أنطوانيت فيران (باحثة بمجال التاريخ وعضو علمي في المعهد الفرنسي للآثار الشرقية)
عمرو خيري (باحث بمجال التاريخ، زميل المعهد الفرنسي للآثار الشرقية ومركز سيداج)
الـمـقـدمـة
يؤدي الأدب دورًا مهمًا في حقل العلوم الاجتماعية المصري. ويظهر هذا الدور المهم مما يعلنه بعض الأدباء من التزامٍ بالواقعية، وبصعوبة وصول الباحثين إلى بعض المصادر المتعارف عليها لفهم المجتمع المصري — من مصادر معلومات وتحليلات سياسية أو سوسيولوجية أو اقتصادية. وكثيرًا ما يُنسب إلى الأدب أنه يعكس الأحداث السياسية والتنظيم الاجتماعي في هذا البلد أو ذاك؛ فيلاحظ الباحث والمترجم ريشار جاكمون أن الكتّاب والمثقفين المصريين، في النصف الثاني من القرن العشرين، لم يكتفوا بتوظيف الأدب بوصفه “سياسةً تُمارَس بوسائل أخرى”، بل أسهموا أيضًا في إنتاج “شكل من أشكال المعرفة الأنثروبولوجية بمجتمعاتهم”، لأن “البحث الوطني في العلوم الاجتماعية … كان في كثير من الأحيان … مقيَّدًا بفعل الأنظمة السلطوية” (جاكمون، 2015، ص. 141؛ انظر أيضًا غونزاليس-كيخانو، 2000). ولا ينفكّ المتخصصون في الشأن المصري، في تخصصات عديدة، يحيلون إلى الروائي الحائز على جائزة نوبل نجيب محفوظ (1911–2006)، الذي تغطي أعماله معظم عقود القرن العشرين. فمن خلال ثلاثيته وعدد كبير من الأعمال الأدبية، يُصوَّر محفوظ، المعروف في فرنسا بلقب “بلزاك المصري”، تارةً بوصفه مؤرّخًا لملحمة مصر الوطنية في فترة ما بين الحربين، وتارةً أخرى بوصفه شاهدًا “شبه صحفي” على حياة سكان المدن في القاهرة خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، أي أولئك الذين كانوا يكافحون للتكيّف مع ارتفاع تكاليف المعيشة (فضّول، 1993؛ محرز، 1994؛ بيكيتي، 2013؛ فيران، 2023).
يبدو النزوع إلى اللجوء إلى الأدب بوصفه مصدرًا للعلوم الاجتماعية أكثر وضوحًا في حقل الدراسات الفِلاحية في السياق المصري؛ ويعود ذلك أساسًا إلى التحديات المفاهيمية والإحصائية المرتبطة بتوثيق التدرج الاجتماعي المصري (التقسيم الطبقي للمجتمع) وتطوره منذ القرن التاسع عشر وحتى أعقاب الإصلاح الزراعي لعام 1952 (كيلباتريك، 1974؛ سليم، 2004). وترجع بعض أقدم الدراسات عن المصريين بالمناطق الريفية إلى النصف الثاني من أربعينيات القرن العشرين. ومن أبرز هذه الدراسات كتاب دورين وارينر Land and Poverty in the Middle East أو “الأرض والفقر في الشرق الأوسط”، الذي أُعِدّ سنة 1948 لصالح وزارة الاقتصاد والحرب البريطانية، وكذلك أول مسح لميزانيات الأسر الريفية في مصر “الناس في الشرقية” أو The People of Sharqiya (1946)، الذي وضعه الجغرافي عباس مصطفى عمار.

وفي أعقاب الإصلاح الزراعي، سعت الدولة الناصرية إلى قياس آثاره من خلال الشروع في مسح تجريبي لميزانيات الأسر الريفية في محافظة الجيزة. وأعقب هذا المسح التجريبي مسح وطني واسع النطاق شمل الأسر الريفية والحضرية على السواء في الفترة 1958–1959، ثم عبر جولات لاحقة في 1964–1965 و1974–1975 (فيران، 2026). وفي الوقت نفسه، تأسست المدرسة الأولى لعلم الاجتماع الريفي داخل أقسام علم الاجتماع في جامعات القاهرة والإسكندرية وعين شمس، حيث أُنجز عدد من الدراسات البارزة، ومن بينها الدراسة المعروفة لإبراهيم عامر، “الأرض والفلاح: المسألة الزراعية في مصر” (1957)، وكتاب جاك بيرك “التاريخ الاجتماعي لقرية مصرية” (1957)، وكتاب محمد عاطف غيث “دراسات في علم الاجتماع القروي” (1967)، وكتاب محمد عودة “الفلاح والدولة: دراسة في أساليب الإنتاج والتكوين الاجتماعي للقرية المصرية” (1979). على ذلك، ظلّ قدر كبير من الشك يحيط بموثوقية البيانات المنتَجة، وذلك بسبب التأخر في معالجة الاستبيانات، والسياق السلطوي، وطبيعة المؤشرات المستخدمة.
فلاحو عبد الرحمن الشرقاوي: سوسيولوجيا لطبقات الفلاحين المصرية
ينحدر عبد الرحمن الشرقاوي (1920–1987) من أسرة فلاحية في محافظة المنوفية، في وسط الدلتا. بعد أن درس القانون، عمل صحفيًا، وذاع صيته مع روايته الأولى “الأرض”، التي نُشرت عام 1954، في وقت كان جمال عبد الناصر يرسّخ فيه سلطته تدريجيًا. وكما يلاحظ روبن أوستل في مقدمته للترجمة الإنجليزية للكتاب، كان الشرقاوي مناصرًا قويًا للأفكار الاشتراكية.
تدور أحداث رواية “الأرض” في قريةٍ من قرى الدلتا المصرية، وعلى الأرجح في المنوفية، خلال ثلاثينيات القرن العشرين. وفي تلك الفترة، كانت مصر تعيش طورًا سلطويًا اقترن بأزمة سياسية واقتصادية. فبعد إقالة عدد من رؤساء الوزراء في أواخر العشرينيات، عُيِّن إسماعيل صدقي في هذا المنصب سنة 1930، وقد “حكم مصر بقبضة دكتاتورية” حتى عام 1933. وأنشأ صدقي حزبًا جديدًا هو حزب الشعب، وهمَّش خصومه، الوفد والأحرار، وحلّ البرلمان، وعلّق دستور 1922 (بوتمان، 1998، ص. 294). وفي السنوات نفسها، تعرّضت الزراعة المصرية لأزمة اقتصادية حادة. إذ “فقد محصول القطن نحو ثلثي قيمته الاسمية بين 1931 و1933 مقارنةً بأسعار أواخر العشرينيات”، وهو ما أدى إلى انخفاض إجمالي قيمة الإنتاج الزراعي بنسبة 32 بالمئة، وانخفاض الأجور الزراعية بنسبة 40 بالمئة بين 1928 و1938 (بنين، 1998، ص. 321).
وفي الثلاثينيات، كان “المُلّاك وكبار موظفي الدولة كثيرًا ما يصوّرون الفلاحين، أي صغار الملاك والعمال الزراعيين المعدمين، بوصفهم ثابتين لا يتغيرون، ولاعقلانيين، وجهلة، ومجرمين” (المرجع نفسه). ونظرًا إلى الندرة النسبية في الدراسات المتعلقة بالفقر الريفي قبل عام 1952، فقد دأب مؤرخو مصر الحديثة على الرجوع إلى رواية الشرقاوي بوصفها مصدرًا يوثّق الفقر الريفي في تلك المرحلة. وتعرض “الأرض” الصراع بين أعيان القرية وصغار ملاك الأرض حول البنية التحتية للري. لقد حُرِم سكان القرية الفقراء في لحظة من اللحظات من نصف حصتهم المعتادة من المياه، إذ خُفِّضت من إتاحة الري عشرة أيام إلى خمسة أيام شهريًا. من ثم، يقرّرون كتابة عريضة، يصوغها محمد أفندي — وهو لقب كان يُخصَّص لموظفي الدولة والمتعلمين في مصر قبل 1952 — تُفصِّل العواقب الوخيمة التي سيترتب عليها هذا النقص في المياه. غير أن محمد أفندي يعجز عن الحصول على موافقة العمدة والباشا. وفي هذه الأثناء، يتدخل الباشا عبر ابن أخيه، محمود بك، لخداع الفلاحين الأميين وحملهم على التوقيع على بيان يفيد تأييدهم مخططات تمديد طريق سريع جديد يمر بمحاذاة قصره، وعبر أراضي عدد كبير من صغار ملاك الأرض. ويتفاقم الصراع إلى أن تصل الهجّانة (قوات شبه عسكرية) على ظهور الجمال، وتنهال على الفلاحين ضربًا حتى تُخضعهم، وعندئذ يُستعاد الهدوء.
قد يُعزى نجاح الرواية إلى إدانتها لاضطهاد الفلاحين (جاد، 1976). وكما هو معروف، فإن وضع القصة في زمنٍ ماضٍ بعينه يُعد تقنية أدبية كثيرًا ما تُستخدم للتحايل على الرقابة. ومن ثم، قد يتساءل المرء إذا كان الشرقاوي قد اختار المرحلة السلطوية في عهد صدقي لكي يوجّه نقدًا إلى الجمهورية الفتية في أوائل خمسينيات القرن العشرين، التي كانت قد طبّقت للتو أول إصلاح زراعي لها. غير أن الشرقاوي أصبح “أيقونة ثقافية للنظام الناصري” (بنين، 1998، ص. 322): فقد أسهم في واحدة من مجلات النظام البارزة التي انحازت لرؤية النظام، مجلة الكاتب، ونال جائزة الدولة التقديرية في الأدب عام 1974. ومنذ الستينيات، أُدرجت “الأرض” ضمن مقررات الأدب في التعليم الثانوي. وقد قال لنا طبيب مصري وُلد عام 1949 إن الشرقاوي كان “يخاطب قلوبنا مباشرة”. كما حُوِّلت الرواية إلى فيلم عام 1969 أخرجه يوسف شاهين، ناقلًا إلى الشاشة الكبيرة اللازمة الناصرية المتمثلة في “الصراع ضد الإقطاع” (انظر داونز، 1995، ص ص. 153–177).
تدور أحداث رواية “الأرض” في قريةٍ من قرى الدلتا المصرية، وعلى الأرجح في المنوفية، خلال ثلاثينيات القرن العشرين. وفي تلك الفترة، كانت مصر تعيش طورًا سلطويًا اقترن بأزمة سياسية واقتصادية.
يقدّم الشرقاوي الواقعية الأدبية بصوتٍ سياسي يجعل عمله أكثر تمثيلًا لذلك الصنف من الأدب الذي يمكن تحليله على نحوٍ مثمر لفهم العالم الريفي في مصر. وفي الدراسات الأدبية، تُوصَف واقعيته بأنها واقعية ملتزمة، أو تقدمية، أو واقعية جديدة، وهي تيار ظهر بوصفه “أدبًا سياسيًا” في مصر في أوائل الخمسينيات (سليم، 2004، ص. 139). من هذا المنظور، يمكن فهم الرواية بوصفها عملًا تخيليًا يسعى إلى إحداث تغيير إيجابي من خلال تقديم واقع متخيَّل، لكنه في الوقت نفسه ليس بالواقع المنشود. وقد خالف الشرقاوي الصور المثالية للحياة الريفية التي قدّمها من سبقه من الأدباء، كما يوضح الراوي الشاب وهو عائد من قريته إلى القاهرة:
وتمنيت لو أن قريتي كانت هي الأخرى بلا متاعب، كالقرية التي عاشت فيها "زينب" [بطلة رواية بنفس الاسم لمحمد حسين هيكل نُشرت في 1913].. الفلاحون فيها لا يتشاجرون على الماء، والحكومة لا تحرمهم من الري ولا تحاول أن تنتزع منهم الأرض أو ترسل إليهم رجالًا بملابس صفراء يضربونهم بالكرابيج، والأطفال فيها لا يأكلون الطين ولا يحط الذباب على عيونهم الحلوة! وتمنيت لو أن قريتي كانت هي الأخرى كقرية "زينب"، لا ينزل فيها من الرجال والنساء بعد البول دم وصديد ولا يدهم أهلها المرض المفاجئ في جنوبهم، فيتلوى الإنسان منهم لحظة، ويطلق صرخات يائسة فاجعة من حدة الألم، ثم يسكت. يسكت إلى الأبد! كانت قريتي هي الأخرى جميلة كقرية "زينب"، وأشجار الجميز والتوت تمتد على جسرها وتلقي ظلالها المتشابكة على ماء النهر. [...] على أن قرية "زينب" لم تعرف طعم الكرابيج، كما عرفته قريتي. [...] ولم تعرف قرية "زينب" زهو النصر وهي تتحدى القضاء والإنجليز والعمدة والحكومة وتنتصر لبعض الوقت. (الشرقاوي، 1954، ص ص 344-345).
يظهر في رواية الأرض صنف من الواقعية التي ترفض إضفاء الرومانسية على الفلاحين المصريين. الرواية من ثلاثة أجزاء.[1] جاء الجزء الأول كمدخل إلى عالم الرواية الريفي، فالراوي هنا هو صبي صغير ترك ورائه المدرسة الابتدائية في القاهرة ليقضي عطلة الصيف في قريته. يسخر من نفسه على “أحلام المدرسة الثانوية، وأحلام بالبنطلون الطويل والجاكتة المفتوحة ذات الجيب الصغير في داخلها، والكرافته التي تتراقص مع الريح، والحذاء القصير بلا رقبة” (الشرقاوي، 1954، ص 17). وسرعان ما يُدرك أن مظاهرات الطلاب التي تزلزل القاهرة ليست إلا أحد جوانب أزمة مصر، وهي الأزمة التي وصلت قريته، القرية التي يجد نفسها فيها غريبًا كفتى متعلم في المدارس (الشرقاوي، 1954، ص 18). وكانت نسبة الأمية في مصر في تلك الفترة تبلغ 85.9 في المائة (الفكش، 1980، ص 48). ومن وراء نظارته الطبية الجديدة التي اشتراها له أبوه من المركز [عاصمة المديرية] شهد الفتى على الصراعات التي دارت في قريته: أولًا في ما بين الفلاحين، ثم بين الفلاحين وكبار مُلاك الأرض.
أما الجزء الثاني، الذي يشكّل ما يزيد على ثلثي الكتاب، فيسرد الصراع حول إدارة الموارد المائية بين أهالي القرية، وعمدتهم، والحكومة، التي خدم تدخلها مصالح الباشا وابن أخيه محمود بك. وفي هذا الجزء، يتنحّى الراوي جانبًا لصالح سارد عليم، يُتاح من خلاله لكل شخصية من الشخصيات الفِلاحية الرئيسية أن تتكلم.
وأخيرًا، في الجزء الثالث القصير جدًا من الكتاب، يجد القارئ الراوي الذي بلغ سن الشباب وقد انفتحت عيناه على الحقيقة، بما يثبت أن نظارته كانت ذات دلالة مجازية. وبينما يستعد لبدء الدراسة الثانوية في القاهرة، يترك وراءه قريةً جرحتها الصراعات حول وسائل الإنتاج.
إننا نركّز في هذا العرض للرواية على تمثيلها للطبقات الاجتماعية الريفية في مصر. ففي نظر المؤرخين، تتيح الرواية نفسها للاستخدام بوصفها مصدرًا تاريخيًا لفهم الديناميات القائمة بين الطبقات، كما أن الاستعانة بأدوات التحليل الأدبي عند إجراء هذه القراءة التاريخية قد تكون مثمرة. ويجمع الشرقاوي بين وجهة نظر الراوي العليم والخطاب غير المباشر في عرض وجهات نظر الشخصيات، ومواقعها داخل المجتمع الريفي، وإدراكها المتبادل لبعضها بعضًا. وهذه التقنية السردية، التي ميّزت الرواية الحديثة، تقوم على “تقديم صوت الشخصية بوساطة جزئية من صوت المؤلف”، بما يفضي في نهاية المطاف إلى تمييع الحدود بين الحكاية المروية وآراء شخصياتها (ستيفنسون، 1992، ص. 32).
في نظر المؤرخين، تتيح الرواية نفسها للاستخدام بوصفها مصدرًا تاريخيًا لفهم الديناميات القائمة بين الطبقات، كما أن الاستعانة بأدوات التحليل الأدبي عند إجراء هذه القراءة التاريخية قد تكون مثمرة.
تتسم القرية بتنظيم اجتماعي مُعيّن تستند إليه الرواية في بنائها السردي. وتحتل شخصيتان رئيسيتان، هما علواني وخضرة، أدنى مراتب هذا المجتمع. فعلواني عاملٌ شاب يتقاضى أجره باليومية، ينحدر من أصل بدوي. ويُكسبه أصله الإثني-الجغرافي ازدراءً عامًا من أهل القرية – وهو أمر كان شائعًا في ذلك الوقت (جيرشوني ويانكوفسكي، 1986، ص. 100) – الذين لا يتقبلوه إلا لأنه يحرس حقول البطيخ. وفي نظر وصيفة، ابنة شيخ الغفر السابق والشخصية النسائية الرئيسة في الرواية، التي يتودد إليها الجميع، فإن علواني لا يصلح إلا أن يكون في مستوى الأجير عند أبيها. ثم قدّمت وصيفة رؤية من ابنة أحد صغار مُلاك الأرض للبروليتاريا الزراعية إذ قالت: “إن الذي لا يملك في القرية أرضًا لا يملك فيها شيئًا على الإطلاق حتى الشرف!” (الشرقاوي، 1954، ص. 42).
أما الشخصية الثانية، خضرة، فيمكن النظر إليها بوصفها النظير الأنثوي لعلواني: فتاة فقيرة تحمل الطعام إلى الرجال في الحقول، وتعيش مع أيّ شخص يتكفّل بإعالتها، فتشغل في آنٍ واحد هامش القرية الاجتماعي ومركزها. وهي تنشر الشائعات وتؤدي دور الوسيط بين الرجال والنساء. وتُقتل بوحشية في الرواية. إنها تختفي من غير أن يحاول أحد حلّ لغز مقتلها. ويلخّص عبد الهادي الأمر وهو يقول لنفسه: “علواني يشبه خضرة تمامًا، وأن ما جمع بينهما وفق حقًا: فهي أيضًا تعيش في القرية بلا أرض ولا أهل” (المرجع نفسه، ص. 53).
أما عبد الهادي فهو الشخصية الفارقة في الرواية. من حيث التكوين الاجتماعي والتدرج الطبقي في قرية الشرقاوي، فهو يقف عند الحدود – التي طال الجدل حولها من علماء الاجتماع المصريين – بين فقراء الريف (عديمي الأرض) والشريحة المتوسطة من المجتمع القروي. بالنسبة إلى عبد الهادي فإن أرضه “يعرفها جيدًا: يعرف وجهها، وقنواتها، وكل شيء فيها”. إنها “الأرض التي يملكها هو، والتي ورثها عن أبيه” (المرجع نفسه، ص. 55)، هكذا يقول الراوي العليم المختلط صوته بخواطر عبد الهادي. عنده فدان، “فدان قطعة واحدة”، كما أضاف.


وكل شخصيات الرواية، بما يشمل عمدة القرية، تنتمي إلى طبقة صغار ملاك الأرض (من يملكون أقل من خمسة أفدنة). وقد شكّلت هذه الطبقة 93.1 بالمائة من مُلاك الأرض في مصر في سنة 1930، وكانت هذه الطبقة تملك مجتمعة 31.6 في المائة من مساحة الأرض الزراعية (عبد الملك، 1962، ص. 188). بالمقارنة، فإن مُلاك المساحات من خمسة أفدنة إلى خمسين فدانًا (وقد مثلوا 6.3 بالمائة من ملاك الأرض) قد حازوا على أكثر من 29.7 بالمائة من مساحة الأراضي الزراعية حينئذ، في حين كانت باقي الأرض (حوالي 38.7 بالمائة من مساحة الأرض) مُركّزة في يد 0.6 في المائة من ملاك الأرض (من يملكون 50 فدانًا فأكثر). ويميّز عالم الاجتماع المصري أنور عبد الملك داخل فئة مُلاك الفدان إلى 5 أفدنة:
الفلاحون، الذين يملكون أقل من فدانين، ومن ثم لا يمكنهم إعالة أنفسهم من الأرض وحدها [وهذه ملكية جميع الشخصيات الزراعية باستثناء العمدة، في الرواية]، والمُلاك الحقيقيون، الذين يملكون بين فدانين وخمسة أفدنة ويمكنهم الوفاء بالتزاماتهم من الأرض (عبد الملك، 1962، ص. 190).
لقد كان التمييز بين الطبقات الاجتماعية الريفية بناء على ملكية الأرض نقطة خلاف بين علماء الاجتماع المصريين في الخمسينيات والستينيات، والسبب يرجع إلى برنامج الإصلاح الزراعي الذي بدأ في 1952 (فيران، 2026). طبقًا لسمير أمين، فالتمييز بين “جموع الناس في الريف” و”الطبقات المتوسطة” كان عند حد ملكية فدان واحد: من يملكون أقل من فدان كانوا هم الفقراء، بدخل سنوي تراوح بين 3 إلى 6 جنيهات للفرد، ومن تملكوا بين 2 و5 أفدنة كانوا الشريحة المتوسطة بدخل تراوح حول 25 جنيهًا للفرد في السنة. أما مُلاك 5 أفدنة فأكثر فكانوا “ملاك الأراضي المميزين” في تقدير سمير أمين، وهو مصطلح عرّفه كالتالي: “يأكلون حتى الشبع، وأعدادهم قليلة، ويوظفون العمال الزراعيين لأعمال الفلاحة” (رياض، 1964، ص ص. 10-11؛ IEDES 1961، ص ص 185-187).
في سياق الفقر المدقع الذي كان من نصيب أغلب الفلاحين في تلك الحقبة، كان مركز عبد الهادي مثارًا للحسد، كما قال لنفسه:
فدان؟!
فدان قطعة واحدة!
إن هذا الفدان ليجعل له مكانًا خاصًا في القرية، ويسمح له إذا ذهب إلى عاصمة الإقليم أن يجلس في مقهى الخواجة الأرمني الذي يجلس عليه عمه، وعمدة البلدة، والكبار هناك في المركز.
فدان؟
كم من الناس في القرية يملك فدانًا مثله؟
إن العمدة نفسه لا يملك أكثر منه (الشرقاوي، 1954، ص. 55)
وكان العمدة لا يملك إلا فدانًا واحدًا، لكنه تمكّن من تجميع أراضي عائلته الممتدة المكونة من 10 أفدنة – بعقود بيع صورية – حتى يتأهل لمنصب العمدة، الأمر الذي يسلط الضوء على التداخل بين الملكية والمكانة الاجتماعية-السياسية في مصر الريفية. أما عبد الهادي، وهو النموذج المعبّر عن صغار ملاك الأرض، فيحظى باحترام الجميع؛ كما أن في أرضه ساقية للريّ. كل هذا يضفي على عبد الهادي مكانة متميزة بين صغار الملاك في القرية، وهي مكانة يدركها تمامًا ويعتز بها، ولا سيما بالمقارنة مع أولئك الذين لا ينخرطون في العمل الزراعي. فهو يزدري الأفندية وخصوصًا محمد أفندي، ويرى نفسه في وضع أفضل من أخيه الموظف في العاصمة: فهو “هنا في القرية، وأقدامه مغروسة في أرضه، يشعر بقوة لا يعرفها أخوه الموظف في (مصر) [أي القاهرة] مدينة الحكومة” (الشرقاوي، 1954، ص. 56) كما يزدرى التجار. وحين قال الشيخ الشناوي، إمام مسجد القرية، إن قطع المياه عقاب إلهي، همس عبد الهادي لنفسه:
الشيخ الشناوي لو كان يملك أرضًا في القرية لما قال هذا الكلام! لو أن "للشيخ" أرضًا يختلط عرقه بترابها، ولو أنه رآها تتشقق من الجفاف تحت عينيه بعد أن شقي فيها، ورأى أذرته الصغيرة الغضة تذوي كأطفال يموتون، لو عرف الشيخ الشناوي كل هذا لسكت!
لو كان سيدنا يملك قيراطًا واحدًا على الأقل.. ولو أنه أعمل فيه الفأس، وانحنى عليه وحفر له القنوات، لما أعتقد أن أمر الله هو الذي حرم القرية من الماء لينعم بها "الباشا" ولروى أحاديث أخرى. [...]
إن سيدنا هو الآخر – كخضرة – لديه شيء يبيعه للذين يملكون المال والجاه والكلمة.. لا يعنيه إلا أن يبيع الشيء الذي يملكه. (الشرقاوي، 1954، ص. 91).
والواقع أن الرواية ترسم تدرجًا هرميًا بين شخصياتها بحسب موقع كل منها داخل القرية؛ أو، بالأحرى، بحسب مدى قربها من الأرض. فبعد علواني وخضرة، اللذين يعتمدان اعتمادًا كاملًا على العمل الذي توفره القرية، وعبد الهادي، بوصفه النموذج لصغار ملاك الأرض، تأتي شخصية تقع على التخوم بين الريف والحضر، التي يسكنها أولئك الذين يسلكون طريق التعليم، ومنهم، على سبيل المثال، المُعلِّم محمد أفندي. وهو، بوصفه الضدّ لعبد الهادي، يمثّل الشريحة المتعلمة الصاعدة في الريف المصري، التي تقع، إن جاز القول، في منزلة وسطى بين المجتمع الريفي والمجتمع الحضري. فعلى الرغم من أنه يملك أرضًا ويكدّ في العمل فيها، فإن بقية أهل القرية ينظرون إليه بوصفه دخيلًا: فهو متعلّم، ويقرأ الصحف أحيانًا، ويُظهر قدرًا من التباهي بارتدائه “جلابية ناصعة البياض” و”عطور نفاذة”، فضلًا عن الطربوش، كلما ذهب إلى المدينة. وفوق ذلك كله، فهو الرجل الوحيد في القرية الذي يتقاضى راتبًا بواقع أربع جنيهات في الشهر. بالنسبة إلى شقيقه دياب، محمد أفندي هو كل شيء في الحياة، القدرة والمكانة المصاحبة للمال والثروة القادمة من العلم والمعرفة.
لكن المفارقة أن الأفندية يظهرون على هامش الرواية: فالراوي الصغير وأشقائه مهتمون بمظاهرات الطلبة في القاهرة أكثر من اهتمامهم بصراع الفلاحين في القرية ضد العمدة والباشا والبك. ومحمد أفندي يفشل في تحقيق المرجو بعريضته، ويُتهم بأنه لا نفع يُرجى منه، ويدور النقاش بين الفلاحين عن الحل الجذري – بعد فشل العريضة – فيقول له خاله “الشيخ حسونة”:
والبركة فيكوا انتو كمان يا ابني. الله. هي أرضنا لوحدنا؟ هيه مش أرضكم كمان؟ طب قل لي بس، مين قلق بال الحكومة والإنجليز في مصر؟ مش اللي قدك وأصغر منك. مش همه الطلبة وعمال العنابر؟ أنت ما بتقراش جرايد؟ مش باين عليك بتقرا (الشرقاوي، 1954، ص ص. 241-242).

في المُجمل إذن يمكن فهم ترتيب الشرقاوي لطبقات المجتمع الريفي في عكس اتجاه الترتيب المتعارف عليه لذلك العالم، ففي تقديره يحتل الأفندية والنخب الاجتماعية-الاقتصادية خلفية المشهد (جاسبر، 2009، ص ص. 108-147). والشريحة العليا التي تقدمها الرواية باهتة بعيدة، يمثلها البك، الذي يُروى دوره في الرواية من وجهة نظر صغار ملاك الأرض الزراعية.
محمود بك مالك أرضٍ ثريّ وشاب، يحوز ثلاثين فدانًا، وهو ابن شقيق لباشا ثري ونافذ يملك مساحةً أكبر بكثير من الأرض، لا يحدد النص مقدارها. ومن خلال هذه الشخصية، يعرض المؤلف طبقةَ كبار الملاّك، وما يتصل بها من فسادٍ وإساءةٍ لاستخدام السلطة في سياق ثلاثينيات القرن العشرين. ويواجه محمود بك احتمال فقدان أرضه بسبب الديون، لكنها تُعاد إليه بفضل صلات عمه بحكومة صدقي. ومن خلال هذه الشخصية، في مقابل صغار ملاك الأرض مثل عبد الهادي، نتعرف على مزيد من ملامح التكوين الاجتماعي للقرية. فعلى خلاف قرى أخرى يعمل فيها معظم الفلاحين مستأجرين في أراضي كبار الملاّك، يقول عبد الهادي إن الفلاحين هنا يفلحون أراضيهم وليس أراضي الأثرياء، حتى وإن لم تكن سوى قراريط قليلة، إذ لا يملك فدانًا كاملًا في القرية سوى عشرة أشخاص.
في هذا السياق، يمثّل محمود بك شخصيةً ذات نفوذ. فهو سمسار فاسد يمرّر مخططات عمّه الرامية إلى شقّ طريق سريع يصل إلى قصره، وذلك بتمرير هذا الطريق فوق معظم الأراضي التي يملكها صغار الملاك. وفي الوقت نفسه، وبحكم صلاته السياسية، ينظر إليه صغار ملاّك الأرض أيضًا بوصفه وسيلةً لإسماع أصواتهم في القاهرة، في سياق التماسهم زيادة حصتهم من مياه الري المقنّنة على نحوٍ جائر. وهو وعمّه، الباشا، يجسّدان الحكومة ذاتها في نظر الفلاحين.
بناء على رسم الرواية لشخصياتها إذن، ما الذي نفهمه منها عن المجتمع الفِلاحي وعن علاقة الفلاحين بالشخصيات النافذة وبعالم السياسة الوطنية في مرحلة ما قبل 1952؟
على سبيل الإجابة، يمكننا العودة إلى شخصيتين تعاملتا مع البك، ممثل هذا العالم: علواني ومحمد أفندي. فعلواني – العامل الأجير عديم الأرض – كان يعمل عند البك من قبل.. كان يصطحب خرافه إلى السوق ليبيعها. إنه يتذكر تلك الأيام بالخير. بما أن البك لم يهتم كثيرًا بأرضه وتفاصيل أعمالها الزراعية، تمكّن علواني من اختلاس بعض النقود. كان يعود بالخراف التي لم تُبع ويقول إن بعضها قد تاه منه في طريق العودة من السوق، وجنى نقودًا كثيرة بهذه الطريقة. وغني عن القول أن أجر علواني من محمود بك كان ضئيلًا، فهي نُقطة مذكورة ضمنيًا في حواره مع عبد الهادي عن البك (الشرقاوي، 1954، ص ص. 43-45). ولا نعرف إن كان يجب تفسير سرقات علواني من البك كإستراتيجية تكيف سلبي للبروليتاريا يطرحها الشرقاوي عبر الرواية، أم كخصلة ثقافية هوياتية يربطها المؤلف بالبدو في مجتمعات الدلتا الزراعية المستقرة.
بالنسبة للشخصية الثانية، محمد أفندي، فمقابلاته مع محمود بك تقع في صميم الرواية وتطور أحداثها، ومن خلال هذه المقابلات تتكشف شخصية البك الفاسدة. فعندما يخبر مفتشو الري أهل القرية أن حصتهم من الري قد تقلصت بمقدار النصف من عشرة أيام إلى خمسة في كل شهر، يتجمعون أمام دار أبو سويلم (شيخ الغفر السابق والشخصية القيادية في القرية، ووالد وصيفة) ليفكروا في طريقة للرد. يعرفون أن القرار المذكور سيخدم لا محالة مصالح الباشا – عمّ محمود بك – الذي اشترى قطعة أرض كبيرة وضمها لأرضه قبل قرار خفض أيام الري بقليل. ولقد قرروا الاستمرار في ري أراضيهم 10 أيام كل شهر وأن يتجاهلوا أوامر الحكومة، لكن محمد أفندي – بغض النظر عن الصلة القوية بين البك والباشا التي يعرفوها جميعًا – يثق في أن البك سيساعدهم في توصيل عريضتهم إلى القاهرة (ويقترح البدء في كتابة العريضة على الفور). فوزير الأشغال العامة صديق لمحمود بك. ويوافقه الفلاحون على اقتراحه ولو اعتبروه حلًا هامشيًا، فمحاولة الوصول لحل كهذا لا تتعارض مع قرارهم بالاستمرار في الري على نفس المنوال.
وعلى امتداد نصف الرواية الثاني، نعرف المزيد عن البك الفاسد، لكن كل ما نعرفه يأتي من وجهة نظر صغار المزارعين، وليس عبر ديالوج البك طرف فيه. إنه مُغترب في الرواية عن عالم الفلاحين، حتى ولو كانت سلطته وسطوته عليهم كبيرة. ويبدو أن لدى محمد أفندي إيمان ساذج بقوة التعليم كسلاح قادر يمكنه أن يستعين به في عالم السياسة المعقد والفاسد الذي يهدد مياه قريته وفلاحيها. يعتقد الأفندي أن تعليمه يعطيه جدارة تمثيل الفلاحين، وأنه على مرتبة أعلى منهم وأقرب إلى البك. ويكتب عريضة بلغة عربية قديمة مزخرفة، ويقرأها مرتين على الرجال المتجمعين أمام بيت أبو سويلم. ثم يزور البك في بيته الكبير ويرافقه إلى القاهرة، بعد أن جمع له نقودًا من أهل القرية كتعويض للبك على تدخله لصالحهم وتسليمه عريضتهم إلى الساسة في القاهرة. في الوقت نفسه، يخطط محمود بك مع العمدة وإمام الجامع الشيخ الشناوي لخداع الفلاحين الأميين لكي يبصموا بأختامهم على بيان يؤيدون فيه دخول الطريق السريع الجديد – الذي سيضع قصر عمّه الباشا على الطريق – على قريتهم، ما سيؤدي إلى فقدان بعضهم لأراضيهم الزراعية، مع إخبارهم أنهم يبصمون على عريضة “بديلة” أفضل من عريضة محمد أفندي بشأن مسألة المياه.

وعمومًا، يقدّم الشرقاوي، من خلال التفاعلات بين محمود بك والفلاحين – التي تُصوَّر في معظمها عبر شخصية محمد أفندي – رؤى مهمة عن عالم الفلاحين في مصر قبل الإصلاح الزراعي لعام 1952. أولًا، وكما يلاحظ سمير أمين بشأن عدم تضمين الروائيين المصريين في خمسينيات القرن العشرين شخصياتٍ من لحمٍ ودم من بين معدومي الأرض في كتاباتهم (رياض، 1964)، فإن “الأرض” تقدّم قريةً في الدلتا يقطنها صغار ملاّك الأرض، ولا يظهر فيها من الشخصيات المعدمة والهشّة سوى شخصيتين اثنتين. ومن ثم، فإن المظالم الاجتماعية التي تواجهها القرية – وهي الموضوع المركزي للرواية – هي مظالم صغار مُلاّك الأرض. ثانيًا، تعرض الرواية الفساد السياسي بوصفه السبب الرئيس لمعاناة الفلاحين؛ أما المظالم البنيوية، مثل إمكان الوصول إلى الأرض وتوزيع الثروة، فتبدو أقل بروزًا. فالبك محتال يخدع الفلاحين، فيحملهم على جمع مبالغ صغيرة من المال على هيئة رشاوي ورسوم له، مقابل خدمات وتدخلات في العاصمة تضر، في الواقع، بمصالحهم. وهو يعمل لحساب باشا غائب – عن الأرض وعن الرواية – هو عمّه، الذي نفترض أنه أوثق صلةً بالسياسات الفاسدة المرتبطة بالأرض، والذي يستخدم هذه الصلات لخدمة أرضه هو، فيما يخرّب أراضي صغار الملاّك.
الـخـتـام
تُتيح الشخصيات المتعددة والمتنوعة في رواية “الأرض” للقارئ لمحة عن الوجود الريفي، حيث تتحدد المكانة الاجتماعية بمقدار الأرض التي تُزرع أو تُدار، أو بدرجة الهشاشة إزاء نقص المياه. وعندما نتأمل هذا الطيف المتنوع من الشخصيات، نرى أنه، على خلاف كثير من الروايات المصرية التي تكون فيها غالبية السكان الريفيين، على حد تعبير سمير أمين، بمثابة “نوع من الخلفية” (رياض، 1964، ص. 23)، فإن رواية الشرقاوي تحاول أن تدفع بهذه “الخلفية” إلى الواجهة، فتزيح الأفندي، والعمدة، والباشا، وكذلك القاهرة والمتعلمين، إلى الخلف. غير أن أمين كتب أنه، في حين كان الفلاحون غير المالكين لأرض (معدومي الأرض) يُستبدلون عادةً بصغار ملاك الأرض في الروايات التي تناولها، فإن الشرقاوي يقدّم قرية يشكّل فيها صغار ملاك الأرض الأغلبية؛ فالفلاحون والجماعة القروية يقودون السرد ويهمّشون النخبة، لكن الفلاحين غير المالكين للأرض يظلون هم أيضًا على هامش السرد نسبيًا. ومع ذلك، يظل العمل في نهاية المطاف علامة بارزة في تصوير المجتمع الريفي المصري. فـ “الأرض” تتقدم على ما سبقها من أعمال إبداعية من خلال الربط، على نحو جزئي لكنه واضح، بين الانقسامات والديناميات الطبقية وبين الفساد السياسي السابق على عام 1952، والسياسات الزراعية التي مست صغار ملاك الأرض، وتفاوت درجات هشاشة الفلاحين في مواجهة نقص المياه.
إذن فالرواية تبني عالمًا ريفيًا يواجه فيه صغار ملاك الأرض الظلم في توزيع المياه ويواجهون إمكانية خسارة أراضيهم، بسبب النخب من كبار ملاك الأرض، النافذة سياسيًا. على ذلك، تبدو واقعية الشرقاوي انتقائية نوعًا ما، فهي تتجاوز الواقع الأدق تاريخيًا للحياة في قرى الدلتا في مصر في أواسط القرن العشرين، وهو عالم حكمت فيه النخب من ملاك الأراضي قرى كاملة، ومارست سيطرة ونفوذ كاملين على حياة الفلاحين الذين عملوا في تلك الأراضي، وكانت الأكثرية منهم عمالة زراعية بأجر. لم نعرف أقل القليل عن الفلاحين الذين لابد أنهم كانوا يعملون في أراضي الباشا وابن شقيقه البك. ونرى في الرواية صغار الملاك على ود وتقارب مع الفلاحين غير الحائزين لملكيات زراعية، إلى حد ما، لكنهم يرونهم أقل منهم منزلة بسبب افتقارهم لملكية الأرض. ولا تكشف الرواية أشكال الاستغلال القائمة بين صغار الملاك ومعدومي الأرض. لكن الشرقاوي يكشف بدقة ومهارة عن شدة الخلافات بين صغار الملاك وهم يواجهون محنهم الجماعية.
تُتيح الشخصيات المتعددة والمتنوعة في رواية “الأرض” للقارئ لمحة عن الوجود الريفي، حيث تتحدد المكانة الاجتماعية بمقدار الأرض التي تُزرع أو تُدار، أو بدرجة الهشاشة إزاء نقص المياه.
إذن فالرواية في المُجمل تقدم عالم صغار ملاك الأرض الهشّ والمُقاوِم في الوقت نفسه. ولعل أحد مشاهد الرواية يسلط الضوء على هذه الفكرة. فحجب الحكومة لمياه الري قد أدى إلى لجوء العمال الزراعيين الذين يعملون في أراضي الغير إلى تغيير مسار الماء بعيدًا عن الترعة التي تسحب منها ساقية عبد الهادي الماء. فيحدث شجار، وفي خضم اشتعال مشاعر الفلاحين وعنفهم لحماية الأرض وإطفاء ظمأها، يتشاجرون ويتضاربون. لكن هذا الشجار العنيف على الموارد ينتهي فجأة عندما تتعرض حياة الجاموسة التي تدير الساقية للخطر. إن خطر خسارة الجاموسة التي سقطت في بئر الساقية قد وحدهم جميعًا: “الآن أمام ضياع الجاموسة […] يحسون فجأة أنه عندما تنزل الكارثة برجل أو امرأة فكأنما نزلت بهم جميعًا”. (الشرقاوي، 1954، ص. 181).
نُشر المقال بالإنجليزية في دورية الدراسات الفِلاحية الصادرة عن مؤسسة الدراسات الفلاحية في الهند.
1- في تبويب الترجمة الإنجليزية التي اطّلعنا عليها أثناء كتابة المقال بالإنجليزية.
الـمـراجـع
عبد الملك، 1962:
Abdel-Malek, A. (1962), “La question agraire en Égypte et la réforme de 1952,” [“The Agrarian Question in Egypt and the 1952 Reform”], Revue Tiers Monde, vol. 3, no. 9–10, pp. 181–216.
الفكش، 1980:
Al-Faksh, M. (1980), “The Consequences of the Introduction and Spread of Modern Education: Education and National Integration in Egypt,” Middle Eastern Studies, vol. 16, no. 2, pp. 42–55.
الشرقاوي، 1954:
Al-Sharqawi, A. (1990/1954), Egyptian Earth, Desmond Stewart (trans.), University of Texas Press, Austin (first published 1954).
عامر، 1957:
Amir, I. (1957), Al-Ard wa-l-fillah, al-masala al-ziraiyya fi Misr [Al-Ard and the Peasant: The Agrarian Question in Egypt], al-Dar al-misriyya li-l-nashr, Cairo.
عودة، 1979:
Awdah, M. (1979), Al-Fillah wa-l-dawla: Dirasa fi asalib al-intaj wa-l-takwin al-ijtimai li-l-qariya al-misriyya [The Peasant and the State: A Study of Modes of Production and the Social Formation of the Egyptian Village], Dar al-Thaqafa, Cairo
بينين، 1998:
Beinin, J. (1998), “Egypt: Society and Economy, 1923–1952,” in M. W. Daly (ed.), The Cambridge History of Modern Egypt, Volume II: From 1517 to the End of the Twentieth Century, Cambridge University Press, Cambridge, pp. 309–32.
بيرك، 1957:
Berque, J. (1957), Histoire sociale d’un village égyptien au XXème siècle [Social History of an Egyptian Village in the Twentieth Century], Maisonneuve & Larose, Paris.
بوتمان، 1998:
Botman, S. (1998), “The Liberal Age 1923–1952,” in M. W. Daly (ed.), The Cambridge History of Modern Egypt, Volume II: From 1517 to the End of the Twentieth Century, Cambridge University Press, Cambridge, pp. 285–308.
داونز، 1995:
Downs, S. (1995), “Egyptian Earth Between the Pen and the Camera: Youssef Chahine’s Adaptation of Abd al-Rahman al-Sharqawi’s al-Ard,” Journal of Comparative Poetics, vol. 15, pp. 153–77.
دوريل، 1960:
Durelles, Y. (1960), “Structure et développement de l’économie égyptienne,” [Structure and Development of the Egyptian Economy], Économie et Politique, vol. 72, pp. 36–53.
فضّول، 1993:
Faddul, A. (1993), Mushkilat al-tabaqa al-wusta al-misriyya fi qissas Najib Mahfuz min “Al-Qahira al-jadida” ila “al-tulatiyya [The Problem of the Egyptian Middle Class in the Stories of Naguib Mahfuz from Heliopolis to The Trilogy], Dar al-Hamra, Beirut.
فيران، 2023:
Ferrand, A. (2023), “L’éventail des (milieux) possibles Le discours littéraire comme source historique, par l’exemple des classes moyennes nassériennes chez Naǧīb Maḥfūẓ (années 1960),” [“The Range of Possible Milieus: Literary Discourse as a Historical Source, Using the Example of Nasserist Middle Classes in Naguib Mahfuz in the 1960s”], paper presented at SELICMA Seminar, Paris, Mar. 21.
فيران، 2026:
Ferrand, A. (2026), L’Égypte de Nasser: classes moyennes et idéal socialiste (1952–1970) [Nasser’s Egypt: Middle Classes and the Socialist Ideal (1952–1970)], Presses Universitaires de France, Paris.
غاسبر، 2009:
Gasper, M. E. (2009), “Five Peasant Characters in Search of Bourgeois Identity or Afandis in Gallabiyas,” in The Power of Representation: Publics, Peasants, and Islam in Egypt, Stanford University Press, Stanford, pp. 108–47.
غيرشوني ويانكوفسكي، 1986:
Gershoni, I., and Jankowski, J. (1986), Egypt, Islam and the Arabs: The Search for Egyptian Nationhood, 1900–1930, Oxford University Press, Oxford.
غيث، 1967:
Ghayth, M. A. (1967), Dirasat fi ilm al-ijtima al-qarawi [Studies in Rural Sociology], Dar al-Nahda al-arabiyya li-l-ṭibaa wa-l-nashr wa-l-tawzi, Cairo.
غونزاليس-كيخانو، 2000:
Gonzalez-Quijano, Y. (2000), Les Gens du livre: Champ intellectuel et édition dans l’Égypte républicaine: 1952–1993 [People of the Book: Intellectual Field and Publishing in Republican Egypt, 1952–1993], CNRS Editions, Paris.
هيكل، 1913:
Ḥaykal, M. H. (1913), Zaynab, Cairo.
IEDES Study Group (1961), “La Société Urbaine Égyptienne” [“Egyptian Urban Society”], Revue Tiers Monde [Third World Review], April–June, pp. 183–210.
جاكمون 2015:
Jacquemond, R. (2015), “Un mai 68 arabe?” [“An Arab May 1968?”], Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée, vol. 138, pp. 131–46.
جاد، 1976:
Jad, A. B. (1976), “Abd ar-Rahman ash-Sharqawi’s ‘Al-Ard’,” Journal of Arabic Literature, vol. 7, pp. 88–100.
كيلباتريك، 1974:
Kilpatrick, H. (1974), The Modern Egyptian Novel: A Study in Social Criticism, Ithaca Press, London.
محرز، 1994:
Mehrez, S. (1994), Egyptian Writers Between History and Fiction: Essays on Nagib Mahfuz, Sun Allah Ibrahim, Gamal al-Gitani, The American University in Cairo Press, Cairo.
بيكيتي، 2013:
Piketty, T. (2013), Le Capital au XXIe siècle [Capital in the Twenty-First Century], Éditions Points Seuil, Paris.
رياض، 1964:
Riad, H. (1964), L’Égypte nassérienne [Nasser’s Egypt], Les Éditions de Minuit, Paris.
سليم، 2004:
Selim, S. (2004), The Novel and the Rural Imaginary in Egypt, 1880–1985, Routledge/Curzon, New York.
ستيفنسون، 1992: Stevenson, R. (1992), Modernist Fiction, University of Kentucky Press, Lexingto

