شعب غزة بحاجة لوقف إطلاق نار بشأن المياه



الصورة: فلسطينيون يصطفون للحصول على المياه في غزة. تسببت الأزمة المتصاعدة في إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 في سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى بين المدنيين. وفي قطاع غزة، تسببت الغارات الجوية والنقص في الإمدادات الطبية والغذاء والمياه والوقود إلى استنزاف النظام الصحي الذي يعاني من نقص مزمن في الموارد. (الصورة: منظمة الصحة العالمية)

تُظهر لقطات الفيديو الليلية المشوشة من شمال غزة الشوارع وهي تفيض. فبعد أربعة أسابيع على حملة القصف الإسرائيلية، طال القصف أحد أهم خزانات المياه في مخيم جباليا للاجئين، مؤديًا لتدفق محتويات الخزان. وبالرغم من كل ما يواجهونه، شعر سكان غزة بانزعاج كبير لرؤية المياه تتدفق أمامهم، حيث يواجهون نقصًا حادًا في مياه الشرب النظيفة. وكانت الأمهات أكثر من شعر بقساوة الأمر، في سعيهن الحثيث لمنع العطش عنهن وعن أطفالهن والبقاء على قيد الحياة وفي صحة جيدة. وكانت خزانات المياه الأخرى قد تعرّضت للقصف وأصبحت غير صالحة للعمل، بما في ذلك تلك التي توفر المياه للمستشفيات.

هكذا تُستخدم المياه كسلاح، من خلال تحويل مورد أساسي إلى أداة عسكرية أو سياسية، وهو ما يتعارض مع كل القواعد التي وضعها العالم لحماية الإنسانية أثناء الحرب. لكن هذا البؤس لن يتوقف ولن يُفتح الباب أمام نقاشات تعالج جذور الصراع إلا بعد وقف إطلاق النار لإنهاء القتال.

وكانت غزة في الأيام الغابرة معروفة بمياهها، حيث أمدّت آبارها الرملية الضحلة كميات وافرة من المياه العذبة الواهبة للحياة التي ارتوى منها سكان المنطقة لآلاف السنين، كما الغزاة والجيوش التي مرت عبرها، من نبوخذ نصر الثاني في عام 600 قبل الميلاد إلى البريطانيين خلال الحرب العالمية الأولى.

لكن طبقة المياه الجوفية في غزة تتعرض لضغوط هائلة منذ الاضطرار لتوفير المياه لمئات آلاف الفلسطينيين النازحين من فلسطين تحت الانتداب البريطاني خلال النكبة وإنشاء دولة إسرائيل في عام 1948، مع ازدياد الضغط السكاني بعد أن قامت إسرائيل باحتلال القطاع والضفة الغربية في عام 1967، وبدأت سياسة “تقويض التنمية“، والتي ما لبث أن تحولت إلى دافع إضافي للإرادة الفلسطينية لتقرير المصير.

وحتى قبل بداية الجولة الأخيرة من إراقة الدماء في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في أكتوبر/تشرين الأول، كانت كل المياه في غزة تقريباً ملوثة وغير صالحة للشرب. ووجدت دراسة نشرت في وقت سابق من هذا العام أن 97% من المياه الجوفية في غزة تجاوزت مستويات النترات والكلوريد الموصى بها والتي حددتها إرشادات منظمة الصحة العالمية لمياه الشرب. والأسوأ من ذلك أن دراسة وبائية أجراها أحد مؤلفي هذا المقال مؤخرًا وجدت كميات مروعة من البكتيريا المقاومة لمضادات الميكروبات ــ أو “الجراثيم الخارقة” ــ في المياه التي تستخدمها المستشفيات، وبأعداد أكبر في مياه الصرف الصحي الخارجة منها. وهذا يعني أنه في غزة، إذا لم تقتلك كتلة خرسانية أو شظية على الفور، ستفعل ذلك العدوى التي ترفض الاستجابة للمضادات الحيوية.

وقد كان الكثيرون قد عقدوا الآمال بعد اتفاقية أوسلو عام 1995 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في أن تزدهر الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى جانب إسرائيل. وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها سلطة المياه الفلسطينية ومصلحة مياه إدارة السواحل التي أنشأتها أوسلو للعب الأدوار التي تم توزيعها عليهما، استمرت مياه البحر الأبيض المتوسط في التسرب إلى طبقة المياه الجوفية، وتقاطرت مياه الصرف الصحي غير المعالجة من الأعلى.

وقد وجدت دراسة للبنك الدولي في عام 2009 إن أكبر القيود المفروضة على التنمية المستدامة لقطاع المياه في الضفة الغربية وغزة كانت “خارجية”، نابعة من عملية أوسلو السياسية والاحتلال الإسرائيلي. ففي غزة، أدّت سلسلة من الاعتداءات الإسرائيلية خلال المناوشات العنيفة مع حماس في الفترة من 2008 إلى 2021 نحو دفع السلطات إلى الدخول في دورة رد فعل لإعادة بناء البنية التحتية للمياه التي دمرتها الهجمات، والتخلي عن خطط أكثر تطلعية لأنظمة مرنة، وإعادة تغذية المياه الجوفية الاصطناعية، ومحطات التناضح العكسي لتحلية البحر. وقد اضطر الناس إلى الاعتماد في الحصول على مياه الشرب من محطات تحلية المياه غير المنظمة أو المياه المعبأة المستوردة عبر مصر وعلى الآبار الخاصة للزراعة، وعلى إمدادات البلدية (التي جرى شراء حوالي 13 بالمائة منها من إسرائيل) للقيام بالأعمال المنزلية. هكذا كانت الحالة اللامستقرة للمياه في غزة في أيلول/سبتمبر 2023، قبل الأحداث الأخيرة .

منطقة الرمال في غزة
الصورة: فلسطينيون يتفقدون أضرار غارة جوية إسرائيلية على منطقة الرمال في مدينة غزة في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2023. ومنذ ذلك الحين أصبحت المياه سلعة نادرة في غزة، مما أجج الأزمة الإنسانية. (تصوير نعمان عمر/ apaimages عبر ويكيبيديا CC BY-SA 3.0)

وفي الأزمة الحالية، يمنع “الحصار الشامل” الذي تفرضه إسرائيل معظم إمدادات الوقود والمياه والغذاء من دخول غزة، مما يخلق وضعا يائسا. (مثل مئات آلاف الأشخاص الآخرين، تعيش إحدى كاتبات هذا المقال في جنوب غزة بعد أن دُمر منزلها في الشمال، وتقضي معظم وقتها في تأمين المياه لعائلتها). وتقول منظمة الصحة العالمية إن الناس خفضوا استخدامهم إلى أقل من غالون من الماء يوميًا، رغم الحاجة إلى 20 غالونًا للاغتسال والعيش بكرامة. ويضطر آلاف النازحين إلى المخيمات إلى تقاسم عدد ضئيل من المراحيض. وقد نفذت محطات الصرف الصحي من الوقود. وتختلط الآن مياه الصرف الصحي غير المعالجة بالمعادن الثقيلة الناتجة عن الذخائر الحديثة التي تنهمر على القطاع وتتسرب إلى طبقة المياه الجوفية. وقد امتدت آثار القصف بشكل واسع لدرجة معاناة عشرات الآلاف من الأطفال الصغار من الإسهال الحاد. ويبدو أنها مجرد مسألة وقت قبل أن تنتقل الكوليرا وغيرها من الأمراض المنقولة بالمياه إلى من يبقى على قيد الحياة.

وبحسب المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحق الإنسان في المياه والصرف الصحي، إن ما يجري هو “جريمة ضد الإنسانية” والوضع “كارثي”.

وقد جاءت قواعد الحرب – أو القانون الإنساني الدولي – لمنع تكرار مثل هذه المعاناة بعد الفظائع التي شهدتها الخنادق خلال الحرب العالمية الأولى. وهي قواعد تلزم إسرائيل، باعتبارها القوة المحتلة، باتخاذ جميع التدابير التي في وسعها لاستعادة وضمان النظام العام والحياة المدنية قدر الإمكان. وبصرف النظر عن تعريف حقوق أسرى الحرب وتجريم التعذيب، تدعو هذه القواعد إلى حماية “الأشياء التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة” (القانون الدولي الإنساني، القاعدة 54، وقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2573 (2021)، الفقرة 3.) وأطقم الصيانة التي تحاول تصليحها (القانون الدولي الإنساني، القاعدة 56).

هذا ويعد المعيار الدولي الأكثر أهمية في وقت كتابة هذا المقال هو “وقف إطلاق النار بشأن المياه” (مبادئ جنيف، المبدأ 17 (4))، الذي يدعو أطراف النزاع إلى التفاوض بشأن المرور الآمن لموظفي الإغاثة الإنسانية للقيام بالأنشطة المتعلقة بالمياه وغيرها، كما  رُتب بين روسيا وأوكرانيا في عام 2014. وقد دعا الجزء الأكبر من بقية دول العالم إلى حدوث الشيء نفسه في غزة في الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل بضعة أسابيع فقط.

ومن شأن وقف إطلاق النار أن يسمح ببدء المناقشات التي ستحدث لا محالة بعد أن تهدأ الأمور، حيث يمكن دراسة جذور الصراع من خلال التحضير لتلك المناقشات، كما يجب تعلّم الدروس المستفادة من عقود الدبلوماسية المبنية على الأمل أكثر من التحليل.

ومع تاريخ طويل من اللامساواة في مجال المياه، فلا بد لأي قناعة بإمكانية إنشاء دولتين بجانب بعضهما البعض على هذه الأرض أن ترتكز على الحقائق التالية: إن كل مصادر المياه في إسرائيل، والضفة الغربية، وغزة تعبر حدود الأخرى. وتتدفق مياه الصرف الصحي المتسربة إلى البحر في غزة عبر الساحل لتستقبلها محطات تحلية المياه في إسرائيل. وتتسبب المياه التي  تُضخ للمستوطنات الإسرائيلية في تجفيف الآبار في القرى الفلسطينية. لذا، ليس من المنطقي محاولة إدارة المياه بشكل منفصل، ومن غير الإنساني حرمان مجموعة كاملة من الناس منها. وإذا كان هناك أي سبب منطقي لتعزيز الحقوق السياسية المتساوية والفرص للجميع في هذه المنطقة، فهو الماء.

إن الإرادة الفلسطينية لتقرير المصير لن يوقفها البؤس الناجم عن نقص المياه والأمراض التي تنقلها. واليوم، يستحق سكان غزة الراحة من القنابل حيث يضطرون إلى البحث عن الماء والوقود للبقاء على قيد الحياة ليوم آخر. ومثلهم كمثل أي شخص آخر في كل مكان، يحق لهم الحصول على المياه النظيفة، وأن يتوقف استخدامها كسلاح بشكل تام. وبعيداً عن الأرواح التي قد ينقذها، فإن وقف إطلاق النار بشأن المياه من شأنه أن يفتح الباب مجرد صدع للبدء في مناقشة الأسباب الجذرية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والتوفيق بين المظالم التاريخية، وحل الإيديولوجيات الشوفينية، وتضميد الجراح.

ترجمة: غسان مكارم /  شبكة سيادة

الرابط الأصلي للمقال : هنا

المقال يعبر بالضرورة عن وجهة نظر كاتبه وليس عن رأي شبكة سيادة