخيرة على لبنان ودار نقاش حول مفهوم الصمود والمقاومة وكيفية تحويل هذه المفاهيم الى فعل مقاوم.
- جلسة تعريفية لشبكة سيادة:
بعد الجولة، تعرف المشاركون إلى شبكة سيادة وعملها ومفهوم السيادة على الغذاء، كما على تجارب أخرى في السيادة على الغذاء والمدارس التكوينية في تونس ومصر.

- جلسة نقاش حول العدالة في النظم الغذائية: من يصنع غذاءنا؟
بعد تقديم ملخص حول الهيمنة على سلاسل الإنتاج العالمية وارتباطاتها بموارد الغذاء في لبنان والمنطقة، تمت مناقشة الموضوع بشكل تفصيلي مع المنتسبين.
واختُتم اليوم بزيارة سياحية ثقافية إلى آثار مدينة صور التاريخية، لربط الهوية الثقافية بالغذاء والأرض.

اليوم الثالث: السيادة على الغذاء والتعلّم الحقلي
- جلسة وورش: مفهوم السياسة، المناصرة، التنظيم
انقسم المشاركون إلى مجموعات عمل حول المواضيع المطروحة للنقاش، ومن ثم عرضت كل مجموعة ما توصلت إليه حول السياسات وكيفية مناصرتها أو نقضها وأدوات التنظيم المطروحة لتحقيق المطالب.
كان اليوم الأخير في مزرعة بذور صور (Seeds of Sour)، حيث تعرّف المشاركون على نموذج الزراعة الإيكولوجية الذي يجسّد قيم السيادة الغذائية، إنتاج البذور البلدية، تصنيع المحاليل الحيوية، إدارة الكومبوست، ومكافحة الآفات بطرق طبيعية.


الكتابة للقضية: تعرف المشاركون على أسس الكتابة والتعبير عن الرأي والخطوات والتجارب المماثلة والفرص المتاحة.


نتائج المدرسة وتوصياتها
بعد انتهاء جلسات المدرسة الحقلية البيئية، قام المشاركون/ات في المدرسة الحقلية باقتراح توصيات بناء على النقاشات المتعددة التي انخرطوا بها مع المنظمين والباحثين وعلى ضوء الخبرة الميدانية التي مروا بها. تتوزع التوصيات على أربعة أبعاد، وفيما يلي بنودها.
البعد الإنساني الاجتماعي
- الحرص على إنشاء علاقة إنسانية تفاعلية مع المزارعين/ات والفلاحين/ات قائمة على الاحترام والتي تهدف إلى تكوين صورة واضحة عن واقعهم الميداني الحقلي والبيئي والاجتماعي.
- التشبيك بين البلديات بهدف تناقل المعرفة الحقلية القائمة على السيادة على الغذاء ومكافحة الإبادة البيئية التي تقودها شركات الصناعة الزراعية العالمية الضخمة المتعددة الجنسيات.
- إنشاء وتفعيل نقابات (تعاونيات) المزارعين والعمل على دعمها وتشبيكها للمطالبة بحقوق المزارعين المشروعة والمكتسبة.
- إيجاد شبكات تواصل بين المزارعين/ات لاستدامة الدعم وتبادل الخبرات والاستشارات.
- تحفيز البلديات للتفكير في دعم ومساندة المزارعين/ات للتحول إلى الزراعة البيئية.
البعد المعرفي العلمي والعملي

- مأسسة المدرسة الزراعية البيئية.
- الحفاظ على إرث المعرفة الحقلية القائمة على استخدام البذور البلدية الأصلية ومعرفة المزارع/ة للأرض، والطقس، ورزنامة الطقس والزراعة التقليدية، وغيرها من المعارف التي توارثتها الأجيال عبر الأجداد وتطوير هذه المعرفة مع مستجدات الأرض بيئيا واقتصاديا وسياسيا.
- الانتقال من المعرفة النظرية إلى العمل الحقلي والميداني.
- العمل على زيادة وعي ومعرفة المتطوع بيئيا، وزراعيا، وسياسيا، واجتماعيا، وعلميا، ومشاركة هذا الوعي والمعرفة مع المزارعين/ات لمكافحة أنماط استغلال الشركات العالمية متعددة الجنسيات والتي تهدف إلى إخضاع المجتمعات الريفية في دول الجنوب العالمي لسياساتها الاستعمارية المختفية وراء ستار العلم والحداثة.
- إنشاء مكتبة أو بيت بذور بلدية أصلية، ومركز متخصص لجمع البذور، وإيجاد مساحة من خلال المكتبة لتبادل خبرات المعرفة بالبذور والزراعة التقليدية، والحرص على تواجد مكتبات أو بيوت بذور في كافة المحافظات لحماية الإرث البذري وإبقائه للأجيال القادمة ومكافحة إخضاع الشعوب من خلال تجويعهم.
- العمل على وضع آليات لحماية البذور البلدية في كافة المحافظات والبلديات.
- إيجاد آلية لإتاحة وتسهيل وصول المزارعين/ات للبذور البلدية من خلال منصات أو تعاونيات زراعية.
- استحداث دليل لتحضير واستعمال المحاليل والخلطات المغذية للتربة والمُكافِحَة للآفات الزراعية وتوفير هذا الدليل للمزارع بطرق مختلفة يسهل الوصول لها.
- إيجاد آليات لتشجيع عدد أكبر من المزارعين/ات ذوي الحيازات الصغيرة والكبيرة على زراعة المحاصيل البلدية البعلية المتعددة الأنواع (حمضيات، تين، توت، لوزيات، زيتون، خروب، بطم، فستق حلبي، صنوبر، إلخ)
- التفكير الحثيث للتراجع بشكل متدرج ومدروس من الزراعة الأحادية المصدرة القائمة على طلب السوق الخارجي (موز، أفوكادو، إلخ) لصالح زراعة الأصناف المحلية المتعددة والتي تمتد على كامل المواسم الزراعية.
- مراجعة الدور الحيوي لحيوانات المزرعة لأهميتها المتعددة وتشجيع المزارعين على إعادة إدخالها للحياة الحقلية لاستخدامها زراعيا (الروث والحركة التي من شأنها أن تقلب الأرض وتغذي التربة وكائناتها الدقيقة) وغذائيا ب(استهلاكها).
- التفكير في آليات لحماية وتجميع والمحافظة على المياه الجوفية والسطحية الضرورية لكامل الحياة الزراعية البعلية بشكل خاص.
- استخدام بدائل الطاقة حيثما أمكن بطرق مسؤولة ومبتكرة لدعم العمليات الزراعية المختلفة.

البعد الاقتصادي
- مشاركة بيانات الاقتصاد الزراعي مع المزارعين/ات.
- تحديث مخططات الأراضي الزراعية.
- العمل على استحداث تسهيلات لجباية الضرائب خاصة للمزارعين ذوي الحيازات الصغيرة.
- إيجاد بنية مدروسة لإنشاء علاقة مباشرة بين المزارع والمستهلك لتجاوز سلطة الحسبة.
- توفير أسواق أسبوعية لتصريف الإنتاج الحقلي.
- إقامة واستدامة المهرجانات الموسمية للمحاصيل البلدية التي عُرِفَ لبنان بها.
البعد البحثي
- الحرص على أخلاقيات البحث البيئي الزراعي والعمل الميداني وخصوصية الأشخاص، والأماكن، والأزمان.
- دعوة الجمعيات والنقابات والأفراد من فئات الشباب والمزارعين/ات المخضرمين/ات للمشاركة بالأنشطة والمؤتمرات الزراعية البيئية للبدء بمشاريع زراعية بيئية.
- توظيف الأبحاث العلمية في الجامعات لخدمة الزراعة البيئية المحلية.


عكست المدرسة الصيفية للسيادة على الغذاء والزراعة الإيكولوجية روح التضامن والمعرفة المشتركة، ونجحت في بناء جسر بين العلم والعمل الحقلي، وبين السياسة المحلية والسيادة الشعبية. من خلال هذه التجربة، تجدد التأكيد على أن الغذاء حقّ وليس سلعة، وأن تحقيق العدالة البيئية والاجتماعية يتطلب تحرير الأرض والبذور والمعرفة من الهيمنة.
- للاطلاع على تقرير حول مدرسة السيادة الغذائية التي نظمتها شبكة سيادة في تونس: اضغط\ي هنا

