المنظور الليبرالي للبنك العالمي بمجال الزراعة



يشترط البنك العالمي التخلي كليا عن كلّ سياسة تندرج ضمن نموذج “إحلال الواردات” وتبني منظورات “التنمية المرتكزة على التصدير”. يموّل البنك عمليات تعزيز البُنى التحتية المرتبطة بإنتاج المواد الخام الملبّية لحاجيات أسواق بلدان الشمال (المعادن، المحروقات)، والزراعة الموجَّهة للتصدير (القطن، الفول السوداني، الكاكاو والبنّ). ويلجأ مسيّرو ذات البنك ومنظمات من قبيل مؤسّسة بيل غيتس إلى تشجيع الزراعة الصناعية بمئات ملايين الدولارات، مساعدين على هذا النحو الشركات متعددة الجنسيات مثل مونسانتو، سانجينتا وبيونير كارجيل وغيرها، على تسجيل وبيع براءات اختراع تهمّ نباتات وبذور، هي ملك مشترك للبشرية وللمجتمعات المحلية منذ آلاف السنين، مضيفة لها براءات اختراع أجسام معدلة وراثيا، ومبيدات وأسمدة.

وهكذا أضحت البورصات الزراعية الرئيسة (شيكاغو، كانساس سيتي ومينيابوليس على سبيل المثال) هي من تفرض أسعارها على الأسواق الأخرى بكامل الكوكب. ما جعل الإنتاج المحلي ينفصل تماما عن حقيقة حاجيات السكان، مؤثّرا بذلك على غذاء الملايين من البشر.

وبينما تؤكد النظرية الاقتصادية الليبرالية أن تقلبات الأسعار بـ “السوق الحرة” ستضعف عندما تندمج مع عدة أسواق (نظريات ليبرالية قائمة على قانون الأعداد الكبيرة)، فالتجربة الملموسة تبين أن التقلبات بأسعار الأسواق المختلفة تستمر وتتعاظم. وسجّلت منظمة الأغذية والزراعة زيادة مطردة بتقلب أسعار السلع الأساسية على مدى العقدين الماضيَيْن. وهذا التقلب الذي يبدو الآن سمة دائمة بالأسواق، لم يكن كذلك من قبل.

ومن الواضح إذن أنّ إزالة الحواجز الجمركية بالبلدان النامية والتجارة بين أوروبا وأمريكا الشمالية، هما المسؤولتان عن زيادة تقلب الأسعار العالمية للسلع الزراعية. الشيء الذي يجعل غذاء العالم رهينة قلّة من الشركات المتحكمة بالأسعار وتقلباتها، منتجة بذلك أرباحا ضخمة.

ومن الوارد تجدد ظهور أزمات الغذاء، لتتجلّى في عدم قدرة بعض فئات المأجورين والفلاحين المفقرين على اقتناء حاجياتهم الأساسية من المنتجات الغذائية، بظلّ الميل العام لانخفاض قدرتهم الشرائية، الذي طبع كامل مرحلة الرأسمالية النيوليبرالية، وانعدام مؤشرات على ضبط التجارة المضارباتية للأسواق المالية العالمية للمواد الأولية الزراعية بعد انفجار الأزمة المالية لسنوات 2007-2008.

المقال أعلاه مأخود من الدراسة التالية : اضغط هنا.