مـقـدمـة
شهدت المجتمعات المغاربية خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة مست مختلف أبعاد الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بدءًا من أنماط الإنتاج والعمل، وصولًا إلى العلاقات الأسرية والاستهلاك الغذائي. وقد ارتبطت هذه التحولات بصعود نموذج اقتصادي قائم على تحرير الأسواق، وتوسيع دوائر التبادل التجاري، وإدماج الاقتصادات الوطنية ضمن منظومة اقتصادية عالمية متزايدة الترابط.
وفي خضم هذه التحولات، تراجعت تدريجيًا جملة من الممارسات والمؤسسات الاجتماعية التقليدية التي لعبت، لعقود طويلة، دورًا أساسيًا في حماية الأسر والمجتمعات المحلية من آثار الندرة والأزمات وتقلبات الأسواق.
العولة، وهي منظومة تقليدية لإعداد المؤونة الغذائية السنوية عبر حفظ وتجفيف وتخمير وتصبير مختلف المنتجات الزراعية والغذائية التي تُعدّها الأسرة في نهاية كل موسم إنتاج قصد ضمان استمرارية الاستهلاك وتقليص التعرض للندرة وتقلبات الأسواق، تبدو اليوم وكأنها مجرد ممارسة تراثية مرتبطة بالماضي الريفي أو بعادات منزلية آخذة في الاندثار، وغالبًا ما يجري اختزالها في الخطاب الثقافي والإعلامي باعتبارها جزءًا من الذاكرة الشعبية أو الموروث الغذائي المحلي. غير أن هذا التمثّل يُخفي وراءه بنية أكثر تعقيدًا، إذ لم تكن العولة مجرد تقنية لحفظ الأغذية أو تخزينها، بل شكّلت على امتداد قرون طويلة إحدى الآليات التي طورتها المجتمعات المغاربية لإدارة المخاطر، وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار الغذائي، وتنظيم العلاقة مع الندرة وعدم اليقين.
ففي سياقات اعتمدت بدرجات متفاوتة على الفلاحة العائلية والإنتاج الذاتي، لم يكن الغذاء مجرد سلعة تُقتنى من السوق، بل كان جزءًا من منظومة إنتاج وتخزين وتبادل متكاملة داخل الفضاء المنزلي والمجتمعي. وكانت الأسر تحتفظ بجزء من إنتاجها في شكل مؤونة سنوية تضمن استمرارية الاستهلاك وتخفف من آثار تقلبات المناخ والأسعار والمحاصيل. وبهذا المعنى، أدّت العولة وظيفة تتجاوز بعدها الغذائي المباشر، لتتحول إلى شكل من أشكال الحماية الذاتية وتقليص التبعية للسوق، وإلى أداة لإدارة الأمن الغذائي على المدى الطويل.
تزداد أهمية هذا التحليل في ظل الأزمات المتلاحقة التي عرفها العالم خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها جائحة كوفيد19، وما رافقها من اضطرابات في سلاسل التوريد وارتفاع في مستويات البطالة والهشاشة. فقد كشفت هذه الأزمات محدودية النماذج الاقتصادية القائمة على الانفتاح الكامل تجاه السوق وعلى شبكات الإمداد العالمية، كما أظهرت هشاشة شرائح واسعة من السكان الذين وجدوا أنفسهم أمام صعوبات مباشرة في تأمين احتياجاتهم الأساسية عند تعطل الدخل أو اضطراب التوزيع. وهو ما أعاد إلى واجهة النقاش مفاهيم السيادة الغذائية والحماية الاجتماعية وقدرة المجتمعات على الصمود أمام الصدمات.
انطلاقًا من ذلك، يبرز سؤال أساسي حول طبيعة هذا التحول: هل كان تراجع ممارسات مثل العولة مجرد تغير في أنماط العيش والاستهلاك، أم أنه يعكس تحولًا أعمق في علاقة المجتمع بالغذاء والسوق والزمن والأمان الاجتماعي؟ وكيف ساهم الانتقال من الاقتصاد المنزلي إلى اقتصاد السوق في إعادة تشكيل مصادر الاستقرار، وتحويل الغذاء من عنصر حماية جماعية إلى عنصر هشاشة مرتبط بالقدرة الشرائية؟
كما تبرز أسئلة أخرى تتعلق بإمكانيات إعادة التفكير في أشكال الحماية غير الرسمية داخل المجتمعات المعاصرة، ومدى قدرة مفاهيم السيادة الغذائية والاقتصاد المحلي على تقديم بدائل أو توازنات جديدة في مواجهة تعقيد المنظومة الغذائية العالمية.
بهذا المعنى، لا تتعامل هذه الدراسة مع العولة باعتبارها أثرًا من الماضي، بل باعتبارها مدخلًا تحليليًا لفهم التحولات العميقة التي مست البنية الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات المغاربية، ولتفكيك العلاقة بين الغذاء والسلطة والاقتصاد والهشاشة في السياق المعاصر.
وإلى جانب الاستناد إلى الأدبيات الكلاسيكية في علم الاجتماع والاقتصاد السياسي، يستأنس هذا البحث أيضًا بأعمال عدد من الباحثين المغاربيين الذين تناولوا البنى الريفية والتحولات الاجتماعية والفضاء المعيشي، مثل بول باسكون والمنصف وناس والفاطمي بن سليمان، وذلك بهدف مواءمة الإطار النظري مع خصوصيات السياق المغاربي، وتجنب إسقاط النماذج التفسيرية العامة على واقع يتميز بمسارات تاريخية واجتماعية متباينة.
- هشام بريني – تونس
للاطلاع على الدراسة كاملة: اضغط\ي هنا

