شبكة سيادة تنظم الدورة الأولى من مدرسة السيادة الغذائية بتونس



نظمت شبكة سيادة بالتعاون مع جمعية نوماد 08، في الفترة الممتدة من 18 إلى 22 يونيو 2025 بمدينة قابس الدورة الأولى من مدرسة تونس للسيادة الغذائية، وشارك فيها حوالي 34 شخص منهم فلاحون وفلاحات صغار ومناضلون ومناضلات وباحثون-ات.

تندرج هذه الدورة التكوينية ضمن عمل شبكة سيادة في تنظيم أنشطة وفعاليات لدعم نضالات وقضايا صغار منتجي الغذاء في المنطقة العربية/شمال افريقيا.

نظمت الدورة الأولى تحت شعار: فهم وتنظم ومقاومة

تعد المسألة الزراعية في منطقتنا محورا رئيسيا لأي تغيير ديمقراطي في بلداننا وأي تغيير حقيقي في موازين القوى التي تحكم مصائر شعوبنا، ونتطلع بكل حزم إلى المساهمة في نقل المعارف وتطويرها بمعية الطلبة والباحثين وصغار منتجي الغذاء وغيرهم من المعنيين والتعاون معهم في بناء القدرات وتحسين الكفاءات سواء فيما يخص الاطلاع على مفاهيم السيادة الغذائية والعدالة البيئة والمناخية، وتطوير زوايا التفكير النقدي.

باعتبارهم الجيل الصاعد الذي نتطلع إلى أن يواصل العمل ويغذي النضال في المنطقة التي نعيش فيها. 

إن أهمية تنظيم مدارس تكوينية لصغار منتجي الغذاء، وللشباب المتطلع إلى التغيير الاجتماعي والسيادة الغذائية مسألة ملحة خصوصا مع صعود موجة اليمين المتطرف في العالم، بالتوازي مع نمو روح المقاومة والطوق للتغيير والانعتاق في منطقتنا وهو ما يتيح لنا الفرصة في التنقيب عن طاقات جديدة والانفتاح على جيل صاعد ونقل العبر والدروس المستخلصة من عثرات الانكسارات السابقة. واجبنا اليوم أكثر من أي وقت مضى أن نشتغل أكثر مع الطاقات الميدانية والمتحمسة التي تلج ساحات النضال وتثقيفها بمبادئ تقدمية حول العدالة البيئية والمناخية والسيادة الغذائية.

شهد اليوم الأول مداخلة تأطيرية باعتماد خرائط علمية متنوعة، تناولت الأبعاد المناخية والبيئية في تونس. ساعدت هذه الخرائط على تفسير المناخات المحلية، والموارد المائية، بالإضافة إلى المنظومات الإيكولوجية، والتنوع البيولوجي حيث جرى توضيح مدى التكامل الموجود في الوسط البيئي للبلاد، إلى حين بروز تحولات أنماط الإنتاج والغذاء منذ الاستعمار الذي عملت على تغيير كامل البنية الطبيعية للبلد: منظومات الانتاج ومناويل الانتاج الأحادي، وادخال الأصناف المهجنة، والمدخلات الكيميائية، والتبعية الغذائية، ودعم الاستهلاك الرأسمالي، وضرب المنظومات التقليدية.

بالإضافة الى الاستناد على المنطق الاستخراجي والانتقال الى سيرورة الإفقار: السلب الممنهج، التحول من البادية إلى المناجم، وإفراغ الأرياف إلى تخوم المدن وصولا إلى أزمة الفلاحة المعيشية. وفقدان السيادة الغذائية.

بعد المداخلة، جرى تنظيم أربع ورشات عمل جماعية في الفترة الزوالية بين المشاركين-ات، لنقاش التحولات التي طرأت خلال الفترات الماضية على المنظومة البيئية في تونس، سواء قبل او بعد الاستعمار. 

وتناولت كل ورشة: تحليل أمثلة من تجارب المشاركين وتنزيلها حسب السياق السياسي والخصوصيات المناخية والاجتماعية والثقافية، مع اختيار منطقة معينة لكل مجموعة لمحاولة توصيف التحولات التي عاشها مجالها الريفي منذ الاستعمار إلى اليوم.

نقاشات مدرسة تونس للسيادة الغذائية
نقاشات حول شبكات التنظم الواسع

جاءت أنشطة اليوم الثاني على شكل مداخلتين تأطيريتين تهدفان إلى كشف آليات الاستغلال البنيوي للفلاحين/ات والطبيعة، وتحليل من يتحكم في الدورة الإنتاجية، حيث جرى الاستناد إلى محاور عمل محدد وهي فهم علاقات الإنتاج في الفلاحة التونسية من خلال التطرق الى المفاهيم التالية: العمل، وأدوات الإنتاج، وعملية الإنتاج، والملكية، والكلفة، والقيمة المضافة، والربح.

مدرسة تونس للسيادة الغذائية
ورشة تحليل علاقات الإنتاج في الأرياف، مجموعة العمل الاولى

كانت هذه المفاهيم مدخل الى الورشات الأربع لنفس اليوم، حيث نوقشت باستفاضة من أجل تبسيطها وشرحها للحضور، مع وضعها في سياقات محدد وإعطاء أمثلة من الواقع، حتى يجري استيعابها من المشاركين على قدر واحد من الإدراك.

كما اعتمدنا خلال هذا اليوم على خلاصات الورشات التي كانت متنوعة من حيث الأمثلة التي اقترحها المشاركون وعُرضت للنقاش الذي ساهم في الفهم والاستيعاب.

تناولت ورشات هذا اليوم فكرة شرح وتبسيط أوجه الاستغلال الفلاحي عبر مقارنة عملية ونظرية بين مستغلة رأسمالية، ومستغلة أسرية، ومستغلة تعاونية، ومستغلة دولية. 

ورشة بمدرسة السيادة الغذائية
ورشة تحليل علاقات الإنتاج في الأرياف، مجموعة العمل الثانية

خلال المدرسة قمنا ببرمجة يوم زيارة ميدانية الى منطقة غنوش وشنني بقابس؛ حيث انطلق المشاركون والمشاركات بشكل جماعي في الحافلة باتجاه، المجمع الكيميائي بقابس، الذي يعد أخطر مصدر للتلوث في المنطقة إن لم يكن في البلد، ويعرف هذا المجمع احتجاجات متواصلة لسكان مدينة قابس وواحاتها على الأدخنة والسموم (الأمونياك والفوسفوجيبس وغيرها) التي ينفثها في الهواء وايضا عبر ما يطرحه من مواد سامة في البحر، الذي أصبح ملوث بالكامل ويشهد نفوق متواصلا للسلاحف والاسماك على شواطئه وانعدام أي حياة به.

زيارة للمجمع الكيميائي بتونس
زيارة موقع التلوث بشط السلام، بالقرب من المجمع الكيميائي التونسي

سجل المشاركون خلال وقفتهم بالقرب من المجمع الكيميائي بقابس احتجاجهم وتضامنهم مع سكان المدينة جراء هذه المعضلة البيئية التي أصابت المواطنين والفلاحين وصغار الصيادين.

بعد ذلك انتقلت القافلة في اتجاه منطقة غنوش، حيث استضافنا عم هادي في سبخة استصلحها على مدار سنوات، وشرح للمشاركين مدى المعاناة التي يعيشها فلاحو وفلاحات غنوش الذين استصلحوا السبخات التي كانت أراضي غير صالحة للزراعة بسبب ملوحتها المرتفعة، وباشروا زراعتها بسواعدهم وكدهم من سنوات، وقد نجحوا في ذلك دون مساعدة من الدولة. وتعد مسألة الأرض في سبخات غنوش من أكبر المشاكل التي تهدد الفلاحين والفلاحات بالطرد والتشرد، حيث لا يملكون تلك الأراضي ويمكن انتزاعها منهم في اي لحظة عبر القوة العمومية وإخراجهم منها.

إن مطلب فلاحي غنوش الرئيسي هو حقهم في تمليكهم القطع الأرضية في السبخات التي استصلحوها بسواعدهم وأصبحت هي المصدر الوحيد لمعيشتهم ووجودهم في غنوش. وقد جرى خلال هذا اليوم نقاش تجارب مؤلمة لصغار الفلاحين في غنوش طردوا من تلك السبخات وشردوا هم وعائلاتهم. كما تم التطرق الى تجارب وتقنيات التي اعتمدها عم الهادي وعائلته لجعل الأرض صالحة للإنتاج الفلاحي وخلق منتوجات صحية بدون اسمدة كيميائية لصالح الأسواق المحلية.

زيارة ميدانية خلال مدرسة السيادة الغذائية
 عم الهادي يشرح مجهوداته الجبارة في تحويل سبخة غنوش الى ارض منتجة

بعد لقاء عم هادي، قصدنا مجمع نساء الأمل للفلاحة والصيد البحري، وهو تجربة فريدة لحالة تنظم في المنطقة حيث شرح لنا أعضاء المجمع، الوضع البيئي المتفاقم في المنطقة، بسبب التلوث البحري الذي سببه المجمع الكيميائي، وعرفت الثروة السمكية تراجع كبيرا، أثر بشكل مباشر على صغار الصيادين الذين فقدوا مصادر رزقهم، وأصبح عددهم يقل مع مرور الوقت.

زيارة ميدانية
داخل مقر مجمع نساء الامل للفلاحة والصيد البحري

كما انخرطت نساء من المنطقة في المجمع لتحسين دخلهن عبر الإسهام في عمل المنتجات البحرية لاسيما السلطعون. وتجد النساء مشاكل بالغة في النفاذ إلى أي أشكال من التنظم الذاتي ضمن المجمعات أو التعاونيات بتونس. ونجحت نساء المجمع في استغلال كثرة السلطعون الأزرق في عديد المنتوجات الغذائية (وهو صنف غازي دخيل على السواحل التونسية يقلق البحارة كثيرا من خلال مهاجمته لشباك الصيد والقيام بتقطيعها، يسمى محليا بداعش).

من زيارة شبكة سيادة لمجمع الصيد
تخزين النساء العاملات بالمجمع للسلطعون الازرق

بعد ذلك انتقلت القافلة إلى قرية شنني، لزيارة عم صالح (85 سنة)، وهو فلاح صغير من أهم المحافظين على البذور الاصيلة المحلية في تونس، وتعد تجربته ملهمة لصغار الفلاحين في تونس وفي المنطقة العربية بالنظر إلى فاعليتها.

جانب من زيارة واحة شنني
واحة شنني نحال، أرض عم صالح

 في غرفة صغيرة داخل مزرعته المتواضعة، يخزن عم صالح أنواع البذور المحلية (قرع وجزر وفلفل..) واكتسب خلال تجربته معارف تقليدية غنية جدا، للحفاظ على البذور، حيث شرح للمشاركين آليات اشتغاله منذ عقود، استطاع خلالها أن يضمن سيرورة توارث تلك البذور باستعمال تقنيات المعالجة الطبيعية من الحشرات والتسوس مثل الاستعانة بأوراق التبغ.

زيارة ميدانية خلال مدرسة تونس
داخل غرفة العم صالح للبذور الاصيلة

قضى عم صالح عمره في الفلاحة البيئية، محافظا على معارف أصيلة لضمان سيادة غذائية في منطقته، ويشارك في مختلف الفعاليات التي تنظمها منظمات مدافعة عن السيادة الغذائية.

خلال الفترة المسائية نظمنا عرض جماعي للشريط السينمائي “أنا مغتصبة“، للمخرجة وفاء خرفية، وناقش الحضور هذا العمل الفني الذي يلامس أهم قضايا السيادة الغذائية وهو ملكية الأرض وحرمان النساء المزارعات منها.

مشاهد من عرض فيلم انا مغتصبة
مشاهد من الفيلم

قدم خلال منتصف اليوم الأول عرض حول التعريف بالإعلان العالمي لحقوق الفلاحين والعاملين بالمناطق الريفية، وهو اعتراف دولي بحقوق الفلاحين حيث يشمل الحقوق الاساسية مثل: حق الارض والبذور والحق في السيادة الغذائية الخ، كما تناولنا أهمية هذا الاعلان بكونه كتب بأيدي الفلاحين والفلاحات ومبني على واقعهم وخبراتهم الممتدة عبر اجيال، بالإضافة إلى كون الإعلان آلية يمكن أن تحمي الفلاحين عبر التقاضي في المحاكم والتوعية والتثقيف الشعبي بحقوق الفلاحين.

نقاشات بمدرسة شبكة سيادة حول UNDROP
نقاشات ورشة الإعلان العالمي لحقوق الفلاحين UNDROP

كان التعريف بالإعلان العالمي لحقوق الفلاحين مسألة مهمة، جرى عبرها حث الباحثين والصحفيين والحقوقيين على استعماله للدفاع عن حقوق الفلاحين، والأهم أنه تم توضيح أن الإعلان يعد أرضية مناسبة لحشد القوى المناضلة بناء ميزان قوة شعبي لانتزاع المكاسب من أجل سيادة الشعوب على الغذاء.

مدرسة شبكة سيادة بتونس

كتيب مصور حول المدرسة: هــنــا

تقرير: شبكة سيادة